الانفصال بين السياسة والجنس عن مونيكا وكلينتون١

ربما تكون حكاية بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي من أهم حكايات القرن العشرين، التي لم تفضح كلينتون وحده، بل السياسة كلها في عالمنا المعاصر، وهي سياسة طبقية أبوية تقوم على الانفصام الكامل بين الأخلاق والسياسة، أو ما يُسمى الازدواجية أو الكيل بمكيالين في جميع الأمور الخاصة أو العامة، في العلاقات الزوجية الشخصية وفي العلاقات الدولية على حدٍّ سواء.

هذا الانفصام أو هذا التناقض هو أحد الأسباب وراء فساد الأخلاق والسياسة معًا، وهو قائم في صلب الدساتير في معظم بلاد العالم، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. إن الدستور الأمريكي لا يعاقب رئيس الدولة على الخيانة الزوجية، لكنه يعاقبه فقط على خيانة الوطن! ولا أدري كيف يكذب الرجل على شريكة حياته التي يقاسمها الفراش كل ليلة ثم يصدق في العمل أو الحزب أو الوطن؟!

ليس معنى ذلك أنني أتفق مع المجموعة النسائية الأمريكية التي تطالب بإقالة بيل كلينتون، ويقودها فرع واشنطن، الذي انشق عن المنظمة الأم المعروفة باسم المنظمة القومية النسائية «ناو» NOW، والتي تساند الآن هيلاري كلينتون في موقفها.

لقد كسبت هيلاري كلينتون احترام الكثيرين من النساء والرجال داخل الولايات المتحدة؛ لأنها ارتفعت فوق الجرح الخاص بها وغفرت الخطأ. إن العفو عند المقدرة صفة إنسانية حميدة، قد تكون دوافعها الحب والحنان والتسامح، وقد يكون الطمع في السلطة والرغبة في البقاء داخل البيت الأبيض. إلا أن هيلاري كلينتون أفضل من غيرها، قادت منذ تولي بيل كلينتون الحكم معركة ضد اليمين الأمريكي الذي أجهض الكثير من المشروعات التي تقدمت بها إدارة كلينتون، مثل مشروع التوسع في التأمين الصحي، وإصلاح التعليم الابتدائي، وزيادة مِنَح التفوق للطلبة والطالبات، وإعادة تدريب العمالة لتحسين حالها، ورفع الحد الأدنى للأجر للتخفيف قليلًا من الأعباء التي يعاني منها الفقراء.

تدرك النساء الأمريكيات الواعيات سياسيًّا أن خليفة كلينتون سيكون أسوأ خلقًا وسياسةً، وأن الوقوف ضد كلينتون يعني بالضرورة الوقوف مع التيارات الرجعية، أو ما تُسمى اليوم «مافيا المال والسلاح والإعلام»، وهم يريدون التخلص من كلينتون ليس لنشاطه الجنسي ولكن لنشاطه السياسي.

رغم التقارب بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات إلا أن إدارة كلينتون (مهما كانت) أفضل من إدارة الحزب الجمهوري، الذي يتعاون حاليًّا مع التحالف المسيحي الرجعي ومع أكثر الشخصيات تخلفًا، كما أنه يشن حملة كبيرة على كل المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية للرجال والنساء في الولايات المتحدة، والذي سيكون أكثر عدوانية في السياسة الدولية إذا قفز إلى الحكم.

إلا أن النساء غير الواعيات سياسيًّا يمارسن الازدواجية أو التناقض ذاته الذي يمارسه الرجال، أغلب هؤلاء النساء من الشابات اللائي يفصلن بين الجنس والسياسة، اللائي لم يدفعن ثمن الحرية الواسعة التي جاءت إليهن بعد نضال طويل خاضته أمهاتهن وجداتهن. لقد التقيت كثيرًا بفئات مختلفة من هؤلاء الشابات في الاجتماعات داخل الولايات المتحدة، وفي الجامعات الأمريكية التي قمت بالتدريس فيها خلال الأعوام الستة الماضية؛ هؤلاء الشابات يعانين «الردة» التي وصفتها الكاتبة الأمريكية «سوزان فالودي» في كتابها Back Lash، أصبحت الواحدة منهن مثل «الدمية» تحركها وسائل الإعلام والسوق الاستهلاكية، تصبغ شفتيها باللون الأحمر الفاقع، ترتدي في أذنيها حلقًا ضخمًا، تتأرجح على كعبٍ عالٍ، تمارس الجنس مثل الرجال الفاسدين بدون حب أو مشاعر، لمجرد اصطياد الرجل أو الزوج.

لا شك أن مونيكا لوينسكي هي المثل الأعلى لهؤلاء الشابات، تسعى للوصول إلى السلطة والشهرة عن طريق الجنس وليس عن طريق الجهد أو العرق أو العمل أو الإبداع، لم تكن مونيكا ضحية (كما تحاول بعض المدافعات عنها تصويرها)، بل هي مشاركة في الجريمة الأخلاقية. إن العلاقة من ناحيتها لم تكن الحب، بل نشر الشباك لإيقاع الصيد، وقد باعت مونيكا القصة كلها (لمافيا المال والإعلام)، بما في ذلك الرداء الأزرق الذي لم تغسله من السائل المنوي، ليصبح الدليل المادي على الإدانة.

ربما وقع بيل كلينتون في مصيدة مونيكا أكثر مما وقعت هي في مصيدته، وكم تتفوق المرأة أحيانًا في الفساد والقسوة والعنف عن الرجال؛ لهذا أنا لا أوافق على تلك الفكرة التي يروج لها بعض المفكرين ومنهم «فرانسيس فوكاياما» الياباني الأمريكي، الذي يقول إن الحروب أو العنف سيقل في المستقبل بسبب تولي المرأة السلطة، ويُسمي ذلك «تأنيث المستقبل»؛ أي إن سيادة النساء على مقاليد السلطة في الدول سوف تحمي العالم من الحروب.

هذه الفكرة ليست جديدة، بل قديمة منذ نشوء النظام الطبقي الأبوي، الذي صور الحروب كأنما هي نتاج الطبيعة البيولوجية للذكور، أو زيادة نسبة هرمون الذكورة التستسترون، والهدف معروف: إخفاء الأسباب الحقيقية للحروب، وهي الصراعات على الأرض والأموال وزينات الحياة الدنيا. وعندنا أمثلة كثيرة لنساء صعدن إلى السلطة فلم يتقدم النظام السياسي الطبقي الأبوي خطوة واحدة، بل ربما عاد إلى الوراء عدة خطوات، وهل ننسى ماذا فعلت مارجريت تاتشر، لقد كانت أكثر عنفًا من أعتى الرجال، وفي عهدها فقدت النساء الكثير من حقوقهن، واشتدت المعاناة الاقتصادية على الشرائح الفقيرة في المجتمع الإنجليزي، وهل كانت مادلين أولبرايت ذات رقة وسلاسة؟! وهل كانت جولدا مايير أقل عنفًا من غيرها من الرجال؟!

في بلادنا يقول بعض الرجال (منهم نزار قباني) إن السياسة تفسد جمال المرأة وتحولها إلى حيوان سياسي مثل الرجل يشتهي السلطة والمال والعنف، إلا أنهم يعيبون على المرأة العربية تقاعسها عن الانخراط في الحياة العامة السياسية، فإذا سمعت المرأة كلامهم وانخرطت في السياسة أصبحت في نظرهم بلا جمال وبلا أنوثة، أليس هذا هو أحد تناقضات المجتمع الطبقي الأبوي؟!

إن الحياة العامة الفاسدة أو السياسة الفاسدة هي التي تجرد المرأة أو الرجل من الجمال أو الرقة أو الإنسانية، وتحولهما إلى حيوانات سياسية لا تؤمن إلا بالمصالح والمطامع ويتسم سلوكهما الخاص والعام بالازدواجية والتناقض.

المسألة إذن ليست طبيعة المرأة أو طبيعة الرجل، كما أن الطبيعة تتغير على الدوام مع تغير وظائف الإنسان في الحياة، كذلك يتغير مفهوم جمال المرأة حسب الطبقة؛ فالمرأة الفلاحة التي تشتغل بالفأس تحت قرص الشمس ليست مثل المرأة ذات الأنامل الناعمة والعنق الرخامي الأبيض يحوطه عقد من الماس أو اللؤلؤ ثمنه آلاف الجنيهات.

لقد تصاعدت في العالم تيارات سياسية وفكرية حديثة (وما بعد حديثة) تحاول إخفاء الحقائق الاقتصادية والسياسية تحت أسماء براقة تداعب بها الخيال الطبقي الأبوي، ومنها طبيعة المرأة وجمالها ورقتها وميلها إلى الحنان والسلام والعطاء الأمومي، وتحت هذه الكلمات ذاتها يحاولون العودة بها إلى البيت بعيدًا عن السياسة ودوائر صنع القرار.

ومن المعروف أنني من أشد المدافعين عن حقوق المرأة في بلادنا، إلا أنني لا أميل إلى تمجيد المرأة لأسباب بيولوجية، كما لا أميل إلى تحقيرها لأسباب بيولوجية أيضًا، إن المرأة ليست ملاكًا طاهرًا وليست شيطانًا ماكرًا أو لغزًا غامضًا، المرأة إنسان كامل الأهلية مثل الرجل، ويحق لها أن تكون مسئولة عن حريتها بمثل ما يكون الرجل مسئولًا عن حريته، سواء في حياته الزوجية الخاصة أو في حياته السياسة والعلاقات الدولية، ولا بد أن ينص الدستور في أي دولة على هذه المسئولية الأخلاقية والسياسية في آنٍ واحد.

١  الأهرام، ١٩  سبتمبر  ١٩٩٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠