الفصل الأول

في بلاد الكُرج

على امتداد الطرف في أرجاء الغور المنبسط بين جبال القبج (القوقاز)، كانت تقيم قبيلة من أشد قبائل الجركس بأسًا، وأعزهم نفسًا، وأقواهم شكيمة في الحرب والسلم، وأحرصهم على الغلبة وإدراك الثأر …

على أنَّ هذه القبيلة على ما تهيأ لها من أسباب المنعة في أرضها هذه التي تكتنفها رءوس الجبال، منتصبة في كل ناحية كأنها أنياب الأسد، ومن قوة بأس أبطالها المغاوير ذوي الحفاظ والنخوة، لم يتعوَّدْ أهلُها الهدوء يومًا على حال من الطمأنينة والسلام، فلم يزالوا — منذ كانوا — هدفًا لغارات التتار، وغزوات التركمان، وبغتات تُجَّار الرقيق؛ فقد اشتهر فتيان هذه القبيلة وفتياتها بصَباحة الوجوه، ورقة الطباع، ولِين الخلق، وجمال القوة؛ فإن كل ذي مطمح من أصحاب الجاه لَيَرْنُو بعينيه من وراء هذه الجبال المنيعة إلى فتى من فتيان هذه القبيلة، يتخذه ولدًا أو يصطنعه بطانة وحاشية، أو إلى فتاة من فتياتها يؤاخيها على السراء فيتخذها حليلة أو جارية … من أجل ذلك لم تَنَمْ هذه القبيلة ليلة من لياليها إلَّا على وِتْرٍ، ولم تصبح إلَّا على غارة!

وفي ليلة من ليالي الربيع رَقراقة النسيم معطارة الأرج، أوى أهل العشيرة إلى مضاربهم هادئين وادعين، وانسرحت أحلامهم إلى ما وراء هذه الجبال الشم، تُطَوِّف في الآفاق وراء بعض من فارقهم من الفتيان والفتيات منذ قريب أو من بعيد، راضين أو كارهين، إلى حيث يلقون الجاه والغنى والسعادة، أو حيث يحتملون الهَوَان والمَذَلَّة، وضيق العيش وأنكاد الحياة!

وكانت خِيَام العشيرة متناثرة على غير نظام، يقترب بعضُها من بعض حينًا، ويتباعد بعضها عن بعض أحيانًا، وقد أسبغ الليلُ رداءه على الغور كله فلا بصيص من نور، وضرب الصمت على آذان الأيقاظ والنائمين من أهل الحي، فلا حِسَّ ولا حركة، إلَّا عواء كلب، أو ثغاء عنز، أو ضُغاء طفل رضيع، وإلَّا زفيف الريح تضرب في مسالكها بين الخيام المتناثرة، فتضطرب الأطناب في أوتادها، وتهز البيوت هزة خفيفة كما تهدهد الأم وليدها في مهده لينام!

في تلك الليلة كانت نوركلدي ساهرة إلى جانب فراش ولدها طومان، لا يكاد يغمض لها جفن أو ترقأ لها دمعة …

ذلك الصبي هو كل أسرتها التي تعتزُّ بها حين يعتزُّ الناس بأهليهم وذوي قرابتهم. لقد ذهب الجميع فلم يبقَ لها إلَّا هذا الصبي. طفل في العاشرة، ولكنها مع ذلك سعيدة به؛ لأن لها به أسرة ذات عدد!

لقد ذهب زوجها أركماس آخر من مضى، وخلَّفها وليس لها من الأهل وذوي الصهر والنسب إلَّا جنين يرتكض في أحشائها، فكانت هي وذلك الجنين كل الأسرة، لا تجد من تتحدث إليه أو يستمع إليها إلَّا حين تخلو إلى نفسها في تلك الوحدة المُوحِشة، فتمر براحتها على بطنها، وتتحدث إلى ذلك الجنين كأنه منها بمرأًى ومسمع، وكأنه إنسان حيٌّ له عقل وأذنان … وتتنبَّه أحيانًا إلى نفسها فتسخر من تلك الأوهام التي تُخيل إليها أنَّ معها أحدًا تتحدث إليه فيسمع منها، وأنه يحدثها فتسمع منه … ولا شيء ثمة ولا أحد، إلَّا هي وبطنها … هي وذاك الجنين، أو تلك الجنينة!

تلك كانت حالها منذ عشر سنين: امرأة بائسة منقطعة تعيش من الوهم في أسرة ذات عدد، فيها خيال الزوج الذي رحل إلى غير مَعَاد، وخيال الطفل الذي أجنَّته في بطنها إلى ميعاد. ومضت بضعة أشهر منذ غاب زوجها، ثم انهتك حجاب الوهم عن حقيقة صريحة تراها بعينيها وتلمسها بيديها، وصار لها ولد … هذا طفلها طومان بن أركماس: إنسان حيٌّ تستطيع أنْ تتحدث إليه وتسمع منه، وتقص عليه من خبر أبيه، ولكن أين أبوه الساعة؟

لقد كانت ليلة مشئومة تلك التي رحل فيها أركماس لأمرٍ من أمره فلم يعُد، لقد حدثها قلبها ليلتئذٍ أنه لن يعود، فتعلقت به — وقد همَّ أنْ يمضي — تتوسل إليه بعينين ضارعتين أنْ يبقى، فألقى يدها عن كتفه وضمها إليه برفق وهو يقول: سأعود إليك يا نوركلدي!

وارتكض الجنين ساعتئذٍ في أحشائها، كأنَّ له عند أبيه أمنيةً كأمنية أمه … ولكن أركماس لم يستمع إليه، فمضى ولم يَعُدْ منذ تلك الليلة، ولم يعرِف أحد أين ذهب، وعاشت نوركلدي منذ تلك الليلة وحيدة هي وجنينها، ثم هي وابنُها، ولكنها لم تقطع الأمل من لُقيَاه، لقد وعدها، ولا بُدَّ أنْ يفي بما وعد، ولا بُدَّ أنْ تلقاه …

وها هي ذي الليلة تعاودها الذكرى، فهي في خيمتها مع وليدها النائم، ولكن إلى جانبها خيال شخص ثالث …

«أركماس! أركماس! أين أنت الساعة يا زوجي الحبيب؟ أفلا يشوقك أنْ ترى ولدك إنْ كانت رؤية زوجتك الحبيبة لا تشوقك؟»

وأرسلت عينيها، ورفعت يَدَ ولدها النائم إلى فمها برفق، فقبلتها قُبلة وبللتها بدمعة!

لقد كان أركماس فتًى عزيز الجانب، جريء القلب، عارم الخُلق، لا يصبر على دنية ولا ينام على ثأر، وكذلك كان أبوه، ولكنَّ أباه قد مات منذ سنين: كان في بعض المعارك فأصابته طعنة في ظهره فأردته قتيلًا، وفَرَّ قاتله بدَمِه تحت الليل في ركاب قافلة من تجار الرقيق، وكان أركماس وقتئذٍ صبيًّا لم يبلُغ الحُلُم، ولكنه أقسم أنْ يثأر لأبيه من قاتله أينما كان، وأنْ يناله ولو كان سلطانًا على العرش … وترادفت السنون ولم يزل أركماس يتربص لقاتل أبيه ويتقصى أخباره، حتى عرف أين يجده، فودَّع زوجته وخرج لوجهه فلم يعد …

تُرى أين هو الساعة؟ أفي الأحياء هو أم في الموتى؟ وماذا ردَّ زوجته الليلة إلى ذكراه بعد تلك السنين؟

وتململ الغلام في فراشه، وفتح عينيه وتثاءب، والْتَقَتْ عيناه بعيني أمه، وبادلها ابتسامة بابتسامة، ثم نهض إليها وطوَّقَها بذراعيه، وطَبَع على خدها قبلة، وطبعت على جبينه مثلها.

وسمعت الأم في سكون الليل نُباح كلب، فنهضت في خفة وأزاحت ستر الخيمة، وخرجت إلى الخلاء تتفقد غنماتها الجاثمة على مقربة تجتر. وعاد طومان فأوى إلى فراشه ثم أغفى …

وكان نسيم السحر عطرًا نديًّا، وقد عمَّ الظلام وانتشر، فلا ضوء إلَّا ما ترسله هذه النجوم المرصعة في السماء، كأنها عيون تنظر من فروج الخباء!

وغابت نوركلدي قليلًا عن ولدها ثم عادت، ولكنها لم تجِدْ فتاها حيث كان، وكان فراشه لم يزل دافئًا، فهتفت في قلق: «طومان!» ولكن طومان لم يجب أمه، وكررت النداء فلم يجبها إلَّا الصدى، وصرخت …

واستيقظ رجال ونساء في الخيام القريبة، وتراكضت الأقدام في الطرق الملتوية بين مضارب العشيرة. وكان يتردد في الجانب الآخر من الحي صراخ واستغاثة أخرى، وذهبت طائفة من الناس هنا وطائفة هناك، وقال بعضهم لبعض في قلق وغيظ: نخَّاس!

وضمت كل أمٍّ وليدها إلى صدرها، فلو أطاقت لردته إلى بطنها جنينًا، وانبثَّ الرجال بين المضارب يتحسَّسون مواضع خُطاهم، ويتعارفون بكلمة السر، يرجون أنْ يعثروا بذلك الغريب الذي اقتحم عليهم مضاربهم في هدوء الليل ليسترق أطفالهم … ولكن ذلك الطارق الغريب قد اختفى أثره فلم يقِفْ له أحد على خبر، وكأنما أعجلته صرخات الاستغاثة فلم يظفَرْ من غارته تلك إلَّا برأسين اثنين: طومان ابن نوركلدي، ومصرباي بنت جركس، أمَّا مصرباي فطفلة يتيمة لا أم لها ولا أب، وإنما تعيش في كنف سيدة عجوز من ذوي قرابتها، فليس يشق غيابها على أحد، وإنها لَذَاتُ جمال وحيلة، فما أحرى ذلك أنْ يكفل لها من أسباب السعادة ما يُهَيِّئُهَا لأن تعيش هانئة في قصر سلطان من سلاطين الروم، أو من سلاطين مصر. وأمَّا طومان فوا حزنًا! إنه كل شيء في حياة أمه المسكينة، وهي كل شيء في حياته … يا للمسكين ويا للمسكينة!

figure
اقتحم عليهم مضاربهم في هدوء الليل ليسترق أطفالهم.

وأصبح الناس وليس لهم حديث إلَّا أخبار أولئك النخاسين الغلاظ، الذين يطرقونهم حينًا بعد حين، فيسترقون بنيهم وبناتهم، ويمضون بهم موفورين لا يعترض سبيلهم أحد؛ ليبيعوهم في أسواق حلب أو دمشق أو القاهرة!

وأصبحت نوركلدي باكية قد ذهب بها الحزن كل مذهب، تنادي فتاها، وتنادي زوجها، ولا مجيب، ومن حولها نساء يحاولن أنْ يُجَرِّعْنَهَا الصبر والسلوان …

قالت واحدة منهن: الصبر يا نوركلدي! إنَّ الأمر لأهون مما تُقدِّرين، فماذا تظنين أنْ يصيب ولدك؟ إنه لذو عقل وجمال، وإنَّ فيه مخايل من أبيه، فماذا تكون عاقبة أمره إلَّا أنْ يصير أميرًا من أمراء السلطان في مصر أو في بلاد الروم، ينعم بالغنى والمجد والسعادة!

قالت نوركلدي: خلي عنك يا صديقتي! لقد كنت في غِنًى عن كل ذلك به، وكان في غِنًى بي، ومن لي غيره وقد ذهب أركماس!

قالت صاحبتها: يا أُخية! إنك لتنظرين إلى حَظِّ نفسك، فكيف لو رأيتِه غدًا فارسًا على سرجه يقود فرقة من المماليك، والعيون ترمقه من حيث اتجه؟ فما أرى النخاس الذي خطفه وخطف معه مصرباي إلَّا ذاهبًا بهما إلى مصر، تلك البلاد التي تصنع السلاطين، ولعلهما غدًا أنْ يصيرا سلطانًا وسلطانة على عرش فرعون!

فتأوهت نوركلدي وقالت: يا ليت كل ذلك لم يَكُن … لقد كنت أدخر طومان ليقفو آثار أبيه حتى يلقاه حيًّا أو يدرك ثأره!

ثم أطبقت راحتيها على وجهها واسترسلت في البكاء!

قالت عجوز في المجلس: هوِّني على نفسك يا ابنتي، أفَلست تعلمين أنَّ طومان اليوم أدنى إلى إدراك الثأر، وقد وضع قدمه على أولى درجات المجد؟ سيثأر لك ولأبيه من هذه العِيشة الضنك التي تعيشين؛ فليس الثأر هو إدراك الدم، ولكنه إدراك المجد. أم لم يبلغك نبأ جاهنشاه التي باعت ولدها جانبلاط راضيةً لنخاس خوارزمي، ولم تقبض منه الثمن مالًا تنفقه، ولكنها قبضت وعدًا منه بألَّا يبيعه إلَّا لسلطان مصر؟ وقد برَّ النخاس بما وعد؛ فإن جانبلاط ابن جاهنشاه هو اليوم أمير ألف من مماليك السلطان قايتباي ملك مصر والشام وسيد البحرين، ومن يدري! فقد يكون جانبلاط غدًا هو سلطان مصر والشام وسيد البحرين؟

كانت العجوز تتحدث وقد أرهف النساء آذانهن يستمعن إلى ما تقول في لهفة وشوق، والأحلام تُحَلِّقُ بِهِنَّ في أودية بعيدة، وقد غفلن عن نوركلدي وأحزانها، فما كادت العجوز تنتهي من حديثها حتى ابتدرتها فتاة من عرض المجلس تسألها في لهفة: ماذا قلت يا أماه؟ جانبلاط ابن جاهنشاه أمير ألف …؟

وغصَّت الفتاة بريقها فلم تتم، وتعاقبت على وجهها ألوان شتى، وعرف النساء ما بها؛ فرفَّتْ ابتسامة على كل شفة، لقد كُنَّ جميعًا يعرفن ما كان بينها وبين جانبلاط، ذلك الذي كان يطمع أنْ يتَّخِذها زوجة له، فصعَّرت خدَّها وردَّت يَدَهُ كبرياءً وأنفة، فأين هو اليوم منها وأين هي!

ثم استردت الفتاة أنفاسها وأردفت كأنما تعزي نفسها: ومن أين لك هذه الأخبار وأنت هنا وهو هنالك يا أماه؟

فاعتدلت العجوز في مجلسها وقالت باسمة: حدَّثَنِي بها النخاس الذي ذهب به، لقد طرق هذه الحلة مساء أمس يسأل عن أمه ليقص عليها خبره، ولعله كان يطمع أنْ تدفع إليه الحلوان حين يزف إليها البشرى، ولم يكن يعرف أنها قد ماتت منذ عام! ولقيتُه أنا فحدَّثني …

قالت الفتاة منكِرة: حدَّثكِ أنَّ جانبلاط قد صار أمير ألف؟َ!

قالت العجوز ساخرة: نعم، وأنه قد تزوج واحدة من بنات السلاطين … عرفتُ ذلك من نخاس خوارزم نفسه!

وكانت نوركلدي في شغل بنفسها عما يتحدث به النساء حولها، لا تكاد تسمع شيئًا منه، فما كاد يطرق أذنها آخر حديث العجوز، حتى اتجهت إليها تسألها في اهتمام: نخاس خوارزم كان هنا أمس؟!

– نعم!

قالت نوركلدي وقد عاد صوتها أكثر اطمئنانًا وأمنًا: الآن عرَفتُ أين ذهب ولدي طومان ومن ذهب به … آه من ذلك الوحش الغليظ الذي خطف ولدي فأثكلني بعد ترمُّل، وتركني وحيدة في أحزاني!

ثم هتفت في عزم: لا، لن أتركه يذهب به بعيدًا، سأدركه، لا بُدَّ أنْ يعود إليَّ طومان العزيز! سألقاه … سألقاه … سأراه ثانية ولو لفظتُ آخر أنفاسي على الطريق إليه!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤