الفصل الرابع

استقلال إيران عن الخلافة

مهما تختلف الآراء في تاريخ قدم أثارة من الأدب الفارسي الحديث فإن المؤرخ يستطيع أن يقول: إن هذا الأدب ظهر في أواخر القرن الثالث الهجري، وأن نشوءَه تلا ظهور الإمارات الوطنية في إيران، فهذه الإمارات بعثت الأمل في نفوس الفرس وأتاحت لهم فرصة يستطيعون فيها التقرب بالمدائح وغيرها إلى أمراء يفهمون عنهم، ويعجبون بهم ويسرهم أن تحيا آداب لغتهم وآثار آبائهم.

وأمر آخر يسترعي نظر مؤرخ الآداب الفارسية هو ظهور هذه الآداب في الديار النائية عن البلاد العربية وعن بغداد حاضرة الخلافة والمدينة الإسلامية، إذ كانت هذه الديار أبعد من سلطان الأدب العربي الذي كان ترجمان حضارة الإسلام كلها حقبًا طويلة، ولأن استقلال الإمارات كذلك يبدأ في الأقطار النائية. وإنما تُنقص الأرض من أطرافها؛ ومن أجل ذلك أتيح لخراسان البعيدة مهدِ الدولة السامانية أولِ دولة فارسية عظيمة في العصر الإسلامي أن تكون مبعث الأدب الفارسي الحديث. ولم تنل هذا الشرف فارس مهد الدولة القديمة القريبة من العراق. يقول أبو أحمد الكاتب كاتب الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني:

لا تعجبَنْ لعراقيٍّ رأيت له
بحرًا من العلم أو كنزًا من الأدب
وأعجب لمن ببلاد الجهل منشؤه
إن كان يفرق بين الرأس والذنب

يريد ببلاد الجهل ما وراء النهر وجهات خراسان.

الدول التي سيطرت على إيران إلى غارات التتار

ولَّى المأمون طاهر بن الحسين خراسان ثم جعلها ولاية لذريته فاستمروا يلونها زهاء خمسين عامًا حتى سنة ٢٥٩، ولكنها كانت إمارة صغيرة قصيرة المدة. وكانت الأسباب لما تهيأ لانبعاث الأدب الفارسي، ثم بنو طاهر كانوا عربًا بالولاء إن لم يكونوا صريحين فلم يعنوا بالأدب الفارسي. وروي أن رجلًا أهدى كتابًا إلى عبد الله بن طاهر وهو في نيسابور، فسأله ابن طاهر: ما هذا؟ قال: قصة (وامق وعذراء) التي ألفها بعض الحكماء للملك أنوشروان. فقال الأمير: نحن قوم نقرأ القرآن ولسنا في حاجة إلى غير القرآن والحديث. فما لنا ولهذه الكتب التي ألفها المجوس؟ ثم أمر فألقي الكتاب في الماء وأمر أن يحرق كل كتاب في ولايته بلغة المجوس.

ويقول عوفي عن آل طاهر: إنهم لم يكن لهم اعتقاد في لغة الفرس. وفي سنة ٢٤٧ﻫ السنة التي قتل بها المتوكل أول قتيل من خلفاء بني العباس، ظهر في الشرق يعقوب بن الليث الصفار وهزم جند الخليفة أول الأمر وقال — كما يروي نظام الملك — إنهُ يريد خلع الخليفة، وكان شيعيًّا فيما يقال، وخلفه أخوه عمرو إلى أن استنجد الخليفة المعتمد ببني سامان فهزموه وأزالوا دولته.

والفرس يرون في يعقوب بطلًا فارسيًّا لأنهُ أول ثائر على الخلفاء، أقام سلطانهُ على رغمهم أكثر من أربعين عامًا. وقد سوغت لهم هذه العقيدة أن نسبوا إلى طفل ليعقوب أنهُ نطق بأول بيت من الشعر الفارسي الحديث. وفي الحق أن بلاد الفرس لم تستقر تحت سلطان الخلفاء المباشر بعد ثورة يعقوب.

ولكن أول دولة فارسية عظيمة لها أثر يذكر في الأدب الفارسي كانت الدولة السامانية.

والسامانيون ينتسبون إلى بهرام جوبين القائد الفارسي الذي ثار على كسرى برويز أحد الملوك الساسانيين. والبيروني يؤيد هذه النسبة. وقد بعثت الآداب الفارسية مع هذه الدولة — فيما نعلم — وبينما كان السامانيون متسلطين في خراسان وما وراء النهر ظهر بنو بويه وعظم سلطانهم حتى استولوا على بغداد سنة ٣٣٤، وقد ساقوا نسبهم إلى بهرام جور أحد الملوك الساسانيين، وما زالوا يصرفون الأمور حتى أديل منهم للغزنوية ثم للسلاجقة، ظهر دولة بني سبكتكين في غزنة وأديل لهم من سادتهم السامانيين أو كما يقول بديع الزمان: أظلت شمس محمود على أنجم سامان.

وسبكتكين تركي فارسي، ولكنه مكن لنفسه في بلاد الفرس، وكان لدولته شأن عظيم في آدابهم، وجاء السلاجقة فنسخوا كل هذه الدول، وكان لهم من السلطان وبسطة الملك ما لم يتح لدولة قبلهم من غير الخلفاء، وكان مع هؤلاء أو بعدهم دول ذات شأن؛ منها الدولة الزيارية في طبرستان التي منها شمس المعالي قابوس بن وشمكير وابنه منوجهو فلك المعالي وحفيدة كيكاوس عنصر المعالي، ودولة ملوك خوارزم الصغيرة التي قضى عليها محمود، وملوك خوارزم العظام الذين تسلطوا على إيران قرنًا وربع قرن والذين كانوا سببًا في إغارة التتار وكانوا أول صرعاهم، والدولة الغورية التي قضت على الغزنويين في أفغانستان.

هذه هي الدول التي صرفت أمور الفرس منذ القرن الرابع الهجري إلى غارات التتار، ويرى منها أن الفرس لم يفلحوا في إقامة دولة عظيمة تضم أرجاء بلادهم. وإنما كان السلطان الشامل لدولتين تركيتين الغزنوية والسلاجقة، وما عرفنا أن ثورات فارسية عظيمة حاولت التخلص من هاتين الدولتين. وهذه مسألة جديرة أن تغير آراء الذين يريدون تفسير كل حركة في إيران في تلك القرون بالعصبية الفارسية.

والآن نرجع إلى الأدب الفارسي نراقب منشأه ونتعقب تطوره منذ بدأ إلى عصر التتار.

وأما الأدب بعد التتار فنرجئ الكلام فيه إلى مقال آخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠