عصر ما بعد الحداثة والعودة إلى الوراء١

عشت السنين الأربع الأخيرة داخل إحدى الجامعات في أمريكا، في قلب الحياة الأكاديمية، حيث يتبارى الأساتذة بكلمات جديدة غير مفهومة لأحد، تلمع عيونهم بالسعادة كلما أصبح الفهم مستعصيًا عليهم قبل الآخرين، وفي جامعة «ييل» في أحد المؤتمرات الدولية الكبيرة تحت عنوان «ما بعد الحداثة وما بعد الكلونيالية» ألقى أحد الأساتذة الأمريكيين المشهورين محاضرة طويلة، سألته بعدها: ماذا يعني بعصر ما بعد الكلونيالية؟ فقال: أعني عصر ما بعد الاستعمار. وسألته: وما هو هذا العصر؟ قال: عصرنا. قلت: «نا» الجماعة هذه تعود على من؟ قال: علينا. قلت: عليكم هنا في أمريكا؟ قال بشموخ الأساتذة الكونيين المؤمنين بنظرية الكونية: لا، أعني سكان الكون. قلت: إذن نحن سكان قارة أفريقيا لسنا من هذا الكون، فلا زلنا نعيش عصور الاستعمار أو النيو كلونيالية «الاستعمار الجديد».

مفهوم عصر «ما بعد الحداثة» «البوست موديرنيزم» لم يستطع أحد من الأساتذة أن يوضحه، تناقضت آراؤهم واختلفت إلى أن أصبح «البوست موديرنيزم» هو كل شيء ولا شيء، الكونية واللاكونية، وخرجنا من المؤتمر كالعادة مصابين بالصداع من أثر الملاكمات اللغوية داخل القاعات المغلقة، والكلمات تتوالد وتتكاثر مثل خلايا سرطانية، بعيدًا عن الواقع الحي أو الحقيقة التي نعيشها داخل الوطن في قارتنا الأفريقية.

وتصفعني الحقيقة حين أعود إلى الوطن، أسمع القصف الإسرائيلي لبيروت وجنوب لبنان وأرض فلسطين المحتلة، وأشم رائحة الغازات السامة المتسربة من مفاعل ديمونة الإسرائيلي في صحرائنا «النقب» على بُعد عشرين كيلومترًا، وتصيبني الزغللة من أثر الرادار أو الإشعاعات النووية.

وأفتح الصحف في الوطن، فأرى مقالات بأقلام الأساتذة العرب والمصريين عن عصر ما بعد الحداثة، وما بعد الكلونيالية وما بعد الكونية، وما بعد اﻟ … إلخ، وكأنما أنا أقرأ الصحف الأمريكية. سألت بعض الشباب من عائلتي: أتفهمون هذه المقالات؟!

ويضحك الشباب في سخرية: لا نفهم شيئًا، ولا نقرأ الصحف؛ لأنها غالية جدًّا ولأننا لا نجد الوقت للقراءة، وقتنا كله ضائع في البحث عن عمل أو الهجرة إلى بلد آخر!

من سمات عصر ما بعد الحداثة أن القادرين على القراءة هم الأساتذة فوق الستين أو السبعين، وهم لا يقرءون إلا لأنفسهم ولا يفهمون ما يكتبون، ينقلون عن الأساتذة المشهورين في أمريكا وأوروبا بكل فخر وشموخ.

أكثر ما صدمني حين عدت إلى الوطن بعض ما قرأت عما سُمي بإعادة النظر في نظرية الاستشراق، ولا شيء اسمه استعمار ثقافي، وقد جاءنا الفرنسيون والإنجليز في حملات تنويرية لانتشالنا من ظلمات الجهل والتخلف، أما الأمريكيون فهم رسل السلام والديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان.

مقالات لكبار الكتاب في بلادنا يُسودون بها الصفحات، وكانوا في الستينيات يُسودون الصفحات ذاتها بمقالات ضد الاستشراق والمستشرقين، وضد الاستعمار القديم والجديد.

في الستينيات كنت طبيبة شابة أفحص الرجال والنساء، يخلع الرجال ملابسهم أمامي دون حرج، لا يشغلني إلا الطب وتشخيص المرض، ولا يشغلهم إلا الرغبة في الشفاء والنهوض، واليوم بعد مرور ستة وثلاثين عامًا أرى طبيبات يخفين رءوسهن بالحجاب خوفًا من الفتنة، أو خوفًا من عذاب القبر، وتسألني إحدى الطبيبات الشابات في أسرتي: هل تعرية الرجل المريض أمام المرأة الطبيبة حلال أم حرام؟! سؤال لم يخطر على بالنا — نحن الطبيبات — منذ أربعين عامًا!

ما الذي أفرغ عقول الطبيبات من الطب والعلم وملأها بالخيالات المريضة عن الشهوات الجامحة؟

والانشغال بذكورة الرجل حتى وهو في النزع الأخير؟!

وقالت لي الطبيبة الشابة من أسرتي: الشيطان يا دكتورة!

•••

ذكرتني هذه الفتاة المصرية برجل من إيران، التقيت به في أحد المؤتمرات الدولية الأخيرة في سويسرا، كان يرأس وفدًا كبيرًا من النساء الإيرانيات المختفيات تحت الشادور الأسود، حين مددت له يدي لأصافحه شد عباءة فوق يده يغطيها قبل أن يصافحني، وسألته: لماذا تغطي يدك يا أستاذ؟ فقال: أخاف الشيطان! فقلت له: أنا قهرت الشيطان يا أستاذ وأصافح الرجال دون أن يحدث لي شيء. فقال رئيس الوفد النسائي الإيراني: ولكني لم أقهر الشيطان بعد!

ولعل هذه هي مأساة هؤلاء الرجال الذين مَلئوا رءوس النساء بالخيالات الجنسية ليل نهار، فلا تكاد الواحدة منهن تكشف عن طرف إصبعها أو خصلة من شعرها حتى تتصور أن رجال العالم سوف يهجمون عليها، والحقيقة المؤلمة أن رجال العالم مشغولون عنها بما هو أهم، اللهم إلا هذا النوع من الرجال، مثل رئيس وفدنا الذي لم يقهر الشيطان بعد، وما إن تلامس يده أي امرأة في المصافحة العابرة حتى تشتعل خيالاته الجنسية.

•••

منذ أكثر من عشرين عامًا كنت عضوة في لجنة القصة في المجلس الأعلى للفنون والآداب، وكان رئيس اللجنة توفيق الحكيم، يتولى أحد الأدباء توصيله إلى المنزل بعد انتهاء عمل اللجنة، وفي يوم غاب هذا الأديب عن الحضور، ورأيت توفيق الحكيم واقفًا في الشارع، مستندًا إلى عصاه ينتظر تاكسي، وفتحت له باب سيارتي وقلت له: «تفضل يا أستاذ توفيق سأوصلك إلى بيتك.» وصاح توفيق الحكيم قائلًا: «أستغفر الله العظيم، لا يمكن أن أركب وحدي مع امرأة في سيارة!» وقلت له: ليه يا أستاذ؟ فقال ضاحكًا: الشيطان يا دكتورة! وقلت له: أنا قهرت الشيطان. فقال: لكني لم أقهره!

وسألت مرة أحد المشايخ المنادين بتحجيب النساء: لماذا تفرض على المرأة الحجاب؟ فقال: منعًا للفتنة؛ لأن المرأة إذا لم تتحجب فقد ينظر إليها الرجال وتثار شهواتهم. وقلت: ولماذا تثار شهوات الرجال لمجرد النظر إلى امرأة لا تغطي شعرها مثلًا؟! وقال الشيخ: لأن الرجال ضعفاء تغلبهم شهواتهم. قلت: المشكلة إذن في الرجال، والمفروض أن تفرض عليهم الحجاب حتى لا ينظروا إلى النساء لا أن تفرض الحجاب على النساء!

هذه البديهيات لماذا تغيب عن كثير من الناس في بلادنا؟ إلا أن المسألة هي من يملك سلطة الأمر والنهي ومن لا يملك إلا الطاعة والخضوع.

•••

منذ نشوء النظام العبودي في التاريخ «الطبقي الأبوي» وقد حُكم على المرأة أن تطيع الأوامر؛ فهي محكومة بقانون الطاعة دون مناقشة؛ لأن المناقشة هي حق من يملكون «العقل»، والمرأة جسد بلا عقل أو عقلها ناقص، خلقها الله للأعمال البيولوجية كالحمل والولادة وليس للتفكير الفلسفي أو القيادة السياسية في الدولة. هكذا انطلقت الشائعة منذ نشوء العبودية.

وكان الرجل العبد مثل المرأة جسدًا بلا عقل، خلقه الله للأعمال الجسدية أو العضلية وليس للأعمال الفكرية، ولا يمكن أن يكون العبيد ضمن الفلاسفة.

وكان «أرسطو» من أكثر فلاسفة اليونان إيمانًا بالعقل، إلا أن هذا العقل وهبه الله لرجال الطبقات العليا فقط، وقسَّم أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م) الموجودات في المجتمع اليوناني القديم إلى قسمين:
  • (١)

    الأشخاص: وهم الأسياد (الرجال الملاك).

  • (٢)

    الأشياء: وهم العبيد والنساء والحيوانات.

وتجاهل التاريخ العبودي كثيرًا من الفلاسفة رفضوا العبودية وثاروا ضد السلطة الحاكمة حينئذٍ، ومن هؤلاء: «ديموقريطس» و«هيراقليطس»، وأيضًا الفلاسفة الذين ارتبطوا بالشعب وأُطلق عليهم اسم «السفسطائيين»، مشتقة من كلمة «سوفيا» أو «صوفيا» وتعني الفلسفة، وكانت «صوفيا» إحدى النساء الفيلسوفات في العصر اليوناني القديم، هي التي أسست علم الفلسفة؛ ولهذا سُميت الفلسفة باسمها، لكن النظام العبودي تجاهل «صوفيا» كما تجاهل غيرها من النساء ذوات العقل والحكمة، بل قلَب الأمور رأسًا على عقب وتحولت المرأة من رائدة الفلسفة وإلهة العقل أو الحكمة إلى حليفة الشيطان ورائدة الخرافة والخزعبلات.

وقد سبقت الحضارةُ المصرية الحضارةَ اليونانية في التاريخ، وكان في مصر القديمة نساء فيلسوفات اندثرن مع نشوء العبودية، مثل «نوت» إلهة السماء في مصر عام ٤٩٨٨ قبل الميلاد، والتي قالت لابنتها «إيزيس» إلهة المعرفة والحكمة: «لا أوصي ابنتي التي ستلي العرش من بعدي أن تكون إلهة لشعبها تستمد سلطتها من قداسة الألوهية، بل أوصيها أن تكون حاكمة رحيمة عادلة.»

•••

كتب توفيق الحكيم مسرحية «إيزيس» عام ١٩٧٦، لكن لم يصورها على ما كانت عليه من عقل وحكمة انتشرت فلسفتها في مصر وانتقلت إلى أوروبا وظلت باقية حتى القرن السادس الميلادي، بل صورها كأنما هي زوجة لأوزوريس فحسب، وقيمتها تكمن في الطاعة والوفاء لزوجها حتى بعد موته.

وفي عام ١٩٨٦ كتبت مسرحية «إيزيس» التي نشرتها في كتاب، ورفض المسيطرون على المسرح ظهورها على خشبة المسرح؛ ذلك أنني صورت إيزيس كما كانت بدورها الفكري والسياسي القيادي.

لقد اندثرت صورة الفيلسوفة المصرية القديمة في التاريخ، بل اندثرت الفلسفة المصرية كلها، وسادت فكرة أوروبية منذ القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر (مع بداية الاستعمار الأوروبي) تقول: إن الفلسفة بدأت في أوروبا وليس أفريقيا، وبدأت في اليونان وليس مصر، وأن حضارة مصر القديمة لم يكن بها فلسفة وإنما خرافات، أو مجرد أحجار الهرم أو مقابر الفراعنة.

خلال وجودي في أمريكا في السنين الأربع الماضية عثرت على مجلة فلسفية تحمل اسم «هيباثيا»، وهي فيلسوفة مصرية قديمة، اندثرت في التاريخ وحُرقت مؤلفاتها مع حريق مكتبة الإسكندرية، وكانت «هيباثيا» تعيش في الإسكندرية. ذبحوا «هيباثيا» بتهمة الكفر ومثَّلوا بجثتها أبشع تمثيل، جروها في شوارع الإسكندرية عارية مذبوحة.

كلما كنت أقرأ عددًا جديدًا من مجلة «هيباثيا» أقول لنفسي: كم يا ترى في بلادنا من يعرفون اسم الفيلسوفة المصرية القديمة «هيباثيا»؟

•••

في مارس الماضي (١٩٩٦) التقيت في باريس بامرأة إيرانية تقود حركة فلسفية وسياسية جديدة. امرأة مسلمة تتحدى فلسفة الخميني وآيات الله، وتمارس حقها في الاجتهاد العقلي؛ اسمها «مريم راجوي»، عمرها ٤٣ عامًا، انتخبها بالإجماع البرلمان الإيراني في المنفى، ٥٢٪ من أعضائه نساء، ٤٨٪ من الرجال، انتخبوها رئيسة لإيران بعد سقوط النظام الحالي. شابة عظيمة الحيوية، متدفقة، تقود الرجال والنساء دون غرور أو غطرسة، تواجه العالم بوجه مكشوف مغسول خالٍ من المساحيق.

في أمريكا وأوروبا عادت النساء الشابات إلى تغطية وجوههن بالمساحيق أو المكياج الحديث، والعودة إلى ارتداء الحلق الكبير الضخم يتدلى من الأذن، والكعب العالي، وجراحات التجميل لتكبير أو تصغير حجم الثدي أو الأنف أو الفم أو الأرداف.

كلما كنت أفتح التليفزيون في أمريكا أشهد تلك الإعلانات عن وسائل التجميل، عملية غسيل لعقول النساء، حتى أستاذات الجامعة بدأن يتأرجحن على الكعوب العالية الرفيعة، تتدلى من آذانهم الأقراط الضخمة، تختفي وجوههن الحقيقية تحت حجاب سميك من المكياج تحت اسم الحداثة أو ما بعد الحداثة.

وأعود إلى الوطن لأجد الداء قد تسرب إلى بلادنا عبر أجهزة الإعلام والصحف، والمجلات النسائية الجديدة ذات الورق الثمين المصقول، والإعلانات عن قصور الجمال الحديثة يُسمونها «بيوتي بالاس» تحت عناوين من نوع: رحلة نجاح في عالم الجمال، وهي ليست إلا رحلة عذاب في عالم الخداع والوهم. يلعب هذا الإعلام دورًا خطيرًا في تحوُّل النساء إلى مخلوقات غبية تؤمن بما يُسمى اللف للتخسيس أو التنحيف، تشتري بقوتها وقوت أطفالها المساحيق المستوردة، تلطخ بها وجهها، تشتري السوائل أو الأعشاب البحرية المستوردة أيضًا، توزعها فوق جسدها وأعضائها وتلف بالأربطة الخاصة، تحرك جسمها داخل أجهزة كهربية أو إلكترونية مستوردة، بأمل إذابة الدهون، ويقول لها الإعلان: تنهضين من تحت الجهاز بعد ساعة واحدة رشيقة مثل غصن البان بعد أن كنتِ مثل كيس البطاطس!

والأخطر من ذلك ما يُسمونه «التاتو» أو المكياج الذي يُحقن في وجه المرأة تحت الجلد ويعيش عشر سنوات!

انظروا معي جريدة الأهرام في ١٣ أبريل ١٩٩٦ ص٢٤، صفحة الرشاقة والجمال، إغراء للنساء لاستخدام «التاتو»؛ إنه نوع من الوشم، تُستخدم فيه أجهزة تعمل بأشعة الليزر، لقطع جفون المرأة أو الشفاه لتكون أصغر حجمًا، وحقن الجلد بمواد تلوين مصنوعة في المعامل الكيماوية تُستخدم فيها صبغات ومحاليل خطيرة، قد تسبب أنواعًا مختلفة من الأمراض الجلدية منها السرطان، مع الألم والعذاب وضياع فلوس المرأة ووقتها الثمين، حتى المرأة الفقيرة الكادحة تستدين لتشتري في أذنها قرطًا أو تعمل التاتو.

يحدث كل ذلك في بلادنا تحت اسم الحداثة والجمال، وما بعد الحداثة، واللحاق بالعصر، وحرية المرأة، والسوق الحرة، وتشجيع البضائع المستوردة والاستهلاك.

•••

في الخمسينيات من هذا القرن كنا نحن الفتيات طالبات الجامعة، كنا نواجه العالم بوجه مكشوف بلا حجاب وبلا مكياج، كنا نواجه العالم بوجوهنا الحقيقية، لا نخفي رءوسنا باسم الدين أو الأخلاق، ولا نكشف عن أفخاذنا باسم الحداثة أو ما بعد الحداثة، كنا ضد التعرية والتغطية في آنٍ واحد، فهما وجهان لفكرة واحدة نشأت منذ العبودية تقول إن المرأة جسد بلا عقل يُغطى أو يُعرى حسب الظروف والمصالح السائدة.

أدت ثورات العبيد إلى تحرير العبيد من الفلسفة العبودية، إلا أن ثورات النساء لم تحدث بعد، لا في الشرق ولا في الغرب، ولا تزال تسعى معظم النساء إلى الزواج والخضوع لقانون الطاعة أو قانون الجمال العبودي والتاتو! أما حركات المرأة التحريرية فقد ضُربت في الشرق والغرب أيضًا تحت اسم الدين أو ما بعد الحداثة.

١  العربي، ١١  نوفمبر  ١٩٩٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠