دار جدي

مطفأةٌ هي النوافذ الكثار،
وباب جدي موصد وبيته انتظار،
وأطرق الباب فمن يجيب، يفتحُ؟
تجيبني الطفولة، الشباب منذ صار،
تجيبني الجِرار جف ماؤها، فليس تنضح:
«بويب»، غير أنها تذرذر الغبار.
مطفأة هي الشموس فيه والنجوم.
الحقب الثلاث منذ أن خفقت للحياةْ
في بيت جديَ، ازدحمن فيه — كالغيوم
تختصر البحار في خدودهن والمياه.
فنحن لا نلم بالردى من القبور،
فأوجه العجائز
أفصح في الحديث عن مناجل العصور
من القبور فيه والجنائز.
وحين تقفز البيوت من بُناتها
وساكنيها، من أغانيها ومن شكاتها،
نحس كيف يسحق الزمان إذ يدور.

•••

أأشتهيك يا حجارة الجدار، يا بلاط، يا حديد، يا طلاء؟
أأشتهي التقاءكن مثلما انتهى إليَّ فيه؟
أم الصبا صباي والطفولة اللعوب والهناء؟
وهل بكيت أن تضعضع البناء
وأقفر الفناء أم بكيت ساكنيه؟
أم أنني رأيت في خرابك الفناء
محدِّقًا إليَّ منك، من دمي
مكشرًا من الحجار؟ آه، أي برعم
يُربُّ فيك؟ برعم الردى! غدًا أموت،
ولن يظل من قواي ما يظل من خرائب البيوت.
لا أنشق الضياء، لا أعضعض الهواء،
لا أعصر النهار أو يمصُّني المساء.

•••

كأنَّ مقلتي، بل كأنني انبعثت (أورفيوس)،
تمصُّه الخرائب الهوى إلى الجحيم،
فيلتقي بمقلتيه، يلتقي بها، بيورديس:
«آه يا عروس
يا توءم الشباب، يا زنبقة النعيم!»
طريقه ابتناه بالحنين والغناء:
براعم الخلود فتحت له مغالقَ الفناء.
وبالغناء، يا صباي، يا عظام، يا رميم،
كسوتك الرواء والضياء.

•••

طفولتي، صباي، أين … أين كلُّ ذاك؟
أين حياة لا يحدُّ من طريقها الطويل سور
كشر عن بوَّابة كأعين الشباك
تفضي إلى القبور؟
والكون بالحياة ينبض: المياه والصخور
وذرة الغبار والنمال والحديد.
وكل لحن، كل موسمٍ، جديد:
الحرث والبذار والزهور.
وكل ضاحك فمن فؤاده، وكل ناطق فمن فؤاده،
وكل نائح فمن فؤاده. والأرض لا تدور،
والشمس، إذ تغيب، تستريح كالصغير في رقاده.
والمرء لا يموت إن لم يفترسه في الظلام ذيبْ،
أو يختطفه مارد، والمرء لا يشيب
(فهكذا الشيوخ منذ يولدون؛
الشعَر الأبيض والعصي والذقون).

•••

وفي ليالي الصيف حين ينعس القَمَرْ
وتذبل النجوم في أوائل السَّحَرْ،
أفيق أجمع الندى من الشجر
في قدح، ليقتل السعال والهُزال.
وفي المساء كنت أستحمُّ بالنجوم،
عيناي تلقطانهن نجمةً فنجمةً، وراكب الهلال
سفينةً … كأنَّ سندباد في ارتحال:
شراعيَ الغيوم
ومرفئي المحال،
وأُبصر الله على هيئة نخلة، كتاج نخلة يبيض في الظلامْ،
أحسه يقول: «يا بنيَّ، يا غلام،
وهبتُك الحياة والحنان، والنجوم
وهبتها لمقلتيك، والمطر
للقدمين الغضَّتين، فاشرب الحياةْ
وعُبَّها، يحبك الإله.»

•••

أهكذا السنون تذهبُ؟
أهكذا الحياة تنضب؟
أحس أنني أذوب، أتعبُ،
أموت كالشجرْ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠