في محطة حلب

وقف القطار فكان الصالون الخاص بنا محاذيًا تمام المحاذاة لموقف صاحب العطوفة فخري باشا الوالي، وما أوشكت أن أنزل من باب العربة حتى أسرع عطوفته إلى مقابلتنا وتهنئتنا بسلامة الوصول إلى بلدهم، وبعد ذلك أخذ يقدِّم إلينا حضرات المستقبِلين واحدًا واحدًا، وكان في أولهم صاحبا السعادة توفيق باشا قومندان عسكر الأردي السابع في ولاية حلب، وأسعد باشا جابري، ثم حضرات العلماء، فالرؤساء الروحيين.

ولما أن انتهينا من مصافحتهم والسلام عليهم ذهبنا إلى قاعة الاستراحة في المحطة، وجلسنا فيها برهة مع حضرات المحتفلين الكرام، وعند ذلك قام في وسط هذا الاجتماع العظيم شيخ جليل وألقى على مسامع الحاضرين خطبة لطيفة، كان موضوعها منحصرًا في تهنئتنا بالسلامة وإظهار سرور أهل البلاد بقدومنا إليهم، فسررتُ منه ومن خطبته، وشكرته وشكرت أيضًا جميع الموجودين، ثم ذهبنا إلى خارج المحطة حيث كانت العربات مجهزة لنا، فركبنا وركب معنا عطوفة الوالي عربته الخاصة، وتبعتنا حاشيتنا في عربة أخرى، فسرنا أولًا من طريق كان قد اصطف على حافتيه عدد كبير من العساكر الذين كانوا يختلفون بين بيادة وسواري وطوبجية، وكانت الموسيقى العسكرية تحيِّينا بنغماتها الشجيَّة.

ثم سرنا في الطريق الموصل إلى الفندق بين زحام عظيم على جانبيه من سكان المدينة الذين كنا نشاهد البِشْر العظيم يتألَّق سناه على وجوههم البسَّامة، لا فرق في ذلك بين شبابهم وشيبهم، ولا بين غنيهم وفقيرهم، كما أننا كنا نرى من لطف عطوفة الوالي وكماله ما ليس في وسعي أن أقدِّره في عبارتي فيُدرَك أو أصفه فيُفهَم بأكثر مما يعرفه الإنسان من أحب الناس إليه وأشفقهم عليه، وقد صرَّح لي في خطابه أثناء السير بما كان ينطوي عليه فؤاده من محبتنا، وما كان ينويه ويودُّه من نزولنا ضيوفًا عليه مدة إقامتنا في المدينة، لولا أن بيته صغير وقد نزل فيه بالصدفة صاحب الدولة ناظم باشا بدعوة سابقة من لدن عطوفته، فسررت جدًّا من تصريحه بجميل نيته وحسن قصده بنا، وقد اتسعت من صدري مكانته وعُظمت في قلبي محبته عندما كان يكرر أسفه الشديد من ضيق البيت، حتى لقد عدَّ ذلك من الصدف التي عاكسته في أحب شيء إليه وحالت بينه وبين ما كان يرجوه ويوده من صميم قلبه.

ثم ما زال عطوفته معنا حتى دخلنا الفندق، وتعرَّفنا منه بهداية صاحبه ما كان خصِّص لأجلنا من الحجرات، وهناك جلسنا مستأنسين بحديث عطوفة الوالي ولطفه ريثما شربنا القهوة، ثم جاء إلينا سعادة توفيق باشا القومندان وعدد كبير من عظماء المدينة، فرحبنا بمقدمهم وأهَّلنا بهم جميعًا، وذكرت لهم بعبارات متكررة حسن عنايتهم واهتمامهم بنا، وكنت أشكرهم لذلك شكرًا جزيلًا.

وقد كنت في غضون حديثي معهم ألاحظ من حركاتهم ولهجاتهم نشاطًا عظيمًا وأدبًا تامًّا وحماسًا زائدًا إلى غير ذلك مما استوجب فرط محبتي لهم، خصوصًا بعدما أظهروا لنا مودَّتهم الكاملة وإخلاصهم المتناهي، وحقيقة كنت أقرأ في وجوههم آيات الإخلاص والصدق، وكانت نفسي لا تحدِّثني بغير ذلك فيهم:

والعين تعلم من عينَيْ محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها

ولم نلبث بعد أن خرجوا من عندنا وخرج عطوفة الوالي أيضًا إلا برهة صغيرة، ثم وصل إلينا أن دولة ناظم باشا قد حضر إلى الفندق بقصد زيارتنا، فاهتممت جدًّا بزيارة هذا الرجل الكبير المحبوب، وعندما استشعرت بقدوم دولته ذهبت مسرعًا لاستقباله على سلم الفندق.

وكانت هذه أول مرة تقابلت فيها مع دولته، فسلَّمت عليه وذهبت به إلى ردهة الاستقبال، حيث جلسنا نتحدث آونة في بعض الشئون العامة، ومرة في بعض الأحوال الخاصة، حتى انتهى بنا الحديث إلى ذكر القلاقل والصعوبات الكثيرة التي توجد الآن في جهة العراق من جراء الحوادث الأخيرة؛ ذلك كان لمناسبة أن دولة الباشا سيسافر من حلب إلى مركز وظيفته في تلك الجهات؛ حيث إن دولته والي بغداد والموصل وديار بكر، وقد ذكر لي في خلال حديثه أنه يعرف الجناب العالي الخديوي، وأنه يحب كثيرًا نجل عمنا دولة الأمير عزيز باشا حسن المستخدم في الجيش العثماني، وقد كنت كلما تغلغلنا في الكلام وتبادلنا أطراف الحديث في المسائل المهمة أجد في ذلك الرجل العظيم نباهة زائدة وذكاء حادًّا وعلمًا غزيرًا، أما هو فكان شيخًا أبيض اللحية والرأس، وعسكريًّا بكل معاني الكلمة، وكانت تبدو على وجهه مع السماحة والبشاشة سيمياء القوة والشجاعة، وعندما أراد الانصراف قمنا فودَّعناه بما يليق بمقامه الجليل من الحفاوة والتبجيل، شاكرين له خفته إلى زيارنا في الفندق على أثر حضورنا.

رد زيارة

ولم نمكث بعد ذلك إلا حيث تهيأنا للخروج، وأعددنا له عدَّته، ثم قصدنا إلى منزل عطوفة فخري باشا الوالي؛ لنرد لدولته ودولة ناظم باشا ضيفه الكريم زيارتهما، وقد لبثنا لديهما مدَّة غير قصيرة، دار حديثنا في أثنائها على موضوعات شتى ومباحث كثيرة، كنت أجدني في خلالها غاية في الارتياح والسرور؛ لأني كنت أراني جالسًا بين رجلين فاضلين عاقلين من أكبر الناس أدبًا وحلمًا، وأوسعهم معرفةً بأحوال الأمم والشعوب.

وقد كان عطوفة والي حلب يتدفَّق علمًا، ويتوقَّد فطنة وذكاءً، وإذا تحدث في موضوع علمي أو سياسي أو أخلاقي اتسعت له فيه المادة، فيصوغ ما شاء الله من معلوماته الصحيحة ومعارفه الكثيرة عبارات رقيقة رشيقة، ثم هو يجيد التركية والعربية والفرنساوية غاية الإجادة، ويتكلَّم بها كلها كأنها لغته الأصلية التي فطر عليها، وقد فهمت من خلال كلامه وحركاته أنه تربَّى تربية عسكرية، وأنه كان أركان حرب في الجيش الماضي، غير أنه كان مرتديًا لباسًا ملكيًّا ملائمًا لوظيفته الحاضرة، ثم كنت سمعت أنه تقلب على جملة وظائف عالية؛ حيث كان في ولاية الأناضول وبلاد العرب والشام وبغداد وبصرى، وإن رجلًا تعاقبت عليه كل هذه الولايات وكان عمله في كل واحدة منها ينادي بفضله ويشهد لاستعداده وكفاءته وأنه من الذكاء والعلم بالدرجة التي لا نعرفها إلا لبعض أفراد يعدُّون على الأصابع — لهو حقيق أن يُوضع في العيون وتُعقد عليه القلوب.

كما أن الحكومة التي تريد أن تكون في صف أعظم الحكومات، وتكبر من دولتها وصولتها، هي أحوج ما يكون إلى استخدام مثل هذه الأفكار الواسعة المتصرفة؛ لتنتفع بها في أجلِّ شئونها وأخطر أعمالها.

والشيء الغريب الذي لا يزال غامضًا غير مفهوم إلى الآن، هو أننا نرى الحكومة العثمانية الحاضرة تختار لأعلى مناصبها وأسمى مراكزها صغار الموظفين وضعافهم، على حين أنه لا يزال يوجد — والحمد لله — رجال عثمانيون أذهبوا أعمارهم الطويلة في خدمة الدولة مع غاية الصدق والإخلاص، وما برحوا يعملون في مصالحهم على رقي الدولة ورفعة شأنها، ويسعون سعيًا متواصلًا وراء سعادتها وإكبار أمرها، فكان من حق هؤلاء العمال المخلصين المتفانين في حب الدولة أن يشغلوا تلك المراكز السامية والوظائف الكبيرة.

وأغرب من ذلك دعوى بعض الناس اليوم أنه لا يوجد بين كبار الرجال في الحكومة من تتوافر فيه الكفاءة والاستعداد لإدارة الأعمال السياسية الخطيرة، وهذا ما جعلني أتجاسر أمام دولة ناظم باشا والي بغداد وأقول له بكل صراحة، على مسمع من سعادة القومندان توفيق باشا وغيره: إني أستغرب كثيرًا أن الحكومة الحالية تعيِّن في أرقى مصالحها الداخلية بعض المستخدمين في المصالح الصغيرة كما تعلم دولتكم، وربما كان أمثال هؤلاء الذين ترفعهم الحكومة وتمرُّ بهم فوق رءوس الكبراء لم يكونوا من العلم والفضل بالمكان الذي ينبغي لصاحبه أن يتصل بأرباب العمل وأصحاب الرأي، ثم تترك في زوايا الإهمال فطاحل العلماء وأفاضل الرجال مثل عطوفة فخري باشا، ذلك الرجل العظيم الذي كلنا يعلم بمقدار نبله وفضله وتثبته في الأمور!

نعم، إني مستغرب جدًّا كيف تنساه الحكومة وتهمله، وتؤخِّره من تقديمٍ هو أولى وأحق به من أولئك الذين قدَّمتهم وكبَّرتهم ممن لا يحسن بمثلنا التصريح بأسمائهم أو عنوانات وظائفهم.

هذا وقبل أن أبرح مجلسهم التفتُّ مرة ثانية إلى دولة ناظم باشا وصافحته، ودعوت الله له أن يعينه ويساعده على مأموريته المهمة، وأن يؤيده ويوفقه لخدمة البلاد والأمة بما يقطع عند ألسنة مبغضيه وحساده، وبما يكون منه البرهان الساطع على نقيض ما يقال الآن عن بعض المتفيهقين في كبار الرجال وشيوخهم المعمرين.

ومن هناك قفلنا عائدين إلى الفندق، وقد كنت أشعرت بعض الجماعة من أهل المدينة بشدة ميلي إلى مشاهدة ما يُصنع في ذلك البلد من قبيل المنسوجات الحريرية والقطنية والأصواف والجلود، كما طلبت إليهم أن يعرضوا عليَّ كرائم خيلهم؛ عسى أن أظفر هذه المرة بطلبي وأستعيض من جياد حلب الكريمة ما فاتني في المدن الأخرى.

ولمَّا أن سكنت معالم الطبيعة ولبس الجو جلبابه الحالك، قصدنا إلى غرفة الأكل، حيث تناولنا ورفاقنا طعام العشاء، وكان معنا سعادة المفضال الأكرم عبد الحميد باشا الدروبي.

في الفندق

وفي صبيحة اليوم الثاني جاءنا في الفندق صاحبا العطوفة والسعادة فخري باشا الوالي وجابري باشا، فاستقبلناهما بما يليق بمقامهما الكريم. وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث في غير مسألة، طلب إلينا سعادة جابري باشا أن نتناول طعام الغداء في منزله، فأجبناه إلى ما طلبه شاكرين له مروءته وكرمه، ودعانا كذلك عطوفة الوالي لتناول طعام العشاء، ملتمسًا إجابته إلى دعوته في محفل الاتحاد والترقي.

وحينئذ قلت لعطوفته: إني لا أستطيع أن أشرح سروري بوجودي في مجلسكم، ويسرني جدًّا أن أستشفي بطعامكم الهنيء وشرابكم المريء، غير أني لا أجدني مرتاحًا ولا منشرحًا إذا ضمَّني وحزبًا من أحزاب السياسة مجلسٌ أو مقامٌ، وقد عشت حياتي لا أرغب في الجمعيات ولا أميل إلى الدخول في المحافل والمنتديات؛ ذلك لأني أرى أن الاجتماعات كثيرًا ما تضطر الإنسان وتقهره إلى ما ليس في حسبانه، فيتحدَّث بما عساه أن يقلق الخواطر ويشوِّش الأذهان.

نعم، وأكره من صميم قلبي أن أتقيَّد بأمر من الأمور كائنًا ما كان، خصوصًا الأمر الذي سبق رأيي فيه وعرف الناس عنه من لساني مرة بعد أخرى ما لا أظنه يخفى على عطوفتكم أيضًا، وإن أقرب عهدنا به مجلس البارحة الذي تحدثنا فيه طويلًا مع دولة ناظم باشا وعطوفتكم وبعض رجال الحكومة والأعيان، ولست أخشى من شيء ما أخشى من أن يقال فلانٌ كان بالأمس يقول كيت وكيت وهو في الصباح يفعل كذا وكذا، وهو ما إذا دخل في الرأي أفسده، وفي الكلام أسقطه، وعُدَّ به صاحبه مخادعًا ختَّالًا، وربما ذهب في ذلك بعض الناس مذهبًا لا يتفق وما أردته في شيء، وما لي ولهذا كله!

وإني — والحمد لله — لا أبالي أن أعلن رأيي وأشهره بكل صراحة وثبات ما دمت أعتقد أنه حق سديد. «وإنه ليجمُل بالرجل ذي الرأي يعتقد صحته وسداده أن يَثبُت عليه مهما تقلَّبت أمامه الأمور وتحوَّلت الأحوال، وليس من الحكمة أن يخالف الإنسان ضميره ليوافق الناس، ولا أن يُغضِب نفسه ابتغاء مرضاتهم، كما أنه ليس من المروءة والشهامة أن يحدِّث الواحد قلبه بما يكره أن يدور على لسانه في مجلسه وكلامه.»

فأرجوك إذن أن تعفيني من الذهاب إلى هذا النادي، وإني أشكرك على هذا الإعفاء ريثما أشكرك أيضًا على معروفك السابق واللاحق وحسن قصدك الذي عرفته لك.

قلت لدولته ذلك وهو ما زال يلجُّ في الدعوة ويلحُّ في الطلب، بما لم يسعني معه أخيرًا إلا تلبية طلبه وإجابة دعوته، ولكن ذلك كان بعد أن أفهمني عطوفته أن هذه المأدبة من عنده نفسه، وليس لأحد سواه شأن فيها، وأنه إنما اختار محل الجمعية لأنه لم يعثر على محل غيره يسع المدعوِّين، وهم يبلغون نحو ٥٠ نفسًا.

وقد ارتحت كثيرًا لهذا الجواب، ووددت لو كنتُ فهمتُه من قبل، وعلى ذلك انتهت محاورتنا، وخرج من عندنا عطوفة الباشا الوالي مع رفيقه شاكرَين لنا ما لقياه من الحفاوة والاحترام، خصوصًا بعدما استوثق منا عطوفته بإجابته إلى ملتمسه.

مسجد سيدنا زكريا

أما نحن، فما نشبنا بعد انصراف عطوفة الوالي وصاحبه إلا بضع دقائق ريثما تهيأنا للخروج، ثم ركبنا من باب الفندق عربة ومعنا صاحبنا الهمام سعادة عبد الحميد باشا الدروبي، وركب عقبنا عربة أخرى عزيزنا الفاضل أحمد بك العريس ومعه الياور خيري أفندي، فقصدنا توًّا إلى جامع سيدنا زكريا نبي الله — عليه السلام — وهو مسجد جميل الشكل متقن الصناعة والبنيان، تعتمد سقوفه المتينة على أقبية وعُمُد في طول المسجد وعرضه.

ويقال إن موضع هذا المسجد كان في الأصل كنيسة من عهد الإمبراطورة هيلانة من قياصرة الرومان، ويسمَّى الجامع الأموي لأنه من آثار بني أمية، ويدَّعي أهل هذه الجهات أنه كان شبيهًا بالجامع الأموي في دمشق وقد أحرقته طائفة الإسماعيلية سنة ١١٦٩ ميلادية، ثم أعاد بناءه المرحوم السلطان نور الدين الشهيد، ثم هدمه المغول تحت رياسة هولاكو.

ويمتاز هذا المسجد بمئذنته الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها نحو ٥٤ مترًا، ولم نشاهد مئذنة في مساجد المسلمين التي رأيناها بلغت من العلو هذا المبلغ إلا تلك المئذنة العجيبة، وهي قائمة في الزاوية الشمالية الغربية من جهة الصحن الكبير، الذي تحيط به الأعمدة من الثلاث جهات، ويقال إن هذه المئذنة بنيت في سنة ١٢٩٠ ميلادية.

أما المسجد الذي تقام فيه الصلاة فإنه واقع في الجهة الجنوبية من الصحن المذكور، وفيه حجاز من الخشب — درابزين — يقسمه إلى قسمين، لكنهما غير متساويين، وقد خُصِّص القسم الأصغر منهما بالصلوات الخمس، وجُعِل القسم الأكبر خاصًّا بصلاة الجمعة، وفيه يوجد قبر النبي زكرياء والد النبي يحيى، الذي قدمنا أنه مدفون بجامع بني أمية في دمشق، ويسمَّى يوحنَّا المعمدان، وهذا القبر لم يكن هو القبر الوحيد المجمع عليه من أهل المدن والطوائف؛ فإن مدينة سامرَّا وبعض مدن أخرى من الشام تزعم أن فيها قبره — عليه السلام — وقد رأيناه محاطًا بمقصورة مذهَّبه بديعة الشكل.

دخلنا المسجد أولًا وصلينا فيه تحيته ركعتين، ثم ذهبنا إلى ذلك المقام الشريف، وقرأنا في داخله ما تيسَّر من كتاب الله بنية حصول البركة وإصلاح الحال، وهناك سألنا الله تعالى من أن يتقبَّل منَّا هذه الزيارة التي نشكره — جل شأنه — على هدايتنا لها وتوفيقنا إليها، وخرجنا بعد ذلك عامدين إلى زيارة القلعة الحلبية، وكان طريق سيرنا إليها من داخل البلد، ولا بدَّ لنا من ذكر كلمة عن هذه القلعة، تتضمَّن نبذة من تاريخها ووصفها على حالتها الحاضرة بقدر الإمكان.

قلعة حلب

هذه القلعة واقعة في وسط المدينة، على تلٍّ مرتفع مرصوف بالحجازة، وهو من ذلك يظهر أنه صناعي، ويقول مؤرخو العرب إنه كان على هذا التل مدينة قديمة من مدن الشام، قائمة على ثمانية آلاف عمود، وهي بالطبع مدينة حلب، ويقال إن الذي بنى هذه القلعة هو سلوقس، الذي اختطَّ حلب وبناها، فهي على هذا عتيقة متوغلة في القدم.

وبعض المؤرخين يزعم أن كسرى زاد في تحصينها ومَنْعَتِها، ولست أدري من هو كسرى هذا من ملوك فارس، ولعله كان غير كسرى الثاني؛ لأن ذلك هو الذي أُحرِقت مدينة حلب بأمره سنة ٦١١ بعد المسيح، ومن أبعد ما يتصوَّر أن يعمر القلعة ويزيد في تحصينها مَن يخرب المدينة ويأمر بإحراقها!

ثم إنها محاطة من جميع جهاها بخندق عميق يمكن غمره بالماء، ويقال إنه بلغ من العمق بحيث يستغرق المسافر إلى قراره مسافة تقرب من نصف الساعة، ويوجد على هذا الخندق قنطرة جميلة مصنوعة من الخشب توصل إلى القلعة، وليس الدخول فيها مباحًا مطلقًا، بل هو محظور عادة إلا لمن حصل على إذن الحربية التي لا تزال صاحبة السلطة والسيطرة عليها إلى اليوم، على الرغم من أن هذه القلعة صارت خربة مهدَّمة.

ولهذه المناسبة وجدنا اثنين من ضباط الجيش في انتظارنا هناك، وقد وصلنا من هذا المعبر الخشبي إلى برج خارجي، دخلناه من باب حديد مزخرف بأبدع حلية وأجمل نقش، وقد أخذ مني الإعجاب بمنظر ذلك الباب مأخذًا بلغ منه أني صمَّمت على تقليد شيء من شكله في بيتي الذي أسكنه في منيل الروضة، ثم دخلنا في بهو يلاحظ المارُّ به أن في أعلى الباب الحديد من الجهة اليمنى من الداخل نقوشًا على الجدار، ومرسومات حفرية بديعة من شجر الريحان، وكتابات ينتهي تاريخها إلى سنة ٦٠٥ هجرية الموافقة سنة ١٢٠٩ ميلادية على عهد الملك الظاهر.

ويلاحظ أيضًا على يمين ويسار الباب الثاني رسومات حفريَّة أخرى تمثل رءوس الفهود تمثيلًا متقنًا، ومن ذلك الباب خرجنا إلى صحن متَّسع مغطى بكومات من الأتربة والأنقاض، وفيه آثار جملة طرق، وقد دار في نفسي وقت ما كنت ماشيًا في ذلك الصحن أنه لا بدَّ أن يوجد تحت الحجارة والردم شيء عظيم من الآثار التاريخية العجيبة، وبعدئذٍ ذهبت مني التفاتة إلى باب مخفي بعضه تحت أطباق التراب، فسألت عنه بعض الملمِّين بذلك الأثر العتيق، فقال لي إن من ذلك الباب يدخل الإنسان إلى مسجد صغير كان يصلي فيه بعض العسكر المتمرِّضين، فمالت نفسي للاطلاع عليه شأن السائح الذي يريد أن يستطلع طلعَ كل شيء غريب يقع تحت نظره، فدخلت هذا المسجد ورأيت فيه محرابًا، وكان في دوائره وزرة من خشب عليها نقوش ما نظرتْ عيني إلى اليوم أجمل منها.

ولقد رأيت من الرسوم الناتئة والحفرية والنقوش العربية ما لست أحصيه عددًا، خصوصًا ما شاهدته من ذلك فيما يوجد عادة في أوائل الكتب الأثرية، ومع ذلك لم أذكر في مرة من المرات أني اطلعت على أعجب وأتقن من تلك النقوش المحكمة والرقوش الدقيقة، وهذا ما اقتضاني إذ ذاك أن أتأسف كثيرًا من إهمال ذلك المسجد الجليل، وتركه بدون أقل مراقبة، ولا بدَّ أن شيئًا عظيمًا من صناعاته البديعة وزخارفه المدهشة قد ضاع ومُحي أثره؛ لأن في وجود مثل الآثار التي شاهدناها على الجدران وغيرها ما يستدلُّ منه على أن المسجد كان قبل أن تفتك به عاديات الزمان حافلًا بالمصنوعات العربية التي من هذا القبيل، ولسنا نعرف لعفاء هذه الأشياء النفيسة سببًا سوى عدم العناية في مبدأ الأمر بحفظ آثار المتقدِّمين وأعمالهم التاريخية النبيلة.

وبعد ذلك مررنا بالآبار، وقال مرشدونا في ذلك المكان إنها عميقة إلى قرار بعيد، ولا يبعد أنها تكون في عمق الخندق، ثم إن في صحن القلعة — الذي أسلفنا ذكره — عددًا كبيرًا من الأقبية، وفي وسطه قبة فخمة قائمة على أربعة أعمدة من البناء، ويستدلُّ من شكلها على أنها كانت في أول عهدها فوق بئر محفورة في نفس الصخر، وهناك رأينا منارة جميلة الشكل بهيجة المنظر.

وفي الجهة الشمالية الغربية يوجد مدفعان قديمان، صُنعت فوهتهما من الحديد الممزوج بالرصاص، وبعدما اطلعنا على أهم ما تشتمل عليه تلك القلعة من الداخل والخارج صعدنا إلى أعلى نقطة فيه، وأشرفنا منها على المدينة وضواحيها، فرأينا بين الأشجار والمزارع وما يتخللها من العيون والأنهار منظرًا ساحرًا فتَّانًا، لا ندري — وقد أخذتنا من حسنه روعة — أهو أبهج أم ذلك المنظر الذي كنا شاهدناه على دمشق من فوق الصالحية!

بيت جابري باشا

ثم برحنا القلعة متجهين نحو بيت صاحب السعادة جابري باشا؛ إجابة لدعوته، حيث كان سيرنا إليه من داخل البلد الذي تطوَّفنا فيه على جملة جهات بقصد أن نطَّلِع على ما لم يسبق لنا الاطلاع عليه، حتى وصلنا إلى المنزل، وهناك رأينا في انتظارنا على بابه سعادة الباشا في لفيف من أقاربه، فاستقبلونا بأكبر حفاوة واحترام، ودخلوا بنا إلى البهو، فاستقبلنا فيه أيضًا جمٌّ غفير من حضرات المدعوِّين، يتقدمهم إلى ذلك عطوفة الوالي.

وما جلسنا إلَّا نحو خمس دقائق ثم دعينا جميعًا إلى غرفة المائدة، فتناولنا عليها جملة ألوان من ألذِّ الطعام وأشهاه، وكان أحسن ما تذوَّقناه منها ثلاث صحاف من طعام البلد الخاص بها والمشهور بين أهلها، وبعدما انتهينا من الأكل والشرب عدنا إلى مجالسنا في ردهة الاستقبال.

وكان عدد المدعوين معنا يبلغ نحو ١٨ نفسًا من أشراف الناس في المدينة، وقد قدِّم لكل واحد منهم نارجيلة يدخن فيها كما هو المعروف في عوائد هذه البلاد، وإذ ذاك كان المنظر في ذاته غريبًا، وأغرب منه ما كنا نسمعه من قرقرة النارجيل التي لم نجد لوصفها أبلغ وأظرف من قول الشاعر:

ولابسة من الياقوت تاجًا
تقهقه كلما قبَّلت فاها

ويظهر لي أن هذه القعقعقة في سمع أرباب الكيوف ألذُّ من رنَّات المثاني ودقات الدفوف، وكان في الحفلة جوقة موسيقى وترية جميلة، تُطرب الجالسين بألحانها الشجية، وفيها اثنان يغنِّيان من أشهر المغنين في مدينة حلب، وبينما نحن في تلك الحفلة جاءنا جماعة من مشاهير التجار ومعهم بضائع وأصناف شتى من المنسوجات الحريرية والقصبية، وما أشبه ذلك مما يُصنع في نفس البلد، وبعد أن اطلعت عليها وأعجبني حسن نسيجها ودقة صنعتها اشتريت منها بعض الشيء الذي يلزم لي، وعلى أثر ذلك أُخبِرت بحضور حصانين من أشهر خيل العرب في تلك الجهات، فنهضت لرؤيتهما، وكانا حقيقة جوادين كريمين، أعجبني حسنهما حتى رغبتُ فيهما رغبة تامة، وهممت بشرائهما، لولا أنه ظهر لي أخيرًا بالبحث الدقيق أن فيهما من العيوب الخفية ما لا يُرجى زواله بسهولة.

وبعد ذلك رأينا جواد صاحب الدولة ناظم باشا، وهو أدهم جميل المنظر يشبه كل الشبه حصاني الأسود الذي كنت أَهدَيْتُه من قبل السلطان عبد الحميد.

إلى النزل

ثم خرجنا من عند سعادة الباشا وأصحابه ونحن لا نقدِّر ما كان داخلنا من الجذل والسرور بما استُقبلنا به أولًا وودِّعنا به آخرًا من الترحيب العظيم والحفاوة التامة، وقصدنا إلى الضواحي المباشرة للمدينة فقضينا ردحًا من الزمن في التروُّض بين المزارع والبساتين، ثم عدنا من هناك إلى النزل لنستعد للدعوة الثانية عند عطوفة الوالي، ثم ما لبثنا إلا حيث أخذنا أهبتنا ثم ركبنا عرباتنا ووصلنا إلى نادي الاتحاد، فوجدناه آخذًا من الزخرف والزينة ما لا بدَّ أن العمال تعبوا فيه تعبًا كبيرًا.

في نادي الاتحاد والترقي

وكان عطوفة الوالي وجماعة من رجاله المخلصين ينتظروننا على مدخل النادي، فاستقبلونا بما أنطق ألسنتنا بشكرهم أجمعين، وبعد أن دخلنا غرفة الاستقبال الواسعة وجلسنا برهة ريثما تناولنا القهوة، قام حضرة الخور فسقفوس جرجس سلحت نائب مطروبوليت السريان، وأنشد قصيدة في المدح والتهنئة بالقدوم، ثم دُعينا لتناول الطعام على مائدة كان يحيط بها نحو خمسين نفسًا من المدعوين، وكلهم من عِلية القوم وكرام الناس في حلب، فأكلنا وشربنا ألوانًا وأصنافًا شهية لذيذة، بينما كانت الموسيقى تشنِّف الآذان بألحانها المطربة، حتى إذا انتهى الأكل وجلسنا في مجالسنا، قام عطوفة الوالي في ذلك المحفل الحافل وألقى على مسامع الحاضرين خطبة رشيدة العبارة جميلة الأسلوب، شرح في أولها سروره وسرور قومه بزيارتنا لبلدهم، وأطال في آخرها بالدعاء لجلالة سلطان المسلمين وسمو الجناب العالي الخديوي، وقام على أثره حضرة بشير أفندي رئيس البلدية وخطب خطبة كانت تطوف معانيها حول الترحيب بنا والشكر لنا، ثم تلاه الشيخ محمد بدر الدين أفندي النعساني، أحد علماء حلب، وألقى خطبة أيضًا، وهكذا كان يقوم مصاقع الخطباء وفطاحل الكتَّاب والشعراء بعضهم تلو بعض، حتى كان يخيَّل إلينا أننا محتشدون في مجتمع علمي أو نادٍ أدبي، وكلهم كانوا يضربون على نغمة واحدة.

وهنا نذكر مما قالوه قصيدتين: إحداهما لحضرة الخور فسقفوس المذكور، والأخرى لحضرة جورجي أفندي خياط:

قصيدة الخور

غدتْ من بنات الماء جارية تسري
علي عجَل والقلب منها على جمر
تضاهي فؤادي في تأجح شوقه
إلى رؤية المصر الذي عزَّ من مصر
أريد به مصر التي في ابتدا الدهر
بدت بهجة الدنيا بيوسفها البرِّ
به فاقت الأمصار قِدْمًا وحسنها
كسا آلُها الأمجاد أردية الفخر
على الفَلَك العلوي جرَّت ذيولها
وأزرى سناها اليوم بالأنجم الزهر
بعبَّاسها الغطريف يوسف عصره
من البشْر منه مخجل طلعة البدر
إذا قام في دست الإمارة حاكمًا
يشير إليه القوم بالأنمل العشر
فلا عجبٌ وهْو العظيم فعالُه
إذا كان فيها صاحب النهي والأمر
فمن خيمه تلفيه في روضة بكر
ومن نفسه القعساء في عسكر مجر
ومن كفه قد ينبط الماء في الصخر
ومن رفده النيل المنيف على البحر
يضارع قبسا في أصالة رأيه
ومعنا بجودٍ زانه الحلم في الصدر
فأصبحت في إطرائه بلبل القطر
وإن لم أكن قبل المجلَّى في الشعر
كشوقي ومطران وصبري وحافظ
وصدقي ومعروف ذوي الطرف الغر
وحامل بند الشعر في وقتنا إلى الـ
ـفتوحات بستانيُّنا الذائع الذاكر
أيا قادمًا شهباءنا جئت موطنًا
بزورتك افترت ضواحيه عن بشر
وفيك رأينا اليوم شخص محمدٍ
عليٍّ عزيز المشرق الطيب النشر
أمولاي إن الشعر يسكر كالخمر
ويغني عن الدر المنضد في النحر
فهذي مبانيه حكت قطع التبر
وهذي معانيه حكت أخذ السحر
ولكنها عن مدح ذاتك قصرت
ألا استجلِها عذراء تفصح عن عذر
ودم يا أخا العباس مرتفع القدر
على صرحك العالي يرى علم النصر
ولا برحت جدواك تنهل كالقطر
فترجى إليك الشكر في النظم والنثر

قصيدة جورجي أفندي خياط

أيا من زار هذا القطر أهلًا
وسهلًا فيك يا أسمى سريِّ
تُفاخِر فيك مصر كل قطر
أجل يا نجل توفيق الأبيِّ
وعباس الحليم عزيز مصر
أخوك دعوته بالأريحيِّ
فتى حكم البلاد بعدل كسرى
وأحكم قبل ضرب المشرفيِّ
لقد طابت مغارسكم قديمًا
فأنت الفرع من أصل زكيِّ
وأنت محمد للمجد تُهدى
لذا سماك آلك بالعليِّ
فسبحان الذي سوَّاك يا من
يذكِّر بالجمال اليوسفيِّ
وإن شئنا نقول اليوم شمنا
تباشير الكمال الآصفيِّ
ألا اهنأ يا أخا العباس واصعد
ذرى العلياء يا أولى وليِّ

وهنا لا أستطيع أن أصف كيف كان تحرُّجي في هذا الموقف الضيق؛ إذ كنت منه بين عاملين عظيمين يتنازعاني إيجابًا وسلبًا؛ فبينما أرى أنه من حق القوم عليَّ أن أحيِّيهم وأشكر لهم مجاملتهم ومروءتهم في خطبة مثل خطبهم؛ قيامًا بالواجب المفروض على الإنسان للإنسان من جهة دينه وأدبه، خصوصًا في مثل هذه الظروف، وقد قيل: من صنع معكم معروفًا فكافئوه، وقيل أيضًا: من لم يشكر الناس لم يشكر الله، وفوق هذا وذاك قول الحق — جل شأنه: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا؛ إذ أجد أن مقتضى السياسة الحاضرة يحظر على مثلي أن يقف خطيبًا في هيئة عامة كهذا المحفل الكبير؛ مخافة أن ينقلب الاجتماع من عادي بسيط إلى سياسي محض، فإنه ما أسرع ما تحيط الظنون والأوهام بالأحاديث التي يلقيها الأمراء والحكَّام في المجالس الرسمية أو الشبيهة بها، ويتناقلها الناس بعضهم عن بعض.

وقلَّ في الناقلين من لم يشوِّه وجوه الأخبار ويمسخ صورها، ومَن لم تحمله نزعته على أن يذهب بها وفاق الأغراض والغايات، ولا على مثل هذا أن يفعل غير مبالٍ إذا هو وافق المصلحة العامة أو خالفها، بل إذا ترتَّب على فعله شقاء أمة بأجمعها، وكثيرًا ما ينتفع سماسرة السوء وأعوان الشر من مثل هذه الفرصة، وينتهزونها لإلقاء الدسائس وإثارة الوساوس بما اعتادوه من الشغب وإقلاق الخواطر.

ومن العجيب أن هؤلاء يستطيعون أن يرتبوا أخطر الأعمال على أوهن الأسباب، ومتى أرادوا أن يحاولوا أمرًا من الأمور لا يعدموا له وسيلة، ولا يفقدوا فيه حيلة، إذن فماذا عساني أن أصنع ولا محيص من الكلام مع هؤلاء الخطباء الكرام، لا سيما وأن فيهم عطوفة الوالي، وقومندان الجيش، وأركان الولاية، إلى غير ذلك ممن عرفت أنه لا يحسن السكوت في إجابتهم.

نعم، إني قمت وأجملت في أقلَّ ما يمكن من الكلام ما كان يجول في نفسي من إظهار عواطفي نحو الجماعة، وشكرهم على ما لاقيته من كرمهم ولطفهم، وقلت في ختام مقالتي — بعد أن دعوت الله لهم ولجلالة السلطان: إني أرجو لبلدكم هذا مستقبلًا جميلًا في عهد عطوفة الوالي، وإنكم بهمته ونشاطه ستبلغون — إن شاء الله — أسمى المقاصد وأعلى المطالب، فإنه من خير الرجال المخلصين والحكام العاملين دائمًا على سعادة بلادهم وراحة شعوبهم.

ثم عدنا إلى الفندق مودَّعين من لدن صاحب العطوفة فخري باشا بكل تجلَّة واحترام، وقد بيَّتنا النية على الرحلة من حلب في صباح يوم الثلاثاء ٢ ربيع الثاني سنة ١٣٢٨، ولا بدَّ لنا — إن شاء الله — من ذكر كلمة عن حلب الشهباء وفاء بحقها، وقد كانت من أجمل بلاد الشام وأعظم مدائنها عمارة وحضارة، لا سيما وقد رأينا من معروف أهلها وودادتهم ما لا ننساه لهم على طول الحياة، وما لعلنا إذا ذكرنا شيئًا منه نكون قد أدَّينا بعض الواجب علينا تلقاء ما صادفناه من شهامة هؤلاء القوم ومروءتهم العالية.

حلب

هذه المدينة واقعة على الدرجة ٣٦ و١١ دقيقة و٣٢ ثانية من العرض الشمالي، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ٣٢٠ مترًا، وهي قائمة في سهل منخفض على حدود الصحراء تحيط بها تلول كثيرة، ويرى حواليها آثار أبنية قديمة تدل على أن هذا البلد كان محاطًا بسور كبير ضخم، بل إن أثر السور نفسه لا يزال قائمًا في بعض نواحيها إلى الآن، وله أبواب عدة تسمَّى بأسماء مختلفة؛ فمنها: باب النصر، وباب الفراح، وباب الجنين، وباب أنطاكية — لأنه قائم على طريق أنطاكية التي هي على مسافة نحو ستين ميلًا من مدينة حلب — وباب الكنسرين، وباب المقام، وباب التراب، وباب الأحمر، وباب الجديد.

وفي الجهة الشمالية الغربية يجري نهر قويق، وهو نهر جميل كثير السمك، ويكثر فيه على الخصوص نوع من هذا يسمَّى بالثعابين، وهناك يجري نهر آخر يسمَّى شالوس، وهو ينبع على بُعد بضعة أيام من الجهة الشمالية، ويصب في مستنقع يبعد عن جنوب المدينة بنحو خمس ساعات ونصف تقريبًا.

تاريخ المدينة

أما المدينة فقديمة جدًّا، واختُلف في بانيها على جملة آراء؛ منها أن حلب بن المهر — أحد بني الحان بن مكنف من العماليق — هو الذي اختطَّ هذه المدينة، وسميت باسمه سنة ٣٩٩٠ لآدم، وذلك بعد ورود إبراهيم إلى الديار الشامية بمدة ٥٤٩ سنة هاربًا من راميس ملك أسور، وأن العمالقة كانوا جعلوها حصنًا لأنفسهم وأموالهم بعد أن فتح يشوع بلادهم، ولم يزالوا عليها إلى أن أخذها منهم دواد.

وكثُر ذكرها في تاريخ العرب وشعرهم، وهي بما حوت من جمال الجو وحسن البقعة وجودة الهواء جديرة بذلك الذكر والإطراء، ثم إنه يحيط بها في ضواحيها المباشرة حدائق غنَّاء وبساتين بهيجة، أكثر غرسها من شجر الدلب، وشجر آخر يسمَّى لسان العصفور، وشجر الحور الأبيض، وشجر العرب، وكذلك النبق والجوز والسفرجل والفستق والزيتون، وهذه الخضرة المتجاوزة حدَّ الجمال تبتدئ على بضع ساعات من الجهة الشمالية، وتنقسم الأرض في ضواحيها إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: الجهة التي يكثر فيها الطمي الرملي من الوادي. والثاني: أرض محمرة في لون الطوب، وفي هذه الجهة ينبت صنفا القمح والفستق، وينجحان نجاحًا مدهشًا، وأحسن ما ينبت الفستق، ويفلح إذا كان في الجهات الشرقية؛ حيث كان يستجلبه الإمبراطور قينليوس أحد إمبراطرة الرومان في عصر نيرون — صاحبه وشريكه في مظالمه المشهورة.

النوع الثالث: الطمي الأسود الذي بمجرد ما جفَّ يتفكَّك كليةً ويتحوَّل إلى تراب ناعم، وتستقي المدينة وما يحيط بها من المزارع والبساتين من قسم من ماء نهر قويق، ومن قسم آخر يفرق عند وصول النهر المذكور إلى قرية هيلانة، وهي قرية بنتْها قديمًا الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين الأول، وهذه المياه تصل إلى داخل المدينة، وتتوزَّع على جملة جهات فيها بواسطة قناة.

أما الجو في تلك الجهة فهو بارد في فصل الشتاء، ويقال إنه يكثر سقوط الثلج والبرد في هذا الفصل أيضًا، ومن ثم لا تعيش هناك أشجار البرتقال، وفي الصيف ترتفع الحرارة وتشتد أكثر منها من مدينة بيروت، ولكن الهواء جافٌّ تلطفه كثيرًا نسمات الشمال العليلة.

ثم إن حلب هي مركز الولاية التي تشمل الشام الشمالية كلها، وحدودها تصل إلى نهر الفرات، ويقدَّر عدد سكانها الآن بنحو ٢٠٠ ألف نفس، والثلثان من هذا العدد مسلمون، والثلث الباقي من طوائف مختلفة؛ فمنه ١٢ ألفًا من الروم، ومثلهم من اليهود، و٤ آلاف من الأرمن، والباقي بعد ذلك خليط من الأرمن المتحدين والمارونيين والكاثوليك، ويوجد فيها جمعية بروتستانتية للإنجليز، وفيها عدة مدارس ابتدائية وثانوية بعضها لطائفة الفرنسيسكان، وفيها أيضًا مدرسة للبنات تديرها راهبات القديس يوسف.

وعلى مسافة أربعين كيلومترًا من شمال المدينة يبتدئ خط الانفصال بين اللغتين العربية والتركية، ثم إن أهل المدينة يتكلَّمون بالعربية، وهم مع ذلك يجيدون اللغة التركية نطقًا وفهمًا أكثر من أهل دمشق؛ ولعل ذلك لأنهم قريبون من جهة الأناضول، وقد يُلاحَظ أن اللهجة العربية في حلب لا تفترق كثيرًا عن لهجات سائر مدن الشام، وعدد الإفرنج فيها أكثر من عددهم في مدينة دمشق؛ ولعل السبب في ذلك هو أن حلب بمثابة مستودع لكثير من متاجر الأوروبيين بحكم مركزها الجغرافي؛ إذ هي واقعة بين جملة طرق، وقد أخذت هذه المدينة تتحول قليلًا عن شكلها الشرقي، وصناعتها الوطنية تكاد تتلاشى في جانب الصناعة الأوروبية، ولا سبب لهذا فيما يغلب على الظن إلَّا تلك العلاقات التي كانت ولا تزال بين هذه المدينة وبين الغرب منذ العصور القديمة.

وهي في مقابل ما تستورده من مصنوعات أوروبا، وتستجلبه من بضاعتها تصدِّر إليها الأشياء الأولية الآتية؛ وهي: الغلال، والصوف، والقطن — الذي لا تزال تزداد زراعته سنة بعد أخرى — والعصف، والصمغ، والسمسم، والجلد على اختلاف أصنافه، ويقال إن صادرات هذا البلد بلغت إلى نحو مليون ونصف من الجنيهات، وقد علمنا أن أكثر ما يصنع من الأنسجة الحريرية والصوفية وغيرها يصدَّر معظمه إلى جهة الأناضول.

ومن تاريخ حلب أيضًا أنه جاء ذكرها في الآثار المصرية منذ ٢٠٠٠ سنة قبل الميلاد، وقد ذكرها سلمنذار ملك آشوريا، وهو الذي فتح مدينة سامرَّا وفرض الجزية على بني إسرائيل، ثم محا ملكهم؛ حيث أخذهم ومَلِكَهم أسرى في سنة ٨٥٤ قبل الميلاد، وقد قرَّب فيها قربانا إلى الإله حداد، وزاد في اتساعها بعده الملك سيلوكوس نيكاتور، حكم هذا الملك على بابل بعد وفاة الإسكندر، وجمع تحت لوائه الشام وأرمينيا والعراق وقسمًا من آسيا الوسطى، وهو مؤسس الأسرة الملوكية التي حكمت الشام زمانًا، وكانت تلقَّب باسمه «نيكاتور»، وهو أيضًا الذي أطلق على حلب اسم بيرواه.

وفي سنة ٦١١ بعد المسيح، دُهمت هذه المدينة بحريق عظيم، ويقال إن إحراقها في ذلك العهد كان بأمر من كسرى الثاني ملك العجم، ثم وقعت في أيدي العرب تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح بدون أدنى مقاومة في سنة ١٥ للهجرة، وذلك أن أبا عبيدة — رضي الله عنه — لما فرغ من قنسرين سار إلى حلب، فبلغه أن أهل قنسرين نقضوا وغدروا، فأرسل إليها جماعة وسار هو حتى وصل إلى ظاهر حلب، وهو قريب منها، فجمع أصنافًا من العرب وصالحهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك، وأتى حلب وعلى مقدِّمته عياض بن غنم الفهري، فتحصَّن أهلها وحاصرهم المسلمون، فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم وحصنهم، فأعطوا ذلك، واستثنى عليهم موضع المسجد.

ومن هذا الحين أخذ البلد يتقدَّم وتزداد أهميته، وكانت عاصمة ملك سيف الدولة بن حمدان من سنة ٩٣٦ إلى سنة ٩٦٧ ميلادية، وفي سنة ٩٦١ استولى عليها البيزانطيون تحت رياسة نيشغور، ولكن لم يستطيعوا الاستيلاء على حصنها، ثم جاءت بعد ذلك الحروب الصليبية.

وفي سنة ١١١٤ هدمتها الزلازل، وفي سنة ١١٢٤ حاصرها الملك بيدوين أحد ملوك الصليبيين، ولكنه لم يتمكَّن من الاستيلاء عليها، وفي سنة ١١٣٩ عاودتها الزلازل ثانية، ثم رجعت ثالثة، وكانت في الأخيرة أشدَّ منها في الأوليين، وذلك في سنة ١١٧٠، فجدَّد عمارتها وأعاد إليها سيرتها المرحوم السلطان نور الدين الشهيد، كما أنه بنى القلعة، ثم هدمها المغول تحت رياسة هولاكو في سنة ١٢٦٠، ثم أعادوا الكرَّة عليها في سنة ١٢٨٠.

وفي عهد سلاطين المماليك بمصر كانت حلب عاصمة الشام الشمالية، وفي سنة ١٤٠٠ خرَّب المدينة تيمورلنك بعد واقعة هائلة على الأبواب، هُزِم فيها السوريون شرَّ هزيمة، وفي سنة ١٥١٦ افتتحها السلطان سليم ومحا آثار سلطة المماليك منها، ومنذ ذلك العهد وهي قاعدة ولاية.

وإذا كانت حلب قد استطاعت على الرغم من كل هذه الحوادث المتكررة والمصائب المتتابعة أن تقوم من وهدتها، لامَّة شعثها رافعة رأسها حافظة لكيانها ومكانها؛ فذلك إنما هو بفضل مركزها الجغرافي والتجاري؛ أما مركزها الجغرافي فلأنها قائمة على طريق العجم والهند، وأما مركزها التجاري فلأن تجارة الحرير والأقمشة والأجواخ والأحجار الكريمة، كل هذه التجارات في ذلك البلد، نامية زاهرة. وعلى الجملة فإن حلب هذه هي أحسن نقطة في كل الولاية؛ ولذلك اتخذها أكثر الملوك الفاتحين عاصمة ملكهم، ويقال إن جدَّنا المرحوم إبراهيم باشا كان قد اتخذها مركزًا للجنود والعساكر.

بيوت المدينة

وقد كنَّا نشاهد أثناء مرورنا في طرق المدينة وشوارعها أن البيوتات في معظم الجهات مبنيَّة من حجارة منقوشة مزخرفة، لا فرق في ذلك بين طبقاتها العليا وأدوارها السفلى، وقد أعجبني كثيرًا ما رأيته من تلك النقوش البديعة المحفورة في نفس الأحجار بغاية الدقة والإتقان، ومن ذلك عرفت أن لأهل هذا البلد مهارة فائقة وحذقًا عجيبًا في صنعة النقش الحفري، الذي يَظهر فضل الصانع فيه على الأحجار أكثر ما يظهر على غيرها، فكان ذلك مصدِّقا لما اشتُهر عنهم منذ زمان بعيد، ثم رأينا في بعض أحياء البلد أبنية حديثة العهد على النمط الأوروبي، ولم نستغرب أن نمرَّ من شوارع البلد في بيوت على الطراز الجديد، وأن سكانها أكثرهم من ثراة المسيحيين، وهناك حي آخر يسكنه جماعة اليهود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠