السياسة والحب في القرن الواحد والعشرين١

إذا جاءتك دعوة لحضور مؤتمر تحت اسم «مستقبل الحب في القرن الواحد والعشرين»، فهل تذهب أم لا؟ وإذا ذهبت فماذا تقول إذا كان شرط الحضور عدم الحديث في السياسة؟!

أصبح هناك اتجاه جديد (قديم) عند المفكرين الأمريكيين يحمل شعار: «لنتحدثْ عن الحب ونُعطِ ظهورنا للسياسة». يشمل هذا الاتجاه عددًا من الشخصيات المعروفة في مجالات الحياة المختلفة، منهم علماء كيمياء وفيزياء حصلوا على جوائز كبيرة مثل جائزة نوبل، ومنهم وزراء سابقون مثل روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الذي أراق الدماء في حرب فيتنام دون أن يهتز له جفن، دون أن يقدم استقالته مثل وزير العدل حينئذٍ (رمزي كلارك) الذي ضحى بمنصبه احتجاجًا على حرب فيتنام.

هل يمكن لمن كسبوا وأثْروا من القتل أن يعرفوا شيئًا عن مستقبل الحب؟ وإن كانوا صادقين فلماذا يعطون ظهورهم للسياسة؟! ورجال السياسة؟! ألا يعلمون أن غياب الحب في العالم مرتبط بغياب العدل، وهذا مرتبط بفساد السياسة ومحترفيها؟

هل يمكن الفصل بين ما يُسمى الحب أو السعادة أو الأمن أو السلام وبين القضايا السياسية الراهنة التي تَحُول دون كل ذلك؟

هؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم لقب «المفكرون»، ومنهم بعض العلماء ذوي الجوائز وبعض الوزراء ذوي الماضي الدموي؛ هؤلاء بعد أن أحيلوا إلى الاستيداع بدءوا ينشغلون ويشغلون العالم بما أسموه الحب الأسري، تقوية الروابط العائلية، إعادة القيم الروحانية والدينية، مقاومة النزعات المادية في سلوك الإنسان الفرد (وليس رجال السياسة)، مقاومة الجريمة في حياة الأفراد (وليس الجماعات أو الدول). يقولون إن هذه القضايا تتعلق بحياة الفرد وتلقي عليه المسئولية لتغيير حياته والتغلب على مشاكله.

وأين هي مسئولية أصحاب القرارات السياسية الكبرى التي تؤدي إلى الكوارث والحروب والدمار الاقتصادي أو العسكري أو الثقافي والإعلامي؟

يقولون إنهم يئسوا من رجال السياسة الذين أفسدوا العالم؛ لهذا يعطونهم ظهورهم ويعملون بعيدًا عنهم من أجل الحب!

أحد هؤلاء عالم أمريكي كيميائي حصل على جائزة نوبل «جلين سيبورج». إنه يعلم كيف يخضع العلماء لرجال السياسة، كيف تحولت الاكتشافات الكيماوية والذرية والنووية والتكنولوجية من وسائل لتحقيق السعادة والراحة والأمن والحب للناس إلى وسائل للقتل الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي الشامل.

لقد أنشأ «نوبل» جائزته بعد أن رأى كيف تحول الديناميت إلى سلاح عسكري مدمر، فهل غيرت جائزته شيئًا من النظام السياسي الفاسد؟! بل إن الاكتشافات العلمية الأخيرة قد منحت رجال السياسة قدرات أكثر وأكثر للسيطرة على البشر واستنزاف عقولهم ومواردهم المادية وغير المادية.

وفي وسط هذا الذعر من الموت الجماعي بسبب الجوع أو الحرب أو البطالة أو التعاسة الزوجية أو الاكتئاب أو الملل أو القلق أو المخدرات أو الاغتصاب أو الإرهاب أو الأمراض المعروفة، مثل الإيدز والسل وجنون البقر، أو الأمراض غير المعروفة بسبب الإشعاعات النووية غير المرئية.

هل يمكن وسط كل هذا أن نستمتع بشيء اسمه الحب؟ كأنما الحب يحدث فوق سطح القمر أو فوق سطح المريخ دون حاجة إلى مسكن وملبس وطعام خالٍ من السموم، وهواء بلا تلوث ذري أو نووي أو كيماوي، وتعليم وإعلام بلا خرافات ولا أفلام جنس وعنف.

لا شك أن فصل القضايا السياسية عن القضايا الاجتماعية (ومنها قضية الحب والروابط الأسرية) هو إحدى الثغرات الفكرية التي لا تقل خطورة عن نشر السموم أو تلويث البيئة.

إنه نوع من الخداع الإعلامي والثقافي الذي يُعفي رجال السياسة من مسئوليتهم ويُلقي بها على الأفراد الذين لا يشاركون في صنع القرارات السياسية.

كيف ندير ظهورنا للجاني ونواجه الضحية وحدها؟ إن شعار «إدارة ظهورنا للسياسة» إنما هو شعار خادع. إن الحديث عن الحب بمعزل عن السياسة إنما هو الوهم، أو إيهام الفقير الجائع الخاوي المعدة بالحب العذري والكلام المشبوب العاطفي دون تقديم وجبة طعام أو شربة ماء.

إن الإنسان لا يعيش بالخبز فقط، لكنه لا يعيش أيضًا بالعاطفة أو الحب فقط دون إشباع الحاجات المادية والاقتصادية، هذا ألف باء الحياة السليمة والفكر السليم. إلا أن المفكرين في العالم يديرون ظهورهم لهذه الحقيقة البديهية تحت اسم الحب أو الأمن أو السلام أو العودة إلى القيم الروحانية.

بعد أن أدى روبرت ماكنمارا دوره المدمر في حرب فيتنام انتقل إلى منصبه في البنك الدولي حيث أدى دورًا آخر مدمرًا لاقتصاد بلاد العالم النامي في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وبما فيها بلادنا العربية.

أما هؤلاء العلماء من ذوي الجوائز الكبرى فهم يعلمون أن فصل السياسة عن الحب مثل فصل السياسة عن العلم يؤدي إلى كوارث متعددة، إحداها أن العلماء لا يواجهون رجال السياسة، ولا يمنعونهم من تحويل اختراعاتهم العلمية ضد صالح الأغلبية الساحقة من شعوب العالم.

إن التعقيد الشديد في العلوم قد فرض التخصص الدقيق، بحيث ينحصر عقل الباحث المتخصص في شيء صغير جدًّا مثل الذرة أو الخلية، لكن هذا الشيء الصغير هو الوحدة الأساسية الأولى المكونة للكيانات الضخمة في الكون، ولا بد من الترابط بين الأصغر والأكبر على الدوام.

والفرق هائل بين باحث يغرق داخل الذرة أو الخلية ولا يرى غيرها، وبين باحث آخر قادر على الربط دائمًا بين الأشياء، لا يفقد رؤيته الشاملة للكون والمجتمع والإنسان رغم دراسته للتفاصيل والجزئيات الصغيرة.

وما يحتاجه المفكرون في القرن الواحد والعشرين هو القدرة على الربط بين المجالات المختلفة في الحياة وعلى رأسها السياسة. لا يمكن استبعاد السياسة من أي بحث علمي أو أدبي أو طبي أو نفسي أو فني أو ثقافي أو إعلامي أو أخلاقي.

إن هؤلاء الفلاسفة أو العلماء الذين ادعوا الحياد السياسي لم يكونوا محايدين، بل كانوا مشاركين في كل ما يحدث في العالم من جرائم وحروب وويلات عسكرية واقتصادية وثقافية. إن الصمت ليس إلا مشاركة في الجريمة. إن إدارة ظهورنا لمقترفي الجرائم هي مشاركة في الجريمة معهم.

الوسيلة الوحيدة لكشف الجرائم السياسية في العالم هي مواجهة رجال السياسة لإصلاح العالم أو لتحقيق ما يُسمى الحب أو الأمن أو السلام أو القيم الأخلاقية والعائلية.

مع تزايد الفساد تزايدت النعرات الداعية إلى العودة إلى القيم القديمة الأسرية؛ حيث كانت الأم متفرغة لإعطاء الحب والحنان لزوجها وأطفالها. يحدث هذا في الغرب والشرق على حدٍّ سواء.

هكذا أصبحت الأم هي المسئولة عن غياب الحب والحنان في العالم وليس صناع القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية المدمرة.

أصبح الاتجاه هو تحميل المرأة مسئولية الفساد؛ لأنها تخرج إلى العمل أو لأنها لا تغطي شعرها أو ذراعيها أو لأنها لا تُختن.

إذا لم تكن هناك امرأة لتحميلها المسئولية فإنهم يُلقون باللوم على الشباب والأطفال، وقد برز اصطلاح جديد في الفكر الأمريكي الحديث هو «الطفولة المفترسة»، وتعني الأطفال الجوعى ذوي العيون المفترسة؛ فالجوع يضفي على العيون بريقًا مثل شعلة النار، ولا أحد يبحث لماذا يجوع الأطفال، وإن بحثوا فهم يفصلون بين السياسة والظواهر الاجتماعية مثل الفقر والجوع، كأنما الفقر هو قضاء وقدر يدخل في عالم الفيزياء أو الميتافيزيقا وليس له علاقة بالبوليتيكا.

كلمة «البوليتيكا» سمعتها في قريتي وأنا طفلة من جدتي الفلاحة الأمية. كانت كلمة «البوليتيكا» عندها وعند أهل القرية تعني النصب والاحتيال. وهذا هو الذكاء الفطري الطبيعي الذي يكشف فساد السياسة أو البوليتيكا دون حاجة إلى شهادات عليا من الجامعات. وقد يلعب التعليم دورًا في إضعاف هذا الذكاء الفطري الطبيعي، بسبب فصل العلوم بعضها عن بعض، وتمزيق الإنسان إلى جسد وعقل وروح، وتفتُّت العقل إلى غرف مستقلة منفصلة، داخل كل غرفة تخصص معين، كالسياسة أو الطب أو الأدب أو الاقتصاد أو التاريخ أو الأخلاق … إلخ إلخ.

بسبب هذا الفصل لم يعد للعلماء قدرة على فهم أمور السياسة فما بال التصدي لها ومواجهتها. بسبب هذا الفصل أصبح الفكر في أزمة تشمل أكبر العلماء من الحاصلين على جائزة نوبل.

بسبب هذا الفصل تحول البشر إلى قطيع مسلوبي التفكير في الظواهر المحيطة بهم، لا يعرفون لماذا يعانون الجوع أو البطالة أو الاكتئاب أو القلق أو المخدرات أو التعاسة الزوجية أو الرغبة في الانتحار.

يعالج المجتمع الصناعي الرأسمالي وتوابعه في العالم هذه المشاكل بزيادة جرعات الترفيه السطحي عن طريق الإعلام المحشو بالحب والجنس والعواطف الملتهبة المؤدية إلى مزيد من البرود والتبلد والاكتئاب والسلبية والتعاسة واليأس.

إذا كانت السياسة باردة مثل حد السيف خالية من الحب والمبادئ والعواطف، فإن البيوت لا بد أن تكون كذلك، والمدارس أيضًا والجامعات ودور اللهو ودور العبادة على حدٍّ سواء.

١  أغسطس ١٩٩٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠