جوهر الأخلاق والشرف١

الثغرة بين الأخلاق والسياسة

علاقة الأخلاق أو الشرف بالسياسة أو بالقوى المسيطرة في المجتمع قديمة في التاريخ البشري منذ نشوء «الرق» أو النظام العبودي الذي قسم البشر إلى أسياد وعبيد ورجال ونساء. وانقسمت الأخلاق أيضًا إلى أخلاق خاصة بالأسياد دون العبيد، وأخلاق خاصة بالرجال دون النساء. من هنا نشأت الازدواجية أو الكيل بمكيالين في جميع أمور الحياة الخاصة والعامة. إن أهم صفة لنظام «الرق» هو الفصل التعسفي بين الحياة الخاصة اليومية التي يعيشها الفرد وما سُمي السياسة أو الاقتصاد في الدولة.

أصبح القانون السياسي العام أو ما سُمي بالدستور منفصلًا عن القوانين الاجتماعية أو ما سُميت قوانين الأحوال الشخصية. وقد استمر هذا الفصل التعسفي حتى يومنا هذا، وفي جميع بلاد العالم؛ فالدستور الأمريكي حتى اليوم يفصل بين السلوك الأخلاقي لرئيس الدولة وبين سلوكه السياسي. ينص هذا الدستور على محاكمة رئيس الدولة إذا كذب فيما يخص الأمور السياسية، لكنه لا يحاسب إذا كذب على زوجته وأطفاله أو سلك سلوكًا جنسيًّا غير أخلاقي. إن هذا الفصل التعسفي بين السلوك الخاص للرجل وسلوكه العام قد أدى إلى انتشار الفساد الأخلاقي والسياسي معًا؛ ذلك أن الفصل بين الأخلاق والسياسة لا يمكن أن يحدث إلا نظريًّا، أو على شكل نصوص لغوية في الدستور، لكن في الحياة العملية الواقعية لا يمكن الفصل بين الأخلاق والسياسة بأي حال من الأحوال؛ فالرئيس الأمريكي الذي يخادع شعوب العالم سياسيًّا واقتصاديًّا تحت اسم العولمة أو حرية السوق أو الديمقراطية هو نفسه الذي يخادع أسرته أو زوجته وأطفاله تحت اسم الحرية الشخصية أو الحرية الجنسية.

هل يمكن إصلاح الأخلاق بمشرط الجراح؟

تؤدي الثغرة بين الأخلاق والسياسة إلى التناقضات والازدواجية أو الكيل بمكيالين في حياتنا الخاصة والعامة؛ مثلًا منذ أيام قليلة دار جدل في بلادنا حول موضوع إباحة الإجهاض وعملية إعادة العذرية للفتيات في حالة الاغتصاب الجنسي، انقسمت الآراء إلى مؤيد ومعارض دون التعرض للمفهوم السائد لمعنى الأخلاق أو الشرف أو العذرية. كيف يظل مفهوم الشرف في بلادنا واهيًا إلى هذه الدرجة بحيث يعاد بفتلة أو غرزة يضعها الجراح في جسد المرأة؟! على حين يخرج الرجل الغاصب أو المغتصب (بكسر الصاد) من المشكلة كلها سليم الجسد، لا يمسه مشرط الجراح بعملية إجهاض أو إعادة عذرية؟

جاءتني فتاة، خادمة صغيرة، حامل بعد أن اعتدى عليها سيدها البيه، قالت: لا أريد عملية إجهاض، أريد أن أحتفظ بطفلي حيًّا فأنا أم ولي مشاعر أمومة وأحب طفلي الذي هو جزء من جسدي. فهل أفرض على هذه الأم الصغيرة ذات المشاعر الأمومية الطبيعية أن تجهض طفلها، وأن تُعرض نفسها لمخاطر عملية الإجهاض، في حين أن سيدها يعيش في سلام مع أسرته لا يتعرض له أحد لأنه بيه كبير ولأن الدليل على الاغتصاب غير موجود، ولأن الرجل المتعلم الواعي الكبير يعرف كيف يحمي نفسه في مواجهة فتاة فقيرة خادمة صغيرة لا تعرف شيئًا من دهاليز القانون، وليست بذكاء أو وعي «مونيكا لوينسكي» التي حافظت على البقعة في فستانها الأزرق لتثبت بالدليل المادي أن الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» قد عاشرها جنسيًّا؟!

أليس من حق هذه الأم الصغيرة أن تحتفظ بطفلها إذا أرادت وتمنحه اسمها؟ ولماذا نعاقبها هي وطفلها بالموت المادي أو الاجتماعي أو النفسي مع أنهما الضحية؟! كيف نقبل أن نعاقب الضحية مرتين، ونفرض عليها أن تضع جسدها تحت مشرط الجراح مرتين؛ مرة تقتل الطفل في رحمها، ومرة ثانية لإصلاح الغشاء الذي جعلناه مقياسًا للعذرية والأخلاق؟ وما معنى العذرية هنا؟

ما هو مقياس الشرف أو الأخلاق عند الرجال؟

إذا كان شرف الفتاة يعاد بمشرط الجراح فكيف يعاد للرجل شرفه؟ ما هو مقياس الشرف أو الأخلاق عند الرجال؟ ألهذا السبب (غياب المقياس) ينتشر الفساد الأخلاقي في العالم غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، حتى إن أكبر رئيس دولة في العالم يمارس هذا الفساد الأخلاقي، مع ذلك لا يسائله الدستور في بلاده! ألهذا السبب أيضًا ينتشر الفساد السياسي والاقتصادي وتنتشر الازدواجية والكيل بمكيالين في القوانين الدولية وغير الدولية؟

إن قضية تحرير المرأة في أي بلد في العالم (ومنها بلادنا) ترتبط بجوهر الأخلاق وعدم الفصل بين السلوك الخاص للرجل وسلوكه العام. إن قضية تحرير المرأة في بلادنا العربية لا تعني التشبه بالغرب كما يتصور بعض الناس، ولكنها تعني القضاء على الازدواجية الأخلاقية والسياسية معًا. إنها تقتضي تغيير المفهوم السطحي لمعنى الشرف أو الأخلاق، ليشمل سلوك الرجل بمثل ما يشمل سلوك المرأة، ولا يكون مجرد صفة تشريحية أو بيولوجية تولَد بها الأنثى أو لا تولد بها (٣٠٪ من البنات يولدن بغير غشاء).

إن جوهر الشرف الإنساني يتعلق برأي الإنسان الرجل والمرأة، بالعقل والتفكير والمبادئ والقدرة على الدفاع عن العدل والحرية، حينئذٍ يفقد الرجل شرفه إذا كذب أو نافق أو دافع عن الظلم والقهر، وبالمثل أيضًا تفقد المرأة شرفها إذا كذبت أو نافقت أو دافعت عن الظلم والقهر.

إن شرف الإنسان واحد والأخلاق واحدة، لا بد أن تكون مقاييسها واحدة وإلا انعدمت الأخلاق، هذا هو الأساس الأول في عالم الأخلاق، «وحدة المقاييس» بصرف النظر عن اللون أو الجنس أو الطبقة أو العرق أو العقيدة.

القانون الأخلاقي لا بد أن يسري على الجميع دون التفرقة بين رئيس ومرءوس، أو بين رجل وامرأة، أو بين فقير وغني، أو بين أبيض وأسود، أو بين المسلم وغير المسلم.

هذا هو جوهر الأخلاق وجوهر الشرف الذي هو غائب حتى اليوم في بلاد العالم وفي بلادنا.

١  الأهرام، ١٧  نوفمبر  ١٩٩٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠