النظم البرلمانية في بريطانيا

لحضرة صاحب المعالي الدكتور حافظ عفيفي باشا

كثر الكلام في العهد الأخير عن نظم الحكم الدكتاتورية والدستورية، والمقارنة بينها وتَعداد مزاياها أو مثالبها، وكانت النظم الدستورية بالأخص مثار نقد وتحامل شديدين، فاتُّهِمَت بالعجز والقصور، وقيل إنها أصبحت نظمًا بالية جامدة لا تساير روح العصر، ولا تكفي لقيادة الشعوب إلى طريق الاستقرار والرخاء، وإنها بالعكس غدت أداة لبثِّ الخلاف والفوضى وتبديد الجهود القومية بالتطاحن الحزبي، هذا بينما وُصِفت الأنظمة الدكتاتورية بالقوة والحزم والمقدرة على تصريف الأمور، وتدعيم النظام، وتحقيق الأغراض القومية بالسرعة اللازمة، وساعد على ذيوع هذا الرأي ما أُتيح للحكومات الدكتاتورية أن تقوم به من إصلاحات ظاهرة في وقت قصير في بعض النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فانصرفت أنظار الكثيرين عن مبادئ الحكم الدستوري، وبهرتهم مظاهر الدكتاتورية ونجاح الحكم الفردي.

وقد وجدت هذه الموازنة بين الأنظمة الدكتاتورية والدستورية في حوادث الحرب الحالية وما تَقَدَّمَها من التطورات السياسية العنيفة مادة غزيرة تغذيها، ورأى البعض أخيرًا في الانتصارات السياسية والعسكرية السريعة التي أحرزتها ألمانيا قبل نشوب الحرب وبعد نشوبها، وما ترتَّب على ذلك من انهزام دولة ديمقراطية كبرى هي فرنسا، وانهيار نظمها السياسية والاجتماعية أدلة قاطعة على مقدرة النظم الدكتاتورية وقوتها وسرعتها، وعلى ضعف النظم الديمقراطية واضطرابها وإفلاسها في حكم الشعوب وقيادتها، ولست أنوي التحدث في هذه المحاضرة عن أوجه المفاضلة بين الحكم النيابي وأنواع الحكم الأخرى.

كذلك لست أنوي أن أتحدث عن النظم الدستورية الإنجليزية من الوجهة الفقهية المحضة، فقد ظهرت في هذا الموضوع كتب عديدة قيمة بمختلف اللغات، ومنها كتاب صدر أخيرًا بالعربية هو ترجمة المحاضرات القيِّمة التي ألقاها الأستاذ ألكسندر المحامي في هذا الموضوع تحت رعاية الاتحاد المصري الإنجليزي.

ولكني سأحاول فقط أن أتحدث عن بعض النواحي العملية في الدستور البريطاني، وكيف أن هذا الدستور قد استطاع أن يساير كل الأوقات والظروف، وأن يثبت بطريقة عملية أنه صالح لحل جميع المشاكل والشئون التي تعرض في حياة الأمة البريطانية، وسيكون حديثي موجزًا مقتصرًا على النقط الجوهرية.

•••

لا شكَّ أن النظم الدستورية قد أصابتها في العهد الأخير أزمة خطيرة، وهذه الأزمة ليست وليدة الحرب الحاضرة أو الحوادث السياسية التي سبقتها، ولكنها ترجع إلى ما قبل ذلك بأعوام عديدة، كما أنها ترجع إلى عوامل أعمق وأبعد أثرًا، ومن المسلَّم به أيضًا أن الحكم النيابي قد فشل في كثير من البلاد الديمقراطية، وإن كان هذا الفشل لا يرجع إلى أسس الحكم الدستوري ذاتها، وإنما يرجع إلى الوسائل التي طُبِّقت بها، وإلى أن النظم الدستورية قد انحرفت في هذه البلاد عن طريقتها ومبادئها الأصلية، ولم يبقَ منها سوى المظاهر الشكلية؛ وبذلك فقدت كثيرًا من صلاحيتها للحكم وقيادة الشعوب.

وقد عُنِيَ المؤتمر البرلماني الدولي بأمر هذه الأزمة الدستورية منذ سنة ١٩٢٨، ورأى أن يعهد ببحثه إلى لجنة مؤلفة من أربعة من علماء الفقه الدستوري؛ أحدهم إنجليزي، والثاني فرنسي، والثالث ألماني، والرابع إيطالي.

وقد نشرت هذه اللجنة كتابًا صغيرًا قيِّمًا، جديرٌ بأن يطلع عليه جميع السياسيين من أنصار الحكم النيابي، تناول فيه كل عضو من أعضاء هذه اللجنة بالبحث والتمحيص عيوبَ النظام النيابي كما يُطبَّق في معظم البلاد، وما يلزم من التعديلات في أسس هذا النظام وفي طرائق تطبيقه؛ ليكون أداة للحكم الصالح.

ويمكن تلخيص الانتقادات الموجهة إلى الحكم النيابي في النقط الآتية:
  • (١)

    بطء الحكومة النيابية بصورة لا تتفق مع روح العصر ومع ما تستدعيه كثرة المسائل المعقَّدة المتنوعة التي تواجهها الحكومات الآن من سرعة البتِّ ثم سرعة التنفيذ.

  • (٢)

    رغبة أعضاء المجالس النيابية المتزايدة — بما لهذه المجالس من حق المراقبة على أعمال السلطة التنفيذية — في التدخل في شئونها إلى حدٍّ بعيد، وما يترتب على ذلك من إضعاف سلطة الحكومات.

  • (٣)

    كثرة الأحزاب والجماعات السياسية ذات المصالح المتناقضة، وما ترتب على ذلك من عدم إمكان تأليف حكومات قوية معمرة في أكثر بلاد الحكم النيابي.

هذه هي العيوب الرئيسية التي يستند إليها أعداء هذا النوع من الحكم في دعايتهم الواسعة النطاق، والواقع أن في أقوالهم كثيرًا من الحق، وهي مستمدة من الفساد الحقيقي الذي تطرق إلى نظم الحكم النيابي في بلاد كثيرة في العهد الأخير، ولكن أنصار الديمقراطية والنظم الدستورية لديهم جميع الأدلة التي تدعم حجتهم وتعزز وجهة نظرهم في أن النظم الدستورية متى فُهِمت على حقيقتها، وطُبِّقت بروحها الصحيح كانت خير نظم الحكم، وأنها ليست أقل كفاية من الدكتاتورية في تنظيم الشعوب والعمل على رخائها ورفاهيتها، وأن الديمقراطية الصحيحة المنظمة ليست إبَّان الأزمات أقل من الدكتاتورية حزمًا وعزمًا وسرعةً، وليست أقل منها مقدرة على الكفاح؛ فقد نجح الحكم الدستوري في إنكلترا وقت السلم ووقت الحرب، واستطاعت إنكلترا أن تساير روح العصر في جميع نظمها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وأن تجوز كل أطوار التقدم الحديث بنجاح.

وقد دخلت بريطانيا العظمى الحرب الحالية وهي في ظل النظم الدستورية، ومع أنها تخاصم عدوًّا قويًّا جبارًا يحشد لقتالها أعظم القوى المدمرة، وتواجه أعظم الأخطار التي عرفتها في تاريخها؛ فإنها لم تفكر لحظة في أن تغير نظام الحكم فيها، ولا أن تنزل عن نظمها الدستورية العريقة، وما زال البرلمان الإنجليزي قائمًا تحت وابل القنابل وأزيز الطائرات المُغِيرة يناقش ويبحث ويقرر، ولم تفقد الديمقراطية البريطانية ساعة الخطر الداهم شيئًا من حزمها وشجاعتها ومتانة أعصابها، ولم تنقُصْها سرعة البتِّ في أعظم المسائل وأجَلِّها، وما زالت إنكلترا معقل الديمقراطية التي يتحطم على صخرته كل اعتداء، وما زالت تبذل مع الإمبراطورية البريطانية لمكافحة عدوِّها جهودًا رائعة تثير كل إعجاب.

ولا ريبَ أن بريطانيا العظمى لم توفَّق إلى تحقيق هذه النتائج العظيمة التي أحرزتها في ظل الحكم الدستوري سواء في الماضي أو في الحاضر في أدق مرحلة من مراحل تاريخها؛ لأنها تدين فقط بالمبادئ الديمقراطية، وتحتكم إلى الأنظمة الدستورية؛ بل لأنها بالأخص قد استطاعت على ممر الأجيال أن تفهم روح النظم الديمقراطية الصحيحة، وأن تطبقها بأفضل الصور التي تحقق الغاية من تطبيقها، فنظام بريطانيا العظمى هو أحسن مثال لما يسمَّى «بالملكية الدستورية» وأساس هذا النظام أولًا وآخرًا: «سلطان الشعب» ومن دقق النظر من نواحي هذا النظام المتعددة سواء في الإدارة الداخلية أو في القضاء أو في سائر مظاهره الاجتماعية رأى هذه النزعة الديمقراطية بارزة متغلغلة في جميع أسسها ونواحيها.

والدستور البريطاني وهو أقدم دساتير العالم يخالف جميع الدساتير المعروفة في أنه ليس بدستور مكتوب، بل هو مزيج من تقاليد سياسية ترتبت عليها حقوق مكتسبة، ومن نصوص تشريعية تقررت في عهود مختلفة، ولهذه التقاليد في نظر جميع الساسة البريطانيين احترام القانون.

وبالرغم مما يُكِنُّه الإنجليز لدستورهم من الاحترام العميق، فإنهم لا يعتبرونه كتابًا مقدَّسًا، ولا يرون بأسًا من تعديله بالتفسير والقرارات الجديدة، وقد صيغت القوانين الدستورية البريطانية دائمًا في صيغ مرنة، يمكن أن تفسَّر وَفقًا لمختلف الظروف والأحوال، وأن تتمشى دائمًا مع روح العصر؛ ولهذا استطاعت إنكلترا دائمًا أن تسير في ظل قوانينها الدستورية إلى الأمام، وأن تتقبل جميع الانقلابات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تحقق مطالب الحياة العصرية دون مشقة، ولم تجِدْ في معظم الأحيان صورة لإجراء تعديلات كثيرة في قوانينها الدستورية كما يحدث عادةً في البلاد الديمقراطية ذات الدساتير المكتوبة، أضف إلى ذلك أن تعديل الدستور الإنجليزي يتم بقانون عاديٍّ يقبله البرلمان بأغلبية عاديَّة، فلا يحتاج تعديل الدستور الإنجليزي إلى تلك الإجراءات المعقدة التي تلجأ إليها الحكومات النيابية الأخرى، والتي تجعل التعديل أمرًا شاقًّا بل أمرًا يكاد يكون مستحيلًا.

والواقع أن الحكم النيابي في إنكلترا نظرًا لمرونته وعدم تقيده بدستور مكتوب قد استطاع أن ينجو من العيوب الأساسية التي وُجِّهت إلى هذا الحكم في البلاد الأخرى، وأن يساير كل الأوقات والظروف، وأن يحل المشاكل التي تعرض له بسرعة لا تقل عنها في ظل الحكم الدكتاتوري، وهذه السرعة في العمل تبدو عند التطبيق في كثير من التقاليد الدستورية التي يسير عليها البرلمان الإنجليزي، فالبرلمان يملك كل شيء، ولكن السلطة التنفيذية هي التي تنظِّم عادةً أعمال السلطة التشريعية، فرئيس الوزارة هو الذي يضع جدول الأعمال بالاتفاق مع رئيس المعارضة في مجلس العموم، ولا يخرج المجلس في مناقشاته عادةً عن جدول الأعمال، ويترتب على ذلك أن المجلس يبحث أولًا كل ما يهم الحكومة بسرعة، وفي وسعه أن ينجز التشريع المطلوب في يوم واحد، وفي وسع الحكومة أن تطلب إليه ذلك، ولو أدَّى الأمر إلى انعقاده طول الليل لأيامٍ متوالية.

ولا توجد في البرلمان الإنجليزي لجان، فمجلس العموم ينعقد كله بهيئة لجنة متى بُحِث قانون من القوانين، ويحضر الاجتماع من يهمه الموضوع المطروح للبحث، وتجتمع هذه اللجنة العامة باستمرار، ويجمعها وكيل المجلس مباشرة بعد القراءة الأولى لمشروع القانون، ولا يتعدى بحثها في كل حالة أكثر من جلسة أو جلستين في يوم أو يومين متتاليين، وبعد ذلك ينعقد المجلس ليقرأ المشروع القراءة الثانية.

كذلك تختص الحكومة وحدها فعلًا بحق تقديم مشاريع القوانين للمجلس، وذلك حتى لا يضيع المجلس وقته في بحث قوانين ناقصة يتقدم بها الأعضاء، ثم تُرفَض بعد مناقشات طويلة.

ومع أن الدستور الإنجليزي يبيح للأعضاء تقديم مشاريع القوانين إلَّا أن التقاليد الدستورية قيَّدت هذا الحق بكثيرٍ من القيود؛ حتى جعلت تنفيذه صعبًا أو مستحيلًا، وأول هذه القيود هو منع الأعضاء من تقديم مشروع قانون يكلِّف الدولة في تنفيذه أية نفقة، وأن لا يقدَّم أي مشروع آخر إلَّا إذا تم تحريره ومراجعته بمعرفة مكتب المستشارين القضائيين التابع لوزارة المالية الإنجليزية، وجميع مشاريع القوانين التي يقدِّمها الأعضاء بعد توفر هذه الشروط لا تُنظر إلَّا في يوم واحد من أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، وفي يوم ثانٍ هو يوم الأربعاء إذا قبلت الحكومة ذلك.

على أن لرئيس الحكومة الحق في كل حال أن يخصص يوم الجمعة أيضًا لمشاريع القوانين المقدمة من الحكومة.

وقد ترتب على هذا أنه — نظرًا لضيق الوقت المخصص لنظر مشاريع الأعضاء — يندر أن يحظى قانون من هذا النوع بالقبول، فلم يقبل البرلمان الإنجليزي من مشروعات القوانين المقدَّمة من الأعضاء بين سنة ١٩٣٠ وسنة ١٩٤٠ أي في ظرف عشر سنوات إلَّا قانونين اثنين: أحدهما قانون قُدِّم من رئيس جمعية الرفق بالحيوان — وكان عضوًا في مجلس العموم — يقضي باستعمال آلة خاصة في المذابح لقتل الحيوانات قتلًا سريعًا غير ذي ألم، والثاني قانون الطلاق الذي صدر قبيل الحرب في إنكلترا، وقد حَظِيَ كلٌّ من هذين القانونين بموافقة مجلس العموم؛ لأن الحكومة القائمة أقرتهما، فسمحت بذلك للمجلس أن يتداول فيهما لا في يوم الجمعة فقط بل في الأيام العادية أيضًا.

وقد قضت التقاليد البرلمانية في إنكلترا لتيسير اجتماع مجلس العموم وتمكينه من سرعة اتخاذ قراراته أنه يكفي لصحة انعقاده اجتماع أربعين عضوًا فقط، وكثيرًا ما يجتمع في المجلس أقل من هذا العدد، ومع ذلك تستمر المناقشات حتى يتقدم عضو إلى الرئيس فيوجه نظره إلى عدم وجود العدد القانوني من الأعضاء، فيأمر الرئيس بالتأكد من ذلك، وقلما يتقدم أحد بمثل هذه الملاحظة، أمَّا صحة التصويت، فيشترط فيها حضور الأكثرية النسبية.

ويجتمع المجلس كل أيام الأسبوع ما عدا يومَي السبت والأحد من الساعة الثالثة إلى الساعة الحادية عشرة مساءً، ولا يقع التصويت على أمر من الأمور قبل الساعة الحادية عشرة، فمن السهل على أكثرية الأعضاء أن يحضروا في هذه الساعة المعينة لإعطاء أصواتهم، ثم إن النظام الحزبي في إنكلترا يساعد على تحقيق هذه السرعة في البحث، فلا يتكلم في المجلس باسم الحزب سوى الأعضاء المرخص لهم بذلك كرئيس الحزب أو من ينتدبهم لهذه الغاية، ولا يتكلم غيرهم عادةً سوى القليل من الأعضاء، وهذا كله من إجراءات التيسير في الحكم البرلماني ومن أسباب السرعة في تمحيص جميع المسائل المعروضة وإبداء الرأي فيها.

وقد جرى العرف أخيرًا بتحديد أيام لنظر الميزانية الإنجليزية — وهي تربو عن الألف مليون من الجنيهات — وجُعِل لنظرها حد أقصى مدته عشرون يومًا، يُتَّفَق على تخصيصها بين رئيس الوزارة ورئيس حزب المعارضة في المجلسين، ويترك لهما حق اختيار المواضيع والأبواب وتقسيمها على الأيام المحدودة.

وقد يظهر لأول وهلة أن هذه المدة المحدودة لا تكفي لبحث هذه الميزانية الضخمة، ولكن الحقيقة أنه يُقصَد من بحث الميزانية استعراض سياسة الدولة من جميع أطرافها، فلا يتعرض الأعضاء لتفاصيل هذه الميزانية من حيث المرتبات وعدد الموظفين، وإنما يقصدون مناقشة السياسة العامة التي تنمُّ عنها هذه الميزانية، وبذلك لا تنقضي هذه المدة القصيرة حتى تصبح الميزانية الإنجليزية قانونًا نافذًا.

على أن متانة النظام الدستوري الإنجليزي تبدو بالأخص في التطبيق العملي، فأساس هذا النظام هو الرضا بحكم الأكثرية، واحترام الأقلية لهذا الحكم، واحترام الأكثرية في نفس الوقت لرأي الأقلية، وتمكينها من التمتع بكامل حريتها في إبداء رأيها وتأييده، ونقد الرأي المعارض ومناقشته، ويرى الإنجليز في ذلك أن واجب الأكثرية يقضي عليها أن تسعى إلى إقناع الأقلية لا إلى إرغامها على الخضوع والتسليم؛ ليكون الحكم في النهاية برضا الجميع؛ ولكي يتخذ التشريع في البلاد صفة قومية لا حزبية.

وهذا ركن أساسي في النظام الدستوري البريطاني.

وقد سارت الأحزاب التي تناوبت الحكم في بريطانيا طوال عهدها الدستوري على هذا المبدأ دائمًا.

وقد كانت هذه الأحزاب تتناوب الحكم في العهد الأخير بأكثريات عظيمة، تمكِّنها من أن تسير بالتشريع إلى تحقيق مبادئها الحزبية، ومع ذلك فلم يجرؤ حزب منها وهو في الحكم على أن يلغي ما سنَّه الحزب السابق من القوانين، ولا أن يسنَّ قوانين حزبية أو لمصلحة فريق من الشعب دون الآخر.

وهذا يفسر لنا إحدى الفضائل البارزة التي امتاز بها الشعب الإنجليزي، وهي احترام القانون؛ فإن كل فرد يعتقد أن هذه القوانين لم تصدر لمصلحة طائفة أو حزب، وإنما شُرِّعت برضا الجميع لمصلحة الجميع.

•••

كذلك يمتاز الدستور الإنجليزي بميزة أساسية أخرى، هي احترام حرية الأفراد، ومساواة الجميع أمام القانون، وعلى ذلك فجميع الحريات العامة مكفولة لجميع أفراد الشعب البريطاني بصورة عملية حقيقية: حرية الاعتقاد، وحرية الاجتماع، وحرية الرأي والكتابة، لا يحدُّ منها شيء إلَّا ما نصَّ عليه القانون العام لحفظ النظام أو حماية المجتمع.

وحرية الانتخابات في إنكلترا من أهم مظاهر الحريات العامة، ومن أهم أسباب نجاح الحكم الدستوري في إنكلترا، وربما كانت إنكلترا هي البلد الدستوري الوحيد الذي تجري فيه الانتخابات العامة بمنتهى الحرية بعيدة عن المؤثرات المختلفة التي تفسد جو الانتخابات في معظم البلاد الديمقراطية الأخرى.

فالحكم في إنكلترا يجري على مبدأ اللامركزية، ولا سلطان للحكومة على الانتخابات، فهي تجري في جميع المدن والأقاليم تحت إشراف السلطات البلدية أو الإقليمية المحلية التي لها حكومتها المستقلة وبوليسها الخاص، ولا يستطيع وزير الداخلية نظرًا لسلطته المحدودة أن يتدخل — إذا أراد — في شئون الانتخابات أو يحاول التأثير فيها، وهذه الحرية التامة التي تجري في ظلها الانتخابات الإنجليزية هي في ذاتها ضمان لنجاح الحكم النيابي؛ وذلك لأن النوَّاب لا يشعرون بأنهم مدينون بانتخابهم لغير الحزب الذي ساعد بهيبته ومبادئه في نجاحهم، ولا يدينون نحو الحكومة أو نحو أي هيئة أخرى بولاء خاص يفسد عليهم طريق التفكير، ومن جهة أخرى فإن الشعب يرى في النوَّاب الذين انتخِبوا على هذه الصورة ممثليه الحقيقيين الذين يجب أن يرتضي رأيهم، كما أنه يبقى مقتنعًا بأنهم لا مصلحةَ لهم في عمل قوانين لا يرضاها أو ليست في مصلحته، ومن جهة أخرى فإن إجراء الانتخابات بحرية تامة يحول دون إثارة المنافسات الحزبية العنيفة، ودون الالتجاء إلى الوسائل غير المشروعة التي هي وليدة الضغط والتدخل غير المشروع.

وثمَّة عامل آخر كان له أثرٌ كبير في نجاح الحكم الدستوري في إنكلترا هو أخلاق الشعب الإنجليزي وما يؤثَر عنه من الهدوء والجمود والتواضع وحب الإنصاف، وإذا كانت الأمة الإنجليزية تتصف في مجموعها بصفة الكبرياء، فإن الأفراد يتصفون بالتواضع، والتواضع دعامة من دعائم النظام، ولم يشتهر الإنجليز عادةً بذلك الذكاء الساطع الذي يبث في الأفراد أحيانًا روح الغرور؛ ولذا يسود في جماعاتهم وأحزابهم حسن النظام والإخلاص للزعماء، واحترام الكفايات، وهي صفات تقل عادةً في البلاد التي يسطع فيها الذكاء، فكل شخص يدفعه ذكاؤه الفطري إلى نوعٍ من الاعتداد بالنفس يجعله يعتبر نفسه ندًّا لأي شخص مهما سما مركزه، وأن يدعي المقدرة قدرة زعمائه على فهم أي مشكلة؛ وبذلك تصبح أعوص المسائل السياسية عرضة للمناقشة في المقاهي والطرقات، وينعدم النظام في الجماعات السياسية، وقد أشار إلى هذه الظاهرة العلامة الدستوري «باجهوت»، فنوَّه بنجاح الحكم الدستوري في الأمم التي يقل فيها الذكاء الفطري، وقال السير ماريوت: «إن هناك ما يؤيد القول بأن النظم الديمقراطية قد صادفت في الشعوب ذات الأمزجة الباردة نجاحًا أعظم مما صادفته في الشعوب التي تميل إلى المرح والطرب، ومهما يكن السبب في ذلك فالحقيقة الثابتة هي أن النظام البرلماني وما يقتضيه من وجود أحزاب منظمة قد صادف النجاح الأعظم في البلاد التي كانت مسقط رأسه.»

والواقع أن الحياة الحزبية في إنكلترا هي خير مظهر للديمقراطية الصحيحة، والأحزاب الإنجليزية بطبيعة تكوينها وطرق نشاطها من أهم عناصر نجاح الحكم النيابي في إنكلترا.

وقد وُجِّهَت إلى نظام الأحزاب مطاعن كثيرة بسبب ما شوهد في بعض البلاد من كثرتها، واتجاهها أحيانًا إلى خدمة مصالحها الخاصة، وتغليب الاعتبارات الحزبية على الاعتبارات القومية، على أن هذا الانتقاد إذا صح في بلدٍ لم يفهم معاني الديمقراطية الصحيحة تتغلب فيه مصالح الأحزاب على مصالح الوطن، فإنه لا يؤخذ حجة ضد ضرورة الأحزاب، فهي المدارس العملية التي يتخرج منها الساسة وتظهر ملكاتهم ومواهبهم السياسية، وهي التي تنمِّي الصفات الخاصة التي يجب أن تتوافر في الرجال الذين يطمحون إلى تولِّي الأعمال العامة، وهي التي تبث روح المنافسة في استنباط المشاريع العامة لخدمة الدولة، كذلك لا ريب في أن وجود حزب معارض من شأنه دائمًا أن يمنع تعسف الحزب الذي يتولى الحكم، فيردُّه إلى الاعتدال ورعاية المصلحة القومية.

وهذه الأسباب التي تبرر ضرورة وجود الأحزاب لضمان استقامة سير الحكم النيابي ونجاحه هي نفسها التي تحدد الأغراض الداعية إلى تأليفها، فيجب أن تؤلَّف الأحزاب لتنفيذ أغراض سياسية واضحة، ولخدمة مصالح الأمة وفقًا لبرامج مفصَّلة.

والأحزاب السياسية الإنجليزية الثلاثة هي وليدة الحوادث والتطورات السياسية والاجتماعية، ولكل منها مبادؤه السياسية الراسخة، وبرامجه المفصَّلة، وتحفزها جميعًا إلى العمل اعتبارات قومية قبل كل شيء، وجميعها يحرص أشد الحرص على تدعيم الحياة النيابية، وهي في كفاحها السياسي مَثَلٌ للنزاهة والاعتدال، فكل حزب يرى من الطبيعي أن يسعى الحزب الآخر مثله لتحقيق أغراضه، وأن من حقه أن يعتنق الرأي الذي يراه، وأن يختار الوسائل التي يفضِّلها لتنفيذ برنامجه، وهذا يفسِّر لنا خلو الكفاح السياسي أو الاجتماعي في إنكلترا من مرارة الأحقاد والضغائن التي تشوب الحياة الحزبية في بعض البلاد الأخرى، وقد يكون هذا الكفاح أحيانًا في منتهى الشدة والعنف، ولكن الإنجليز يعتبرونه كفاحًا من خصوم يتمتعون بحقوق متماثلة.

كذلك لا تعرف الحياة الحزبية في إنكلترا تلك التقلبات السريعة التي تحدث غالبًا في الأحزاب التي تنشأ لضرورة وقتية، أو لتحقيق مصالح خاصة، ومن النادر أن نرى عضوًا في حزب ينتقل بسرعة إلى حزب آخر، وإذا انفصل عضو من حزبه، فإنه يفعل ذلك بعد تروٍّ واقتناعٍ بصواب عمله.

ومن حسن حظ الحياة النيابية في إنكلترا أنها لم تعرف فوضى الحزبية، ولا تعدد الأحزاب بصورة تعرقل سير الحكم الدستوري، أو تصدع من قوته ومتانته، فإنكلترا لم تعرف في تاريخها الدستوري الطويل سوى حزبين سياسيين كبيرين هما حزب المحافظين وحزب الأحرار، وقام بها منذ بداية هذا القرن حزب جديد هو حزب العمَّال، وأخذ ينمو باضطراد حتى استطاع أن يأخذ مكان حزب الأحرار الذي تولاه الوهن والضعف، وقد استمدت الأحزاب الإنجليزية قوتها من وضوحِ مبادئها وجلاءِ برامجها خصوصًا فيما يتعلق بسياسة البلاد الداخلية، ومن إخلاص الأعضاء للمبادئ التي يعتنقونها، وثباتهم باستمرار في الدفاع عنها، وكان الحكم يقع بالتناوب، تارةً للمحافظين وتارةً للأحرار، وفي العهد الأخير تارةً للمحافظين وتارة للعمَّال وفق نتيجة الانتخابات، وقد ترتب على ذلك أن أكثر الحكومات التي تكونت في بريطانيا منذ بداية القرن التاسع عشر كانت حكومات قوية، تستمد قوتها من تماسك أعضائها وتجانسهم لتشكيلها عادةً من حزب واحد، وثبات الأكثرية البرلمانية على تأييدها مدة طويلة لا تقلُّ عادةً عن حياة البرلمان الذي رفعها إلى الحكم، وليس أدل على ثبات الحكومات في إنكلترا من أنه منذ سنة ١٨١٥ إلى سنة ١٩١٤ — أي: في ظرف مائة سنة تولى وزارة الخارجية سبعة عشر وزيرًا، وتولى وظيفة وكيل الخارجية الدائم فيها ثمانية وكلاء، وأنه منذ قام نظام الوزارات الإنجليزية في عهد «والبول» إلى وزارة «ماكدونالد» سنة ١٩٣٠ أي: في ظرف نحو مائتي عام — تولى الوزارة تسعة وثلاثون رئيسًا أي: بمعدل خمسة أعوام ونصف لكل رئيس، وهذا بخلاف البلاد التي أصيبت بكثرة الأحزاب كأغلب بلاد القارة الأوروبية؛ حتى أصبح تأليف وزارة متماسكة متحدة تعيش مدة معقولة من أصعب الأمور.

فقد تولى الحكم في فرنسا من يناير ١٩٣٣ إلى يناير ١٩٣٤ أي: في سنة واحدة ثماني وزارات مختلفة، ومعدل حياة الوزارة الفرنسية في الستين سنة الأخيرة سبعة شهور لكل وزارة؛ لذلك فقد قضت حكمة الإنجليز وتقاليدهم من قديم الزمان أن لا يسمح — كما قدمنا — في إنكلترا لأكثر من حزبين قويين بالبقاء والنمو؛ ولهذا فقد عاشت إنجلترا أولًا بحزبي المحافظين والأحرار، ثم اقتضت ضرورات التطور الاجتماعي أن يقوم حزب العمَّال، فنما هذا الحزب ولكن على حساب حزب الأحرار الذي أخذ نفوذه يتضاءل؛ حتى قضيَ عليه في النهاية.

هذا الرسوخ الحزبي، وهذا التجانس في تأليف الوزارة الإنجليزية، وهذه الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي تتمتع بها كل وزارة طوال بقائها في الحكم هي السر فيما يتمتع به رئيس الوزارة الإنجليزية من قوةٍ ونفوذٍ عظيمين، وهذه القوة العظيمة لرئيس الوزارة في إنجلترا هي أهم الضوابط التي لا تقوم بغيرها الحكومة الديمقراطية البرلمانية، فهي تستلزم دائمًا سلطة تنفيذية قوية؛ لمنع تيار الفوضى والطغيان، فإذا أُريد لهذا النوع من الحكم أن يعيش طويلًا، وأن يكون في الوقت نفسه وسيلة للتقدم والارتقاء في ظل القانون والنظام وجب تقوية السلطة التنفيذية، وتبدو قوة مركز رئيس الوزارة الإنجليزية في أنه هو الوحيد الذي يمثل الحكومة أمام البرلمان وأمام العرش وأمام الرأي العام، فهو يتمتع في الواقع بنوع من السلطة الدكتاتورية، وأساس هذه السلطة الممتازة أنه مختار لوظيفته من الشعب كله، وقد انتخبه الشعب لهذا المركز السامي بناءً على برنامج مقرر واضح هو واضعه، وهو المسئول شخصيًّا أمام الشعب في تنفيذه.

وقد وصف السير ماريوث في كتابه عن الأنظمة السياسية الإنجليزية مركز رئيس الوزارة البريطانية بأنه أقوى من مركز إمبراطور ألمانيا قبل الحرب أو رئيس الولايات المتحدة الآن؛ لأنه يمكنه أن يغيِّرَ القانون، ويفرض الضرائب ويلغيها، كما أنه قادرٌ على تحريك جميع قوى الدولة، وذلك بشرط واحد، هو أن يحتفظ رئيس الوزارة بثقة وتأييد الأكثرية في مجلس العموم.

وقد اتجهت سياسة البرلمان الإنجليزي في السنين الأخيرة نظرًا لكثرة أعمالها وتشعبها، وتعقدها إلى النزول عن جزء من سلطته التشريعية إلى الوزارة، وهو ما يسمى «بالسلطات المفوَّضة»، وذلك بتخويلها حق التشريع لمدة معينة، ولأغراض معينة يحددها مجلس العموم، ويقع هذا التفويض عادةً في بعض الأحوال التي تستدعي السرعة، وفي المسائل الفنية، والموضوعات التي تحال إلى الخبراء، كما يقع عند الطوارئ، وقد استعملت الوزارة الإنجليزية هذا الحق في أحوال كثيرة قبل الحرب الحاضرة، وهي تستعملها الآن خلال هذه الحرب بأوسع صورة، فقد فوَّض المجلس إلى الوزارة سلطات واسعة لمعالجة المسائل المتعلقة بسير الحرب، وتصدر الوزارة البريطانية بمقتضى هذا التفويض جميع التشريعات اللازمة لإدارة دفة الحرب في الداخل وفي الخارج دون عرضها على البرلمان، على أنها تسير في تشريعها دائمًا طبق رغبات المجلس، وللمجلس في جميع الأحوال أن يعدِّل أي تشريع تصدره الوزارة على هذه الصورة.

ويحسن أن نشير في النهاية إلى نظرية فصل السلطات، وهي النظرية التي نوَّه بأهميتها من قبل كثيرٌ من كُتَّاب الفقه الدستوري؛ مثل مونتسكو وغيره، واعتُبِرَت أساسًا من أسس الدستور الإنجليزي، ثم نُسِج على منوالها في الدساتير الأخرى، لا تنطبق في الواقع على الدستور الإنجليزي كل الانطباق، فليس البرلمان هو السلطة التشريعية فحسب، بل هو الرقيب الأعلى على السلطة التنفيذية التي يجب أن تتخلى عن الحكم إذا فقدت ثقته، والوزارة البريطانية تملك حق التشريع بمقتضى السلطات المفوَّضة كما قدمنا، وأمَّا القضاء فلا ريب في استقلاله عن السلطة التنفيذية، وقد ثبت استقلال القضاء بقانون صدر منذ سنة ١٧٠١، ولكن هذا القانون قانون عاديٌّ يملك البرلمان تغييره كما يملك الآن إقالة أي قاضٍ من القضاة، ولو أنه لم يستعمل هذا الحق حتى الآن، كذلك يستطيع البرلمان أن يصدر قوانين مخالفة لأحكام المحاكم، وهو ما يحدث دائمًا كلما رأى البرلمان أن أحكام المحاكم في مسألة من المسائل لا تتفق مع رغبات الرأي العام في البلاد؛ فقد حدث مثلًا في سنة ١٩٠٦ أنْ حَكَمَ القضاء بعدم مشروعية نقابات العمال، ولم ترضَ أكثرية البرلمان والرأي العام عن هذا الحكم، فاضطرت الحكومة إلى إصدار قانون يمنع تطبيق هذا الحكم في المستقبل.

أضفْ إلى ذلك أن مجلس اللوردات — وهو أصلًا هيئة تشريعية — هو في الوقت نفسه الهيئة القضائية العليا في البلاد، ورئيس مجلس اللوردات هو في الوقت نفسه رئيس الهيئة القضائية، وأحد أعضاء الهيئة التنفيذية؛ إذ هو وزير الحقَّانية.

على أنه لا ريبَ في استقلال السلطات الثلاث عن الأخرى رغم هذا الامتزاج، ولا تفكِّر سلطة منها في الإغارة على اختصاص الأخرى، ولكل منها عمل لا تتعداه، وقد نشأ هذا الاحترام المتبادل مع الزمن، وتوطدت أسسه وقواعده على تعاقب الأجيال، ومع أنه ليس في الدستور الإنجليزي قاعدة تنصُّ على فصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإنه لا يوجد أدنى شك في استقلال القضاء الإنجليزي، فهذا الاستقلال حقيقة ثابتة متأصلة في تاريخ الشعب، ومن هذا نشأت جميع عناصر القوة التي تكوِّن هيبة القضاء الإنجليزي واستقلاله ونزاهته.

والقضاء الإنجليزي فضلًا عن ذلك لا يعرف البطء الذي يفسد العدالة، وللمحاكم أن تشرِّع لنفسها فيما يتعلق بنظامها الداخلي، كما أن لها أن تفسِّر القانون وَفق رأيها، فإذا قبل البرلمان هذا التفسير فيها، وإلَّا فله أن يعدِّله بتشريع جديد.

•••

هذه خواطر متناثرة عن خواص الدستور الإنجليزي، وطريقة سيره، ووسائل تطبيقه، وهذه الخواص هي التي جعلت من هذا الدستور القديم الراسخ في يد الديمقراطية الإنجليزية أداة عصرية مدهشة تساير كل الظروف والأحوال، وتسير دائمًا في طريق التطور والإصلاح، وهي التي جعلت بريطانيا مضرب الأمثال في متانة حكمها الدستوري، حتى في الوقت الذي تصدعت فيه أسس الديمقراطية في كل مكان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠