مقدمة

يتعرَّض كلُّ جيل لعدد من صور الأخبار التي تَرْسُخ في الذهن. تذكِّرنا هذه الصورُ بمشاعر مرتبطة بمأساة، أو بفرحة انتصارٍ رياضي، أو بفاجعة الحرب. يكون بعض هذه الصور بمثابة وثائق تاريخية للأجيال المستقبلية، ويُوضَع كثيرٌ منها داخلَ دفتر القصاصات مع تذكارات أخرى. ومع ذلك، يوجد قاسم مشترك بين جميع هذه الصور؛ أنها انتُقيت من ملايين الصور الواقعية والمحتملة الأخرى.

لماذا يختار المحرِّرون بعض الصور للنشر ويستبعدون صورًا أخرى؟ وكيف يتم ذلك؟ كيف تُصْدَر التكليفات ومَن الذي يُصْدِرها؟ وكيف يعمل المصوِّرون على أرض الواقع؟ وكيف يختار المحرِّرون الكلمات التي ترافق الصور؟ وكيف يؤثِّر هذا في الطريقة التي يفهم بها مستهلكو الأخبار صورَ الأخبار؟

يلحظ عالِم الاجتماع، هربرت جانز، أن الصحفيين يقرِّرون عبر الانتقاء ما هو خبر، وعبر الاستبعاد ما ليس خبرًا (جانز ١٩٨٠). فعواملُ من قبيل الاعتبارات العملية، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتنوُّع القصص، وإرشادات مثل «الأهمية الإخبارية» و«الموضوعية»؛ تمثِّل معاييرَ في عملية صنع القرار هذه.

تقدِّم التغطية الإعلامية في هايتي طوال العقدين الماضيين مثالًا جيدًا لطريقة انتقاء الأخبار. في نوفمبر ١٩٩١، اتصل بات هاميلتون الذي يعمل مصوِّرًا في وكالة رويترز هاتفيًّا بمكتب روبرت شنيتسلاين في واشنطن العاصمة. كان شنيتسلاين محرِّرَ الصور في وكالة رويترز في أمريكا، وكان المشرف على هاميلتون. كان هاميلتون يتصل من هايتي ليسأل إن كان يستطيع مدَّ إقامته في المهمة التي يؤدِّيها؛ نظرًا لوصول ممثِّلي منظمة الدول الأمريكية إلى بورت-أو-برنس في اليوم التالي، وكان من المقرَّر أن يحاول هؤلاء الممثِّلون التوسُّطَ في تسويةٍ بين الرئيس الهايتي المعزول، جون برتراند أريستيد، وقادة الجيش الذين عزلوه. وكان ردُّ شنيتسلاين على هاميلتون أنه إذا كان معه ما يكفي من المال لتحمُّل نفقاته، فيمكنه البقاء، وإن لم يكن فعليه الرحيل. لم تكن رويترز لتعطيه أي زيادات إضافية. «يجب اتخاذ الكثير من الأحكام بشأن ما تفعله على أساس كلفته … وقصة [هايتي] لا تحظى بأي تمويل على الإطلاق» شنيتسلاينن، ١٩٩١).

صحيح أن المؤسسات الإخبارية الكبرى ترسل الصحفيين إلى هايتي دوريًّا (عادةً في أوقات الأزمات)، لكن حتى هذا لا يضمن نشر القصة أو الصورة.

ما لا نضعه أبدًا في الحسبان هو شخصية المراسل، وما إذا كان هناك اهتمام فعلي لدى الصحيفة عند وصول التقرير إليها؛ على سبيل المثال: كان جو تريستر (صحفي نيويورك تايمز الذي كان يراسل من هايتي، من عام ١٩٨٤ إلى عام ١٩٨٩) يكره هايتي؛ فلم يكن يهتم تمامًا بأمرها. لم يكن عنصريًّا بأي شكل من الأشكال، لكنه لم يكن يفهم سببَ عجز الناس عن تنظيم مجهوداتهم.

كان هناك عدد من المراسلين من النيويورك تايمز يراسلون من هايتي بعد جو تريستر، وكان المراسل الذي تلاه مباشَرةً … لا يذهب إلى أي مكان دون مراسل صحيفة ميامي هيرالد ومراسل إل إيه تايمز. كانوا يتحركون معًا مثل «الفرسان الثلاثة»، وكانوا يكتبون جميعًا الشيء نفسه. وكانوا جميعًا يكرهون أريستيد، ولا يتحدثون إلا إلى الأشخاص أنفسهم؛ النخبة، فكان هؤلاء هم مصدر معلوماتهم. لم يذهبوا إلى الأحياء الفقيرة، وإذا حدث هذا، فهم يذهبون من أجل الحديث مع شخص لديه مدرسة هناك أو شيء من هذا القبيل؛ فلم يكتبوا قطُّ فعليًّا عن معنى أنْ يعيش المرءُ ويتنفس وتكون له حياة في هايتي في أي وقت من الأوقات.

لم يحدث ذلك حتى بدأ لاري روهتر في المراسلة من هايتي. كان أفضلَ منهم بكثير؛ فبَدَا أنه يتمتع بروح ألطف وأطيب، وهو ما كانت هايتي بحاجةٍ إليه، ولا يستطيع الجميع فعل هذا.

وهكذا، أخيرًا، تجد شخصًا يؤدِّي عمله جيدًا، ثم تجد محرِّرَ الشئون الخارجية غير مهتم بالقصة؛ ولذا لن يروِّج لها؛ فتُدفَن القصة في الجريدة. يوجد هذا الكمُّ الكبير من القرارات التي يتخذها أناسٌ لم يصلوا إلى درجة الكمال، ولديهم أجندات ضد شخصٍ ما، أو ضد مكانٍ ما.

ويمكن أن يكون لذلك تأثيرٌ مهول من وجهة نظر المصوِّر، فهَبْ أنك تعمل مع جو تريستر، وأنه يكتب مقالًا لا يخرج إلى النور. هكذا، ربما لا يوجد حتى مجال لصورتك. (استيبر، ٢٠٠٤)

بعد أقل من ثلاث سنوات من رفض شنيتسلاين مد إقامة هاميلتون، طغَتِ الأخبارُ عن الاضطرابات في هايتي، وعن التدخُّل الوشيك للولايات المتحدة/الأمم المتحدة؛ على وسائل الإعلام الإخبارية الأمريكية؛ فعلى الرغم من التغيُّر الطفيف الذي طرأ على قيادة هايتي، وممارساتها السياسية أو مشكلاتها الاقتصادية أو كليهما، أصبحت جزءًا ممَّا يطلق عليه جانز «ساحة المعركة الرمزية» (جانز، ١٩٨٠). لماذا أصبحت هايتي «خبرًا»؟ تقول هيلاري راسجين، محرِّرة الصور الدولية في مجلة نيوزويك (١٩٩٢)، إن اختيار الأخبار الدولية في نيوزويك يرتبط ارتباطًا قويًّا بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد تغيَّرَت السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه هايتي تغيُّرًا كبيرًا بين عامَيْ ١٩٩١ و١٩٩٤.

بالمثل، يمكن للاهتمام المدرَك لدى القرَّاء المهمِّين أنْ يحدِّد التغطيةَ الإخبارية؛ فبعدَ وقتٍ قصير من تعيين تيم راسموسن مديرًا للتصوير في صحيفة ساوث فلوريدا صن سنتينل، وصَلَ عددٌ من سكان هايتي إلى ميامي واعتُقِلوا. وفي إطار متابعة القصة، أرسلَتْ صن سنتينل المصوِّرَ مايك ستوكر ومراسِلَ الشئون الخارجية تيم كولي إلى هايتي.

منذ هذه اللحظة أصبحنا نغطِّي الأخبارَ في هايتي أربعَ مرات أو خمسًا في السنة، بسبب المجتمع الهايتي الموجود هنا. أعدَدْنا سلسلةً من التحقيقات عن إعدام أطفال الشوارع الصغار بأيدي الشرطة في هايتي؛ وكان هذا أحدَ انتصاراتنا الأولى؛ لأننا نشرنا صورةً فوتوغرافية، إحدى الصور الأدلة، لأمٍّ تُمسِك بصورة ولدَيْها البالغين من العمر ١٢ عامًا، اللذين تلقَّيَا طلقًا ناريًّا في الرأس.

نتيجةً لذلك، عُقِد اجتماعٌ بين مايك ستوكر وتيم كولي وإيَّاي من أجل التفكير فيما يمكننا الحديث عنه في هايتي، وتوصَّلنا إلى «الدمار البيئي في الدولة»؛ فقد كان كلٌّ منَّا يقدِّم مقالاتٍ لا يوجد بينها اختلافٌ كبير عن البيئة، واكتشفنا أنه من الممكن تجميعها كلها في قصةٍ أكبر؛ ولذا نفَّذنا بالفعل مشروعًا ضخمًا امتدَّ على مدار سنة لدراسة الدمار البيئي. (راسموسن، ٢٠٠٦)

يعتقد راسموسن أن صحيفة صن سنتينل أصبحَت الآن أكثرَ تحفُّظًا في دعم مثل هذه المشروعات؛ فيقول إن المحرِّرين قَلِقون من الالتزام الاقتصادي، ومن نتائج الاستبيانات الموجَّهة إلى القرَّاء.

يقول القرَّاء دومًا شيئًا واحدًا في هذه الاستبيانات، المعطى حاليًّا أنَّ ثمة ٣٦ قارئًا مختلِفًا فقط تشملهم الاستبيانات، وقد أشرفتُ على أربعة منها، وكان ٣٥ من هؤلاء القراء بيض البشرة، واستمروا في قول الشيء نفسه، لا يريدون القراءة عن هايتي. (راسموسن، ٢٠٠٦)

ويختم راسموسن: «ما زلنا نذهب إلى هايتي. لكن ليس بالقدر نفسه كما في السابق.»

بالإضافة إلى تقريرِ ما هو خبر وما ليس خبرًا، يواصِل الصحفيون اتخاذ قرارات انتقاءٍ واستبعادٍ أخرى طوالَ عملية صنع الأخبار؛ على سبيل المثال: بعدما يقرِّر المحرِّرون تحديدَ قصةٍ معينة، يحدِّد المراسلون المصادرَ التي يستخدمونها، والأسئلةَ التي يطرحونها، إلى آخِره. وفي مراحل التحرير والتجميع، تُختار كلماتٌ أو صورٌ محددة، بينما تُقصَى أخرى، ويُقبَل ترتيبٌ معيَّنٌ للعناصر في الصفحة الواحدة، بينما تُرفَض ترتيباتٌ أخرى.

تؤثِّر كلُّ هذه القرارات في الطريقة التي يدرك بها مستهلِكو هذه الأخبار العالَمَ. يرى الباحث الفرنسي رولان بارت (١٩٧٢) أن الرموز (مثل: القصة المعينة، والصورة … إلخ) التي تظهر في وسائل الإعلام الإخبارية يختارها الصحفيون عن عمدٍ، ويفهمونها بوصفها تمثيلاتٍ، بينما يراها مستهلِكو الأخبار أكبرَ من هذا. يزعم بارت أن الصحفيين يبدءون بمفهومٍ ما، ويبحثون عن سبيلٍ للتعبير عنه رمزيًّا؛ ومع ذلك، لا يرى الجمهور القصةَ أو الصورةَ بوصفها رمزًا، ولكن بوصفها حقيقةً.

مواصلةً لحديثنا عن تغطية وسائل الإعلام لهايتي، تقدِّم لنا مديرةُ التحرير المساعدة السابقة في صحيفة ميامي هيرالد، المصوِّرةَ الحاصلة على جوائز عدة، ماجي استيبر، مثالًا لما سمَّاه بارت «الخرافات»؛ فتذكر مناقشةً دارَتْ بينها وبين مصوِّر آخَر التقَطَ صورةً لرجل هايتي وهو يأكل لحمَ إنسان، فتقول استيبر:

حدث شغب هائل، لا أتذكَّر سببَه، لكنْ كان هناك أناسٌ قتلى، ورأى هذا المصوِّر هذا الرجلَ الهايتي يأخذ سكينًا ويقطع قطعةً من جسم إنسانٍ ويأكلها؛ فالتقَطَ هذه الصورةَ التي نُشِرت في مجلة تايم لهذا الرجل وهو يأكل قطعة اللحم هذه، مع ظهور نيران تنبعث من المتاريس في الخلفية. صورة درامية جدًّا.

عندما رأيتُ تلك الصورةَ منشورةً غضبتُ كثيرًا، وتحدَّثتُ إلى المصوِّر بشأنها، فقال: «بدايةً، الرجل فعَلَ هذا.» فقلتُ له: «لكنه ينظر إليك مباشَرةً، فقد فعل هذا من أجل الكاميرا. وهل رأيتَ أحدَ أهالي هايتي يفعل هذا من قبلُ؟» هذا تقليد أفريقي قديم للغاية، لكني لم أَرَه قطُّ في هايتي؛ فهذا ليس ممثِّلًا لما يفعله الناسُ حقًّا. كان أمرًا حدث أمامَه فالتقط الصورة. لا أقول إنه لم يكن ينبغي له التقاط الصورة؛ ينبغي عليك دومًا التقاط الصورة، لكني أعتقد أن المؤسِف حقًّا أن هذه هي الصورة التي نُشِرت. يرى الناس ذلك، ويظنون أن كل أهالي هايتي آكِلُو لحومِ بشر ومتوحشون ويصعب حكمهم.

الحقيقة أن هذا كان موقفًا فريدًا، على الأقل بحسب ما رأيتُ حتى الآن، وأنا أُعِدُّ الأخبار هناك منذ عام ١٩٨٠. (استيبر، ٢٠٠٤)

صنع هذا المصوِّر صورةً دراميةً ومثيرةً للاهتمام من الناحية الجمالية، وقَعَ عليها اختيارُ النشر لتمثِّلَ الموقفَ في هايتي. ومع ذلك، كما تقول استيبر، فقد يرى مستهلِكو الأخبار تلك الصورةَ على أنها أكثر من رمزٍ. وبما أن معظم الذين رأوا هذه الصورةَ لم يزوروا هايتي قطُّ، فربما يعتقدون أن «كل أهالي هايتي (أو على الأقل الكثير منهم) آكِلُو لحومِ بشرٍ ومتوحشون ويصعب حكمهم».

تكمن براعة التصوير في أسلوب استيعابه؛ فهو يختلف عن أشكال التمثيل الأخرى من حيث إن طبيعته التأويلية أقلُّ وضوحًا (جروندبيرج، ١٩٩٠أ، ١٩٩٠ب؛ ريشين، ١٩٨٩)؛ فالناس يصدِّقون ما يرونه (سونتاج، ١٩٧٣).

يقول مايكل كوفمان، مؤسِّس إمباكت فيجوالز والمحرِّر المشارِك بها، وهي وكالة تصويرٍ مَقرُّها نيويورك:

توجد عملية ذاتية في التحرير باستخدام الكاميرا، ويمكن لأمور كثيرة أن تؤثِّر في هذه العملية؛ اختيارك للموضوع، واختيار العدسات، وترتيب العناصر الفنية، وإحساسك بالضوء … فمقولة «أستطيع إرسال شخصٍ ما إلى ثقافة مختلفة، وأن الصورة هي صورة، لا أكثر» هي في الواقع فكرة مجنونة. أعتقد أن من المؤسف أن المصورين عادةً ما يدخلون إلى ثقافة مختلفة، ويبحثون عن صورٍ تتناسب مع تصوُّراتهم المسبقة، ويمكنهم دومًا العثور على مثل هذه الصور، لكنها قد تكون فعليًّا الاستثناء الثقافي. (كوفمان، ١٩٩١)

تمكِّن القدرةُ على التفسير ذاتيًّا باستخدام المهارات الفنية والجمالية المصوِّرَ من إعطاء صوَرِه معنًى وقيمةً. لكن هذا التمكين محدودٌ؛ نظرًا لضرورة اختيار المصوِّر باستمرارٍ رموزًا مناسِبةً للمهمة الموكلة إليه (كما يحدِّدها محرِّرو الكلمات في أغلب الأحيان)، من أجل الحفاظ على وظائفهم أو الترقِّي في حياتهم المهنية في مهنةٍ تنافُسية للغاية، أو كلا الأمرين.

يقول كينت كوبرستين، مدير التصوير الأسبق في مجلة ناشونال جيوجرافيك: «إن قدرًا كبيرًا من إعداد التقارير الفوتوغرافية حدسي؛ فأنت تُكوِّن منهجيةً للعمل على أساس الجهة التي تعمل لصالحها؛ أي المطبوعة» (كوبرستين، ١٩٩١). وتقول المالكة/المحررة السابقة لشركة جيه بي بيكتشرز، جوسلين بنزاكين: «معظم المصوِّرين يفعلون ما يتقاضون عليه أجرًا فحسب، ويسلِّمون عملَهم في الوقت المحدَّد؛ إنها مجرد معادلة» (بنزاكين، ١٩٩١).

تأتي معادلات إنتاج النوع «الصحيح» من الصور من مصادر متنوعة؛ فعلى عكس مصوِّرِي الأخبار من الأجيال السابقة، يلتحق كثيرٌ من المصوِّرين في عصرنا الحالي بكليات الصحافة؛ حيث يتعرَّفون على استراتيجيات جمع الأخبار، مثل «الأهمية الإخبارية» و«الموضوعية»، وتُدعَّم هذه الاستراتيجيات وغيرها وتُطوَّر في غرف الأخبار وأوساط التصوير التي يعمل فيها المصوِّرون.

تتحدَّد الأهمية الإخبارية بالطبع بما يقول كبارُ المحرِّرين إنه يستحق التغطية؛ ومع ذلك، يستطيع المحرِّر، من خلال إطلاق مصطلح «مهم إخباريًّا»، إضفاءَ طابعٍ موضوعي على أسباب اختياره نشرَ أحد المفاهيم دون غيره.

يوجد تأكيد لمفهوم «الموضوعية» على وجه الخصوص في التصوير الفوتوغرافي، بسبب اعتقادِ كثيرٍ من المحرِّرين أن الدليلَ المادي يُقدَّم مباشَرةً للمُشاهِد من خلال الصورة الفوتوغرافية. ومع ذلك يقول كوفمان:

الموضوعية هي في الأصل خرافةٌ يخدع بعضُ كبار العاملين في مجال الإعلام أنفسَهم بها؛ فما تراه في الصورة واقعي، لكنه محرَّر. فربما لم يكن للتغطية التي رأيناها لحرب الخليج الأولى — مع كل صور الأسلحة ذات التقنية العالية — علاقة كبيرة بالحرب أو بالسبب الذي أُرسِلت قواتنا إلى هناك من أجله؛ فقد أصبحَتْ نوعًا من الحجج الدعائية لأنظمة الأسلحة، على الرغم من أنه اتضح أن كثيرًا من الأشياء التي صُوِّرت في هذا الوقت لم تكن حقيقيةً من حيث كيفية أدائها فعليًّا. كانت الطائرات حقيقية؛ كانت تطير بالفعل، لكنك رأيتَ جزءًا منها. لم يكن هذا سوى متابعة لجانب واحدٍ مما كان يحدث بالفعل. (كوفمان، ١٩٩١)

يلجأ المصوِّرون أيضًا إلى المسابقات ومجلات الصور الإخبارية لمساعدتهم في التوصُّل إلى معادلات ناجحة في التصوير.

مع هذا، يحقِّق الصحفيون المصورون النجاحَ في النهاية من خلال تقديم رموز فوتوغرافية على الدوام تصوِّر واقعًا مماثِلًا لواقع كبار المحررين. تقدِّم بنزاكين هذا المثال:

أعَدَّتْ ماجي (استيبر) هذا الخبرَ عن ميامي، ورأى المحرِّر أن السُّود كانوا أكثر ممَّا ينبغي في صورها؛ لذلك أرسلوا شخصًا آخَر ليلتقط صورًا تشتمل على بِيض أكثر؛ لأن وجهة نظر «المحرِّر» كانت أن هناك عددًا أكثر من البيض.

تكون لدى المحرِّرين (الذين يكلِّفون بالأخبار) فكرةٌ ما، وإذا أعطاهم المصوِّر شيئًا آخَر غير فكرتهم، يكون ردُّ فعلهم: «أوه، ليس هذا ما أردته؛ هذا لا يحدث فعلًا هناك. أنت لم تفهم الوضع.» وعلى الرغم من أن المحرِّر لم يغادر المبنى قطُّ، تسود وجهةُ نظره. (بنزاكين، ١٩٩١)

تكوِّن وسائلُ الإعلام الإخبارية، بوصفها مؤسسات تسعى إلى تحقيق الربح، جمهورًا وتحافظ عليه بوصفه سلعتها الأساسية؛ فالجماهير تُباع للمعلِنين. وواضح أن الجمهورَ الميسورَ الحال سلعةٌ أكثر قيمةً من الجمهور الفقير.

تشبه الصفات الديموغرافية التي تشكِّل المستهلِكَ المثالي السمات الديموغرافيةَ الموجودة لدى معظم كبار المحررين كثيرًا؛ وهكذا يكون نظام نشر الأخبار منعزلًا نوعًا ما. وبينما يتَّسِم كثيرٌ من كبار المحرِّرين بالذكاء ورجاحة العقل، فإنهم يختارون حتمًا مفاهيم تنبع من وجهات نظرهم الشخصية عن العالم وتتشكَّل وفقًا لها. يصنع/يختار المصورون (بموافقة المحررين) رموزًا بصرية تتصل بالمفاهيم التي يختارها كبارُ المحررين، ويتلقَّى أفرادُ الجمهور هذه الرموزَ في سياقٍ يشبه الإطارَ الذي يتَّخِذ فيه كبارُ المحررين قراراتهم.

تسهم وسائلُ الإعلام الإخبارية في صنع الواقع وتدعيمه، كما هو موصوفٌ في صياغة بارت للخرافة. يدرك صناعُ القرار في وسائل الإعلام الإخبارية العالَمَ من منظورٍ معيَّن، وهم يختارون المفاهيمَ أو الأخبارَ ذات الأهمية الإخبارية، ثم يبحثون عن طرق يمكن التعبير بها رمزيًّا عن هذه الأخبار. ويستحضر مستهلكو الأخبار مفاهيمهم التجريبية وهم يستوعبون الأخبار. تحمل هذه الأخبار معنًى خاصًّا للواقع، خاصةً كما يظهر في الصور الفوتوغرافية. يقول المؤرخ الفني والناقد جون سزاركاوسكي (١٩٦٦، ص٨٦): «إن الاقتباس المجتزَأ من السياق هو جوهر حرفة المصور.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠