القاهرة ٩٤، وكرامة إطعام النفس١

ليس هذا عنوانًا لفيلم سينمائي، وإن كان قد تحول إعلاميًّا لأكثر من ذلك، لا تكاد تخلو صحيفة أو مجلة أو غيرها من وسائل البث والإعلام من شيء عن القاهرة ٩٤.

مباراة إعلامية بين فريقين في العالم تشبه إلى حدٍّ ما مباريات كرة القدم حول كأس العالم.

فما هي تلك الكأس التي يتطلع إليها الكثيرون من الرجال والنساء في القاهرة ٩٤؟

ولماذا هذا الحشد الإعلامي الضخم للقاهرة ٩٤ إلى حد جلب ممثلات السينما ونجوم الشاشة مثل جون فوندا، ونجوم السياسة مثل ملكة إسبانيا أو هولندا أو إنجلترا، وبعضهم يشيع أن الأميرة ديانا قد تأتي أيضًا، ومعها الأمير تشارلز (رغم انفصالهما)، وربما أمراء آخرون وملوك وأميرات من السعودية والكويت؟

وقد يجمح خيال البعض فيقول إن بابا الفاتيكان ورئيس الولايات المتحدة «بيل كلينتون» سوف يحضران أيضًا القاهرة ٩٤، وقد انشغلت الصحف والإعلام الدولي بذلك الخلاف الذي وقع لأول مرة في التاريخ بين «البابا» ورئيس الولايات المتحدة حول القاهرة ٩٤.

مع الحياة أو مع الموت

يتزعم «البابا» (والفاتيكان) حركة دينية دولية تُسمي نفسها «مع الحياة» Prolife، ودورها الأساسي هو التصدي لحركات تحرير المرأة المؤيدة للإجهاض، والتي تُسمي نفسها «مع الاختيار» Prochoice بمعنى أن من حق المرأة الاختيار بين استمرار الحمل أو إجهاضه.

كان رؤساء الولايات المتحدة السابقون (من أمثال رونالد ريجان وجورج بوش) يشجعون الحركات الدينية داخل الولايات المتحدة وخارجها من أجل ضرب عدوهم الرئيسي حينئذٍ وهو الاتحاد السوفييتي أو الشيوعية.

إلا أن «بيل كلينتون» (رئيس الولايات المتحدة الحالي) لم يَعُد بحاجة إلى هذه التيارات الدينية (التي يُسمونها التيارات الأصولية)، وهو في حاجة إلى كسب أصوات النساء الأمريكيات، وأغلبهن ينتمين لحركة «مع الاختيار».

وأعلن «بيل كلينتون» أنه «مع الاختيار»، وأن الإجهاض يجب أن يكون قانونيًّا وصحيًّا ونادرًا أيضًا.

وفي أوائل هذا الصيف وافقت إدارة الصحة في الولايات المتحدة على إنتاج «حبة الإجهاض» المعروفة باسم RU486، وأصدر كلينتون قرارًا بمنع المظاهرات ضد مراكز الإجهاض الطبية.

وكانت التيارات الدينية الأصولية أو حركة «مع الحياة» تضرب مراكز الإجهاض بالقنابل وتضرب الأطباء بالرصاص، بل كانت تضرب النساء الحوامل داخل هذه المراكز، تحت اسم الحفاظ على حياة الجنين، أو محاربة الحركة المؤيدة للموت (أي قتل الجنين في الرحم).

رسالة «البابا» الغاضبة

في مارس ١٩٩٤ أرسل «البابا» خطابًا غاضبًا إلى رؤساء الدول (المشاركة في مؤتمر القاهرة ٩٤) بما فيهم بيل كلينتون. قال البابا في رسالته إن القاهرة ٩٤ ستكون نكسة خطيرة للإنسانية، وإن الأمم المتحدة تسعى إلى هدم الأسرة، وإلى القتل المنظم للأجنة داخل الرحم.

وأصدر الفاتيكان تقريرًا من ٦٦ صفحة أدان فيه تقارير الأمم المتحدة التمهيدية لمؤتمر السكان بالقاهرة ٩٤ (والتي وافقت فيها على الإجهاض كإحدى وسائل منع الحمل). قال تقرير الفاتيكان هذه هي «إمبريالية منع الحمل»، وإن الانفجار السكاني أو ما يُسمى بالقنبلة السكانية ليس إلا شعارًا كاذبًا.

وتساءل بعض قساوسة الفاتيكان كيف يمكن لرئيس الولايات المتحدة أن يكون «مع الموت» ضد «الحياة»؟!

بالطبع لم يوجه الفاتيكان مثل هذا السؤال إلى «جورج بوش» عام ٩١ حين قتل في حرب الخليج نصف مليون من الأرواح (بسبب المال والبترول).

هيلاري كلينتون ترتدي الحجاب

رأينا صورة هيلاري (زوجة كلينتون) على الصفحة الأولى في جريدة النيويورك تايمز (بتاريخ ٣ يونيو ١٩٩٤) وهي واقفة إلى جوار «البابا» واضعة حجابًا أسود حول شعرها، بينما راح كلينتون يتطلع نحو السقف مُظهرًا إعجابه بخطوط مايكل أنجلو.

كنت جالسة مع بعض الأستاذات الأمريكيات في جامعة واشنطن (بمدينة سياتل)، وأشارت واحدة منهن إلى صورة هيلاري وقالت: ألا يدل ذلك على أن حجاب المرأة فكرة سابقة على الإسلام؟

كانت واحدة من النساء الأمريكيات ترتدي فوق وجهها طبقة من المساحيق (تكاد تُخفي وجهها الحقيقي)، رأيتها تمط شفتيها وهي ترمق صورة هيلاري بازدراء وقالت: كيف يبلغ بها التخلف لترتدي حجابًا؟

وقلت لها (وأنا أشير إلى طبقة المساحيق فوق وجهها): أنتِ أيضًا ترتدين حجابًا، لكن من نوع آخر، ويمكن أن نُسميه «حجاب ما بعد الحداثة» post modern veil.

ونظرت إليَّ المرأة الأمريكية في استنكار، وقلت لها: ما الفرق أن تُخفي المرأة وجهها بنسيج من القماش أو بطبقة من المساحيق؟!

انقسام النساء في العالم

في جميع المؤتمرات الدولية التي شهدتها خلال العشرين عامًا الماضية كان هناك فريقان من النساء (والرجال) يتصارعان؛ الفريق الحكومي (ومعه الموظفون والموظفات في الأمم المتحدة)، والفريق غير الحكومي (ومعه وفود حركات التحرير الشعبية).

في المؤتمر الأول للسكان عام ١٩٧٤ الذي عُقد في بوخارست كان صوت الفريق غير الحكومي قويًّا واضحًا، تقوده حركات تحرير المرأة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، تساندها حركات التحرير الاشتراكية وحركات الشباب والسود والسلام المعادية للحروب والاستعمار.

في مؤتمر كوبنهاجن النسائي العالمي عام ١٩٨٠ كان صوت هؤلاء النساء قويًّا في مواجهة السيطرة التي حاول الفريق الحكومي أن يفرضها.

في المؤتمر الثاني للسكان الذي عُقد بالمكسيك عام ٨٤ كانت القوى النسائية المتقدمة لا تزال موجودة، واستطاع هؤلاء النساء من الفريق غير الحكومي أن يحاصرن قاعة المؤتمر الحكومي ويرفعن أصواتهن بالاحتجاج.

في مؤتمر نيروبي العالمي للنساء عام ١٩٨٥ تجمعت النساء من الهيئات غير الحكومية، وسرن في مظاهرة كبيرة حتى قاعة المؤتمر الرسمي (أو الحكومي)، وكادت حكومة كينيا أن تقبض على بعضهن.

إلا أن هذه القوى النسائية والسياسية المتقدمة قد ضُربت خلال السنين الماضية بعد انهزام القوى التحريرية في عدد من بلاد آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وبداية ما سُمي بالنظام العالمي الجديد، وكارثة حرب الخليج وما تبعها من حروب وأزمات، وخضوع العالم لقطب واحد رأسمالي طبقي أبوي عسكري، يضرب من يشاء حين يشاء لتحقيق أرباحه الاقتصادية.

تفككت الحركات المتقدمة بصفة عامة، وظهرت قوًى جديدة عنصرية تؤمن بالبطش، وتحاول التفرقة بين البشر على أساس الدين أو العقيدة أو اللون أو العرق أو الجنس أو الجنسية.

وتزدهر هذه الحركات العنصرية حينًا (حين تشجعها الحكومات)، وتخبو وتكاد تلفظ أنفاسها حينًا آخر (حين تضربها الحكومات).

في هذا المناخ السياسي يأتي مؤتمر القاهرة ٩٤، وسوف يكون داخل المؤتمر (كما هي العادة) اجتماعان؛ واحد للفريق الحكومي والآخر للفريق غير الحكومي.

لم يَعُد الخلاف كبيرًا بين الفريقين، وهناك هيئات حكومية تتنكر تحت لافتات غير حكومية.

منطق الفريق الحكومي

لماذا تهتم الأمم المتحدة والولايات المتحدة والحكومات المؤيدة لها بما يُسمى «المشكلة السكانية»؟ ولماذا هذا الحشد الضخم والإعلام المكثف لمؤتمر القاهرة ٩٤؟

يقوم منطق الفريق الحكومي والأمم المتحدة على فكرة واحدة ثابتة غير قابلة للمناقشة، هي أن «موارد العالم محدودة»، ولا يمكن لهذه الموارد المحدودة أن تكفي سكان العالم عام ٢٠٥٠ إذا استمرت الزيادة السكانية بمعدلها الحالي، إن عدد سكان العالم اليوم يبلغ ٥٫٧ بلايين نسمة، والمفروض ألا يزيدوا على ٧٫٨ بلايين نسمة عام ٢٠٥٠، لكن معدل الزيادة السكانية (خاصةً في العالم المُسمى بالعالم الثالث) تؤكد أن سكان العالم سوف يبلغون ١٢٫٥٠ بليون نسمة عام ٢٠٥٠، (أي بزيادة ٤٫٧ بلايين نسمة عن المفروض أن يكون).

كيف يمكن التخلص من هؤلاء ال ٤٫٧ بليون نسمة؟! هذا هو السؤال العويص الذي يُطرح على مائدة البحث في القاهرة ٩٤.

يرى الفريق الحكومي والأمم المتحدة أن هذه البلايين من الأرواح يجب ألا تولد أصلًا، ألا تحمل بهم أمهاتهم الجاهلات غير الواعيات بالمشكلة. من أجل هذا ينعقد مؤتمر القاهرة ٩٤، وله هدفان أساسيان:
  • (١)

    توعية الأسر والنساء غير الواعيات بالمشكلة.

  • (٢)

    العمل على توزيع موانع الحمل من عقاقير ولوالب على ٣٥٠ مليون أسرة في ذلك العالم المُسمى بالعالم الثالث.

المنطق النسائي غير الحكومي

يعلن هذا الفريق منذ البداية أنهن لا يردن الوقوع في خندق واحد مع البابا أو الفاتيكان أو التيارات العنصرية أو التيارات الأصولية أو غيرها ممن يرون أن الحياة الوحيدة الجديرة بالتقديس هي حياة الجنين في الرحم، أما الأرواح التي تُقتل بالآلاف (في أفريقيا أو آسيا أو أمريكا الجنوبية) بسبب الحروب أو الجوع أو الفقر فهذه أرواح أخرى غير جديرة بالدفاع عنها.

ويقوم منطق هؤلاء النساء على الآتي:
  • إن موارد العالم ليست محدودة. هناك مساحات شاسعة من الأراضي في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية لم تتم الاستفادة منها قط، وهناك إهدار لجزء من موارد العالم، ومنه ذلك الفائض الذي يُلقى في المحيط.

  • إن مشروعات التنمية المفروضة على شعوب العالم بواسطة البنك الدولي (أو غيره من المؤسسات الدولية) مشروعات تعوق التنمية الحقيقية وتزيد من الفقر، هذه المشروعات أدت إلى نقل ١٧٨ بليون دولار من العالم الثالث إلى بنوك أمريكا الشمالية وأوروبا خلال الفترة من ١٩٨٤ إلى ١٩٩٠ فقط.

  • إن موارد العالم لا توزَّع على سكان العالم بالعدل.

    إن ٨٠٪ من موارد العالم يستهلكها ٢٠٪ فقط من سكان الولايات المتحدة وأوروبا.

    إن المشكلة الحقيقية ليست الزيادة السكانية، بل الزيادة الاستهلاكية للقلة الثرية في العالم.

  • إن نسبة ٩٠٪ من الشركات الدولية (المتعددة الجنسية) تملكها الولايات المتحدة وأوروبا، وهي تسيطر على اقتصاد العالم كله، وتفرض على بلاد العالم الثالث قوانين تجارية ظالمة بحيث تضطر هذه البلاد إلى فتح أسواقها دون قيد أو شرط لهذه الشركات، وقد أدى ذلك إلى الفقر والمجاعات في عدد من البلاد، وأصبحت معظم بلاد العالم الثالث عاجزة عن إطعام نفسها، تعيش على ذلك الشيء الذي اسمه «المعونة».

في بلد مثل وادي النيل الخصب، مصرنا العزيزة، أصبحنا نستورد ٩٠٪ من طعامنا. أصبح ٤٠٪ من الشعب المصري يعيش تحت خط الفقر (إذ يقل دخلهم السنوي عن ٣٨٦ دولارًا). إن متوسط دخل الفرد في مصر (الفرد الذي يعمل) ٣٠٠ جنيه مصري في الشهر، على حين يحصل نظيره الأمريكي أو الأجنبي الذي يقوم بالعمل نفسه داخل مصر على ٤٠٠٠ جنيه مصري شهريًّا.

حين بدأت المعونة الأمريكية لمصر (عام ١٩٧٥ وحتى عام ١٩٨٦) فإن الولايات المتحدة حصلت على ٣٠ بليون دولار (سلعًا وخدمات مستوردة)، ولم تحصل مصر من الولايات المتحدة في المدة نفسها إلا على ٥ بلايين دولار (صادرات إلى الولايات المتحدة).

إن نسبة ضئيلة جدًّا مما يؤخذ منا يعود إلينا تحت اسم «المعونة»، وهكذا لا تُسلب منا مواردنا المادية فحسب، وإنما أيضًا كرامتنا.

إن الكرامة تنبع من القدرة على إطعام النفس. ينطبق ذلك على الدولة بمثل ما ينطبق على الفرد الواحد، الرجل أو المرأة.

جرعة كرامة

هناك فكرة خاطئة شائعة في الأمم المتحدة وخبراء السكان تُصور لهم أن المرأة عاجزة عن تحديد نسلها دون معونتهم أو دون الاستعانة بعقاقير منع الحمل.

إلا أن التاريخ القديم والحديث يثبت أن المرأة كانت دائمًا قادرة على تحديد عدد ما تحتاج إليه من الأطفال دون تدخُّل من الأمم المتحدة، بل قبل نشوء الأمم المتحدة، وقبل اكتشاف حبوب منع الحمل.

في بداية هذا القرن وخلال الأزمة الاقتصادية الحادة التي اجتاحت العالم، فإن النساء في الريف والمدينة في الغرب أو الشرق قد استطعن خفض عدد أطفالهن بوسائل منع الحمل الطبيعية.

خلال الثلاثين عامًا الماضية زاد سكان العالم بحوالي بليوني نسمة. لم تكن هذه الزيادة (كما يقول خبراء الأمم المتحدة) بسبب جهل نساء العالم الثالث بعقاقير منع الحمل.

جاءت هذه الزيادة بسبب حاجة العالم إلى هذه الزيادة، ولكل بلد في العالم حاجته الخاصة للزيادة أو النقص في عدد سكانه.

وقت الحروب والأزمات التي يزيد فيها عدد الموتى أو القتلى فإن خصوبة النساء ترتفع لتعويض هذا النقص، أو لتلبي حاجة جديدة في المجتمع أو الأسرة الكبيرة.

في فلسطين المحتلة مثلًا زادت خصوبة النساء عن معدلها المعتاد. لولا هذه الزيادة السكانية ما قامت الانتفاضة أو ثورة الحجارة وأبطالها أطفال ولدتهم أمهاتهم خلال الحرب.

هذه الزيادة السكانية في الأرض المحتلة كانت أشد خطورة على حكومة إسرائيل من بنادق منظمة التحرير، وهي التي دفعت إسرائيل إلى البحث عن الحلول ومنها السلام.

في طفولتي كنت أندهش حين أرى جدتي الفلاحة تمشي في القرية شامخة برأسها، تتحدى العمدة، وتعمل في الحقل طول النهار ثم تعود إلى الدار، لا تكف عن العمل، ولا المرح، وقد أنتجت بالضبط العدد من الأولاد والبنات الذين تحتاجهم.

لقد ثبت علميًّا أن المرأة المنتجة (وإن كانت فلاحة لا تعرف القراءة) فهي قادرة على إنتاج ما تحتاج من الأطفال بمثل ما هي قادرة على إنتاج طعامها وطعامهم.

وثبت أيضًا أن المرأة العاطلة في البيت (وإن كانت زوجة ثري ومتعلمة) فإنها عاجزة عن تحديد عدد الأطفال الذين تحتاج إليهم بمثل ما هي عاجزة عن إعالة نفسها.

ذلك أن المرأة المنتجة (وإن كانت فلاحة وفقيرة وأمية) تشعر بكرامتها كعضو منتج في الأسرة والمجتمع، هذه الكرامة هي التي تجعلها تحدد بالضبط ما تريد وما لا تريد، وهي قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، وفي غير حاجة إلى تدخُّل خارجي من سلطة محلية أو أجنبية كي تفرض عليها عقاقير منع الحمل.

لقد ثبت أيضًا أن بعض هذه العقاقير (ومنها النورنيلايت والديبوبريفرا وغيرهما) ضارة بصحة النساء ولها مضاعفات أدركها الطب الحديث مؤخرًا.

سوف تكون القاهرة ٩٤ هي الساحة التي تُطرح فيها كل هذه الآراء، وسوف تكون الغلبة للفريق الحكومي وفي يده كل الأوراق والأموال.

١  القاهرة، ٩٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠