السيدة فيينا

أكاد الآن أتصور مصطفى، أو «درش» كما كنا نُسميه، وهو واقف وقفته المشهورة في ذلك الميدان الواسع من ميادين فيينا، وكل معلوماته عن الميدان أنه لا بدَّ أحد ميادين فيينا، وأن فيينا هذه هي عاصمة النمسا، والأهم من هذا أن له فيها يومين بليلتين بخمسة جنيهات أجرًا للفندق، بلا فائدة.

والميدان لم يكن واسعًا بالمعنى المفهوم من تلك الكلمة؛ فأوسع ميدان من ميادين فيينا لا يمكن أن تبلغ مساحته مساحة أضيق ميادين القاهرة. ميدان والسلام تحده بناءات عجوز مهيبة الطلعة، مزخرفة بعددٍ لا نهاية له من التجاعيد والأفاريز، ومطلية بألوان طوبية وقورة غير زاهية، وكأنما اختيرت خصيصًا لتلائم الجو شبه المظلم الذي يحيا فيه أهل الشمال، بناءات تحس أن الذين بنوها لا بدَّ أناس أوروبيون، بشرتهم حمراء من شرب النبيذ، وعيونهم صغيرة زرقاء ماكرة. ودرش كما هو واضح من اسمه مواطن مصري سافر كما يسافر الناس إلى أوروبا، موفدًا في مهمة مصلحية اسمًا، وللتفرج والفسحة في حقيقة الأمر. موظف في وزارة التجارة عمل ألاعيب الدنيا والآخرة، وظل أكثر من ستة شهور يكافح ليوفد دونًا عن بقية زملائه في تلك المهمة الرسمية الخاصة بالتبادل التجاري مع هولندا، وتم له الانتصار ووقع عليه الاختيار، وقضى أيامًا كثيرة يجري من إدارة الجوازات إلى مراقبة النقد إلى القنصليات والسفارات وحتى إلى مشايخ الحارات ليستخرج «الباسبور» وركب البواخر والقطارات، ووصل إلى أمستردام عاصمة هولندا وأنهى مهمته الرسمية بنجاح، وغادرها، وها هو ذا في قلب فيينا بالذات؛ فالأمر يتطلب منا كشف ناحية من نواحي صديقنا درش لا يزال يحرص حرص الموت على إخفائها، ذلك أنه لم يأتِ إلى أمستردام أو لأوروبا لمهمة رسمية ولا حتى للتفرج أو الفسحة، ولكنه جاء بهدف واحد فقط، للنساء، رغبته الدفينة كانت أن يجرِّب تلك المرأة الأوروبية ذات الشخصية، وقد شبع من نساء بلده وإيقاعهن في حبائله.

ونقول إنه شبع مجازًا، فدرش لا يشبع من النساء.

هو محترم جدًّا في مظهره، طويل أنيق، على الأقل أكثر زملائه وموظفي مصلحته أناقة، له شامة سوداء كبيرة إلى جانب فمه، حليق اللحية والشارب، لونه قمحي ومع هذا فشعره أكرت أسود، جاد وقور يحدثك بصوت الواثق من نفسه، ويستعمل دائمًا كلمة يا حبيبي، حتى إذا حادث الغرباء، وهو مصري حِرِك؛ لا يترك فرصة للقفش والتنكيت إلا وانتهزها، وكلمة والثانية وينظر إليك بعينين عسليتَين وبزاوية خاصة ويقول لك: ما تبقاش كروديا امَّال. وكأي مصري طبعًا إذا غضب يقول لك: وديني أحط صوابعي في عينيك، ويزعل وينفعل، ولكن أقل كلمة ترضيه. وموته وموت من يحاول استكراده أو الضحك عليه. وفرق كبير بينه في العمل وبينه في حياته الخاصة؛ فسمعته في المصلحة حريص عليها كل الحرص، ومعاملته للناس بالأصول، وتلك الأصول لا تمنعه طبعًا من زجر مرءوسيه أحيانًا وإزجاء بعض الملق لرؤسائه، ودرش متزوج وله ابنة صغيرة (كما جرت عادة الصحف عندنا في تعريفها للشخصيات)، هوايته هي النساء. وهي هواية سرية يزاولها في تكتم شديد، حتى إن بعض أصدقائه ليذهلون إذا عرفوا عنه تلك الهواية، هواية يمارسها بفن وحذق، ومن نظرة واحدة إلى المرأة يستطيع أن يعرف أي الطرق يوصل إليها، وفي كم من المرات تقع، وهل يوقعها بتجاهلها أو بالإقبال عليها أو بأن يمثِّل أمامها دور الفارس المغوار. وهواية النساء هواية واسعة الشُّعَب؛ فهناك هواة البيض، وهواة السُّمر، وهواة الخادمات، وهواة نجوم السينما، وهواة التلميذات، وحتى العجائز لهن أيضًا هواة. أما درش فقد تخصص في نوع غريب على هذا كله هو النوع الخام، مزاجه كله أن يظفر بامرأة يكون هو أول ظافر بها؛ إذ هنا تتبدى عبقريته ويتفنن في استدراجها خطوة خطوة، وعلى مهل الصائد الماهر الذي يستمتع بكل ما في عملية الصيد من صبر وتمهل وحنكة، ومن كثرة تجاربه في ذلك المجال أصبحت له ثقة بنفسه لا حد لها، حتى إن أحد أقواله المشهورة بيننا قوله: المشكلة أبدًا ليست في إيقاع المرأة، المشكلة الكبرى هي في التخلص منها.

كان درش إذن قد انتهى من النساء في مصر، وذهب وفي نيته أن يغزو أوروبا المرأة. ومن لحظة أن وضع قدميه على سلم الباخرة بدأت عيناه تزوغان هنا وهناك، كمن فقد لتوه شيئًا راح يفتش عنه في وجه كل امرأة يراها أو يلمحها.

وصحيح أنه خلال الرحلة وخلال إقامته في أمستردام، تعرَّف إلى فتيات ونساء، ولكن الظروف كانت دائمًا ضده، ولم تحن له فرصة واحدة، وفي أمستردام بالذات كانت المدينة تعج بالقادمين إليها من كل مكان يحتفلون بمناسبة لا يعرف ماذا كانت، وخلال هذا الازدحام الهائل بالآف الزوار لم تحن له أيضًا الفرصة. ولم يضايق هذا «درش» في شيء إذ هو صاحب مزاج، والحمَّى التي تجتاح أمستردام في أثناء الاحتفال لا يمكن أن تتيح له ذلك التلذذ الذي يريده، ولكنه عرف أين يمكن أن يتاح له هذا؛ فقد قابل بعض مواطنيه الشرقيين الخبراء في هذه المسائل، وما أسرع ما كان صريحًا معهم، ولم تكن صراحتهم أقل من صراحته؛ فقد قالوا له: إذا أردت النساء يا أخ فاذهب إلى فيينا، وحتى بغير نصيحتهم كانت فيينا هي ضالته المنشودة، فيينا التي كان يسمع اسمهان تغنِّي بصوتها الحلو الرنان: ليالي الأُنس في فيينا. كان جسده يقشعر بأحلام لا حدود لها، أغنية وقشعريرة ربما كانتا من أهم العوامل التي جعلته يدبِّر هذه الرحلة.

وها هو ذا له يومان في فيينا. وتلك هي ليلته الثالثة في مدينة الأُنس والأحلام ولم يحدث شيء، مع أن النساء أمامه وخلفه وحوله وفي كل مكان، نساء نمساويات فيهن تتركز روح أوروبا، نساء من مختلف الألوان والأعمار والأشكال، وكلهن فلا استثناء يتمتعن بقسط وافر من الجمال. حتى القبيحة لا بد أن جسدها جميل، أو لا بد أن تجدها صاحبة ذوق رفيع في اختيار ملابسها. كل واحدة فيها شيء، شيء من أوروبا، وكل واحدة لها ميزة. وعقله مشتت موزع، وبصره لا يزال كما بدأ الرحلة حائرًا زائغًا.

كانت الساعة تقترب من الثامنة والميدان مضيء، كل ما فيه مضيء، وكانت هناك جريدة مضيئة تتوالى كلماتها فوق أعلى مبنى في الميدان تذيع آخر الأنباء، كلمات مضيئة بلغة لا يعرفها وهو الوحيد الذي يحدِّق فيها؛ إذ هو الوحيد الغريب الذي انقطعت عنه أخبار بلده منذ غادره.

قرأ كلمة مصر. ودق قلبه بانفعال؛ فلا بد أن الجريدة تتحدث عن شيء حدث هناك، وفي غمضة خاطر واحدة كان قد احتوى مصر بكل ما فيها وما له فيها، غمضة جاءت سريعة وذهبت سريعة، ولكنها خلفته خجولًا لا يكاد يطيق النظر إلى نفسه؛ إذ كان لا يزال واقفًا في الميدان يفتش بعينيه عن المرأة.

وتحرك. ولم تكن هذه أول مرة يتجول فيها؛ فله يومان وهو يتجول في المدينة سيرًا على قدميه، ويقف أمام واجهات المحلات ويتناول القهوة الفرنسية التي لم يستسغها أبدًا، ويجرب مع النساء كل الوسائل التي أتقنها في بلده؛ فيبتسم تلك الابتسامات الخفيفة الباهتة الموجَّهة ويهيم بعينيه بطريقة خاصة لا تلحظها إلا المقصودة فقط، ويدعي أحيانًا أنه لا يعرف ثمن تذكرة الأتوبيس وينتقي أجمل راكبة بجواره ليسألها عن الثمن، ومن جهة الإحراج فإن كل سيدة أو فتاة سألها كانت في غاية الأدب ولطيفة إلى آخر حد! لم تكسفه واحدة، ولم تشح إحداهن بوجهها وتقول: يا سِم. كن يرشدنه بدقة، ويبتسمن له بظرف، ويرددن على أسئلته بطريقة مهذبة للغاية، ويتعمَّد أن يقول للواحدة مثلًا محاولًا ادهاشها: أنا مصري، فتدهش صحيح وتقول: أحقًّا؟ إنه لشيء مثير! ولكن دهشتها لا تلبث أن تزول، ولا تلبث ابتسامة الاستئذان أن تلوح على فمها، ثم تنسحب من أمامه أو من جواره بكل خفة ورشاقة وبرود. لقد خدعوه ما في ذلك شك، هؤلاء الملاعين الذين قالوا له: يكفي أن تمشي في الشارع بلونك الأسمر وشعرك الأكرت حتى تجد النساء يتساقطن تحت قدميك، بل يكفي أن تقول لأي واحدة إنك مصري حتى ينتهي كل شيء. وها هو قد قالها إلى الآن ألف مرة ولم يبدأ أي شيء.

ظل مصطفى يدور في الميدان بلا هدف بل حتى دون أن يستطيع تغييره أو الانتقال إلى سواه؛ فهو الميدان الوحيد الذي يعرف منه الطريق إلى الفندق، وهو لا يريد أن يتوه في بلاد الناس، خاصة إذا كانت كل حصيلته من اللغات هي الكلمات الإنجليزية التي ما زالت عالقة بذهنه من دراسته في كلية التجارة، وبعض جمل بالفرنسية من التي كان يحفظها في أثناء دراسته بالثانوي من أمثال: كل المراكب من كل البلاد راسية في الميناء، وعلي كامل تلميذ مجتهد في المدرسة الثانوية.

وجد نفسه في طرف الميدان الآخر، ولم يجد نفسه هكذا صدفة أو لله في لله؛ لقد لمح من بعيد فتاة واقفة وحدها في ذلك الجزء من الميدان فخف القدم إليها وهو يدعو الله في سره ألا تتحرك أو يظهر لها زميل. وفعلًا حين وصل إليها وجدها وحيدة، ليس هذا فقط، بل دهش حين اقترب منها وابتسم لها فابتسمت له، وعلى هذا وجد نفسه يقول: مساء سعيد.

فكادت تضحك وهي تقول بإنجليزية ذات لكنة ألمانية غريبة على أذنيه: مساء سعيد.

وتهلل وجهه وقلبه وكل جسده بِشرًا. هنا مربط الفرس. وهكذا وقف أمامها وسألها عن الساعة. سؤال سخيف عنَّف له نفسه؛ فقد كان من الممكن أن يبدأ الحديث بطريقة أذكى، ولكنه لم يكن في حاجة إلى أي ذكاء؛ فقد ردت عليه قائلة وهي تتمايل: ماذا يهم أن تكون الساعة، فلتكن العاشرة أو الواحدة ماذا يهم؟

وأدرك أنها «شاربة» واستغرب؛ فقد كانت صغيرة لا يتعدى عمرها السادسة عشرة، وكانت حلوة جدًّا؛ تقاطيعها بريئة جميلة مسمسمة، ودمها خفيف وجسدها يتموج أمام عينيه كالبالوظة. قال لنفسه: هيه سكرانة وحلوة وموش على بعضها، منتظر إيه؟ ياللا!

واقترب منها جدًّا حتى بدأ جسداهما يتماسَّان، وضحك في خبث وقال لها: هل ممكن تصحبينني لنأخذ شيئًا. هنا في المحل؟

وقالت له: غير ممكن؟

– ليه؟

قالت: إنني أنتظر صديقي.

وتعكنن.

– وأين صديقك؟

قالت: في التواليت.

وأشارت إلى باب نفق مضيء قريب لا بد أنه يؤدي إلى التواليت.

وأمسك بذراعها قائلًا في فوضوية مصرية: هيا بنا يا شيخة ودعينا من صديقك هذا.

ولكنها أصرت على موقفها وهي تتلوى وتتملص منه وتقول: غير ممكن، إني أنتظر صديقي، ولا يمكن أن أتركه.

ثم لم تلبث أن أضافت: ولكن شكلك عاجبني جدًّا لدرجة أنني أريد أن أقبل حسنتك الجميلة هذه التي بجوار فمك.

وسرَّته الملاحظة، بل دفعته إلى مزيد من الفوضوية فجذبها بعنف قليل ودمه كان قد بدأ يسخن، وقال: أنا حاضر وصديقك غائب، دعينا من الغائب واكتفي بالحاضر.

وتلوَّت في يده كالعجينة، ولكنها لم تتحرك.

ولمح شخصًا يصعد سلالم النفق فترك يدها، واستمر الصاعد في طريقه تجاههما وحينئذٍ أحس درش بالحرج، وتراجع عن قربه الشديد منها، وجاء الشاب، وقال بأدب بارد: مساء سعيد.

فأجابه درش: مساء سعيد.

ولف الشاب ذراعه حول الفتاة وقال: هيا بنا يا تيدي.

ومضت الفتاة سكرانة تتلوَّى، وحتى لم تلتفت لتلقي نظرة على درش وقد خلَّفته واقفًا وقفة لا تسر عدوًّا أو حبيبًا.

ولكنه لم يقف طويلًا. ما لبث أن عاد إلى تجواله في الميدان وهو شبه يائس، خائف جدًّا أن يتقدم الوقت ويفرغ الميدان من الناس، ومن النساء بالذات كما حدث في الليلتَين السابقتَين، ولكن الميدان لم يفرغ والنساء والفتيات كن لا يزلن كثيرات كشعر الرأس، ومشكلة درش الحقيقية لم تكن في هذا، فحتى لو تعرف بفتاة أو بامرأة فماذا يفعل وهو لا يستطيع أصحابها إلى الفندق الذي نزل فيه؟ فبوابه كئيب يبدو أنه ليس أبدًا من النوع الذي يمكن أن يسمح بشيء كهذا. فأين يذهب بها وهو لا يستطيع استصحابها لبيتها؟ قد تستطيع أن تدله على بنسيون أو فندق آخر ممكن أن يذهبا إليه سويًّا، ولكن أن يصل به الأمر إلى هذا الحد يستلزم أن تكون معرفته بها قد توثقت إلى درجة كبيرة، وهو يريد أن يحدث هذا كله في ليلة واحدة، بل في جزء صغير من ليلة. فكيف يمكن أن يتعرف إلى فتاة وتتوثق معرفته بها ويستصحبها إلى فندق في ظرف ساعة أو ساعتين؟ والأهم من هذا أنه لا يريد واحدة من فتيات الأزقة أو الشوارع، إذ ما أكثر ما اعترضن طريقه وأزاحهن عن نفسه بنظراته وتكشيراته، وهو يريد أن يتم كل هذا مع سيدة أوروبية أصيلة ذات شخصية، تريده هو ولا تريد نقوده، وتعطيه نفسها بإرادتها. بمطلق إرادتها. المشكلة إذن عسيرة وحلها يكاد يكون مستحيلًا.

وفجأة بدأ مصطفى يلاحظ شيئًا. بدأ الميدان يمتلئ بجنود بحرية حين تمعَّن فيهم وجدهم شبانًا صغارًا أعمارهم تتراوح بين السابعة عشرة والعشرين، ومع هذا يرتدون زي البحرية. وحين التقطت أذنه إنجليزيتهم أدرك أنهم أميركان. من أين يجي بحَّارة أميركيون لفيينا وهي ليست ميناء؟ سؤال وجد الإجابة عليه صعبة جدًّا. ممكن أن يكونوا قد جاءوا في إجازة مثلًا، أو في رحلة في أوروبا. كل شيء جائز. المهم أنه بعد قليل كان قد أدرك أنهم هم الآخرين يجوبون الشوارع مثله في جماعات صغيرة وكأفراد، بل تبين أن بينهم بعض الزنوج، ولدهشته وجد أن لونهم فاتح، وليس كما تخيَّل دائمًا أن زنوج أميركا غامقو السواد. وكانوا صغارًا هم الآخرون وفي عيون البيض والسمر والسود كان يلمح نفس النظرة هم أيضًا يبحثون عن النساء مثله. فلنرَ ما يحدث يا أميركان؟ قالها لنفسه ساخطًا حانقًا؛ فقد ظهر له من حيث لا يدري أو يتوقع مئات المنافسين الذين يبحثون مثله عن النساء، غير أنه كان مطمئنًّا إلى حدٍّ ما؛ فالنوع الذي يبحث عنه هو غير النوع الذي يبحث عنه أولئك البحارة الصغار. إنه يبحث عن أوروبا السيدة، وهم يبحثون عن أوروبا العابثة، وشتان ما بين الأوروبتين، ولأمر ما كان يتوقع لهم نجاحًا كثيرًا؛ إذ كان يعتقد أن الفتيات الأوروبيات لا بد أنهن «ناقمات هن الأخريات على هذا الاستعمار الأميركي الجديد»، ولا بد أنهن سيقفن من هؤلاء البحارة العابثين موقفًا مشرفًا.

غير أنه فوجئ، ولم تكد تمضي نصف ساعة على دخول البحارة المدينة، بأن كل بحار أميركي صغير قد أصبح في صحبة فتاة نمساوية صغيرة. بل أحيانًا سيدة كبيرة. كيف تعرَّفوا عليهن بهذه السرعة، ومن أين جاء كل هذا العدد من الفتيات والسيدات؟ لم يكن يدري، بل بدا واضحًا أن المعرفة ليست سطحية بالمرة؛ فسرعان ما بدأت عيناه تلمحان أيدي البحارة الصغار، وهي تمتد إلى الخصور وفتحات الأثواب امتدادات غير بريئة، لا بد أن هؤلاء الخواجات يتفاهمون مع بعضهم البعض بطرق لا نعرفها نحن الشرقيين، وكان طبيعيًّا جدًّا أن بدأت تتكون جماعات من عدد من البحارة وعدد من الفتيات متخاصرين، سكارى، صاخبين يغنُّون معًا، وأحيانًا يرقصون في الشوارع هكذا عيني عينك.

ثم بدأ ازدحام أزواج الفتيات والبحارة يقل، وبدأ يلاحظ أن كل زوج يتسرب إلى شارع مظلم أو في اتجاه المنتزه أو الطرق المؤدية إلى مدينة الملاهي والخالية تقريبًا من المارة. طبعًا لتحقيق كل ما يمنع النور تحقيقه. والناس أهل فيينا الكبار في السن والرجال والوقورون ذوو القبعات الغامقة والوجوه الجادة، والسيدات المسنات المتشحات بالسواد، يرون كل هذا ولا يحركون ساكنًا، وكأن ما يحدث يحدث لبنات غير بناتهم، أو في مدينة غير مدينتهم، وكأنه وضع طبيعي جدًّا لا غرابة فيه بالمرة.

وبلغ حنق درش على أهل فيينا منتهاه، ولكنه وهو في قمة حنقه لم يفته أن يلاحظ أنه هو الآخر يبحث عن امرأة، وأن بعض حنقه راجع إلى فشله فيما نجح فيه البحَّارة الأميركان. وقال لنفسه: لن يذهب هذا النحس الذي أصابني ولن ينفك كربي إلا بكوبين محترمين من البيرة. قال هذا مع أنه لا يحب البيرة ولا الخمر عامة ويضيق بطعمها. ودخل إلى أقرب بار وتأكد أنه ليس من نوع فاخر، فكم أخذ من مقلب! وطلب من البارمان العجوز بيرة، وحين أحضرها له الرجل رمق الورقة المكتوب فيها الثمن بربع عينه، ولما تبين فداحة ثمنها قرر أن يكون هذا هو الكوب الأول والأخير، ومضى يحتسيه محاولًا أن يخلق البهجة في نفسه خلقًا، ويقنع نفسه أنه في أوروبا، في فيينا الساحرة الجميلة، في ليلة من لياليها. وأن هذا يحدث له حقيقة، ولا بد له أن يستمتع بكل دقيقة وكل ثانية؛ فغدًا تستحيل كل هذه الأشياء إلى ذكرى لا تعود. وكان كلما حاول هذا أحس بالشجن أكثر، وبأنه غريب وحيد؛ إذ حتى في البار كان لا يزال وحيدًا والمشهد حوله هو نفس المشهد في أي بار: فتاة من فتيات البارات جالسة قرب الباب، ورجل في منتصف العمر ذو صلعة وكرش صغيرة يجلس إلى سيدة في مثل سنه في ركن، وبينهما كأسان لا تزالان ممتلئتين، وكل منهما ينظر بتدله إلى الآخر، سابحين في قصة حب غريبة، والضجة الوحيدة في المكان كانت تنبعث من رجال يقفون معه على البار بينهم سيدة متصابية تشرب وتدخن، ولها فم سجائر طويل وتضحك بصوت مزعج، هنا أيضًا كان واضحًا أنه لن يعثر على ضالته المنشودة.

وحين خرج كانت البيرة قد بدأت تعمل عملها، وكان قد بدأ يحس أن خجله وعقده ومخاوفه تتوارى في ركن من نفسه، بل كان قد بدأ ينتابه شعور أهوج جعله يضرب عُرض الحائط بكل شيء، ويقول لنفسه: وأيه يعني؟ البلد اللي ما حدا يعرفك فيها، اعمل اللي تعمله فيها.

وهكذا بدأ يلقي بتحيات المساء ذات اليمين وذات اليسار بصوت مرتفع ضاحك، غير مبالٍ أن يرد عليه أحد، وإذا توجَّه بتحية إلى امرأة وأشاحت بوجهها في استنكار وتقزز، أخرج لها لسانه وكاد يقول: يلعن أبوكم. يعني ما ينفعش إلا الأميركان؟

أما الأميركان فعددهم كان قد خفَّ كثيرًا. والظاهر أن ميعاد أوبتهم كان قد حان، فبدءوا يقفون على محطات الأوتوبيس مع فتياتهم لتوصيلهن. والسُّكر كان قد بلغ ببعضهم حد الثمل؛ فبدءوا يصخبون بطريقة مزعجة، وبدأت التكسيات تقف ويحمل الفائقون زملاءهم السكارى فيها حملًا، بل بدأ يشهد مناظر وداع بين الفتيات والبحَّارة الصغار، وداع ضاحك في معظم الأحيان مدوي القبلات في أحيان أخرى، ولم يخلُ الأمر من مشهد مؤثر واحد رآه: أميركي أسمر صغير وفتاة نمساوية صفراء الشعر قصيرة كالتلميذات وقفا على محطة الترام ساعة ويدها في يده، وعيناه هائمتان في عينيها، ودرش واقف قبالتهما يتفرج ويعجب، أهكذا ينشأ الحب ويستبد بالقلوب في ساعة زمن؟ لا بد أننا حقيقة في عصر الذرة.

ولم يجد درش غضاضة فيما فعله بعد هذا؛ فقد كان ينتظر إلى أن ينصرف الرفيق الأميركي ثم يتبع رفيقته، ولكنه حتى وهو ليس في كامل وعيه لم يحاول أن يبدأ إحداهن بالحديث، كان على الدوام ينتظر أن تلحظه هي فتتلكأ أو يبدو عليها أقل بادرة من بوادر القبول ليُقدِم هو. لم يكن يريد أن يجرح كرامته حتى وهو في البلد الذي لا يعرفه فيه أحد ولكن الفتيات كن ينصرفن مهرولات إلى بيوتهن وكأنما شبعن واكتفين.

وحين دقت ساعة الكاتدرائية الكبيرة اثنتي عشرة دقة، كان الميدان قد خلا من البحارة الأميركان تمامًا ومن الفتيات الصغيرات، ولم يبقَ فيه إلا مجاميع صغيرة من الناس تنتظر الترام أو الأوتوبيس. ها هو ذا مرة أخرى مع الأوروبيين أهل فيينا وحدهم بلا أميركان ولا منافسين، ولكن نفسه لم تكن تحفل بانتعاش أول الليل. كان اليأس قد بدأ يزحف عليه بلا شفقة؛ فبالأمس وأول الأمس حدث مثلما حدث له الليلة تمامًا. وعاد في آخر الأمر إلى فندقه وحيدًا في الشوارع الضيقة المهيبة التي يعرفها، ونام والغيظ يملؤه. وكل الظواهر تدل على أنه ملاقٍ الليلة نفس ما لاقاه بالأمس.

ومن جديد راح درش يجوب الميدان ويتصفح وجوه المارة والواقفين لعله يعثر على ضالته. وجوه كثيرة متشابهة، وكأنها نُسخ مكررة لوجه واحد. أناس أنوفهم تنحدر من الجبهة بنفس الزاوية، وعيونهم يكاد يكون لها جميعًا نفس اللون والبريق. أناس يعرفون بعضهم، ويفهمون، ولغتهم الألمانية ذات «الناخت» و«الفوخت» و«الأنين» تسري بينهم كالأسلاك الكهربائية الخفية، تربطهم وتجمعهم وتجعلهم يبدون كالجسد الواحد المتجانس الكبير، وهو الوحيد الغريب اللون والأنف والشعر واللغة، هو الوحيد النشاز. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يعاوده فيها إحساسه بالحنين إلى بلده، كلما شم رائحة السجق، وهو يُقلى، كلما سمع رطانة ألمانية لا يفهم منها حرفًا، كلما حدَّق في سيدة ولم تأبه له. عاوده الحنين إلى بلده وشقته المحندقة في شارع ابن خلدون، وزوجته النقية الصافية كدعوات المجاذيب في حي الحسين، الطيبة الراقدة الآن تغط في نوم عميق وتحلم برجوعه وتنتظره. تمامًا كما كانت تنتظره كل ليلة، وهو عائد من سهراته المتأخرة كالولد العاق، كلما عاوده الحنين إلى ابنته الصغيرة التي تُسنن. وبالذات إلى سنتيها الأماميتين الصغيرتين اللتين تطلان من فمها كلما فتحته لتقبله حين يقول لها بوسة بابا، وإلى صندلها الصغير الذي اشتراه لها من زمن، وكاد يبلى صوفه الأحمر، ومع هذا فنعله لا يزال جديدًا لأنه لم يلامس الأرض قط، وهو هنا، في قلب فيينا، يبحث عن امرأة يجرب طعمها الأوروبي، والساعة قد جاوزت منتصف الليل!

ونفض رأسه بعنف. نفضه حقيقة وهو ماشٍ في الشارع. فليكن هذا كله، ولكنه لا يمكن أن يحول بينه وبين الشيء الوحيد الذي أراده وجهَّز له عامًا طويلًا، لقد فعل المستحيل لتُتاح له هذه الفرصة، فهل يضيعها بعد أن أتيحت له؟ لا بدَّ أن يستغل الفرصة أولًا، وهو عارف أن ضميره سيؤنبه حتمًا، وسيؤنِّبه كثيرًا، ولكن فليحدث هذا التأنيب في مصر بعد عودته فساعتها سيكون لديه الوقت الكافي لمحاسبة نفسه، أما الآن فلم يبقَ لديه وقت، الدقائق تتسرب من ساعته بسرعة مجنونة، والليل يوغل في التقدم، ولا وقت حتى لتأنيب الضمير.

وفي زاوية من الميدان لمح مجموعة لا بأس بها من الفتيات لها نفس الوجوه والبلوزات التي رآها تجوب الشوارع مع البحارة الأميركان، وأقبل عليها بخطًى محترسة، غير أنه لم يُقبل كثيرًا، فما لبث أن توقف عن اقترابه ومضى يحملق فيهن وعلى فمه ابتسامة استنكار لا تخلو من رثاء. كان يتوسط المجموعة شاب بدا لأمرٍ ما وكأنه الرئيس، يقف مرفوع الرأس يرتدي ملابس الفتوات النمساويين الجدد؛ بنطلون محزَّق يضيق جدًّا حين يصل إلى الأقدام، وبلوفر جلد، وشوشة العصر الحديث تطل من رأسه، ونظرة وقحة وقاحة مصطنعة ومبالغ فيها كثيرًا تُطل من عينيه، والفتى صغير السن يكاد لا يتعدى العشرين، ومع هذا، فقد كان مشتبكًا في نقاش متنمِّر مع البنات ومع زميلَين له. والتقطت أذنه كلمات: أميركان، دولارات وشتائم من كل نوع بالإنجليزية والألمانية ولغات الفئة والحي التي لا يفهمها سوى الخبير بالمهنة، وكان واضحًا أن في المسألة تجارة وخلافًا خطيرًا حول المكسب، أخيب نهاية لقصة منافسيه الأفاضل البحارة الأميركان.

وحين تحرك درش من مكانه وقد بدأت المسألة تتطور من معركة بالألسن إلى صراع متوحش بالأيدي والبواني، كان قد صمم على أن يغير ذلك الميدان النحس وليكن ما يكون، وانتقى أوسع الشوارع المتفرعة من الميدان ومشى فيه. لم تكن المدينة قد خلت بعد من الناس، كان المارة لا يزالون كثيرين، وكان مطر خفيف جدًّا قد بدأ يتساقط. وتردد درش برهة بين ارتداء المعطف البلاستيك الرخيص الذي اشتراه ليقي أوجه حلله من أمطار الصيف في أوروبا، وبين أن يسير بلا معطف. فإذا ارتداه فقد يقلل المعطف من قيمته في عيون النساء، وإذا لم يرتده فقد تتلف السترة خاصة وهي أكثر ستراته جميعًا أناقة، وعلى الأقل دفع في كيها بالأمس الشيء الفلاني، وآثر السلامة وارتدى المعطف.

كانت «فتارين» الشارع مضاءة كلها، فتارين حافلة بما يسيل له لعاب كل مسافر، كاميرات وأجهزة تسجيل، وتحف دقيقة الصنع وولاعات، وكان درش في أزمة، فرغبته في التفرج على محتويات الفتارين، ومقارنة الأسعار الموضوعة على المعروضات بأسعار القاهرة، وانتقاء أحسن الأنواع وأرخصها، كانت رغبة ملحَّة لا يكاد يستطيع مقاومتها، ومع هذا فله يومان وهو يقاومها بعنف، فشيء من اثنين إما أن يتفرغ لها، أو يتفرغ للمهمة التي أوفد نفسه إلى أوروبا من أجلها، وكان وهو سائر في الشارع الواسع يتألم ألمًا حقيقيًّا؛ فالمعروضات في أضوائها الليلية التي تفنن أهل فيينا في زخرفتها وتنسيقها تكاد تخطف البصر. درش مخطوف كله وموجَّه إلى رواد الشارع القليلين، يكاد ينظر بأربع عيون؛ عين على الرصيف المقابل، وعين على الرصيف الممتد من أمامه تستكشف، وعين على الشارع الممتد من خلفه تفتش، لعل شيئًا قد مر غير ملحوظ من عيونه الثلاث الأخرى. وعيونه كلها تميز في الكائن أول ما تميز ملابسه لتفرق بين الرجل والمرأة. وحين بدأ المطر يتساقط أصبح همه الأول أن يميز مظلة السيدة ومظلة الرجل، فإذا ما تم له هذا كان عليه أن يدقق ليميز نوع هذه المرأة، العجوز ينبذها كالرجال، والطفلة طبعًا يتركها، وكذلك كل من يشتبه أن تكون من المتبرجات فتيات الليل. وهكذا تبقى أمامه نسبة ضئيلة جدًّا عليه أن يوجِّه اهتمامه إليها، ومن أجل هذا كانت طريقة سيره في الشارع أعجب طريقة؛ فهو يسير على الرصيف مثلًا، وفجأة ينتقل إلى الرصيف الآخر، ويسير إلى الأمام مثلًا وفجأة تجده قد استدار وسار في عكس اتجاهه، وهذا كله يحدث مصحوبًا بحركة خلع للبالطو البلاستيك الرخيص وارتدائه قائمة على قدم وساق، كلما تبين في الشبح القادم امرأة خلع البالطو، فإذا لم تكن من النوع المطلوب عاد وارتداه، فإذا لمح على الرصيف المقابل واحدة تصلح انتقل إليه. وانتقل البالطو هو الآخر من يده إلى أكتافه.

وعلى هذا حين لمح درش شبحًا مشكوكًا في أمره قادمًا من بعيد تجهَّز لكافة الاحتمالات فخلع البالطو ووضع يده فوق رأسه ليطمئن على هيئة شعره، وتأنَّى في مشيته وجعلها تبدو رشيقة في وقار تنمُّ عن جاه وشخصية، وحين اقترب الشبح تبيَّن أنه كان على حق، وأنه امرأة فعلًا وأنها فوق هذا من النوع المطلوب. وطبعًا لم يتوقع درش أن يتغير الحال معها كثيرًا عما جرى عليه منذ أول الليل.

تخطَّى درش الشارع متَّجهًا إلى الرصيف الآخر الذي كانت تمشي عليه السيدة المقبلة وسار في اتجاهها، ومن كثرة ما تدربت عيناه على الرؤية كانت قد تكوَّنت لديه قدرة مؤقتة على معرفة الملامح الجميلة حتى من لون الفستان الذي ترتديه صاحبته، وكان واضحًا أن القادمة ليست باهرة الجمال ولكنها على الأقل وسيمة، طريقة مشيها، الزاوية التي تمسك بها المظلة، حتى إمساكها للمظلة نفسها وقد كفَّ المطر.

المرأة الجميلة وحدها هي التي تبالغ في الحرص على ملابسها ومساحيقها، وكل ما يمتُّ إلى جمالها بصِلة.

وقبل أن يلتقيا حاول درش أن يجذب أنظارها حتى تمتد أمامها فرصة رؤيته. ولكنه لم ينجح، فلم تره إلا حين أصبح وجهه في وجهها.

وبينما كان درش يلتهمها بعينيه، لم تفعل هي أكثر من أن ألقت عليه نظرة خاطفة سريعة لا تعني شيئًا، نظرة مثل آلاف النظرات غير المحبة للاستطلاع التي كانت تُلقى عليه في أي مكان ذهب إليه في أوروبا. ألقت عليه النظرة واستمرت في طريقها لا تلوي على شيء. لم تكن بالجمال الذي كان يطلبه أو يحلم به. كانت طويلة تدانيه تقريبًا في الطول ترتدي معطفًا من الصوف البيج ذا ياقة عالية، وشعرها طويل على عكس الموضة السائدة وغزير أيضًا، وكان وجهها طيِّبًا وأنيقًا في الوقت نفسه، ولا تضع غير الروج (أو على الأقل هكذا خُيِّل إليه). ولم تكن تبتسم وكذلك لم يكن بوجهها أي عبوس. امرأة تصلح أن تكون ربة بيت ممتازة أو طبيبة أو عازفة «فيولنسل» في أوركسترا من الدرجة الثانية.

ودون أي قصد أو هدف إلا المحاولة لعل وعسى، غيَّر درش من وجهته وسار وراءها بعدما جاوزته، وأسرع في خطوه. وحين اقترب منها كثيرًا حتى كاد يحاذيها تردد كالعادة بين أن يتجاوزها أو أن يتبعها. وآثر أن يتبعها إذ في هذه الحال سيكون هو سيد الموقف، واستمرت المرأة سائرة في طريقها، وعند منعطف يؤدي إلى شارع جانبي غيَّرت وِجهتها.

واستمر درش في متابعتها، ويبدو أن المرأة أحسَّت أن إنسانًا ما يتبعها؛ فالشارع الذي دخلا فيه كان قليل المارة ساكن الحركة نوعًا ما. يبدو أنها أحست بشيء كهذا فقد أسرعت في خطوها.

ومع أن «درش» لم يكن يعرف أبدًا ما يمكن أن تؤدي إليه تلك المطاردة إلا أنه أسرع هو الآخر في خطوه حتى لا تختفي عن نظره، ولكنه في نفس الوقت لم يشأ أن يضيع نفسه؛ فقد كان دائم الفحص والحفظ لجغرافية الشارع وموقعه وعلاماته حتى لا يتوه في طريق عودته بعد أن تفشل المطاردة.

والغريب أنه كان مقدِّرًا تمامًا أنه سيفشل. أما لماذا كان مصرًّا على متابعة التجربة مع علمه بفشلها، فذلك أمر قد يدفعنا إلى التفكير في طبيعة الإنسان نفسه. الإنسان الذي حين ييأس من النجاح يعوِّض هذا بالإكثار من تجاربه الفاشلة، ففشل واحد يعد فشلًا، أما فشلان أو ثلاثة أو عشرة فممكن أن تعتبر ربع نجاح أو نصفه.

ما علينا من هذا، فقد خطر لدرش خاطر، نفس الخاطر الذي كان يواتيه وينفذه كلما طارد امرأة، أن يكلمها. وعلى هذا أسرع في خطوه حتى حاذاها. وابتلع ريقه مرة وأدَّب صوته أكثر من اللازم وروَّضه، وسألها بلهجة إنجليزية حاول أن تكون سليمة ومنخفضة في الوقت نفسه، سألها عن الطريق إلى فندق «زاخر».

وطبعًا لم يكن في حاجة لسؤالها عن شيء كهذا؛ إذ هو أولًا لا ينزل في «فندق زاخر» لأنه من فنادق الدرجة الأولى العريقة التي تغوص الأقدام في أبسطتها العجمية الأصلية الفاخرة، ثم ثانيًا لأنه يعرف الطريق جيدًا إلى فندق فيكتوريا المتواضع الذي ينزل فيه.

كل ما في الأمر أنه أحب بسؤاله هذا أن يُفهمها ويفهم كل من سألهن من النساء ثلاثة أشياء: يفهمها أنه أجنبي، وأنه أجنبي من النوع الفاخر، والثالثة أنه ضال وفي حاجة لمساعدة؛ يعني يفتح الباب على مصراعيه أمام أية واحدة لديها أقل رغبة في المغامرة.

ورد الفعل الذي حدث كان مفاجئًا! فقد التفتت المرأة إلى الناحية الأخرى وكأنها خافت، ولكن روعها سكن في لحظة، وسكن في اللحظة التي كان درش يتم سؤاله بصوت أكثر امتلاءً واعتدادًا.

ويبدو أن حالة الخوف والمفاجأة كانت لا تزال تتملَّكها؛ فالساعة كانت تقترب من الثانية عشرة والنصف، والشارع نوره قليل، والسؤال غريب ومن غريب؛ إذ قالت بكلمات إنجليزية مدشدشة النهايات ملخبطة الفاعل والمفعول إنها لم تفهم.

وللمرة الثالثة أعاد درش سؤاله وقد كاد يزهق ويتركها وينصرف؛ فامرأة تخاف فقط من مجرد التوجه إليها بسؤال، لا يمكن أن تكون لديها الجرأة للقيام بمغامرة. أي مغامرة.

وفقط بعدما انتهى درش من سؤاله للمرة الثالثة تنفَّست ملامحها الصعداء وتهلَّل وجهها وقالت: يا … يا … (أي: نعم. نعم) وأوقفته، وأخذت المسألة جدًّا ومضت يداها تشيران ومظلتها توضح ولسانها يتلجلج بالإنجليزية في عجز الأخرس حين يريد أن ينطق، محاولة أن تريه الطريق إلى فندق زاخر.

ودرش لم يكن في هذا كله فاهمًا، كان يهز لها رأسه بحماس، وهو يتابع شرحها مدعيًا أنه فاهم كل الفهم، ولكنه يقرأ ملامحها بعين خبير محاولًا أن يعثر على الشيء الذي يعرفه جيدًا. الشيء الذي تنطق به ملامح المرأة حين تريد الرجل أو لا تريده. ولكنه لم يجد شيئًا من هذا. ملامحها كانت جادة لا هزل فيها، وحماسها الصادق لإرشاده هو كل ما هنالك.

وبالابتسامة الباردة المعهودة استأذنت منه وما لبثت أن تابعت طريقها. ودرش هو الآخر لم يلبث أن تابع طريقه خلفها ضاربًا بكل إرشاداتها عرض الحائط، وحاول أن يعثر في مشيتها من الخلف على الشيء الذي لم يجده في ملامحها من أمام. حاول أن يضبط ارتباكًا ما في خطوتها لأنه يتبعها ولأنها تحس أنه لا يزال — رغم إرشاداتها — يتبعها ولكنه لم يعثر على أي هزة أو ارتباك. كل ما حدث أن المرأة حين وصلت إلى عسكري كان واقفًا على ناصية الشارع بقبعته المعهودة وقفت وحدثته سريعًا بالألمانية مشيرة إلى درش الذي كان قرر التلكؤ نهائيًّا على بعد وتجهيز نفسه لأي اتهام قد يوجهه له العسكري.

وقبل أن يكيل درش ما شاء من لعنات للمرأة النمساوية التي خدعته هكذا واشتكته إلى العسكري كما تفعل أي واحدة بملاءة لف في القاهرة اقترب منه الرجل وحيَّاه بأدب وابتسامة ودخل في الموضوع مباشرة وراح يصف له بلغة سليمة الطريق الصحيح إلى فندق زاخر.

وهدأ قلب درش بين ضلوعه، المرأة بريئة؛ فواضح أنها اعتقدت أنه ظل يتابعها لأنه لم يفهم شرحها، وعهدت للعسكري بالمهمة.

وعلى أحر من الجمر انتظر درش إلى أن انتهى العسكري من شرحه المؤدب الطويل، بينما عيناه زائغتان ترصدان تحركات المرأة بدقة لتكمل متابعتها بعد التخلص من هذا المأزق.

وفعلًا ما كاد العسكري يدير ظهره حتى دلف مصطفى إلى شارع جانبي آخر. إلى الشارع الذي اعتقد أن المرأة فقد سارت فيه. وهنأ نفسه على ذكائه وحداقته فما أسرع ما تلقَّت أذنه دقَّات كعب حذائها العالي على أحجار الشارع المربعة، وفي تلك اللحظة فقط أدرك أن الشيء الذي خافه كثيرًا قد وقع؛ إذ أدرك أنه في هذه المرة — وبحق وحقيق — قد ضل الطريق، وويله من تلك الشوارع المتشابهة ذات المنازل المتشابهة والأسماء المتشابهة والغموض حين يتوه فيها إلى ما شاء الله.

غير أنه لم يقلق كثيرًا؛ فإذا حدث وسُدت في وجهه كل أبواب الأمل فما عليه إلا أن يركب تاكسيًّا وليطالب السائق بما يشاء من شلنات نمساوية: الشلن منها ثمنه أكثر من عشرة قروش، بل وصل به الأمر إلى حد الضحك. فهل إذا كان قد دأب على سؤال النساء عن الطريق إلى الفندق وهو يعرف الطريق، فها هي ذي الحجة تصبح حقيقة واقعة، وها هو ذا فعلًا مظلوم تائه في حاجة إلى مساعدة حقيقية. حبذا لو جاءت من تلك المرأة التي يتبعها بالذات، والتي ترن دقات كعبها على حجر الشارع رنينًا حلوًا يتصاعد في سكون الليل. ويهيج كامن أشجانه، ويجعله ينتظر بعد كل دقة من الكعب دقته المثيرة التالية.

وأحيانًا كان يفيق ويتهم نفسه بالجنون فهو يرتب الأمور في نفسه ترتيبًا جميلًا جدًّا، مع أن المرأة مثلها مثل غيرها لم يكن قد بدا عليها أبدًا أقل لمحه ممكن أن تفسر على أنها علامة قبول، بل حتى لم يكن بدر منها ما يدل على الشعور بوجوده.

الاحتمال الأكيد هو فشله الحتمي، بل لو سلَّم جدلًا بأنه قد ينجح في محادثتها فالوقت متأخر، وهي على ما يبدو عليها ذاهبة إلى بيتها، بل لو حدث المستحيل وأخذ منها ميعادًا مثلًا وقابلها في الغد فماذا يمكن أن يحدث في ذلك الميعاد سوى جلسة في بار أو في مقهًى، وقهوة فرنسية سخيفة الطعم له، ومشروب فادح الثمن لها، ثم ضغطات على اليد وبضع ابتسامات وينتهي كل شيء؟

بتلك المرأة أو بغيرها هذه الليلة. ولا بد سيقضي معها أجمل الأوقات في مكان مغلق أمنية مستحيلة التحقيق، ولكنه مصرٌّ عليها وكأنها وشيكة الوقوع، نفس الإصرار الذي دفعه للمجيء إلى أوروبا وهو متأكد لسببٍ ما — أن ما يريده إصرارنا نحن المصريين العنيد الغريب، إصرار الأب الجائع الذي لا يكاد يجد اللقمة على أن يجعل من ابنه الطفل الذي يلعب الذباب الاستغماية حول عينيه مهندسًا أو طبيبًا، إصرار الفلاح الذي يريد سقي مساحة شاسعة من الأرض بشادوف يحمل في كل دفعة حفنة ماء والغريب أنه إصرار لا يخيب؛ فالأب فعلًا يظل يعاند حظه وحاجته وطبقته حتى يجعل من ابنه مهندسًا أو طبيبًا، والفلاح يظل ينحني ويعتدل ألف مرة، مليون مرة، عددًا لا نهاية له من الممرات، حتى ينجح في ري الأرض.

درش هو الآخر كان لا يزال على إصراره وقد بدأت المسافة بينه وبين المرأة تتناقص، بينما أفكاره وخططه تتزايد؛ إذ كان عليه أن يتقدم خطوات أخرى. ووجد أن أحسن طريقة هي أن ينتقل إلى الرصيف الآخر ويسبقها ثم يعود من نفس رصيفها ويقابلها وجهًا لوجه، فلا بد أن يشعرها بوجوده وبأنه لا يزال يتبعها وليرَ ما يحدث، وعبر الشارع واستدار وقابلها. وقبل أن يصبح في مواجهتها تمامًا توقف وادعى أنه فوجئ وقال: ها نحن مرة أخرى، عالم صغير، أليس كذلك؟

وواجهته بملامح فيها هي الأخرى بعض المفاجأة وخالية من أية نوايا، وفعلت هذا كله وهي ماضية في طريقها دون أن تنطق بكلمة أو حتى تشير بإيماءة.

وكان قرار درش قاطعًا بعد خطوتَين، أن يتوجه توًّا إلى أي شارع رئيسي ويأخذ تاكسيًّا وينطلق إلى فندقه، وكفى ما كان. بل لا بد أن المرأة الآن تعتقد أنه من الغرباء المصابين بلوثة، أو من يدري ربما تستدعي له البوليس بجد في المرة القادمة، ولكن قراره لم ينطبق إلا على عشر خطوات خطاها أصبح بعدها القرار في خبر كان، فما لبث أن استدار وتابع سيره وراء المرأة، ولكنه آثر أن يترك مسافة أطول بينهما على سبيل الاحتياط.

وظلت هي ماضية في طريقها، وهو وراءها يلوم نفسه أحيانًا وأحيانًا ينظر في ساعته فيجد أن المسافة كلها لم تأخذ سوى دقائق، مع أنه خُيِّل إليه أنه ظل يتبعها لعشرات الكيلومترات، حتى خرجت السيدة من الشارع الضيق إلى ميدان غير فسيح يشبه كثيرًا ميدان الخازندار في القاهرة؛ فواجهته محل كبير، قبة تحتل ضلعًا من أضلاعه، ومحطات كثيرة للأتوبيس والترام تتناثر فيه، ولم يكن في الميدان وقوف كثيرون. مجرد خليط متنافر غريب من زبائن آخر ترام وأوتوبيس، ووقفت المرأة على محطة، وظل هو سائرًا في طريقه يتطلع هنا وهناك وفي الهواء، متخذًا هيئة من يحاول أن يحل لغزًا استعصى عليه حله، حتى وصل إلى ذات المحطة، ووقف في طرفها الآخر. ووقف قليلًا ثم ما لبث أن غيَّر الهيئة ووضع يديه في جيوب بنطلونه، وعوج رقبته إلى ناحية، متخذًا هيئة من يترقب شيئًا ويتمشى جيئة وذهابًا في انتظاره، وكان يغيِّر من هيئته وطريقته وكأن عينًا غير مرئية تراقبه وتُحصي عليه حركاته وسكناته وتحاسبه وهو يرد على حسابها له، ويقنعها أنه بريء لا مقصد له، مع أن أحدًا في الميدان لا يكاد يلحظ وجوده، حتى ولا السيدة التي كان يتبعها. كانت واقفة مرتكزة على مظلتها ولا يبدو عليها أي شيء سوى القلق الممل الذي يصاحب انتظار الأوتوبيسات والترامويات حين لا تجيء. إلى أن وصل درش إلى خطوة أو خطوتين منها. إلى هنا كان قد تم له ما أراد، وها هو ذا أصبح قريبًا منها، وبعد؟ أدخل يديه في جيوبه وأخرجها أكثر من مرة، وغيَّر من اتجاه وجهه أكثر من مرة، وحدَّق ناحيتها طويلًا لعل عينيها تلتقيان بعينيه. ولكن شيئًا من هذا لم يحدث. وأصبح عليه أن يُقدم على عمل إيجابي أكثر، وفجأة ومرة واحدة عاودته حالة اللامبالاة التامة، واقترب منها حتى وقف أمامها وابتسم كثيرًا قبل أن يقول: هل تسمحين لي بسؤال؟

ولم ينتظر إجابتها، انطلق من فوره يقول: أنا غريب هنا كما ترين ولا أعرف الألمانية، وكانت فرصة عظيمة أنكِ تعرفين الإنجليزية، فهل من الممكن أن أسألك عن بعض الأشياء هنا؟

أتم الجملة وأحس بسيال من الخجل الحقيقي يسحب روحه من صدره، ويكاد يسقطها بين قدميه، حتى إنه لم يرفع عينيه ويحس بروحه تعود إلى مقرها بين جنبيه إلا حين جاءه ردها: ماذا تريد أن تعرف؟

وتطلَّع إليها، وتفاءل. كانت هناك ابتسامة. صحيح ابتسامة لا معنى لها بالمرة. ولكنها خير على أية حال من تكشيرة أو كلمة نابية عليه أن ينتهي إلى رأي بسرعة في أمر هذه المرأة فإما فيه أو ما فيش. ويكفي ما أصابه من كسوف. ولكن كان عليه قبل أي شيء أن يسألها عما يريد معرفته. قال مثلًا موعد آخر ترام. سؤال بدا له سخيفًا جدًّا أسخف من أي شيء قاله في حياته، ولكنها أجابته بنفس ابتسامتها التي لا تعني شيئًا: الواحدة إلا ربعًا.

وخجل لسبب غير ظاهر وارتبك، وما لبث أن غيَّر خطته وقال: إني أردت فقط أن أتحدث معك قليلًا. أممكن هذا؟

وقبل أن تجيب كان هو يعمل عقله بسرعة ويفكر في الأمر من زاوية جديدة. فما لا شك فيه أنها عرفته وعرفت أنه ذلك الأجنبي ذو الشعر الأسود الذي سألها عن الطريق إلى فندق زاخر. والذي لم يحفل بأخذ الطريق إليه ومضى يتبعها. معنى هذا أنها لم تغضب منه. إذن فهي لم تستنكر سيره وراءها ولا مطاردته لها على هذا النحو. أو يجوز أن حب الاستطلاع فقط هو الذي يجعلها تستمع صابرة إلى أسئلته السخيفة هذه وهو نفسه الذي لا يزال يرسم على ملامحها تلك الابتسامة التي لا معنى لها.

وقالت ردًّا على سؤاله: أبدًا.

هيه ها هي ذي تقول له أن ليس لديها مانع من الحديث. فتكلَّم يا درش. تكلم.

وحاول درش أن يتكلم ويختلق موضوعات للحديث. وصمت برهة كي يستجمع كل ذكائه ولباقته، وتمخض هذا عن سؤاله: أنت طبعًا لا تعرفين جنسيتي.

فقالت: طبعًا!

فقال وهو يبتسم ويحاول أن يمزح: أتستطيعين تخمينها؟

صمتت برهة وكأنها لا تحس للسؤال ولا لشخص سائله بأهمية، ثم قالت: برتغالي؟

وكاد أن يقهقه قهقهة حشاشية عالية، ولكنه قطعها فجأة؛ فقد تذكر أنه في أوروبا وقال: لا.

قالت وكأن لا حول لها ولا قوة: لا أعرف.

فقال لها مزهوًّا: أنا من مصر.

وضايقته جدًّا حين قالت: حقيقة؟! أمر غريب.

قالت: «أمر غريب.» بطريقة لا غرابة فيها بالمرة؛ إذ هي نفس الكلمات التي لا بد أن يقولها أي إنسان في أي موقف كهذا، ولكنه التقط الكلمة وأمعن فيها وسألها: أمر غريب! لماذا؟

ولم تتكلم، ابتسامتها التي لا معنى لها ظلت مرتسمة على ملامحها بلا أي اندهاش، أو انفعال، أو رغبة خفية كانت أو ظاهرة في متابعة الحديث.

وأحس درش أنه لو استمر أكثر من هذا فسوف تكون كل ثانية على حساب كرامته وكبريائه، وإن أحسن طريقة هي أن يلايمها وينصرف. وفعلًا قال: أنا سعيد جدًّا بلقائك. وذهب.

ذهب إلى الطرف الآخر من المحطة، وعندما وجد نفسه يقف فقد واتاه خاطر: محتمل أن يكون حديثها إليه ناشئًا عن حب الاستطلاع، ولكنها لو كانت راغبة عن الحديث لأشعرته بذلك. ما الذي منعه إذن من مواصلة الحديث. ولماذا لا يعيد الكَرَّة؟ يُعيدها كيف؟ وبأي وجه يكلمها وهو الذي ودَّعها وانصرف. فليختلق سببًا ذكيًّا هذه المرة. ودار على عقبيه عائدًا، وحين اقترب منها بدأ يتكلم قائلًا: أرجو أن أكون غير متطفل عليك. ولكن اسمحي لي هل أنتِ متأكدة أن آخر ترام يأتي في الواحدة إلا ربعًا.

قال هذا وهو يتفرَّس في ملامحها، واطمأن بعض الشيء حين لم يجد فيها أي استنكار لعودته أو لسؤاله الذي حاول أن يكون ذكيًّا فجاء أغبي ما يكون.

وقالت له: أجل. في الواحدة إلا ربعًا تمامًا. وإذا أردت الذهاب إلى فندق زاخر يمكنك أخذ الأوتوبيس الذي يقف هناك. سيجيء بعد دقائق.

وقال لها: أشكرك كثيرًا.

وسكت، ولكنه لم يتحرك. ولم تتغير ملامحها هي الأخرى أو تتحرك وفجأة سألها: نمساوية أليس كذلك؟

قالت: أجل طبعًا.

– تنتظرين الأوتوبيس؟

– الترام.

– ذاهبة بعيدًا؟

– إلى الضاحية.

كان يسألها محاولًا أن يجد خيطًا واحدًا يجذبه ليمتد الحديث، ووجد في إجابتها الأخيرة فرصة. فقال لها: الضاحية بعيدة؟

– نصف ساعة.

– ياه! مسافة طويلة.

قالها وهو يرسم اندهاشًا أكثر من اللازم على ملامحه. وقال لنفسه: امضِ خطوة أخرى وليكن ما يكون.

وهكذا مضى يحدثها ذلك الحديث الذي أتقنه كثيرًا في الباخرة والقطارات والفنادق التي حلَّ بها، الحديث الذي يدور بين أي أجنبي وأي صاحب بلد. الجو. كم هو رائع في مصر! ويا لفظاعة أوروبا في الشتاء! النمسا عانت من الاحتلال طويلًا، والآن أصبحت بلدًا مستقلًّا. نحن أيضًا أصبحنا بلدًا مستقلًّا. المصريون يحبون النمساويين جدًّا، ونحن أيضًا نسمع عن مصر والمصريين.

وطوال الحديث وبينما كان درش يسأل ويجيب وينكِّت؟ كانت حاسته السادسة — والحاسة السادسة عند درش حاسة جنسية مائة في المائة وظيفتها استقبال أي تجاوب يبدو من أية امرأة تحادثه.

كانت تلك الحاسة تحاول أن تستقرئ طَيف انفعال، أو لمحة أو بادرة تدل على أن هناك أي استجابة. تحاول بلا فائدة؛ فقد عجزت تلك الحاسة تمامًا عن معرفة كنه موقفها الحقيقي، وهل هو رغبة أو رفض، وكأن ملامحها مكتوبة هي الأخرى بلغة ألمانية لا يستطيع فهمها أو إدراكها، بل خُيِّل إليه أنه كان من الممكن أن تتحدث هكذا مع أي إنسان غيره حتى ولو لم يكن أجنبيًّا أو بشعر أسود أكرت مثله، مع أن الحديث كان قد تكفَّل بتشكيل ابتسامتها وتغيير ملامحها فأصبحت تضحك أحيانًا وأحيانًا تدهش، وتصغي وأحيانًا يبدو عليها الاهتمام.

وتضايق درش؛ فمع أن أهدافه منها كانت قد تبلورت في إجراء حديث ما معها، إلى أن يأتي ترامها وتمضي، إلا أن هذا الموقف منها قد ضايقه بل جعله يحس مرة أخرى باللامبالاة حتى لو غضبت منه. إنها لحظة خاطفة يقضيها معها، ولن يرى وجهها بعدها أبدًا. فليحدث ما يحدث، إذن فها هو ذا أخيرًا وبعد كل تلك الجهود المضنية الضائعة قريب من امرأة نمساوية أصيلة تحادثه ويحادثها، وتضحك لكلامه وتصغي إليه، وكادت لا مبالاته تبلغ به حد أن يطلب منها مثلًا أن ترافقه إلى فندقه.

ولكنه لم يفعل؛ ففي تلك اللحظة جاء ترامها ووقف، وبنفس ابتسامتها غادرته وهي تشير له لتريه المحطة التي يمكن أن يأخذ منها الأوتوبيس إلى فندق زاخر، صعدت إلى الترام المضيء ذي الركَّاب القليلين، وبقى هو واقفًا على المحطة لا يدري ماذا يفعل، ينظر لها عبر نافذة الترام ويبتسم، وهي أيضًا تنظر إليه وتبتسم، وأشار لها إشارة السلامة فأومأت برأسها مجيبة، وكان معنى هذا أن خلاص، انتهت تلك المعرفة الخاطفة، وعلى كل منهما أن يذهب لحال سبيله.

ولكن فجأة وجد درش نفسه يصعد إلى الترام ويجلس على المقعد الذي بجوارها وبدا عليها انزعاج، لم يكن — كما توقع — انزعاجًا كبيرًا مذهلًا. وقالت له: ولكن هذا الترام ليس ذاهبًا إلى فندق زاخر، إنه ذاهب في الاتجاه المضاد.

فقال لها بكلمات إنجليزية وبابتسامة مصرية ماكرة: ولو.

فعادت تسأله بدهشة: إلى أين أنت ذاهب إذن؟

وتردد قليلًا، ولكنه ما لبث أن قال: ذاهب إلى حيث تذهبين.

وقالت له، وثمة قلق بدأ ينتاب ملامحها: ولكني ذاهبة إلى بيتي في الضواحي.

– حسنًا! سأذهب معك.

وازداد الانزعاج في وجهها وقالت: اعذرني، ولكن تصرفك هذا شاذ.

فقال لها، وهو سادر في مصريته: اعذريني. إنه ليس تصرفًا شاذًّا، إنه في الحقيقة تصرف مجانين.

وأصبح انزعاجها خوفًا، أو بمعنى أصح بوادر خوف، فقد انكمشت بعيدًا عنه في المقعد وسكتت، وكان واضحًا أن سكوتها سكوت عجز؛ إذ ماذا يمكن أن تقول أو تفعل؟

وطبعًا درش لم يكن مجنونًا أو شاذًّا أو به خبل. كل ما في الأمر أنه كان في تلك اللحظات يتصرف بوحي من إحساسه أو بوحي من حاسته السادسة، تلك التي كانت تعمل بلا هوادة، ومنفعلة إلى أقصى حد، لم يكن قد ظهر في تصرفات المرأة أي شيء يدل على أي شيء، ولكنه كان يعمل كمستكشفي البترول الذين تقول لهم أجهزتهم إذا حفرتم هنا وجدتم الذهب الأسود، هو أيضًا كان شيء ما؛ شيء أعمق من إحساسه وتفكيره وفراسته يهيب به أن يداوم على إصراره وأن يمضي في الطريق إلى نهايته، والطريق كخط الترام محطات، وها هو ذا قد غادر المحطة الأولى بركوبه إلى جوارها في الترام. عليه الآن أن يتبين إن كانت هناك محطات أخرى. كيف يعرف طريقه إذن؟ ومن أين يبدأ؟

وقال لها: أنت ذاهبة إلى بيتك إذن؟

كانت في تلك اللحظة تنظر من نافذة الترام، والترام بدأ يتحرك وقطع في تحركه شوطًا، فالتفتت إليه، وكأنها لم تسمع ما قاله، وأعاد السؤال فقالت بوجه جاد: أجل.

وضايقه جدها في تلك اللحظة، ولكنه مضى بخبث هذه المرة يسأل: تقطنين مع عائلتك. أليك كذلك؟

فقالت ببراءة: أجل.

– متزوجة؟ أعتقد هذا.

– طبعًا متزوجة.

وكاد لسانه يزلف ويقول. أنا الآخر متزوج وعندي بنت صغيرة لها صندل أحمر وسنتان أماميتان، ولكنه رد لسانه إلى حلقه فلا داعي لتعقيد الأمور، ومضى يسألها: لك أولاد طبعًا؟

فقالت، ولأول مرة منذ أن ركبا الترام قد عادت ابتسامتها التي لا معنى لها إلى وجهها: أجل ولدان وبنت.

وقال لنفسه: لو كانت لا تريدني لقالت أجل واكتفت بهذا، ولكنها استرسلت تعد أولادها، فمعنى هذا أنها تريد الحديث، ولكنه استدرك أن حديث الآباء أو الأمهات عن أولادهم شيء طبيعي جدًّا، يفرحون له ولا يملونه، فليطرق هذا الباب إذن عله يؤدي إلى شيء.

وسألها: كبار في السن؟

قالت: تومي الكبير عمره ست سنوات، والصغيرة ستة شهور.

غمغم لنفسه: عظيم! ها هي ذي تتحدث وهذا شيء طيب، وابنها الكبير ست سنوات، معنى هذا أنها في حوالي الثلاثين، هذا شيء عظيم. امرأة ناضجة خبيرة مستوفاة بكل معنى الكلمة.

وكان حريًّا بضمير درش أن يتحرك في هذه اللحظة فيذكره بأنه يحادث امرأة متزوجة وأمًّا، وأنه يهدف من حديثه إلى أشياء يجب أن يتحرك لها الضمير، ولكن ضمير درش لم يكن يتحرك أبدًا لمثل هذه الأشياء؛ فهو لا يؤمن بأي قانون يحكم هذا العالم إلا قانون ما يريده، ما يريده هو الحلال وهو الصواب، أما أن يكون ما يريده هذا بعيد المنال أو يمت إلى غيره أو إلى أي شيء من هذا القبيل، فتلك أمور لا تهم «درش» في قليل أو كثير. كل ما كان يفكر فيه في تلك اللحظة هو كيف يجعل الحديث يستمر ولا ينقطع.

قال لها: اسمحي لي، فقد تعتبرينني مرة أخرى متطفلًا عليك، ولكن هذا شيء يحيرني فالنساء عندنا في مصر لا يخرجن وحدهن في تلك الساعة المتأخرة من الليل.

وضحكت (وحين ضحكت اطمأن) وقالت: أبدًا. كنت في الأوبرا مع صديقة لي.

وغمغم قائلًا وكأنما يداري خجله من سؤاله: ظننتك تعملين، والعمل هو الذي أخَّرك.

فقالت: عملي ينتهي في الثامنة.

وحملق فيها بعينين واسعتين وكأنما اندهش، وقال: أنت تعملين إذن؟

فقالت: طبعًا.

– شيء جميل.

– أبدًا شيء عادي جدًّا. معظم النساء يعملن هنا.

– أعرف هذا. أعرفه.

كان يردد الجملة الأخيرة وهو يفكر في سؤاله التالي، حين فاجأته قائلة: ولكنك بهذه الطريقة تبتعد عن فندقك كثيرًا.

فابتسم وقال لها: لا يهم.

فقالت بدهشة حقيقية: أين ستبيت إذن؟

فقال بغير دهشة: لا يهم في أي مكان.

وهزت كتفيها، وعادت مرة أخرى تنظر من نافذة الترام، وكان معنى هذا أن الحديث سوف يؤدي إلى سكون، والسكون عدوه الأكبر، فعليه أن يتابع الحديث، خاصة والاضطراب قد استبد به إلى درجة أنه راح يهز ساقه هزات عصبية غير ملحوظة؛ فقد بدا واضحًا أن حاسته السادسة قد خانته؛ فالمرأة واضح أنها زوجة وربة بيت، ومن إجابتها وطريقة حديثها يبدو أنها مثقفة ورزينة إلى حد كبير، والملابسات كلها تشير إلى أن عليه أن ييأس إذ ليس هناك أبدًا أي بادرة تدل على النجاح، وفعلًا كان اليأس قد بدأ يصبغ كل حركاته وأفكاره وحتى نظراته. وكان وعيه قد بدأ يرتد إليه ويهيب به أن يهبط في أول محطة ويستعد لرحلة تخبط في طريقه إلى فندق فيكتوريا، فقط كان عليه أن يقول شيئًا يختتم به الحديث ويكون الوسيلة إلى تبادل الأسماء وأرقام التليفون؛ فحتى هذا الوقت لم يكن قد عرف اسمها ولم تكن قد عرفت اسمه، وبهذا تصبح المسألة كلها واحدة من عشرات الحالات المماثلة التي التقى بها، والتي انتهت بكتابة الأسماء بحروف واضحة في مفكرته، وبجوارها أرقام التليفونات والعناوين، أسماء وعناوين يعلم سلفًا أنه لن يرى أصحابها أبدًا ولن يراسلهم.

أجل عليه الآن أن يختم حديثه معها بأية حيلة. وسألها بلا قصد: صحيح أنت متزوجة؟

وعادت من التفاتتها وضحكت وقالت: طبعًا! ألا يبدو عليَّ أني كذلك؟

فقال وهو يحاول إطراءها: الحقيقة لا يبدو عليك شيء من هذا.

وحين أحس أنها سعدت بإطرائه قال مواصلًا كلامه: أنا أتكلم جادًّا. صحيح أنت متزوجة ولك أولاد؟

قالت وهي تكبت الضحك: طبعًا! ألم أقل لك هذا؟ أنا متزوجة ولكن …

ودقَّ قلب درش بين ضلوعه وكاد يحبس أنفاسه انتظارًا لما يمكن أن يكون وراء لكن هذه.

ولم يطل انتظاره فسرعان ما أردفت قائلة: ولكني في الآونة الحاضرة لا أقيم مع زوجي.

وتوالت دقات قلبه عالية مملوءة بالفرح والانفعال. وضحك.

ضحك هكذا بلا مناسبة، واحدة من تلك الضحكات التي نخفي بها انفعالاتنا. ولم يفرح درش وينفعل لأنها لا تقيم مع زوجها، ولكن لأنها قالت هذا، ولو كانت لا تريده لاكتفت بقولها إنها متزوجة، وما حاولت أن تطلعه على أمر خاص بها وحدها.

وكان لا يزال في دوامة النشوة حين تطلعت هي من النافذة وقالت: نحن الآن في ليوبولد بلاتس، إنك تبتعد عن فندقك كثيرًا.

فقال لها وهو يطوح برأسه إلى الوراء: لا يهم!

– أنصحك أن تهبط في المحطة التالية فلا يزال هناك أمل أن تلحق بآخر أوتوبيس.

– لا يهم.

– أين ستبيت إذن؟

– أعرف تمامًا أين سأبيت.

قال هذا وهو ينظر إليها مخفضًا عينيه، محاولًا قدر طاقته أن يضغط على حروف كلماته واتجاه نظراته؛ ليحمل الكلمات والنظرات فوق ما تحتمل.

وسكتت هي مستسلمة مبتسمة، وسكت هو الآخر سكوتًا مؤقتًا؛ فقد بدأ يتحرك في مكانه تحركات خفية هدفها أن يتزحزح ليقترب منها، وسواء أكانت لاحظت هذا أم لم تلاحظه، فالذي حدث أنها واصلت سكوتها وصمتها.

ودرش هو الآخر لم يكن يتحدث؛ فقد كان يحلم أحلامًا رائعة للغاية؛ فهو إلى الآن لم يكن قد عرف عنها أكثر من أنها لا تقيم مع زوجها، ورغم هذا راح يحلم ويؤكد لنفسه أنه حتمًا سيقضي الليلة معها، وأن هذه مسألة مفروغ منها.

وهكذا دون أن يتوقع تحقق له الحلم الأكبر الذي كاد يؤمن باستحالة وقوعه، وتحقق ببساطة منقطعة النظير، الحلم الذي جاء به إلى أوروبا ها هو ذا الآن يحياه. وها هي ذي المرأة التي طالما تصورها، ها هي ذي حقيقة من دم ولحم وابتسامات بجواره، يراقبها ويتأملها بدقة وعلى مهل كما تتأمل القطة الفأر، وقد اطمأنت إلى وقوعه بين مخالبها، وهو سعيد بتأمله لها، سعيد بالتهامها بنظراته والغوص بها في أحلامه، ولا أحد يستطيع لومه إذا كان قد فضل أن يبقى هكذا لبعض الوقت، يستمتع بخياله الملتهب، عن أن يستأنف فورًا مواصلة الجهود للاستحواذ عليها.

غير أن أمرًا مفاجئًا قطع عليه أحلامه؛ فقد تبين له أن من الغريب أن تكون السيدة متزوجة وفي نفس الوقت لا تكون مقيمة مع زوجها.

وكالعادة ما كاد السؤال يخطر بباله حتى قفز إلى لسانه وقال: اعذريني، ليس هذا محاولة مني للتداخل في شئونك الخاصة ولكن لماذا لا يقيم زوجك معك؟

وتلكأت قبل أن تفتح فمها لتجيب، ومع أنه لم يعرفها إلا من دقائق قليلة، إلا أنه كان قد بدأ يدرك بعض عاداتها، وعلى هذا عرف أن تلكؤها معناه أنها محرجة وأن لا داعي للسؤال.

وهكذا ولينقذ الموقف، ولينقذ هذا النسيج الدقيق الواهي الذي يربطه بها ولا يريده أبدًا أن ينقطع، والذي قد يقطعه سؤال سخيف محرج أو كلمة غير مناسبة، أتبع بسؤال أخر عن كُنه عملها.

وقالت له إنها تعمل سكرتيرة مدير إحدى الشركات الكبرى التي تنتج الأدوات الكهربائية والإلكترونية؛ وليزيل كل ما تبقى من الحرج قال لها وقد استبدت به القفشة المصرية: آه. لعل هذا هو السبب في أني أحس أني مكهرب وأنا جالس بجوارك.

فضحكت وقالت: حذارِ إذن فقد تصاب بصدمة.

وبتلك الجملة منها أصبح درش كالهبلة حين تمسك الطبلة؛ فقد رد عليها قائلًا وهو يزداد التصاقًا بها: المصيبة أني المريض الوحيد في العالم الذي يتمنى لو يصاب بها.

وحين طقطقت بشفتيها محتجة، ازداد التصاقًا بها وهو يقول: أعتقد أني فعلًا في حاجة إلى صدمة أخرى.

وكل هذا يحدث في غمرة الخجل من جانبها والخجل من جانبه وأنصاف الكلمات، والوجوه التي تتفادى أن تلتقي حتى لا ترتبك إلى آخره.

ومن تلك اللحظة بدأ درش يعاملها كما لو كان قد عرفها من عام فالكلفة رُفعت نهائيًّا، وأصبح لا يهتم بوقع أسئلته عليها ما يمكن أن تأخذه عليه، ولكنه في واقع الأمر كان يفعل هذا في الظاهر فقط، أما في أعماق نفسه فقد كان لا يزال مرتبكًا ولا يزال غير متأكد إن كانت قد رضيت به وقبلته فعلًا، أو أن ما يراه منها إن هو إلا سلوك عادي لا يمكن أبدًا أن يؤدي إلى الشيء الذي يحلم به.

وكالعادة ترك درش تحديد الوضع للأحداث المقبلة فمحطتها لا شك تقترب، وقد انتوى أن يهبط معها في نفس المحطة.

وهي التي سوف تتولى بنفسها تحديد كل شيء.

وفعلًا، بعد قليل بدأت تستعد لمغادرة الترام، وقالت: أتركك هنا وحدك.

وابتسم ولم يعلق بشيء، وآثر ألا يصرح لها بما انتواه؛ فقد يجره التصريح إلى نقاش واختلاف، هو في غنى عنهما. كل ما حدث أنه حين وقف الترام وقامت هي لتهبط هم هو الآخر، وعندما نزلت نزل وراءها.

وكان يتوقع منها أي تصرف إلا ما حدث، فلم تفعل شيئًا حين رأته قد غادر الترام وأصبح يمشي بجوارها إلا أن هزت كتفها وابتسمت.

وبعد قليل سألته: إلى أين؟

ولم يجب درش.

فعادت تقول: إلى أين؟

وأيضًا لم يشأ أن يجيب؛ فالوضع لن يحسمه الكلام. الوضع يحسمه العمل. وعلى هذا لف يده حول يدها وسارا سويًّا. كانت كل الشواهد تدل على أنها لا مانع لديها من أن يرافقها إلى بيتها، ولكنه لم يكن مطمئنًّا أبدًا ولا مصدقًا أن يكون كل شيء قد تم بمثل تلك السهولة والبساطة التي لا يتصورها العقل.

– البيت بعيد؟

قالها وكأنه يسألها سؤالًا عابرًا لا يحتمل تأويلًا.

فقالت: هناك بعد قليل.

وانتابه شعور خاطف؛ فهذه المرأة تكاد تفجر عقله من الحيرة. لم يعد يدري إن كانت شيطانًا أو ملاكًا، ساذجة أو ماكرة، تضحك عليه أم هي معجبة به.

وقال لنفسه: لف يدك حول وسطها ولنرَ ما يكون.

ولف يده حول وسطها، ولم يصدق أبدًا أن اليد التي التفت حول وسطه هو، هي يدها. وقال لها في صمت هامس مبحوح: هل معك أحد في البيت؟

قالت: طبعًا أولادي.

وعاد يقول كمن لا يعرف: كبار في السن.

– ألم أقل لك؟ تومي الكبير عمره ست سنوات، والصغيرة ستة شهور.

– أتعلمين شيئًا؟ أنا ذاهب معك إلى المنزل.

وابتسمت نفس ابتسامتها التي لا معنى لها، وهزت كتفيها نفس الهزة التي قد تعني لا، وأيضًا تعني نعم.

وقال لنفسه: لا بدَّ مما ليس منه بد، قبِّلها، فإن رضيت ارتاح بالك وإن لم ترضَ كان لك معها شأن آخر.

وفعلًا بدأ يرفع يده قليلًا حتى احتوت عنقها، ثم أوقفها وضمها بشدة وقبَّلها.

ولم يعرف أبدًا رأيها في قبلته، ولا إن كانت — حتى — راضية أم ساخطة. كل ما حدث أنها انتظرت برهة، ثم دفعته برفق قليل وهي تقول: ستكسر ظهري يا أفريقي.

وأهاجته كلماتها حتى بدأ وعيه يغرق في الدماء الساخنة التي تصاعدت إلى رأسه.

كان الشارع الذي يسيران فيه طويلًا على جانبيه مصابيح بالغة الطول، والطريق بشكل عام كأنه أحد الطرق المؤدية إلى مصر الجديدة، ولأول مرة منذ أن التقى بها سار وقد بدأ يضمن أنها له في تلك الليلة ما في ذلك شك ولا ريب، ولأول مرة يحس بالاطمئنان، وبأنه لم يعد ثمة داعٍ للسرعة واللهوجة، وعليه أن يثق في نفسه وتصرفاته، ثقة الظافر الذي اطمأن إلى استكانة الفريسة بين مخالبه.

ولكن شيئًا ما بدأ يستبد به، شيء صغير رفيع لا يدري من أين جاءه، ودفعه لأن يتساءل: لماذا رضيت به السيدة هكذا ببساطة؟ كان واضحًا أنها ليست من ذوات الأخلاق اللينة، ولا يبدو عليها أنها — حتى — صاحبت أي رجل آخر غير زوجها، بل لم تكن حتى امرأة «ستاتي» أو حريمي خالصة. كان لها طابع من يعمل، طريقة مشيها وكلامها، وحتى ابتسامتها، فيها طريقة المرأة الجد الدوغري التي تعودت الاختلاط بالناس والرجال، ومعاملتهم معاملة الند للند، فلماذا تهاونت ورضيت به؟

خواطر كهذه سرعان ما بدأت تدور في عقله، وكلما دارت بدأ الشك يخالجه، بل جاءت عليه لحظة بدأ يحس فيها أن شعوره يخونه، وأن من الممكن أن تكون المرأة بريئة كل البراءة، وأنه هو الذي يصور الأشياء كما يحلو له، بل دفعه الخوف إلى أن يتأكد، وهكذا ازداد التصاقًا بها واقترب بفمه من رقبتها، ثم ظل يلامس رقبتها بشفتيه حتى أحس بجلدها يقشعر تحت لفح أنفاسه، وحينئذٍ رفع فمه قليلًا والتقت شفتاه بشفتيها وقبَّلها، وفوجئ بها تضمه هي الأخرى وتقبِّله.

وغمغم يقول: أريد أن أُقبِّلك مرة أخرى.

وغمغمت هي الأخرى: وأنا أيضًا.

وفارت الدماء في عروقه. هذه هي المرأة وإلا فلا؛ النساء في الشرق جثث لا نستطيع أن ننالهن إلا رغمًا عنهن، حتى لو كن يذبن غرامًا فيك، لا يرضيهن إلا أن يؤخذن عنوة، ولكن المرأة هنا يا سلام تقبِّل المرأة فتقبِّلك، تحضنها فتحضنك، تأخذها فتأخذك، هذا هو الشغل المضبوط، هذه هي المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، وأمسك بيدها يعبث بها وقد بدأ يحس ناحيتها بأُلفة وحنان، واسترعت أصابعها الرفيعة القوية من الضرب على مفاتيح الآلة الكاتبة حتمًا انتباهه، ومن لمس الأصابع أحس بلحظة زمالة غريبة تربطه بها.

ووجد نفسه يسألها: البيت بعيد؟

– هنا بعد قليل.

كانا قد قطعا شوطًا كبيرًا، والشارع بدأت المصابيح التي فيه تقل وبدأ الظلام يكثر، وعلى عكس ما كان يتوقع درش أحس للظلام بألفة عجيبة فقد كان كستار أسود كبير مسدل على البقعة وعلى النمسا، وحتى على أوروبا كلها، يكاد يحجبها ويجعله ينسى إحساسه بالغربة.

سار مسافة أخرى طويلة ولم يبدُ على ملامحها أنهما قد اقتربا من البيت، وبدأ درش يحس بالقلق لطول المسافة؛ فالموقف بينهما — وكان قد بلغ درجة من السخونة — إذا طالت المدة عليه ربما يبرد، وربما يؤدي الطول إلى حديث، والحديث في موقف كهذا غير مستحب، بل في الواقع بالغ الضرر.

– لا بد أن بيتك في آخر الدنيا!

– إذن فقد وصلنا إلى آخر الدنيا.

وضحك. وضحكت هي الأخرى وهي تقول إن البيت في الشارع الجانبي القادم. وتنفَّس درش الصعداء؛ فحقيقة بعد خطوات قليلة دلفا إلى شارع متفرع ضيق، ومع ضيقه فقد كان يكتنفه صفان من أشجار طويلة جدًّا، ربما تكون أشجار الصنوبر التي درسها في الجغرافيا، وكان الشارع سكنيًّا صرفًا مكونًا من بيوت منخفضة متقاربة.

وظلا سائرين إلى أن وصلا إلى بناية ضخمة مكونة من عدة أدوار وعدد من «البلوكات»، وأشارت هي إلى البناية وقالت: هنا أسكن في البلوك إلى اليمين.

وأضافت: أتعرف أن كل هذا يملكه مالك واحد؟

ولكنه أحس من إضافتها أنها تريد أن تخفي شيئًا، وفطن إلى أنها ربما تريد أن تخفي عنه أن المالك الواحد هو الحكومة مثلًا، وأنها بيوت مقامة لصغار الموظفين، عبيطة! حتى لو كانت تسكن في عشة فالمشكلة ليست في سكنها. المهم فيها هي.

ودخلت المبنى الثالث الذي كان يحفل مدخله بعدد غير قليل من البسكليتات، ودخل وراءها. كان المدخل مظلمًا وهمس لها: في أي دور؟

– هنا.

قالت هذا وهي تصعد بضع درجات إلى الدور الأول، ثم تقف عند باب الشقة المواجهة للمدخل.

وخُيِّل لدرش أن كل ما يدور أمامه غير حقيقي، لا بد أنه يحلم أو يخرف. ولكن المصيبة أنه لم يكن يحلم أو يخرف؛ فقد تمهَّلت عند الباب قليلًا، ثم أدارت المفتاح، وانفتح باب الشقة، وتركت الباب مفتوحًا، لم تكن الشقة مظلمة من الداخل. كان يضيئها مصباح كهربائي خافت الضوء، وأحس درش برهبة ودارت بعقله الظنون، لماذا لا تكون هذه المرأة واحدة من عصابة تستدرج الناس والغرباء من أمثاله بوجه خاص لتقتلهم، كما كانت تفعل ريا وسكينة في مصر؟ خاطر تافه صحيح. ولكن ماذا يمنع أن يكون حقيقيًّا؟ واقترب من باب الشقة يتسمَّع مصممًا أن يطلق ساقيه للريح لو سمع كلامًا في الداخل أو صوتًا ولكنه لم يسمع شيئًا. وغابت. كان مفروضًا أن تدعوه للدخول، فلماذا غابت في الداخل؟ لا بد أن هناك أمرًا يدبر.

– لماذا لا تدخل؟

ثم أردفت هامسة: ادخل.

ودقَّ قلبه بلا خوف، وأحسَّ باضطراب وهو يدلف من الباب، وخطا إلى الداخل بخطوات شديدة الحذر وكأنه يسير على حافة هاوية، وكانت هي تسير أمامه. والغريب أنها كانت تسير عادية جدًّا بلا أي خوف أو حذر.

لم تكن الصالة واسعة، كانت صغيرة محندقة، كل ملِّيمتر فيها مستغل، ورغم الضوء الباهت فقد استطاع أن يميز قطع الأثاث ونوعها، لم تكن جديدة ولكنها أيضًا لم تكن تبدو وكأنها استعملت لفترة طويلة، ثم الصالة، والبيت كله له رائحة خاصة، رائحة بيت العائلة الصغيرة حين تدخله لأول مرة، وكأن لكل عائلة رائحة خاصة لا يدركها إلا القادم الغريب.

وقالت له وهي تهمس من بعيد همسًا عاليًا يصل إلى مستوى: ألا تنوي أن تغلق الباب وراءك؟

وأدرك مرتبكًا أنه نسي أن يقفل الباب الخارجي، وحتى لم يعرف كيف يغلقه. وجاءت هي تساعده، وقالت له بعدما انتهيا من إغلاق الباب: لا تُحدث صوتًا.

وكان في غير حاجة إلى نصيحتها، فهو لم يكن يحدث صوتًا ولا حسًّا ولم يكن في الواقع يحدث أي شيء بالمرة، كان الموقف غريبًا عليه تمامًا لا لأنها متزوجة؛ فهو قد عرف في حياته ومغامراته كثيرات متزوجات ولكنه كان يقابلهن في أمكنة أخرى غير بيوتهن.

ولم يكن ارتباكه لإحساسه بأنه ينتهك حرمة بيت أو شيء من هذا؛ فكلمات مثل حرمات البيوت والأربطة المقدسة لم يكن لها أي مكان في قاموسه الخاص، كل ما في الأمر أن الوضع كان غريبًا عليه، وجديدًا في الوقت نفسه، بل أكثر من هذا كان بعض التزايد في دقات قلبه مرجعه إلى أن غرابة الوضع قد استثارته أكثر، فها هو ذا لا ينال امرأة أوروبية فقط، ولكنه ينالها في ظروف جديدة مثيرة.

ودخلت بابًا في نهاية الصالة يقابل الباب الخارجي، وفهم من هذا أن عليه أن يتبعها، وبينما كان يعبر الصالة بدأت أذنه تتلقف صوتًا خافتًا منتظمًا.

وتوقف وتسمَّع برهة، كان غطيطًا ما في ذلك شك، غطيط صادر من الحجرة ذات الباب الموارب على اليسار، وابتسم في طفولة؛ فقد كان الغطيط رفيعًا صغيرًا منخفضًا كغطيط القطط، لا بد أنه غطيط أحد أولادها.

وخرجت هي من باب الحجرة التي دخلتها، وقالت بصوت لم تحاول أبدًا أن تحيله إلى همس أو تخفضه: لماذا لم تدخل. أهناك شيء؟

– أبدًا، أبدًا.

قال هذا وهو يستغرب؛ فالواقع أنها منذ أن دخلت الشقة تحولت إلى كائن آخر غير الذي عرفه. أصبحت تتصرف بحرية وبطريقة عملية وبجرأة، ربما لإحساسها أنها في بيتها، أما هو فلم يعد سيد الموقف أبدًا، أصبح هو الذي ينتظر حركتها ليتحرك، أصبح هو المقاد الذي يتهيب أي شيء ويحدق في كل شيء وكأن كل شيء يحدق فيه ويحاول ضبطه.

ودخلت الحجرة مرة أخرى، وبهياب أكثر دخل وراءها.

ومنذ أول نظرة كان واضحًا أنها حجرة نوم، أو على وجه الدقة حجرة نومها بالذات؛ ففي جانب منها سرير، سرير يستلفت النظر فعلًا، فلا يستطيع الإنسان أن يعتبره سريرًا لشخصين أو لشخص واحد، سرير بين بين وكأنما صنع ليتسع لشخص ونصف شخص، وبجواره منضدة مزدحمة بآلاف الأشياء: أدوية ومنبه وأدوات تواليت وكتب وفرش وإبر تريكو وشفرات حلاقة وأشياء لا تخطر على بال. وبجانب الحائط المقابل كان هنا سرير أطفال على هيئة أرجوحة، وفي السرير طفل صغير لا تعرف إن كان بنتًا أم ولدًا.

وحين رأته يطيل النظر إلى السرير الصغير قالت: هذه فيولا الصغيرة، ستة شهور.

– حقيقة؟!

خرجت الكلمة من فمه والدهشة تسبقها وتتبعها؛ فالطفلة كانت كبيرة، حجمها يوازي حجم ابنته ذات العام والنصف العام، عجيب أمر هؤلاء الناس، أبناؤهم دائمًا أصحاء أقوياء ملظلظون، وأبناؤنا دائمًا يعانون المغص والإسهال وعشرات اللفف والعيون الحاسدة، ولكن أهم من تلك المقارنة التي راح يعقدها خفية بين ابنته وابنتها كان عليه أن يفكر في حل لهذه الفيولا الصغيرة الضخمة، فلا بد من نقلها من الحجرة، وأمر حرج غاية الحرج أن يطلب من أمها هذا.

وفوجئ حين قالت الأمر بطريقة عملية جدًّا وبلهجة خالية من الآهات أو الحسرات: ماذا نفعل بها؟ أعتقد أن علينا أن ننقلها إلى الحجرة الأخرى التي ينام فيها الولدان.

فوجئ درش إلى الدرجة التي سألها ببطء: ننقل من؟

وبسرعة قالت له: ننقل فيولا طبعًا، هذه حجرة النوم كما تعلم، وطبعًا لا بد من نقل فيولا إلى الحجرة الأخرى. ألا تعتقد أن هذا ضروري؟

وابتسم ابتسامة بلهاء لا معنى لها، ولكي يعوض لخمته والغباء الذي ادعاه لصنع المرح والخفة قال: طبعًا طبعًا. يجب هذا طبعًا، هيا بنا. سأحمل أنا من هنا.

واتجه إلى طرف من السرير وحمله قبل أن تحمل هي من الناحية الأخرى، ويبدو أنه فعل هذا بحماس أكثر من اللازم؛ إذ سرعان ما قالت له: احترس! ليس بهذا الشكل. قد تستيقظ وتأخذ مدة طويلة لكي تعود إلى النوم، لا ترفع إلا إذا رفعت أنا. هيه.

ورفعا السرير وراحا يسيران به في بطء واحتراس زائدَين، هي بظهرها وهو بوجهه، وكان انتباهه طوال الوقت مركزًا تركيزًا خطيرًا فوق وجه الطفلة النائمة في براءة الملائكة علَّه يلمح أي تغير بسيط يحدث لملامحها وينبئ عن قرب يقظتها؛ إذ كان خائفًا خوف الموت أن تستيقظ، لا لأنها ستأخذ وقتًا طويلًا لكي تعود إلى النوم، ولكن لأنه خُيِّل إليه أنها لو استيقظت فستفسد الليلة كلها وتثور أعصابه ويتعكر مزاجه.

ولكنه كان أحيانًا يرفع وجهه عن وجه البنت ويحدِّق في ملامح الأم محاولًا أن يقرأ انفعالاتها؛ فالذي يحدث أمر غير عادي بالمرة، أم تساعد طارق ليل مثله في نقل ابنتها ليخلو لهما الجو، أمر غير عادي تمامًا، ولكن العجيب أنه لم يستطع أن يتبين أي تغيير خطير في ملامح الأم، كل ما استطاع أن يلاحظه أنها هي الأخرى تركز انتباهها على وجه البنت مخافة أن تستيقظ، ربما هذه طريقة النمساويين في الخجل.

ولحسن الحظ لم تستيقظ فيولا، رغم ارتطام السرير مرة بمنضدة الطعام القائمة في ناحية من الصالة، وحين وصل الموكب إلى باب حجرة نوم الطفلين، دلفت هي أولًا من الباب، ودخل هو بحذر أشد، وفجأة غمغم صوت صغير حافل بالنوم: مامي.

وفي لمحة كان درش قد أنزل السرير من يده، وفي قفزة واحدة كان قد أصبح في الصالة، ومن ثَم في حجرة النوم الأخرى التي كان بها منذ هنيهة، ولم يلتقط نفسه التالي إلا بعد أن أغلق الباب ووقف خلفه يتسمَّع أدق الأصوات، ويتنفس ببطء شديد وبهدوء حتى لا يطغى صوت تنفسه على سمعه. حدث كل هذا في لمحة خاطفة، وكأن الصوت الذي قال مامي كان صوت الزوج أو صوت رئيس عصابة مسلح بمدفع رشاش.

وبقلب يدق بالهلع مضى درش يتسمَّع. والتقطت أذناه المرهفتان حديثًا قصيرًا خافتًا بين الأم التي استطاع أن يميز صوتها وبين أحد أطفالها، ربما البنت وربما الولد لم يكن يعرف أيهما، ولكنه لأمر ما تمنى أن تكون التي استيقظت هي البنت.

وخُيِّل إليه أن ساعة طويلة قد مضت قبل أن تتحرك أكرة الباب الذي يحتمي خلفه، وتدخل المرأة وهي تكاد تموت على نفسها من الضحك.

وقالت له باستغراب: ما الذي أخافك؟

وأحس بالخجل؛ فقد أدرك لحظة سؤالها فقط أن ما فعله كان عملًا دل على رعبه الشديد، وقال: أبدًا، أنا خفت؟ أبدًا، فقط كما تعلمين، لا أريد إحراجك إذا كان أحد الأطفال قد اكتشف وجودي، طبعًا هذا لا يصح. أليس كذلك؟

فقالت وقد جلست فوق السرير ومدت يدها تخلع حذاءها: اطمئن، هم لا يدركون شيئًا. والآن لا تخف لقد أصبحنا وحدنا. أليس كذلك؟ أنا وأنت فقط.

وأعجبته كلماتها، كانت أول كلمات تقولها منذ أن تعارفا — ويحس منها أنها فعلًا تريده بصراحة ووضوح ودون أدنى مواربة.

وكان السؤال لا يزال يؤرقه، فهو خبير بالنساء، ويستطيع أن يقسم على كل مقدس أن هذه المرأة خام مائة في المائة، وأنها ليست عابثة ولا مغامرة. فلماذا رضيت به؟ وحتى لو كان قد أعجبها وسحرها لماذا قبلت وهي الزوجة والأم أن يصحبها إلى شقتها بمثل تلك الصورة؟ لهذا حين نطقت كلماتها السابقة اطمأن وأحس أنه لو سألها أي سؤال، حتى ذلك السؤال، فلن تغضب ولن تتحرج من الإجابة عليه.

ورأى أنه من اللائق أن يخرج سؤاله بطريقة بريئة ومؤثرة لا تجعله يبدو في نظرها ساذجًا أو محبًّا للاستطلاع، فمن صفات الرجل الكامل في نظره ألا يكون ساذجًا أو محبًّا للاستطلاع. وهكذا وقف أمامها وهي تخلع جوربها، ووضع يديه في جيب بنطلونه وقال بلهجة مغرية وبنبرة آسرة.

– أنا كما ترين أحب الصراحة، وهناك أمر يحيرني جدًّا وأحب أن تكوني صريحة معي فيه.

فسألته بقلق بريء: ما هو؟

– السؤال هو بصراحة: لماذا قبَّلتني؟ أنا أعلم أنك لم تفعلي هذا على سبيل اللهو أو العبث. وأعلم كذلك أنك لا يمكن أن تكوني قد وقعت في حبي من أول نظرة، السؤال محرج جدًّا، وقد أبدو سخيفًا في نظرك ولكني أستحلفك أن تقولي لي لماذا؟

وضحكت بل خجلت، وتأكد أن خجلها خجل حقيقي فعلًا مثل خجل المرأة في القاهرة وفي كل مكان؛ فقد كان مصحوبًا باحمرار خديها وسقوط أجفانها فوق عينيها.

– أبدًا ليس محرجًا بالمرة، ولك حق فيه، ولا أعرف كيف أقول لك ما أريد قوله، ولكن، أنت تعلم، لا تؤنبني على هذا ولكنه الحقيقة، الحقيقة أننا هنا في الغرب نسمع عن الشرق كثيرًا، وعن غموضه ورجاله وسحره، وطالما داعب خيالي الأمير الشرقي الأسمر، داعب خيالي وأنا بنت مراهقة، وحتى وأنا متزوجة وأم، وحين رأيتك خُيل إليَّ أني عثرت عليه وأنها فرصة العمر، لا تلمني أرجوك، ولكنها فرصة العمر، ولو لم تكن أنت قد صعدت إلى الترام ورائي لهبطت أنا في المحطة التالية وعدت إليك، وقد كذبت عليك، إني أقيم مع زوجي فعلًا، ولكنه سافر إلى كوبنهاجن من أسبوع وهو موظف في الخطوط الجوية الإسكندنافية.

كانت تقول هذا وعيناه منخفضتان حائرتان بين تتبع عملية خلع جواربها وبين استراق النظر إلى ساقيه المنتصبتين أمامها، وكان كلامها لا ينساب انسيابًا طبيعيًّا، أحيانًا تتوقف. وأحيانًا تتردد. وأحيانًا تدعم الكلمات، وتوقفت برهة ثم رفعت إليه عينيها وواجهته قائلة: هل أجبت عن سؤالك يا أميري الشرقي؟

– أجل يا امرأة أحلامي الأوروبية.

قال درش هذا وقلبه يخفق خفقات يعرفها تمامًا، تلك الخفقات التي يحسها حين يقدم على أمر رائع خطير، هي الأخرى كانت لها أحلامها في الرجل الشرقي الممتلئ بالرجولة ذي الجواري والحريم، وهو جاء خصيصًا ليبحث عن المرأة الأوروبية ذات الشخصية والحضارة، فيا له من لقاء.

إنه ينتظر منها الكثير، وهي بدورها لا بد تنتظر منه الكثير، فمن أين يبدأ المقدمات؟ لا بد من عمل قليل من المقدمات، وبدأ درش يهيِّئ نفسه ولم يكن هذا سهلًا؛ فالأحداث كانت كثيرة ومتتابعة، ولم يكن لديه أي وقت لاستيعابها. ولا يزال لا يصدق كيف أن المرأة التي قابلها في الشارع منذ ساعة بلا أي أمل حتى في الحديث معها، كيف أصبحت الآن طوع بنانه، ولكن سواء استوعب عقله الوضع أم لم يستوعبه، عليه أن يظل سيد الموقف، عليه أن يحدد بالضبط متى يبدأ في المقدمات.

ولكنه وجد نفسه بعد ثانية واحدة في غير حاجة إلى المقدمات بالمرة؛ إذ هي لم تكتف بخلع الجوارب، فقد خلعت كل ملابسها، ووقفت أمامه كما ولدتها أمها.

ولم يكن الانزعاج الذي أحس به درش انزعاجًا عاديًّا، كان واقفًا فجلس على الكرسي وراح يحدِّق في جسدها العاري وقد تبخَّرت من عقله كل مشاكل المقدمات، إيه ما هي حكاية هذه المرأة بالضبط؟ فلتكن قد حلمت بأميرها الشرقي كما يحلو لها، ولكن هل هذه هي الطريقة المثلى لمعاملة الأمراء الشرقيين؟

وفك رباط عنقه وخلع جاكتته ليريها أنه ليس أقل منها جرأة، غير أنه بعد أن فعل هذا وجد نفسه يسألها: أريد الذهاب إلى الحمام. ممكن؟

لماذا الحمام؟ لم يكن يدري، كل ما كان يريده في تلك اللحظة هو بضع ثوان يلتقط فيها أنفاسه ويهضم ما حدث.

وقالت له وهي تغلق عينيها: أول باب على يمينك.

وخرج، وكان صحيحًا ما قالته، فأول باب على يمينه كان باب حمام فعلًا، فتحه ودخل، وظل يعسعس على مفتاح النور حتى وجده وأضاءه ووقف يدير رأسه في كل اتجاه، كان الحمام صغيرًا جدًّا، تمامًا مثل الحمامات في مصر، وكأن ذِمم أصحاب البيوت ضيقها واحد في كل زمان ومكان، حمام تحس أنه يمتُّ أيضًا إلى عائلة تسكن في شقة مزدحمة صغيرة، ولم يتفرج درش على الحمام طويلًا فقد راح يهيِّئ نفسه لاستعمال التواليت مع أنه كان متأكدًا تمامًا أنه ليست به حاجة إلى استعماله، كل ما في الأمر أنه ما دام قد قال لها إنه يرغب في الذهاب إلى الحمام فعليه أن يستعمل الحمام فعلًا، وكأنها ستراقبه من مكانها البعيد لتعرف إن كان قد ضحك عليها أم قال لها الحقيقة.

وبدأ درش يلاحظ أنه هناك في حذاء وجهه تمامًا يوجد حبل غسيل صغير ممتد بين حائطي الحمام، وهزَّ كتفيه كمن يقول: كأننا يا بدر لا رحنا ولا جئنا؛ ففي حمام بيتهم أيضًا يوجد حبل غسيل مثل هذا تعلق عليه زوجته ملابس ابنتهما الداخلية، ما فائدة أوروبا إذن إذا كان أناسها يستعملون نفس الأشياء التي نستعملها؟

غير أن ما استرعى انتباهه حقيقة هو أنه وجد الحبل يزدحم بعدد لا يحصى من الملابس الداخلية للأطفال أكثر من عشرين قطعة في حجم الكف، وكأنها صنعت لترتديها عرائس أطفال، لا بد أن هذه المرأة نظيفة ونشيطة، كيف يا ترى تجد الوقت الذي توفِّق فيه بين عملها في الصباح والمساء وبين بيتها وهذه العناية التي توليها أولادها.

غير أن اعجابه بالمرأة لم يستمر طويلًا فقد لسعه شيء ما، في هذه اللحظة فقط أدرك أن المرأة التي اصطحبته إلى منزلها حقيقة أم، وشيء غريب هذا! لقد نقل معها ابنتها، وحدَّثته طويلًا عن أبنائها، ولكنه أبدًا لم يؤمن أنها أم إلا حين رأى العدد الكبير من ملابس الأطفال الداخلية، هي أم ولها بيت وزوج وأولاد، والأعجب من هذا أنه ربما للمرة الأولى في حياته أيضًا يدرك في تلك اللحظة بالذات أنه هو الآخر أب له بيت وزوجة وابنة لها ملابس داخلية مثل تلك الملابس التي تلاصق وجهه والتي تنفذ منها رائحة الصابون الذي غسلت به إلى خياشيمه.

وأحس أنه لم يعد في حاجة لاستعمال التواليت، فخرج، وذهب إلى حجرة النوم.

وحين فتح الباب ودخل لم يجدها عارية، كانت قد تمددت فوق السرير الذي صُنع لشخص ونصف شخص وغطت نفسها بملاءة السرير البيضاء، ولم يبقَ ظاهرًا منها إلا وجهها وعيناها فقط، أو على وجه الدقة لم يبقَ ظاهرًا منها إلا انفعال واحد التقطه درش من لحظة أن وضع قدميه في الحجرة، انفعال تختلط فيه الرغبة بالاستسلام والأماني بالحقائق.

ودلف إلى جوارها في السرير وتأمل وجهها المبتسم، كان به نمش صغير كرءوس الدبابيس لا يُرى إلا عن قرب، وسمع دقًّا عاليًا يتصاعد بجوار أذنه ويقلقه، والتفت، كان المنبه الصغير هو الذي يرسل دقاته فقال لها: هل باستطاعتنا أن نخرج هذا الشيء المزعج من الحجرة؟

وبدا أنها أفاقت قليلًا من هيامها، وما لبثت أن قالت: لقد كدت أنسى، لا بد لي من ضبطه على السادسة. هل نسيت؟ لا بد لكي أصل إلى المكتب في الثامنة أن أستيقظ في السادسة.

ومضت تملأ جرس المنبه، وقالت بدلال وهي تضبط عقربه: الساعة الآن الثانية.

وحين انتهت أخذ منها المنبه ولفه في فوطة وجه ليخفي صوته، وقام من الفراش ووضعه في ركن الغرفة البعيد ليخمد أنفاسه نهائيًّا، وعاد إلى رقدته بجوارها، غير أنه ما كاد يستريح هنيهة حتى جاءته دقات المنبه منتظمة عالية في انتظامها؛ بل خُيِّل إليه أنها أعلى مما كانت.

وتولته حالة عصبية، واحتضنها بقوة فقالت: ستكسر ظهري يا أفريقي.

أفريقي مين؟ لا ريب أنها تقول هذا لتستثير رجولته، أو بالأحرى ما تتخيله هي عن فحولة الأفريقي الشرقي المعهودة، لا بد إذن من أن يرفع درش رأس أفريقيا والشرق عاليًا، وإلا خيَّب آمالها وجعل رقبة أفريقيا كالسمسمة، وكاد درش يضحك وقد خُيِّل إليه أن شعوب أفريقيا مثلًا قد اجتمعت كلها وانتخبته ليمثل رجالها في تلك المباراة، بين رجل أفريقيا وامرأة أوروبا، ولكنه لم يضحك. نظر إلى جسده هذا الذي سيدخل المباراة الخالدة فلم يجد فيه من علامات الأفريقيين شيئًا كثيرًا؛ فلا هو زنجي اللون، ولا قامته طول أشجار جوز الهند، ولا صدره مليء بالشعر الكث كألياف النخيل، وقال لها: هل تعتقدين أن الشرقيين والأفريقيين يعني …؟!

قالت وهي تموء: ألا تعتقد أنت هذا؟

وضمها درش بحنان أول الأمر، ولكنه تذكر أن عليه أن يكون «أفريقيًّا» فقسا في ضمته وقبَّلها قبلة متوحشة، فما كان منها إلا أن ضمته هي الأخرى بقسوة وقبَّلته.

وتضايق بعض الشيء، لماذا ترقد مستسلمة وتدع له مهمة الرجل؟ لماذا لا تتمنع قليلًا؟ إن التمنع يضفي على الأنثى أنوثة ويُكسب الرجل رجولة، وإيجابيتها هذه الزائدة عن الحد تُضفي على أنوثتها رجولة، وعلى رجولته سلبية الأنثى، ولكن، أليس هذا هو ما أردته يا درش تمامًا؟ ألم ترد امرأة إيجابية تعطي نفسها بكل قوتها وإرادتها؟

وحدثت ضجة موسيقية في الصالة، ودقت الساعة نصف الساعة. فقال لها: يبدو أن الساعات هنا أكثر من اللازم.

ولكنه في نفس الوقت كان يفكر في شيء آخر، معنى هذه الدقة الثانية والنصف، الوقت يمضي بسرعة وهي موظفة، ودرش هو الآخر موظف ويعلم أهمية المواظبة على مواعيد الحضور، بل من المحتمل جدًّا أن يكون رئيسها في الشركة مثل رئيسه الدكتور نوفل ذي الشعر المشوَّش الذي يحمل دكتوراه لا يدري أحد فيمَ؟ والذي كل همه أن يراجع كشف الحضور والانصراف بنفسه، وكأنه أخذ الدكتوراه في مراجعة تلك الكشوف.

ولا يدري درش لمَ ألقى نظرة جانبية أخرى عليها؟ كانت «صحيح» عارية ولها ابتسامة لا معنى لها، وبشرة صلبة بعض الشيء وأصابع رفيعة أنهكتها الكتابة على الآلة الكاتبة، ولكنها موظفة مثله.

وفي الثانية التالية كان ثائرًا على نفسه؛ فالطريق الذي كانت تسلكه أفكاره طريقٌ إذا داوم على السير فيه لانتهى الأمر بكارثة، عليه أن يركز خواطره ولا يجعلها تتشتت وتتبعثر، عليه أن يصم أذنيه ويغمض عينيه ولتكن موظفة أو عاطلة، المهم أنها الآن أمامه أنثى عارية من دم ولحم على فراش واحد معه في حجرة مغلقة، وقد عثر عليها بعد طول عناء وطول يأس.

وبدأ درش يعاملها كأنثى، أخذ يدها وقبَّلها ووضعها على خده وأحس ببرودة معدنية تنغمش جلده فرفع يدها، كان في أصبعها البنصر دبلة فترك هذه اليد وتناول الأخرى وراح يجريها على خده، ولكنه في نفس الوقت كان يفكر في زوجها، لا بد أنه هو الشخص الذي رأى صورته موضوعة في برواز الكومودينو المجاور للسرير، وتحرك رأسه حتى أصبح في استطاعته أن يواجهه، كان سمينًا بعض الشيء ويبتسم في سذاجة إذ لم يكن هناك أبدًا أي داعٍ للابتسام، وكان حليق اللحية والشارب وشعره خفيف، وقال لها: أنتِ متأكدة أن زوجك لن يأتي الليلة؟

– طبعًا متأكدة، هو لن يأتي إلا في الأسبوع القادم، ذكر لي هذا في خطابه الذي وصلني أمس.

ومضت تتكلم عن الخطاب.

ولم يصغِ إليها، كان في ذلك الوقت يلعن نفسه، ما له هو وما لزوجها وخطابه؟ لماذا يخرج عن «الموضوع» باستمرار، الزمن الذي أمامه محدد وقد أضاع وقتًا كثيرًا، وهي كانت أذكى منه؛ فهي لم تسأله أبدًا عن شخصه ولا شغلت نفسها كثيرًا بأحواله ولا يهمها إن كان متزوجًا أم أرمل، كل ما يهمها أنها الآن معه في حجرة مغلقة واحدة.

وحلَّ صمت.

أثقل صمت، وحاول درش أن يقطعه بحركة، بضمة أو حتى بقُبلة حتى هدأت تمامًا ونسيت ما كان. وما كاد هذا يحدث حتى هبط عليه خاطر عبقري فسألها: هل عندك مشروبات؟

– مشروبات؟

– أجل، نبيذ، براندي، ويسكي أو بيرة حتى.

وضمت حاجبيها مفكِّرة بينما كان هو قد بدأ يرتجف بعصبية حادة كأنما مصيره معلق بالكلمة التي سوف تخرج من فمها، وبدا عليه الارتياح الشديد حين قالت: أعتقد أن عندي بعض البراندي.

– أين؟

– هنا.

قالت هذا وهي تشير له دون أن تتحرك إلى دولاب صغير قائم في ركن الغرفة، وبابتهاج زائد قام وفتح الدولاب وجرد محتوياته بنظرة، وفي قاعه عثر على زجاجة البراندي. لم يكن بها الكثير، كأسان أو ثلاث تعوم فوقها فلينة ساقطة، وبينما كانت تقول له الكوب فوق الدولاب كان هو قد رفع الزجاجة إلى فمه، ودلق محتوياتها في جوفه مع أنه لا يطيق طعمها.

وطبعًا لم يسرِ مفعولها في جسده حالًا، كان الأمر يستلزم بعض الوقت، ولكنه أحس بنفسه منتشيًا حتى قبل أن يصل الخمر إلى رأسه، فجأة بدا له الأمر في غاية الروعة، امرأة جميلة، وليلة سوف يذكرها إلى آخر العمر، وجسد عارٍ أبيض مُشرب بحمرة، تمامًا مثلما يريده، وأبواب الجنة مفتوحة على مصاريعها أمامه. فماذا ينتظر؟

وذهب إليها في الفراش. واحتضنها وهو جالس، ورفع رأسها حتى أصبحت في متناول فمه، ومضى يقبِّلها ويمعن في إثارتها بتقبيلها في عنقها وأذنيها، ولم تكن هي في حاجة لكل هذا.

وقبل أن يسمع هو شيئًا قالت له: الطفلة.

وقبل أن يسألها عادت تقول: اسمع.

ومن بعيد وصلت إلى أذنيه ضجة صغيرة مكتومة يعرفها تمام المعرفة، ضجة الطفل حين يصحو من النوم باكيًا فجأة، وبلا سابق إنذار.

وقالت، وكأنها لا تدري حقيقة ما تفعل: ماذا أفعل؟

غير أنها قامت ولفت الملاءة البيضاء حول جسدها حتى بدت كالشبح الأبيض، ثم خرجت ملهوفة من الغرفة.

وما إن أغلقت الباب وراءها حتى أحس بنوع خفي من الارتياح، ومضى يدور في الغرفة على غير هدًى ويعبث بمحتوياتها بحب استطلاع الأطفال حين يُتركون وحدهم في البيت الخالي، وحتى حقيبة يدها فتحها، كانت تفوح منها رائحة غريبة، خليط من العطر القديم المختلط برائحة الجلد والعرق والبودرة، وكانت فيها بطاقتها الشخصية وكانت تبدو كالمراهقة في الصورة الصغيرة الملصقة بالبطاقة، ثم قبضة مفاتيح كثيرة كل ما كان يميزها عن مفاتيح أي ربة بيت أن بينها مفتاحًا أدرك أنه مفتاح درج مكتبها في العمل؛ فقد كان يشبه إلى حد كبير مفتاح درج مكتبه «الييل»، بل أنه أخرج سلسلة مفاتيحه من جيبه وقارن بين المفتاحَين وضحك؛ فمجرد التشابه بين المفتاحَين أضحكه؛ إذ في ذلك الوقت كان قد بدأ يحس بالسخونة تسري في رأسه، وبشيء يملأ تلك الحفرة الواسعة التي كان يشعر بها طوال الوقت عميقة جوفاء في صدره. وعادت وهي لا تزال ملتفة بالملاءة البيضاء، ولو كانت قد بقيت على حالها لمضى في إقدامه إلى نهايته، ولكنها حتى قبل أن تصل إلى الفراش رفعت الملاءة عن جسدها وألقتها جانبًا، وبدت سخية في عريها، وأكمل طريقه إليها واحتواها بحماس مكسور الحدة، وقبل أن يحدث شيء آخر لمحها تبتسم وكأنها تريد أن تضحك، فسألها، بانفعال: ماذا يضحكك؟

– البنت كانت تريد الذهاب إلى التواليت.

وقال في سره وهو يلعنها: وماذا يُضحك في شيء طبيعي كهذا؟ ولكنه — مجاملة لها — جاراها في ضحكها، وقالت هي: ألفريد هو الذي يفعل هذا في العادة.

– ألفريد مين؟

– ألفريد زوجي، هو الذي يستيقظ على بكائهم ويذهب بهم إلى التواليت، ولم تكد تقول هذا حتى كان درش يقهقه، وأخذت تتأمله وهو ينثني ويعتدل ويضحك ثم سألته بعد أن انتهى: لماذا تضحك؟

فقال وهو يكاد يموت من الضحك: لأنني أحسن من ألفريد.

– لماذا؟

وكاد يقول لها: لأنني ليس من مهامي كزوج أن أذهب بالأولاد إلى التواليت، ولكنه لم يقلها. ليس هذا وقته، الوقت وقت الفراش.

وفي الفراش حاول درش جاهدًا أن يطرد عن نفسه كل الأفكار التي أرادت أن تأخذ بمجامع عقله، ولكنه فشل، كان أحيانًا يحيا معها في الموقف، وأحيانًا يحس بأن عقله قد انفصل عنه ووقف قريبًا من سقف الغرفة يراقبها ويراقبه، لا شك أن المشهد حينئذٍ سيكون مسليًا للغاية، هو شرقي وهي أوروبية وكلاهما متزوج، وكلاهما موظف، وكلاهما قد طال غيابه عن زوجه ورفيقه، وكلاهما يحاول أن ينال الآخر، ويبذل في سبيل ذلك جهد المستميت.

وكل شيء يدور في صمت، الأعصاب تتوتر وترتجف، والعرق الصغير ينبت ويتبخر، والنظرات تخجل أن تلتقي فإذا التقت بدت جريئة لا خجل فيها، والضغطات الهينة أحيانًا المجنونة في أحيان أخرى، وعيناه حين ارتفع صراخ طفلها مرة أخرى، عيناه حين راحتا تأمرانها وترجوانها أن تلزم مكانها وألا تقوم وهو يحاول أن يجد في تفضيلها له على طفلها علامة حب أو رغبة خاصة، وتفضله على طفلها وتبقى فيتمنى لو كانت قد حاولت فعلًا أن تقوم ومنعها هو بالقوة.

كل شيء يدور في صمت لا تقطعه سوى دقات المنبه العنيدة التي كانت تشق نسيج الثوب الملفوف حوله، وتعبر فضاء الحجرة وتصر على الوصول إلى فتحتي أذنيه فتملؤهما، وساعته في يده مقلوبة، ولكنه دائمًا يحاول عدلها لكي يعرف الوقت، والدقائق تمضي بطيئة جدًّا، ومع هذا فالوقت يمضي بسرعة هوجاء ويقترب اقترابًا جنونيًّا من السادسة حيث يجب عليها أن تستعد لمغادرة البيت.

كان هذا كله فوق احتماله، وأيضًا فوق احتمالها، لقد حاولا المستحيل، حاول درش أن يغمض عينيه عن العالم كله إلا عنها وعما يدور في الغرفة، وحاولت هي بكل طاقاتها أن تساعده في إغماض عينيه وليتها لم تحاول، ليتها لم تحاول مساعدته، ليتها فقط تكف عن ابتسامتها الممدودة المرتسمة أكثر من اللازم على فمها، بل والسائلة من فمها أيضًا كروج أُسيء وضعه، ليتها حاولت هذا، فبعد كفاح رهيب كان درش لا يزال يتصبب عرقًا وخزيًا، ولا يزال يلهث، وهي لا تزال تساعده وتبتسم.

وقال درش: لندخن سيجارة.

– أجل ندخن.

وأعطاها سيجارة، أشعلتها بعد أن أدارتها لتعرف ماركتها، وبدت مسرورة بماركتها الثمينة، وأشعل هو سيجارة من الناحية التي فيها الفم الفِل، ولو كان قد حدث هذا في أول الليل لألقى السيجارة وأشعل غيرها، ولكن لم يعد ثمة داعٍ للتظاهر، قطع الفم وأشعلها مرة أخرى.

وجلسا يدخنان.

وحاول أن يفكر بهدوء فيها؛ فوجد أن من المستحيل عليه حتى أن يفكر فيها؛ فكلما فكر فيها تأزم أكثر وعمقت الحفرة التي يحسها كائنة في صدره، بل ما حدث هو أنه وجد أنه كلما بعد عنها بأفكاره ارتاح، كلما أحس أنه هو نفسه، وأنه طبيعي جدًّا، وأن إرادته وأعصابه وجسده ملكه.

وهكذا وجد درش نفسه يفكر في ننُّوسته، وننُّوسته هي أنيسة التي يسميها أحيانًا نوسته وننوسته وسنسنته إلى آخر عشرات الأسماء التي ابتكرها لها، ننوسته التي تركها هناك في شقة متواضعة من شقق شارع ابن خلدون، بل ووجد نفسه يفكر بالذات في وقفتها بالمطبخ حين يجيء هو بهدوء من الخلف ويلف ذراعيه حولها، فتنزعج لثانية واحدة وتخاف ولكنها في الثانية التالية تأمن إليه، وتحس حينئذٍ أنه الرجل الوحيد في العالم، وأنها المرأة الوحيدة التي تصلح له.

ولبرهة خاطفة ظن درش أنه يحلم، ولكنه كان فعلًا يحيط امرأة بذراعيه وكان يغمض عينيه، وخاف لو تحركت المرأة أن تطير نوسة من خياله فأمرها ألا تتحرك، بل غمغم بكلمات لا تكاد تسمع، وحبذا لو أطفأت النور.

ولم يرَ شيئًا؛ فقد كان لا يزال مغمضًا عينيه، فقط سمع تكة زر النور المعلَّق بجوار الفراش وهو يُطفأ، وحتى بعد أن اطمأن إلى أن الظلمة قد سادت الحجرة لم يفتح عينيه، كان لا يريد أن يرى شيئًا؛ فهو لا يرى إلا فراشه ونوسته، ولا يسمع إلا همساتها الرقيقة له، وأصوات بائعي الفول «الحراتي» حين ينادون عليه من بعيد في شارع ابن خلدون.

•••

وتنفس الصعداء وهو يربط حذاءه، كان قد ارتدى كل ملابسه ولم يبقَ إلا أن يمر بالمشط على شعره ويغادر الحجرة والبيت، وكل ما كان يفكر فيه في تلك اللحظة هو مشكلة وصوله إلى فندقه؛ فالساعة كانت قد جاوزت الخامسة، وكيف يستطيع في مثل تلك الساعة، ومن تلك الضاحية البعيدة أن يصل إلى قلب فيينا حيث فندق فيكتوريا الذي ينزل فيه؟

وسألها، قالت: في آخر الشارع يوجد موقف للتاكسي.

ونظر إليها وهي تجيب، ولأول مرة أحس أنه ينظر لها بقوة وسيطرة، كان قد اجتاز الأزمة بتفوق، كان وجهها هادئًا مستريحًا يحفل بالاكتفاء والابتسامة الزائدة عن حدها قد اختفت تمامًا من ملامحه.

وكاد يؤنِّبها بينه وبين نفسه على هذا الإحساس، لولا أنه كان قد انتهى تمامًا منها ولم تعد تهمه في شيء.

وبعد أن مر بالمشط على شعره، وتحسس كالعادة علبة سجائره وسلسلة مفاتيحه واطمأن إلى أن كل شيء على ما يرام، لم يبقَ أمامه إلا أن يغادر البيت وتنتهي الليلة، خاصة وأنها كانت قد انتهت فعلًا وبدأت أضواء الصباح النابتة الزرقاء تمتد إلى الحجرة مخترقة حجب الشيش والزجاج.

ولكنه لا يدري لمَ وقف محرجًا يتردد بين الخروج والبقاء؟ لقد تم له — ولو بعد مآسٍ كثيرة — كل ما أراده، فما الداعي لكل هذا التردد بين الذهاب والبقاء؟

وأي شيء يريده؟ هو نفسه لم يكن يدري، ولكنه كان يحس بشيء يؤرقه، لا لم تكن خيبة الأمل، ولم يكن كذلك تأنيب الضمير، كان بالتأكيد شيئًا آخر.

لقد كان طول الوقت الذي مضى مع نوسة زوجته، كان معها بجسده وعقله وكل ذرة فيه، ولولا هذا لما استطاع أن يلعب دور الرجل، بل دور الأفريقي. وهذه المرأة الراقدة تجتر إحساسها بالشبع كانت تظن أنه معها، لا وحياتك لم أكن معك، أما أنت يا نوسة فلو عرفت ما حدث لظننت أني قد أخللت بعهدي لك، هراء لم يحدث شيء من هذا، لقد كنت طول الوقت معكِ.

أفكار صغيرة دقيقة لم يكن يستطيع أن يقبض إحداها بمفرده، ولكنها كانت لا تكف عن مهاجمته ووخز جنبات عقله وخزًا رفيعًا حادًّا لا يدمي، ولكنه يوجع ويؤلم.

ربما لهذا السبب أقدم على هذا القول الذي بدا في الحقيقة سخيفًا لا معنى له، طرأ له أن يقول للمرأة إنه لم يكن معها، ولكنه كان مع زوجته، وأول الأمر استنكر الأمر بشدة، ولكن عدم المبالاة كان قد استولى عليه وأصبح يحس أن باستطاعته أن يتصرف معها بمطلق حريته، يقول لها كل ما طرأ له، ويفعل كل ما يريد فعله، ثم إنه لن يراها بعد الآن وهي أيضًا لن تراه، هذا آخر لقاء يتم بينهما في الحياة فلماذا لا يقول لها الحقيقة؟ وماذا يهمه لو غضبت وبكت ما دام ما يقوله صحيحًا، وما دام حقيقيًّا، وما دام سيريح به ضميره؟

وهم أن يقول لها هذا، ولكن يبدو أن الجرأة قد خانته في آخر لحظة؛ فقد خرجت كلمات أخرى من فمه، طلب منها أن تعطيه رقم تليفونها ووعدها بأن يتصل بها في المساء، وطبعًا لم تكن لديه أية نية للاتصال بها.

وكانت عيناها مغمضتَين وهي تمليه، ولكنها بعد أن انتهت ولم تحدث حركة في الحجرة تُنبئ عن خروجه ولا بدرت منه كلمة وداع، فتحت عينيها. ولما رأته واقفًا تلك الوقفة الغريبة ابتسمت له نفس ابتسامتها الممدودة.

وأحس أنها محرجة هي الأخرى أن تسأله عن الداعي لبقائه، وكل شيء يهيب به أن يذهب.

وما إن لمح ابتسامتها الممدودة حتى زايله التردد، وبدأ يستجمع نفسه ليقول لها الحقيقة.

غير أنه فوجئ بابتسامتها تتسع وتتسع حتى تغمر وجهها كله، ثم تنقلب إلى ضحكة بدت غريبة باردة في تلك الساعة المبكرة من الصباح، وبعد ليلة حافلة كتلك، وعلى هذا بدلًا من أن يقول لها ذلك الشيء سألها عما يدفعها إلى الضحك، فقالت وقد عادت إلى إغلاق عينيها.

– إنه لأمر مخجل.

– قوليه.

– مخجل جدًّا.

كان يقول هذا بلهجة الأمر، ولكنه خاف أن تستنكر لهجته فلا تجيبه.

فعاد يقول: أرجوك، أعتقد أنه لم يعد بيننا ثمة مجال للخجل، قوليه.

ولم تجب.

فتحت عينيها واستدارت وهي لا تزال راقدة وراحت تحدق في صورة زوجها الموضوعة على المنضدة القريبة من الفراش، تحدق عن عمد فيها، وما لبثت أن أخرجت يدها العارية من تحت الملاءة وتناولت الصورة وقربتها إليها.

وحينئذٍ نطقت وقالت: أتعلم أني كنت معه.

– مع مَن؟

– مع ألفريد.

– متى؟

– حين كنت معك.

وأكملت إجابتها بضحكة، نفس الضحكة التي بدأت بها الحديث.

وظلت ممسكة بالصورة بيدها وقد حجبت الصورة وجهها، ولم يعد باديًا منها إلا ذراعها الذي بدا في ذلك الخليط من النور الكهربائي وضوء ما قبل الشروق باهتًا شاحبًا يكسوه شعر أصفر خفيف.

وقبَّلته.

قبَّلت صورة ألفريد، وما لبثت أن أعادتها إلى مكانها، وقالت وهي تستدير في الفراش ليصبح وجهها إلى الحائط وظهرها إلى درش — وكأنما هي الأخرى لم يعد يهمها من أمره شيء — قالت في شبه غمغمة نائمة: لم أكن أعلم أنه رجلي الأفريقي الذي كنت أبحث عنه.

ولم يرَ درش شيئًا بعد هذا، فقد أحس بغليان يملأ رأسه، واستدار على أعقابه فجأة وخرج من المنزل غاضبًا وكأنه أُهين.

كانت الدنيا في الخارج تحفل بزهزهة ما قبل الشروق، كل شيء هادئ وساكن يتحفز مستعدًّا للنهار الجديد القادم، كل شيء جديد. اليوم جديد. والناس جُدد، وحتى الهواء طازج لم يتنفسه أحد بعد، وكانت البقعة لا تزال خالية من المارة، والضوء الرمادي يكتسح أمامه أضواء مصابيح الشارع فيخمد بريقها ويجعلها تبدو كالثمار التي فات أوانها.

وقبل أن يجتاز آخر بلوك في المبنى سمع درش جرس منبه يدق من بعيد في إصرار مكتوم، لا شك أنه منبهها، ولا شك أنها الآن تناضل إرهاقها وسهرها والدفء، وتحاول أن تغادر فراشها لتلحق بعملها ودنياها.

وأحس درش أنه لم يعد غاضبًا عليها، وحتى لم يعد غاضبًا على نفسه، كل ما أصبح يشغله في تلك اللحظة هو شعور كان قد بدأ ينبثق في نفسه وحنين غريب جارف إلى بلده، وعائلته الصغيرة. والدنيا الواسعة العريضة التي جاء منها.

القاهرة
يونيو، ١٩٦٠م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠