الأقوى هو الأكثر مسئولية وليس العكس١

من المفيد مواصلة الحوار الذي بدأته مجلة روز اليوسف حول عمل المرأة والزواج والطلاق وتعدد الزوجات. وقد وجدت في رد الدكتور رشدي إسماعيل كثيرًا من النقاط المتناقضة كالآتي:

يقول الدكتور رشدي إسماعيل: إن تشريع تعدد الزوجات في الإسلام ليس من أجل الشهوة والهوى. وأتفق معه في هذا، لكنه يعود ويقول: إن التعدد شُرع لإشباع رغبة الرجل الجسدية في أيام الدورة الشهرية أو النفاس أو الحمل؛ لأن هناك من الرجال من قد لا يقبل الانتظار بسبب تكوينه الجسمي.

ولم يشرح لنا الدكتور رشدي إسماعيل ما هو هذا التكوين الجسمي الذي يجعل الرجل عاجزًا عن تأجيل شهوته ثلاثة أيام أو أربعة أيام (الدورة الشهرية)؟ وهل هذا التكوين الجسمي يشمل جميع الرجال؟ وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون لجميع الرجال زوجات أخريات أو عشيقات، فهل هذا هو الواقع؟ بالطبع لا، إن أغلبية الرجال حسب الإحصاءات تدل على نسبة قليلة هي التي تمارس التعدد، ونسبة قليلة هي التي تمارس الخيانة الزوجية مع العشيقات.

ومن الناحية الطبية والبيولوجية، فإن الرجل يستطيع التحكم في شهوته كما يشاء إذا كانت لديه دوافع إنسانية أو فكرية أو أخلاقية أو إحساس بالمسئولية تجاه أسرته وأطفاله؛ ولهذا يحض الإسلام على التحكم في الشهوات من أجل صالح الأسرة والأطفال والمجتمع.

ثم إن الأيام التي تعجز فيها الزوجة عن إشباع رغبة زوجها قليلة نسبيًّا لأن أيام الدورة الشهرية وأيام النفاس جميعها تقل كثيرًا عن الأيام الأخرى التي تكون المرأة فيها قادرة على إشباع رغبة زوجها. أما في شهور الحمل جميعها فهي تكون قادرة وليس هناك مانع طبي، بل العكس صحيح، تكون المرأة أقدر وأكثر رغبة بسبب زيادة الهرمونات.

وقد اتضح أن الرجل العادي يرقد في الفراش عاجزًا مريضًا بسبب حرارة الأنفلونزا مدة تصل إلى ٣٠٪ في المائة من عمره، وتزيد هذه النسبة إذا أصابته أمراض أخرى، وهي كثيرة مثل مرض البروستاتا والمثانة والحالب والكلية والكبد والمصارين والشرايين … إلخ.

وقد وُجد أن تعرُّض الرجل لهذه الأمراض ثلاثة أضعاف تعرُّض النساء.

والسؤال هنا: هل إذا مرض الزوج أو الزوجة لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة، هل يصبح من حق الزوج أو الزوجة البحث عن شخص آخر لإرضاء الرغبة الجسدية؟!

أليس أول مبادئ الإنسانية والعلاقة الزوجية الصحيحة أن الزوجين يعيشان معًا في السراء والضراء؟ وإذا استطاعت المرأة أن تتحكم في نفسها (ويقولون عنها هوائية والجنس الأضعف) ألا يستطيع الرجل أن يتحكم في نفسه وهو الأقوى كما يقول الدكتور رشدي إسماعيل؟

وما معنى القوة هنا؟! أهي قوة عضلية أم قوة عقلية وإنسانية وقوة تحمل المسئولية؟! ويقول الدكتور رشدي: إن القيادة للرجل لأنه الأقوى. وإذا كان الرجل هو الأقوى وهو القائد في الأسرة فهو الأقدر على التحكم في نفسه لحماية الأسرة والأطفال من التشرد.

وأول مظاهر الإنسانية والمسئولية أن يبقى الزوج إلى جوار زوجته وهي مريضة، فما بال من تكون في حالة ولادة لطفلهما! ألا يستطيع البقاء إلى جوارها بضعة أيام حتى تسترد عافيتها؟! هل يتركها راقدة بالمستشفى ويذهب إلى امرأة أخرى لأنه عاجز عن تأجيل شهوته؟!

إن أجمل الأيام في حياتي الزوجية هي تلك التي لازمني فيها زوجي خلال الأيام التي وضعت فيها طفلي. ويحتاج الطفل المولود لوجود أبيه وأمه، ويحتاج الطفل لمداعبة أبيه بمثل ما يحتاج إلى مداعبة أمه؛ ولهذا بدأت بعض القوانين في بعض البلاد تعطي الأزواج إجازة رسمية من العمل تتراوح من شهر إلى شهرين لملازمة الزوجة في الولادة والنفاس.

إن ما تسميه «النفاس» ليس مرضًا، ولا يحتاج إلى أربعين يومًا في الفراش. إن عمتي الفلاحة تلد طفلها في الحقل وتعود إلى بيتها لتطبخ وتعجن. وقد وضعت طفلي وغادرت المستشفى بعد أربعة أيام في كامل الصحة.

وقد شُرع تعدد الزوجات لصالح المجتمع في ذلك العصر، لكن التعدد في عصرنا هذا يضر المجتمع ويضر الأسرة والأطفال. وإذا كان هناك بعض الرجال العاجزين عن التحكم في غريزتهم خلال أيام الدورة الشهرية أو غيرها، فإن الشرع أو الدين لا يشرع لهم ما يوافقهم، والشرع يضع مصالح الأسرة والأطفال والمجتمع قبل مصلحة الرجل الجسدية.

ولماذا لا يكون هناك «قاضٍ» في مثل هذه الحالات الشائكة التي تهدد تماسك الأسرة؟! يقول الدكتور رشدي إسماعيل: إن نشر أسرار الأسرة أمام القاضي فضائح فيها من المفسدة أكثر مما فيها من المصلحة. السؤال: مصلحة من؟ ومن الذي يحدد هذه المصلحة: القاضي، أم الرجل الذي لا يستطيع تأجيل شهوته لمدة ثلاثة أيام؟! ثم لماذا نفرض على الزوجة الطالبة للطلاق أن تذهب إلى المحكمة؟! أليس في ذلك نشر لأسرار الأسرة أمام القاضي؟

وهل لمجرد إخفاء الأسرار داخل الأسرة نلغي وجود القاضي؟! إذا عمَّمنا هذا المنطق فنحن في غير حاجة إلى محاكم وقضاة؛ لأن كل قضية لها أسرارها، سواءٌ كانت عائلية خاصة أو اجتماعية سياسية عامة!

ويقول الدكتور: إن التربية الصحيحة بالأخلاق الصحيحة منذ الصغر سوف تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه مسئولًا عن تصرفاته. وأنا أتفق معه تمامًا على هذا، لكن ماذا نفعل الآن والتربية في الصغر لا تربي الإنسان على المسئولية والرقابة على نفسه، خاصةً تربية الولد الذكر الذي ينشأ على الأنانية وعدم احترام حقوق أخته البنت، ويرى أباه في البيت مسيطرًا يلبي رغباته الخاصة وأهواءه على حساب الأسرة والأطفال والزوجة؟!

ونحن لا زلنا في احتياج للقاضي والقانون حتى تتغير أسس التربية ويصبح الرجل رقيبًا على نفسه مسئولًا يضحي برغبته الجسدية أو يؤجلها لبضعة أيام من أجل تماسك الأسرة وحماية الأطفال والزوجة.

أما المرأة فهي خاضعة تمامًا للقاضي والقانون ويُفرَض عليها التضحية بحياتها وعملها وكل شيء من أجل صالح الأطفال والأسرة. فلماذا نعيش هذه الازدواجية القانونية والأخلاقية الخطيرة ونُرجع هذا كله إلى الدين؟!

لقد آن الأوان أن نناقش هذه الازدواجية بالمنطق والعقل والهدوء من أجل إنقاذ الأسرة المصرية من التفكك وحماية الأطفال وحماية المرأة أيضًا. ولماذا نقول إن عمل المرأة مضمون أكثر من الزوج؟ لأن المرأة لا تُطرد من عملها إلا بعد تحقيق طويل، لكنها تُطرد من بيت الزوجية بقرار منفرد من زوجها وبلا سبب إلا أنه لا يستطيع أن يؤجل رغبته الجسدية أو أنه رأى امرأة أخرى أكثر إثارة.

وكما ذكرت، فإن أقلية من الرجال هم الذين يمارسون الطلاق أو تعدد الزوجات. ويقول البعض: لماذا إذن نحتاج إلى قانون والقاضي طالما أن النسبة قليلة؟ لكن المسألة ليست نسبة، مثلًا إن نسبة النساء اللائي يقتلن أزواجهن قليلة، ومع ذلك هناك قانون يعاقب أية امرأة تقتل زوجها دون وجه حق. وفي حالة منى عبد الفتاح لقد برأها القانون لأنها كانت في حالة دفاع عن حياتها وحياة أطفالها.

نحن في حاجة إلى قانون وقاضٍ في حالة الطلاق وتعدد الزوجات لنعرف أنها الضرورة القصوى التي تبيح للرجل أن يطلق زوجته أو يتزوج بأخرى وليس لمجرد إرضاء الشهوة؛ وبالتالي يعاقَب الرجل الذي يضع رغبته قبل صالح أسرته وأطفاله وزوجته.

إن عدم معاقبة الأزواج الذين يسيئون استخدام الطلاق وتعدد الزوجات هو أحد الأسباب الرئيسية وراء تفكك الأسرة، وفي العلاقات داخل العائلة وخارجها، إنه من أهم الأسباب التي تَحول دون تغيير أسس التربية الحالية إلى أسس أخرى صحيحة وعادلة.

١  روز اليوسف، ١٦ مايو ١٩٨٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠