حين تقتل الأم طفلها١

من الطبيعي أن يفزع الإنسان حين يسمع عن أم تقتل ابنها، لكن هذا الفزع يجب أن يكون فزعًا واعيًا يستند إلى العقل والتحليل المنطقي للأمور، وليس فزعًا أعمى غير عاقل يقودنا إلى التشكيك في أعظم وأقوى العواطف الإنسانية على الإطلاق وهي عاطفة الأمومة. وقد أكدت العلوم الإنسانية، ومنها التاريخ وعلم النفس والمجتمع، أن الأم تضحي بكل شيء حتى حياتها من أجل ابنها أو ابنتها. لا يمكن أن تبيع الأم طفلها بالمال وإن كان مال قارون، ولا يمكن أن تتخلى عن طفلها من أجل زوج أو رجل مهما كان، بل إن الأم قد تقتل زوجها من أجل طفلها. هذه حقيقة علمية وتاريخية ولها دلائل كثيرة في التاريخ القديم. حين كان الأب البدائي يأكل أطفاله حين يجوع كانت الأم تقتل الأب حمايةً لأطفالها.

قد أثبت علم الإنسان أن أمومة المرأة أقوى من أمومة الحيوانات والزواحف والطيور، حتى في المراحل الأولى لتطور الإنسان، وتُسمى «مرحلة البروتوبلازم الاجتماعي». كانت الأمومة عند المرأة البدائية أقوى العواطف الإنسانية، وفي الوقت الذي كان الأب البدائي يهجم على أطفاله حين يجوع كانت الأم تهجم على الأب وتمنعه بالقوة من أكل الأطفال، وتُسمى هذه المرحلة في علم الإنسان (الأنثروبولوجي) بمرحلة «العراك بين الأم والأب البدائي حمايةً للفصيلة البشرية»، وفي تلك المعارك انتصرت الأم بدليل بقاء الفصيلة الإنسانية. وكانت الأم تُضطر أحيانًا لتقتل الأب حمايةً للأطفال، وإذا نجا وعاش في القبيلة فهو يتغير ويكف عن أكل أطفاله، وتُسمى هذه المرحلة «مرحلة اكتشاف الأبوة».

وقد ساعدت هذه المعارك المتكررة على أن يتعلم الأب البدائي كيف يحب أطفاله ولا يأكلهم.

إن عاطفة الأمومة أقوى العواطف الإنسانية لأنها أقدم العواطف وأرسخها في التاريخ؛ فقد عرفت الأم أطفالها منذ ولدتهم من جسدها. لكن الأب لم يعرف أطفاله إلا بعد ذلك بملايين السنين (حوالي ٢٠ مليون سنة تقريبًا) حين بدأ نظام الزواج الأحادي، وأصبح للمرأة زوج واحد، وبالتالي عرفت الأبوة؛ ولهذا يفزع الناس حين يسمعون عن أم تقتل ابنها أكثر مما يفزعهم أن يقتل الأب ابنه. إن الفارق في الصدمة كبير؛ لأن إحساس الناس بالأمومة كبير وأكبر من أي إحساس آخر.

القتل … للإنقاذ

وفي عام ١٩٧٤ حين كنت أقوم بدراسة نفسية اجتماعية عن المرأة والعصاب وجدت أن عنبر القاتلات في سجن القناطر للنساء ليس فيه إلا امرأة واحدة قتلت طفلها، وامرأة ثانية قتلت طفلتها. كانت الأم الأولى خادمة فقيرة وقد قتلت طفلها الرضيع لترحمه من عذاب المرض والجوع. أما المرأة الثانية فكانت طالبة وقد قتلت طفلتها بعد ولادتها مباشرةً لترحمها من قسوة المجتمع عليها كطفلة تنكَّر لها أبوها ولم يعترف بها.

أما الحالة الثالثة فهي هذه المرأة التي اشتركت في قتل زوجها ثم ابنها خلال شهر نوفمبر ١٩٨٥ واسمها نادية. ولا تزال القضية في يد القضاء. وقد أجمعت معظم الآراء التي نُشرت بالصحف بعد وقوع الجريمة مباشرةً أن هذه الأم قتلت زوجها ثم ابنها من أجل الرغبة الآثمة أو العشق.

ثم بدأت بعض الاتجاهات بأقوال الأم القاتلة. قالت الأم إنها وهي تلميذة صغيرة في المدرسة تعرضت لحادث اغتصاب من مدرس اللغة الإنجليزية الذي يكبرها بستة عشر عامًا أو أكثر. وذهبت التلميذة الصغيرة نادية إلى أبيها وأمها واشتكت لهما. وكتم الأب والأم الأمر. لم يقدِّما هذا المدرس للمحاكمة لينال العقاب على جريمة اغتصاب تلميذة صغيرة. وهذا أمر نعرفه جميعًا. كيف تختفي جرائم الاغتصاب في الظلام لأن الأب أو الأم أو الأسرة يخشون الفضيحة، وكيف تسعى الأسرة إلى تزويج البنات الصغيرة بالرجل الكبير الذي اعتدى عليها.

وهكذا تعالَج جريمة الاغتصاب بجريمة أخرى وربما أشد. ذلك أن المعتدي لا يعاقَب وإنما يكافأ بالزواج من هذه الفتاة الصغيرة، ويُفرض على هذه الفتاة أن تعيش بقية عمرها في ظل رجل تكرهه.

إن الأب الذي يبيع ابنته بالمهر الكبير يُعلمها الفساد؛ فهو يعلمها أن تبيع نفسها بالفلوس. وإن الأب الذي يزوج ابنته بالإكراه والعنف يُعلمها العنف وعدم الإحساس بالعدل والمسئولية.

بناء الشخصية

والاغتصاب جريمة، ولا بد للجاني أن يلقى جزاءه القانوني، ولا بد من علاج الثغرات في القانون التي تجعل الجاني يفلت من العقاب، أو تسقط عنه الجريمة إذا تزوج المجني عليها. إن مثل هذا القانون يشجع بعض الرجال على اغتصاب البنات ثم الزواج منهن استغلالًا للوضع. ولا بد للقانون أن يحمي البنات من بعض الآباء الذين يفرضون عليهن الزواج بالإكراه. إن شرط الزواج هو رضا الطرفين، والإسلام لا يعترف بالإكراه في الزواج.

وحوادث الاغتصاب لا تحدث للبنات الصغار فقط، ولكنها تحدث أيضًا للأطفال الذكور، وخطرها على الطفل الذكر لا يقل عن خطرها على الطفلة البنت، وأعني الخطر النفسي، والصدمة التي قد تشوه شخصية الطفل. فإذا به يغتصب غيره حين يكبر رغبةً في الانتقام، أو لأي رغبة أخرى مثل الرغبة في الجنس الآخر. وهكذا تختلط الرغبات الطبيعية عند الإنسان برغبة الانتقام بسبب مثل تلك الحوادث العنيفة في الطفولة.

وهذا هو أحد الأسباب لتشوه العلاقات الطبيعية بين الزوجين ورغبة بعض الأزواج في اغتصاب زوجاتهم بالقوة وأحيانًا بالضرب، (السادية عند بعض الرجال والماسوشية عند بعض النساء).

تشويه الشخصية يبدأ في الطفولة بسبب حوادث وجرائم من هذا النوع. وكم تعيش بعض الأسر في فزع وخوف على أطفالها البنات والذكور، ويفرضون عليهم الرقابة المشددة الصارمة.

لكن حماية الطفل لا تكون بفرض الرقابة الخارجية؛ فالرقابة الخارجية لن تبقى مع الإنسان طوال العمر. لا بد من التربية السليمة التي تبني شخصية الإنسان وتعلمه منذ الطفولة كيف يتولى حماية نفسه إذا صادفه مأزق أو مشكلة، أو حماية نفسها إذا كانت طفلة أو فتاة صغيرة. التربية السليمة تقوم على تعريف لا يعني التخويف، ولكن يعني تفتيح العين والعقل منذ الطفولة على الحقائق.

إن المعرفة ليست إثمًا ولكنها ضرورة لحماية الطفل. الحرية ليست إثمًا ولكنها ضرورة لتعليم الطفل المسئولية، والفضيلة لا تنشأ بالإكراه والحبس داخل البيت أو عدم الثقة.

الفضيلة في نفس الطفل والطفلة تُبنى بالثقة في حسن تصرفات الطفل، والثقة تربي الحرية، والحرية تربي المسئولية؛ والراحة تربي الشجاعة، والشجاعة تربي الصدق، والصدق يربي المعرفة والوعي بالأسباب الحقيقية لأي مشكلة أو خطر.

لكن معظم الأسر المصرية لا تزال تربي أطفالها على التجهيل بحقائق الحياة وعلى الخوف وعدم المسئولية.

إن الخوف والتخويف هو الأساس الذي يقوم عليه التربية والتعليم في بلادنا، التخويف من العقاب في الدنيا والآخرة؛ لهذا يطغى البطش والاستبداد في حياتنا السياسية والثقافية والدينية، يؤدي ذلك إلى حوادث العنف والاغتصاب الجسدي أو السياسي أو الاقتصادي.

١  الجمهورية، ٢  ديسمبر  ١٩٨٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠