الجزء الثالث

١

عندما رجعت إلى المنزل في ذلك المساء، كنت لا أزال لا أعرف فيما سأُنفق فيه الجنيهات السبعة عشرة.

قالت هيلدا إنها ذاهبةٌ إلى اجتماع في نادي كتاب اليسار. كان يبدو أن ثمَّة رجلًا قادمًا من لندن لإلقاء محاضرة، على الرغم من أنه لا داعي لأن أقول إن هيلدا لم تكن تعلم موضوع المحاضرة. وقد قلت لها إنني سأذهب معها. أنا عادةً لا أهتم كثيرًا بالمحاضرات، ولكن رؤى الحرب التي انتابتني ذلك الصباح، بدايةً من الطائرة القاذفة للقنابل أعلى القطار، أدخلَتني في مِزاج تأمُّلي نوعًا ما. بعد الجدال المعتاد، وضعنا الطفلَين في سريرَيهما مبكرًا، وانصرفنا في الوقت المحدد للمحاضرة، الذي أعلنوا أنه الساعة الثامنة.

كان مساءً ضبابيًّا، وكانت القاعة باردة وفقيرة الإضاءة. إنها قاعة خشبية صغيرة بسقف من الحديد المموَّج، وهي مِلك لطائفة بروتستانتيَّة أو ما شابه، ويُمكنك استئجارها مقابل عشرة شلنات. حضر الحشد المعتاد المكوَّن من خمسة عشر أو ستة عشر شخصًا. أمام المنصة، كانت ثَمة لافتة باللون الأصفر وعليها عُنوان المحاضرة: «خطر الفاشية». لم يُفاجئني هذا على الإطلاق. قاد السيد ويتشيت، الذي يَرْأس هذه الاجتماعات ويعمل في أحد مكاتب الهندسة المعمارية، المحاضِرَ وقدَّمه للجميع باسم السيد فلان الفلاني (نسيتُ اسمه) «مُناهض الفاشيَّة الشهير»، تمامًا كما لو كنت تقدم شخصًا على أنه «عازف البيانو الشهير». كان المحاضر رجلًا ضئيل الحجم في الأربعين من عمره تقريبًا، وكان يرتدي بذلة داكنة؛ وكان أصلع الرأس، وقد حاول دون جدوى إخفاء صلعته بخصلات من الشعر.

مثل هذه الاجتماعات لا تبدأ أبدًا في موعدها المحدد؛ حيث تكون دائمًا ثمة فترة من الانتظار بزعم أنه ربما يَحضُر بعض الأشخاص الآخرين. كانت الساعة قد اقتربت من الثامنة وخمسٍ وعشرين دقيقة عندما خبَّط ويتشيت على الطاولة وقام بدوره. كان ويتشيت رجلًا لطيفًا، بوجه وردي أشبه بمؤخِّرات الأطفال، وكان دائم التبسم. أعتقد أنه سكرتير للحزب الليبرالي المحلي، وأنه أيضًا في مجلس الأبرشية، وأنه رئيس مراسم لمحاضرات الفانوس السحري في اتحاد الأمهات. إنه من ذلك النوع الذي تعتقد أنه وُلد ليكون رئيس جلسات. وعندما يُخبرك بمدى سعادتنا لوجود السيد فلان الفلاني معنا على المنصة الليلة، يُمكنك رؤيةُ أنه يُؤمن بما يقول بالفعل. لم أنظر إليه إلا ويتبادر إلى ظني احتمال أنه لم يُمارس الجنس من قبل. أخرج المحاضر ضئيل الحجم لفافة من الملاحظات، معظمها قصاصات من الصحف، وثبَّتها على الطاولة بكأس من الماء. ثم بلل شفَتَيه سريعًا وبدأ حديثه.

هل حضرت محاضراتٍ من قبل أو اجتماعات عامة أو شيئًا من هذا القبيل؟

عندما أذهب إلى أحد تلك التجمعات، فإن ثمة لحظةً دائمًا خلال الأمسية أجد فيها نفسي أُفكر في الأمر نفسه: ما الذي يجعلنا نفعل ذلك؟ لماذا يخرج الناس في إحدى ليالي الشتاء لحضور هذا الشيء؟ نظرت في أرجاء القاعة. وكنت جالسًا في الصف الخلفي. لا أتذكر أبدًا أني ذهبت إلى أي نوع من الاجتماعات العامة إلا وجلست في الصف الخلفي إن كان الأمر باختياري. أما هيلدا والآخرون، فقد اندفعوا إلى الأمام كالعادة. كانت قاعة صغيرة ومظلمة. تعرف هذا النوع من الأماكن، حيث الجدران من الخشب العزيزي، والسقف من ألواح الحديد المموج، وتيار الهواء الشديد الذي يجعلك لا ترغب في خلع معطفك. كانت الزمرة الصغيرة منا جالسةً في الضوء حول المنصَّة، مع وجود نحو ثلاثين صفًّا من الكراسيِّ الفارغة خلفنا، وكانت مقاعد كل الكراسي مليئة بالأتربة. وعلى المنصة خلف المحاضر كان ثمة شيءٌ مربَّع كبير مغطًّى بخِرَق، ما بدا كتابوت مغطًّى بغطاء، ولكنه كان في الحقيقة بيانو.

في البداية، لم أُصغِ جيدًا، وكان المحاضر رجلًا ضئيل الحجم ووضيعًا، ولكنه كان متحدثًا جيدًا. وكان وجهُه أبيض، وفمه كثيرَ الحركة، وكان صوته شديد الإزعاج نتيجةَ حديثه المستمر. بالطبع كان يُهاجم هتلر والنازيِّين. لم أكن مهتمًّا بشكل خاص بسماع ما كان يقوله — فأنا أقرأ الموضوعاتِ نفسَها في صحيفة «نيوز كرونيكال» كلَّ صباح — ولكن صوته تنامى إلى أذنَيَّ كهمهمةٍ يتخللها بين الحين والآخر عبارةٌ تُفاجئني وتجذب انتباهي.

الفظائع الوحشية … مظاهر السادية البشعة … الهراوات المطَّاطية … معسكرات الاعتقال … الاضطهاد الجائر لليهود … العودة إلى عصور الظلام … الحضارة الأوروبية … التصرُّف قبل فوات الأوان … سخط كلِّ الشعوب المتحضرة … تحالف الدول الديمقراطية … موقف حازم … الدفاع عن الديمقراطيَّة … الديمقراطية … الفاشية … الديمقراطية … الفاشية … الديمقراطية …

لا بد أنك تعرف هذا الكلام الرنَّان. يُمكن لهؤلاء الرجال أن يستمروا في الحديث لساعات؛ تمامًا كالفونوغراف، فقط أدِر اليد ثم اضغَط على الزِّر، وسيبدأ في العمل. الديمقراطية، الفاشية، الديمقراطية. ولكني بطريقةٍ ما كنتُ مهتمًّا بمشاهدته. كان رجلًا ضئيلًا وتافهًا، بوجه أبيض ورأس أصلع، يقف على المنصة، ويُطلِق الشعارات. ما الذي يفعله؟ إنه يحضُّ على الكراهية بتعمُّد شديدٍ وبصراحة شديدة، ويبذل أقصى جهدِه لِيَجعلَك تكره فئةً بعينها من الأجانب تُسمَّى الفاشيِّين. رأيت أنه أمر غريب أن يُعرَّف بأنه «السيد فلان الفلاني، مُناهض الفاشية الشهير». إنها لمهنة غريبة، مُناهَضة الفاشية تلك. وأظن أن هذا الشخص يتكسَّب من كتابة كتب ضد هتلر. ولكن ما الذي كان يفعله قبل ظهور هتلر؟ وما الذي سيفعله إن اختفى هتلر ذات يوم؟ السؤال نفسُه مُوجَّه للأطباء والمحقِّقين وصائدي الفئران وغيرهم بالطبع. لكن كان الصوت المتصدع لا يزال مستمرًّا، وأدركتُ شيئًا آخر. إنه يعني ما يقول، ولا يتصنَّع على الإطلاق، إنه يعني كل كلمة يقولها. إنه يُحاول إثارة الكراهية لدى الجماهير، ولكن ذلك لا يُقارَن بمقدار الكراهية التي يشعر بها؛ فكل شعار حقيقة مُسلَّم بها من وِجهة نظره، ولو شقَقْتَ عن صدره فكل ما ستجده هو الديمقراطية، الفاشية، الديمقراطية. من المثير معرفةُ رجلٍ مثلِه في الحياة الخاصة. ولكن هل لديه حياة خاصة؟ أم هو فقط يذهب من منصَّة إلى أخرى مُؤجِّجًا للكراهية؟ ربما حتى أحلامه شعارات.

بقدر ما استطعتُ من الصفِّ الخلفي، ألقيت نظرة خاطفة على الحضور. أعتقد أنك إن فكَّرت في الأمر، فستجد أننا مَن يخرجون في ليالي الشتاء لنجلس في قاعة تكثرُ فيها تيارات الهواء لنستمع إلى محاضري نادي كتاب اليسار (وأعتبر أنه من حقِّي استخدامُ «أننا» لأنَّني حضرتُ في هذه المناسبة) لدينا مَقصَد ما من ذلك. فنحن مُتمرِّدو غرب بلتشلي. لا يبدو الأمر مبشرًا للوهلة الأولى، ولكني أدركتُ عندما نظرت إلى الحضور أن فقط ما يقرب من نصف دستة منهم قد فَهِموا حقًّا ما كان يتحدث عنه المحاضر، على الرغم من أنه حتى تلك اللحظة كان يُهاجم هتلر والنازيين لمدة ما تزيد على نصف الساعة. الأمر دائمًا هكذا مع مثل هذه الاجتماعات، حيث دائمًا ما يخرج نصف الحضور وليس لديهم أدنى فكرة عما كان يدور حوله الاجتماع. كان ويتشيت على كرسيِّه بجانب الطاولة يُشاهد المحاضر بابتسامة تنمُّ عن سعادته، وبدا وجه ورديًّا قليلًا كزهرة إبرة الراعي. يُمكنك مقدمًا سماعُ الحديث الذي سيُلقيه بمجرد جلوس المحاضر، فهو الحديث نفسُه الذي يُلقيه في نهاية محاضرات الفانوس السحري لدعم مجموعة الميلانيزيون العرقية: «نُعرِب عن شكرنا … لقد عكس رأيَ كلٍّ منا … الحديث مثير جدًّا للاهتمام … قدَّم لنا الكثير لنُفكر فيه … كانت الأمسيةَ الأكثرَ إلهامًا!» في الصف الأمامي، كانت تجلس الآنسة مينس شديدة الاستقامة، ورأسها مائل قليلًا على أحد جانبَيها كالطيور. أخذ المحاضر ورقة من أسفل الكأس وقرأ منها إحصائيَّاتٍ عن معدل انتحار الألمان. يُمكنك بالنظر إلى العنق الرفيع الطويل للآنسة مينس أن ترى أنها لم تكن سعيدة، وأنها كانت تتساءل ما إذا كان هذا الاجتماع سيُطورها فكريًّا أم لا، وأنها كانت تتمنى لو كانت تستطيع فهمَ موضوع الاجتماع. كانت السيدتان الأخريان تجلسان كقطعتَي حلوى. وكان بجوارهما امرأة قصيرةٌ بشعر أحمر تَحيك كنزة. غرزة مستقيمة، ثم غرزة معكوسة، ثم غرزة ساقطة، ثم تحيك الغرزتَين معًا. كان المحاضر يصف كيف يُقتَل النازيُّون رميًا بالرَّصاص بتهمة الخيانة، وكيف يُخطِئهم أحيانًا الجلَّاد. كانت ثَمة امرأةٌ أخرى بين الحضور؛ فتاة بشعر داكن، وكانت إحدى مُعلِّمات المدرسة المحلية. وعلى خلاف الأخريات، كانت تستمع بالفعل، وكانت جالسة في الأمام بعينَيها الكبيرتَين المستديرتَين المثبَّتتَين على المحاضر وفمِها المفتوح قليلًا، وكانت منصتةً ومستمتعة للغاية بالأمر.

وخلفها مباشرةً، كان يجلس رجلان عجوزان من حزب العمال المحلي، أحدهما بشعر أشيب بقصة شديدة القصر، والآخر برأس أصلع وشارب متدلٍ، وكان كلاهما مرتدِيَين لمعطفَيهما. تعرف هذا النوع من الرجال، الذين هم في حزب العمال منذ قديم الأزل، والذين يبذلون حياتهم من أجل الحركة العمالية. يستبعدهم أصحاب الأعمال طوال عشرين سنة، ويقضون عشرَ سنوات أخرى يستَجْدون المجلسَ المحلي لفعل شيء بخصوص الأحياء الفقيرة. ولكن كل شيء تغيَّر فجأة، فلم تعد موضوعات حزب العمال القديمة تُهمُّ أحدًا، ووجدوا أنفسهم زُجُّوا على غير رغبتهم في أمور السياسة الخارجية — هتلر، ستالين، القنابل، المدافع الآلية، الهراوات المطاطية، محور روما-برلين، الجبهة الشعبية، حلف مناهضة الكومنترن — وهم لا يُمكِنهم فَهمُ أيِّ شيء فيها. أمامي مباشرةً، كان يجلس أفراد من الفرع المحلي للحزب الشيوعي، وكانوا ثلاثة من الشباب صغيري السنِّ للغاية. أحدهم لديه مالٌ ويشغَل منصبًا كبيرًا في شركة عقارات هيسبيريدز، وأعتقد في الحقيقة أنه قريب العجوز كروم. وكان الآخر موظفًا في أحد البنوك، حيث يصرف لي شيكات في بعض الأحيان. إنه فتًى لطيف، بوجه مستدير يافع وتظهر عليه أمارات الطموح، وبعينَين زرقاوَين كالأطفال، وشعر أشقر للغاية حتى إنك قد تظن أنه عالجه بالبروكسيد. وهو يبدو في السابعة عشرة من عمره، ولكني أظنه في العشرين. كان يرتدي بدلة زرقاء رخيصة، ورابطة عنق زرقاء فاتحة تماشَت مع شعره. بجوار هؤلاء الثلاثة، كان يجلس شيوعيٌّ آخر. ولكنه يبدو أنه من نوع مختلف من الشيوعيين، وأنه ليس من النوع الهادئ؛ لأنه ينتمي إلى مَن يُسمُّونهم بالتروتسكيين. وكان الآخرون ينتقدونه باستمرار. كان أيضًا صغيرًا في السِّن، وشديدَ النحافة، وشديد السمار، وعصبيًّا، وكان وجهه ينمُّ عن الذكاء. لا بد أنه يهودي. كانت نظرة هؤلاء الأربعة للمحاضرة مختلفة تمامًا عن نظرة الآخرين. لقد كنت تعلم أنهم سيَقِفون طالبين الكلمةَ في اللحظة التي يبدأ فيها وقت طرح الأسئلة. يُمكنك أن تراهم يهتزُّون في جِلستهم استعدادًا للأمر بالفعل. وكان الشاب التروتسكي يتمَلملُ في جِلسته من جانبٍ إلى آخر استعدادًا للبدء في طرح الأسئلة قبل الآخَرين.

كنت قد توقفت عن الاستماع إلى كلمات المحاضر الفعلية، ولكنْ ثَمة طرقٌ كثيرة للاستماع. أغلقتُ عينَيَّ للحظة، وكان تأثيرُ ذلك رائعًا؛ إذ بدا كما لو أنني أرى الرجل بوضوحٍ أكثر عندما أستمع إلى صوته فقط، ولا أنظر إليه.

كان صوتًا بدا كما لو أن بإمكانه الاستمرارَ لأسبوعَين دون توقُّف. كان الأمر مريعًا في الواقع، كما لو أن آلة أرغن يدوية تقذفك بالدعاية طوال الوقت. الأمر نفسه يتكرَّر مرارًا وتكرارًا. الكراهية، الكراهية، الكراهية. فلنتَّحِد معًا ونُطلق حملة جيدة من الكراهية. الأمر يتكرَّر مرارًا وتكرارًا. يُعطيك ذلك شعورًا بأن شيئًا يخترق جمجمتك ويدق في دماغك. ولكن للحظة، وبينما كنت مُغمِضًا عينَيَّ، تمكنتُ من تحويل دفة الأمر ضده؛ فقد دخلتُ إلى جمجمته. كان شعورًا غريبًا، فقرابة الثانية كنتُ في داخله، حتى يُمكِنَك القول إنني كنت هو. على أي حال، شعرت بما كان يشعر به.

رأيت الأمور من منظوره، الذي كان مختلفًا تمامًا عن كل شيء قد يخطر على بال أحد. ما كان يقوله هو أن هتلر يسعى للقضاء علينا، وأن علينا جميعًا أن نتحد ونشن حملة قوية من الكراهية ضده. قال ذلك دون خوض في التفاصيل وباحترام شديد. ولكن ما كان يراه هو شيء مختلف تمامًا؛ إذ كان يرى نفسه يُحطِّم وجوهَ الناس بمِفك؛ وجوهَ الفاشيِّين بالطبع. أعلم أن هذا هو ما كان يراه، فهو ما رأيته بنفسي في الثانية أو الثانيتَين حين كنتُ بداخله. كان يُحطم وجوههم! في منتصفها تمامًا! والعظام تُغرَز فيها كقشر البيض، وما كان وجهًا منذ لحظة أصبح مجرد لطخة مَهولة تُشبه قِطَع مربَّى الفراولة. كان يُحطم وجوههم! واحدًا تِلو الآخر! هذا ما في ذهنه، في نومه وفي يقظته، وكلما فكر في الأمر، أعجبه. ولا بأس في الأمر؛ فكلُّ الوجوه التي يحطمها هي وجوه الفاشيين. يُمكنك سماع كل ذلك في نبرة صوته.

ولكن لماذا؟ التفسير الأكثر ترجيحًا هو لأنه خائف؛ فكل إنسان عاقلٍ اليوم قد أصبح قاسيًا بفعل الخوف. وهذا هو مجرد رجل قد بَصُر بما يكفي لدرجة تجعله أكثر خوفًا قليلًا من الآخرين. هتلر يُلاحقنا! أسرعوا! لنجلب جميعًا مفكات ونتكاتَف، وربما لو حطمنا ما يكفي من الوجوه فلن يُحطموا وجوهنا. تعاونوا، واختاروا قائدكم. هتلر أسودُ وستالين أبيض، ولكن لا يزال من الممكن أن يكون العكس؛ لأنه في رأس الشاب الصغير هتلر وستالين واحد، كلاهما يعني مفكاتٍ ووجوهًا محطَّمة.

إنها الحرب! بدأت أفكر فيها مرة أخرى، فهي سرعان ما ستأتي لا محالة. ولكن مَن يخاف من الحرب؟ بعبارة أخرى، مَن يخاف من القنابل والمدافع الآلية؟ لعلك تقول: «أنت.» أجل، أنا، وأي شخص سبق أن رآها؛ ولكن ما يهم ليس الحرب، بل ما بعدها. هذا العالم الذي نغرق فيه؛ عالم الكراهية، والشعارات، والقمصان الملونة، والأسلاك الشائكة، والهراوات المطاطية، والخلايا السرية؛ حيث يُضيء الضوء الكهربائي ليلًا ونهارًا والشرطة التي تُراقبك حتى أثناء نومك، والمسيرات، والملصقات بالوجوه الضخمة، والحشود من الملايين الهاتفين للقائد حتى يُظَنون أنهم يُقدِّسونه بالفعل؛ بينما هم في سريرتهم يَكرهونه حدَّ الغثيان. كل ذلك سيحدث، أم أنك تظن غير ذلك؟ أرى في بعض الأيام أن ذلك مستحيل، وأرى في أيام أخرى أنه أمر محتوم. في تلك الليلة، على أي حال، علمت أن الأمر كان على وشك الحدوث؛ إذ كان كل ذلك جليًّا في نبرة صوت المحاضر ضئيلِ الحجم.

ربما في نهاية المطاف ثمَّة أملٌ في هذا الحشد الضئيل الذي يخرج في ليلة من ليالي الشتاء للاستماعِ إلى محاضرةٍ كتلك، أو على الأقل في الخمسة أو الستة الذين يُمكِنهم فهمُ الأمر. هؤلاء ببساطة هم في المواقع الأمامية لجيش ضخم، فهؤلاء هم بَعيدو النظر؛ الفئران الأولى التي تعرف أن السفينة تغرق. أسرعوا، أسرعوا! الفاشيون قادمون! جهِّزوا المفكات يا فتيان! حطموا الآخَرين وإلا فسيُحطمونكم. هناك رعب شديد من المستقبل يجعلك تندفع مباشرةً إليه كأرنب يغطس في حلق أفعى.

ماذا سيحدث لرجل مثلي عندما تسود الفاشية إنجلترا؟ الحقيقة هي أنه ربما لن يختلف الأمر كثيرًا. أما بالنسبة للمحاضر وهؤلاء الشيوعيِّين الأربعة، فسيُحدِث ذلك فرقًا كبيرًا؛ حيث سيُحطمون الوجوه، أو ستتحطَّم وجوههم، حسب من تكون له الغلَبة. ولكن أبناء الطبقة المتوسطة العاديين مثلي سيستكمِلون حياتهم كالمعتاد. ولكن الأمر يُرعبني، حقًّا يُرعبني. وبدأت أتساءل عن السبب عندما توقف المحاضرُ عن الحديث وجلس.

تلا ذلك الصوتُ الخفيض الأجوف المعتاد للتصفيق الذي تسمعه عندما يكون الحضورُ خمسة عشر شخصًا تقريبًا فقط، ثم قال العجوز ويتشيت كلمته؛ وعلى الفور قام الشيوعيون الأربعة على أقدامهم معًا، وخاضوا جدالًا عنيفًا للغاية دام لما يقرب من عشر دقائق، وتضمَّن العديد من الأمور التي لم يفهمها غيرهم، مثل المادية الجدليَّة ومصير البروليتاريا وما قاله لينين عام ١٩١٨. ثم قام المحاضر، بعدما شرب القليل من الماء، وقدَّم ملخَّصًا جعل التروتسكي يتلوَّى على كرسيِّه، ولكنه أسعدُ الثلاثة الآخرين؛ واستمر الجدال العنيف بصورة غير رسمية لبعض الوقت. لم يتحدث أي أحد آخر، وانصرفَت هيلدا والأُخريان في اللحظة التي أنهى فيها المحاضر حديثَه؛ فربما كنَّ خائفاتٍ من أن يجمع أحدٌ المال لدفع إيجار القاعة! أما المرأة ذات الشعر الأحمر، فقد بقيَت جالسة حتى تنتهي من حياكة صفٍّ في كنزتها. يُمكنك سماعها تعد غرزها همسًا بينما يتجادل الآخرون. كان ويتشيت جالسًا ويبتسم لمن يتحدث أيًّا من كان، ويُمكنك رؤيته وهو يُفكر في الإثارة التي يُحدثها الأمر كله ويضع الملاحظاتِ في ذهنه؛ وكانت الفتاة ذات الشعر الأسود تنظر إليهم واحدًا تِلو الآخر بفمٍ شبهِ مفتوح؛ أما العجوز المنتمي لحزب العمال، فقد بدا كعجل البحر بشواربه المتدلية ومعطفه الذي كان متدثرًا به حتى أذُنَيه، وكان ينظر إليهم متعجبًا مما يدور حوله كل ذلك. وأخيرًا، قمت وشرعت في ارتداء معطفي.

تحولَت المشاجرة العنيفة إلى مشاجرة خاصة بين التروتسكي والفتى ذي الشعر الأشقر. وكانا يتناقشان حول ما إذا كان عليك الانضمام للجيش إذا اندلعَت الحرب. وبينما كنت أتقدم شيئًا فشيئًا بمُحاذاة صفوف الكراسي للخروج، نادى عليَّ الرجل ذو الشعر الأشقر، قائلًا:

«يا سيد بولينج! اسمع. إذا اندلعَت الحرب وكانت لدينا الفرصة لتحطيم الفاشية للأبد، فهل ستُقاتل؟ أعني لو كنتَ شابًّا.»

أظن أنه يعتقد أنني في الستين من عمري.

قلت: «بالتأكيد لا؛ فقد اكتفيت من المرة السابقة.»

«ولكن ماذا عن تحطيم الفاشية؟!»

«أوه، فلتذهب الفاشية إلى الجحيم! شهدنا ما يكفي من التحطيم بالفعل، إن كنت تريد رأيي.»

تدخَّل التروتسكي متحدثًا عن الوطنية الاشتراكية وخيانة العمَّال، ولكن قاطعه الآخرون وقالوا له:

«ولكنك تُفكر في عام ١٩١٤. لقد كانت مجرد حرب إمبريالية عادية، ولكن الوضع الآن مختلف. اسمع. عندما تسمع عما يحدث في ألمانيا، ومعسكرات الاعتقال، وضرب النازيِّين للناس بالهراوات المطاطية، وجعل اليهود يبصق بعضهم على وجوه بعض، فهل لا يجعل ذلك دمك يفور؟»

إنهم يتحدثون دائمًا عن فوران الدم. أتذكر أنها العبارة نفسُها التي كانت تُقال خلال الحرب.

قلت له: «لقد تجاوزت هذه المرحلة عام ١٩١٦، كما ستفعل أنت عندما تعرف رائحة خنادق الحرب.»

ثم فجأة بدا لي أنني أراه، وكان الأمر كما لو أنني لم أكن أراه على نحو جيد حتى تلك اللحظة.

كان وجهه مفعمًا بالحيوية والشباب على غِرار وجه تلميذٍ وسيم، وكانت عيناه زرقاوَين وشعره أصفرَ باهتًا، وكان ينظر إليَّ وللحظةٍ دمعت عيناه بالفعل! وكان كالجميع له رأي في مسألة اليهود الألمان! ولكني في الحقيقة كنت أعلم ما يشعر به. لقد كان شابًّا ضخم البِنية، وربما يلعب الراجبي مع فريق البنك، وهو ذكي أيضًا. انظر إليه؛ إنه موظف بنك في ضاحية بائسة، يجلس خلف نافذة يكسوها الجليد، ويُدخل الأرقام في دفتره، ويعدُّ أكوامًا من الأوراق المالية، ويتملق مديره، ويشعر أن حياته تتعفَّن. وفي الوقت نفسه، عبر أوروبا، يحدث الحدث الكبير؛ حيث تنفجر القذائف فوق الخنادق، وتُشحَن موجات من المشاة عبر تيار من الدخان، وربما بعض أصدقائه في إسبانيا يقاتلون. بالطبع هو راغب للغاية في خوض الحرب. كيف لك أن تلومه؟ للحظة، كان لديَّ شعورٌ خاص بأنه ابني، الأمر الذي كاد ليتحقَّق بالنظر إلى عمري وعمره. تذكرت حينها ذلك اليوم الحارَّ القائظ من شهر أغسطس عندما لصق صبيُّ بيع الصحف قُصاصةً مكتوبًا عليها «إنجلترا تُعلن الحرب على ألمانيا»، وتَدافعنا جميعًا إلى الرصيف بمآزرنا البيضاء وابتهجنا.

قلت له: «اسمع يا بني، إنك تُسيء فهم الأمر برمَّته. في ١٩١٤، ظننا أنه سيكون أمرًا عظيمًا، ولكنه لم يكن كذلك، بل كان فوضى لعينة. وإذا حدث مرة أخرى، فلا تزجَّ بنفسك فيه. لماذا تُعرض جسمك لأن يملأه الرصاص؟ حافظ عليه من أجل إحدى الفتيات. أنت تعتقد أن الحرب كلَّها بطولاتٌ ونياشينُ، ولكني أقول لك إنها ليست كذلك. لا يُعطونك بنادقَ بحِراب هذه الأيام، وإن أخذتها فلن يكونَ الوضعُ كما تتخيل. لن تشعر بأنك بطل، فكل ما ستعلمه هو أنك لن تنام لثلاثة أيام، وأنك ستتعفن كحيوان ابن عِرْس، وأنك ستُبلل سروالك من الخوف، وأنَّ يدَيك ستتجمد من البرد حتى لا تستطيعَ حمل بندقيتك. ولكن كل ذلك لا يُهم، فما يُهم هو ما سيحدث بعد انتهاء الحرب.»

بطبيعة الحال، لم يُحدِث كلامي أيَّ انطباع؛ فكل ما يأتي في ذهن هؤلاء الشباب هو أنك قد عفا عليك الزمان، فكان الأمر كما لو أنني أقف على باب بيتٍ للدَّعارة موزعًا أوراق الدعاية الدينية.

بدأ الناس في الانصراف، وكان ويتشيت يُوصل المحاضر إلى المنزل. وانطلق الشيوعيون الثلاثة والشاب اليهودي إلى الشارع معًا، وكانوا يتحدثون مرة أخرى عن التضامن البروليتاري وجدَلية الجدل وما قاله تروتسكي في عام ١٩١٧. كانوا جميعًا سواءً في الواقع. وكانت ليلة رطبة وهادئة وشديدة السواد. بدَت مصابيح الشارع معلَّقة في الظلام كالنجوم، ولم تكن تُضيء الطريق. وعلى مسافة بعيدة، كان يُمكنك سماعُ صوت القطارات على طول هاي إستريت. أردتُ أن آخذَ مشروبًا، ولكن الساعة كانت قد شارفت على العاشرة وكانت أقربُ حانة على مسافة نصف ميل. إلى جانب ذلك، أردتُ أن أتحدث إلى شخص ما، ولكن على النحو الذي لا يُمكنك فعله في الحانات. كان من المضحك كيف أن رأسي كان مشغولًا طوالَ اليوم؛ جزء من ذلك يرجع إلى أنني لم أذهب إلى العمل، بالطبع، والجزء الآخر بسبب حصولي على طقم أسناني الجديد، الأمر الذي أنعشني نوعًا ما. كنت طوال اليوم منخرطًا في التفكير في المستقبل والماضي. كنتُ أريد الحديث عن الأوقات السيئة التي ستأتي أو لن تأتي، عن الشعارات والقمصان الملونة والحشود المنظمة من أوروبا الشرقية الذين سيُدمرون إنجلترا العجوز. وكان من غير المجدي التحدثُ إلى هيلدا، ولكن فجأة خطر ببالي أن أذهب بحثًا عن العجوز بورتيوس، وهو صديق لي يسهر لساعات متأخرة من الليل.

بورتيوس هو مدير سابق بمدرسة عامة، ويعيش في شقة، لحسن الحظ أنها في النصف الأسفل من أحد البيوت، في الجزء القديم للبلدة، بالقرب من الكنيسة. وهو أعزب بالطبع، فلا يُمكنك أن تتخيَّل هذا النوع من الرجال متزوجًا؛ فهو يعيش وحده تمامًا مع كتبه وغليونه، وتأتيه امرأةٌ لخدمته. إنه رجل مثقَّف، ويُتقِن اليونانية واللاتينية والشِّعر وكلَّ تلك الأمور. أعتقد أنه إذا كان فرع نادي كتاب اليسار المحلي يُمثل التقدم، فإن العجوز بورتيوس يمثل الثقافة، وليس لأيٍّ منهما تأثيرٌ في غرب بلتشلي.

كان الضوء متوهجًا في الغرفة الصغيرة التي يجلس فيها العجوز بورتيوس للقراءة طوال ساعات الليل. وعندما طرَقتُ الباب الأمامي، أتى ليفتح لي بمِشْيته الرشيقة المتهادية كما هو حاله دائمًا، وكان غليونه بين أسنانه وأصابعه في كتاب ليحفظ مكان توقفِه عن القراءة. إنه شديد الجاذبية، وفارهُ الطول، وذو شعر رماديٍّ مجعَّد، ووجهٍ رفيع حالم وشاحبٍ بعضَ الشيء؛ ولكنه يُشبه على الأرجح وجهَ صبي، على الرغم من أن عمره لا بد أنه يقترب من الستين. من الغريب كيف يُمكن لرجال المدارس العامة والجامعات هؤلاء الاحتفاظُ بهيئتهم الشبابية حتى يومِ مَماتهم. إنه شيء يُوجَد في حركاتهم. لقد كانت للعجوز بورتيوس طريقةٌ في التحرك ذَهابًا وإيابًا، بوجهه الوسيم وشعره المجعد الأشيب، مع ميله إلى الوراء قليلًا ما يجعلك تشعر أنه منسجم مع قصيدة ما، وغيرُ واعٍ لما يحدث حوله. لا يُمكنك النظر إليه إلا وترى الطريقة التي عاش بها كما لو أنها مكتوبة على كل جزء فيه. المدرسة العامة، ثم أكسفورد، ثم رجوعه إلى مدرسته القديمة للعمل مدرسًا بها. لقد عاش طوال حياته في أجواء من اللاتينية واليونانية والكريكت. وهو شديد الذوق والتأنق. كان يرتدي دائمًا سترة قديمة من صوف التويد الفاخر، وبنطالًا رماديًّا قديم من قماش الفلانيلَّة الذي يُحب أن تقول عنه إنه «معيب»، ويُدخن الغليون ويحتقر السجائر؛ وعلى الرغم من أنه يسهر نصف الليل، أراهن على أنه يأخذ حمامًا باردًا كل صباح. وأعتقد أنني من وجهة نظره شخص يُعوِزه التهذيب؛ فأنا لم أذهب إلى مدرسة عامة، ولا أعرف اللاتينيَّة، ولا حتى أريد أن أتعلمها. يُخبرني أحيانًا أنه من المثير للشفقة أنني «عديم الإحساس بالجمال»، ما أعتقد أنها طريقة مهذبة لأن يقول لي إنني لم أتلقَّ أي تعليم. على الرغم من ذلك فأنا أحبه؛ فهو شديد الكرم، وهو جاهز دائمًا لاستقبالك والحديث معك لساعات، ولديه دائمًا شيء لتشربه. عندما تعيش في منزل كمنزلنا، تغزوه بشكل أو بآخر النساء والأطفال، فمن الأفضل لك أن تخرج منه أحيانًا إلى أجواء العزوبية، حيث الكتب والغلايين والمدفأة، والشعور الأكسفوردي الراقي بأن لا شيء مهمًّا سوى الكتب والشعر والتماثيل اليونانية، وأن لا حدث جديرًا بالذكر منذ نهْبِ القوطيين روما، أحيانًا يكون ذلك مريحًا أيضًا.

قادني إلى الكرسي الجلدي القديم ذي المسندَين بجوار المدفأة، وسكب لي بعض الويسكي والصودا. لم أرَ قط غرفةَ معيشته إلا وهي مُعتمة بدخان الغليون. السقف أسود تقريبًا. إنها غرفة صغيرة بعض الشيء، وباستثناء الباب والنافذة والمساحة أمام المدفأة، كانت الجدران مغطَّاة بالكتب من الأرضية إلى السقف. وكان على رف المدفأة كلُّ شيء قد يخطر على بالك: صف من الغلايين القديمة المصنوعة من أشجار الورد البري، التي جميعها قذرة، وبعض العملات الفِضية اليونانية، وبرطمان من التبغ وشعار كليته عليه، ومصباح خزفي صغير أخبرني أنه استخرجه من جبل في صقلية. وأعلى المدفأة، تجد صورًا لتماثيل يونانية، بواحدة كبيرة في المنتصف لامرأة ذات أجنحة ودون رأس، يبدو كما لو أنها كانت تُحاول اللَّحاق بحافلة. أتذكر مدى صدمة العجوز بورتيوس عندما رأيت هذه الصورة لأول مرة، وأنا لا أعرف شيئًا، وسألته لماذا لم يضعوا للتمثال رأسًا.

حينها، أعاد بورتيوس ملء غليونه بالتبغ من البرطمان الموضوع على رف المدفأة، وقال:

«تلك المرأة التي لا تُطاق بالأعلى اشترت مذياعًا. كنت آمُل أن أعيش ما تبقى من عمري بعيدًا عن أصوات تلك الأشياء. أعتقد أنه لا يُمكنني فعل شيء تجاه ذلك، أليس كذلك؟ هل تعرف شيئًا عن الوضع القانوني؟»

أخبرته أنه ليس ثمة شيءٌ يُمكنه فعله. أحب طريقة طلاب أكسفورد التي يقول بها «لا تُطاق»، وأضحكني أن تجد في عام ١٩٣٨ شخصًا يعترض على وجود مذياع في البيت. كان بورتيوس يتجول ذهابًا وإيابًا بطريقته الحالمة المعتادة، ويداه في جيبَي مِعطفه، وغليونه بين أسنانه، وعلى الفور تقريبًا بدأ الحديث عن قانون ضد استخدام الآلات الموسيقية أصدر في أثينا في زمان بريكليس. الأمر دائمًا هكذا مع العجوز بورتيوس، فكلُّ حديثه عن أشياء حدَثت منذ قرون مضت. وأيًّا ما كان ما بدأت الحديث به، فهو يُحوِّل الدَّفة دائمًا إلى التماثيل والشعر واليونانيين والرومان؛ فإذا ذكرت الملكة ماري، فسيُخبرك عن السفينة الفينيقية الثلاثيَّة المجاديف. إنه لا يقرأ كتابًا حديثًا أبدًا، ويرفض أن يَعرف أسماءها، ولا ينظر أبدًا في أي صحيفة إلا صحيفة «ذا تايمز»، ويفخر بأن يقول لك إنه لم يذهب قطُّ إلى السينما. وباستثناء قلة من الشعراء مثل كيتس وووردزوورث، يعتقد أن العالم الحديث — ومن وجهة نظره فإن العالَم الحديث هو آخر ألفَي عام — لم يكن ينبغي أن يظهر.

أنا جزءٌ من العالم الحديث، ولكني أُحب أن أستمع إليه وهو يتحدث. سيتجوَّل حول الأرفف، ويسحب كتابًا تلو الآخر، وبين الحين والآخر سيقرأ عليك شيئًا يتخلَّله بعضُ نفخات الدخان، وعادةً ما يُترجمه لك من اللاتينية أو لغة أخرى وهو يقرؤه عليك. الأجواء برُمَّتها تتَّسم بالسلام والهدوء. كان كمدرِّسي المدارس بعض الشيء، ولكنه يُلطف لك الأمر بطريقة أو بأخرى. وعندما تستمع إليه، لا تكون في عالمك حيث القطارات وفواتير الغاز وشركات التأمين، بل يُصبح كلُّ ما حولك هو المعابدَ وشجر الزيتون، والطواويس والأفيال، والرجالَ في الحلبة بشباكهم ورماحهم الثلاثية، والأسودَ المجنَّحة والخدمَ المخصيِّين، والقوادسَ والمجانيق، والقادة العسكريِّين في دروعهم النُّحاسية يَعْدون بفرسانهم عبر دروع الجنود. من الطريف أنه يُصاحب رجلًا مثلي. ولكنها إحدى مزايا الرجل البدين، حيث يُمكنك أن تنخرط في أي مجتمع تقريبًا. هذا إضافةً إلى أننا نتفق في الرأي عندما يكون الحديث عن القصص البذيئة؛ فهي الشيء الحديث الوحيد الذي يهتم به، على الرغم من أنه دائمًا ما يُذكرني بأنها ليست حديثة. ومع ذلك فهو صعبٌ إرضاؤه عندما يتعلق الأمر بها، ودائمًا ما يُخبرك بإحداها بطريقة شديدة التحفظ، فيختار أحيانًا شاعرًا لاتينيًّا ويُترجم عنه مقطوعة بذيئة، تاركًا الكثيرَ لخيالك، أو يُلقي لك بتلميحات عن الحياة الخاصة لأباطرة الرومان، والأشياء التي كانت تحدث في معابد عشتار. يبدو أنهم كانوا قومًا فاسقين، هؤلاء اليونان والرومان. وكان لدى العجوز بورتيوس صورٌ للوحات جدارية من مكانٍ ما في إيطاليا يقف شعرُك إن رأيتها.

عندما أضيق ذَرعًا بالعمل والمنزل، يُريحني كثيرًا أن أذهب وأتحدث إلى بورتيوس، ولكن الأمر لم يبدُ لي كذلك هذه الليلة؛ فقد كان ذهني لا يَزال مشغولًا بما كان مشغولًا به طوال اليوم. وتمامًا كما فعلت مع محاضر نادي كتاب اليسار، لم أكن أستمع بانتباهٍ إلى ما يقوله بورتيوس، بل كنت فقط أستمع لصوته. ولكن بينما ضايقَني صوت المحاضر، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لصوت العجوز بورتيوس؛ بل كان باعثًا على السكينة، ويتَّسم بالرُّقي الشديد. وأخيرًا، عندما كان في منتصف قوله لشيء ما، قاطعتُه قائلًا:

«أخبرني يا بورتيوس، ما رأيك في هتلر؟»

كان العجوز بورتيوس يتكئ بجسمه الطويل الهزيل برشاقة، ومرفقاه على رف المدفأة، وإحدى قدمَيه على سياج المدفأة. وقد اندهش للغاية حتى إنه أخرج غليونه من فمه، وقال:

«أتسألني عن هتلر؟ أتقصد هذا الشخص الألماني؟ يا عزيزي، أنا لا أهتم به.»

«ولكن المشكلة أنه سيجعلنا نُفكر فيه ذلك اللعين قبل أن يموت.»

خجل العجوز بورتيوس قليلًا من كلمة «اللعين»، التي لا يُحبها، على الرغم من أنه يبدو لك من هيئته أنه لا يصدمه أي شيء. بدأ يمشي ذهابًا وإيابًا ثانيةً نافخًا دخانه، ثم قال:

«لا أرى أي سبب للاهتمام به؛ فما هو إلا مغامر. وهؤلاء الأشخاص يأتون ويذهبون. إنه مجرد أمر عابر.»

أنا لست متأكدًا من معنى كلمة «عابر»، ولكني تمسكت بوجهة نظري، وقلت له:

«أعتقد أنك أسأت الفهم؛ فالعجوز هتلر أمر مختلف، وكذلك جو ستالين؛ فهما ليسا مثل هؤلاء الرجال في العصور القديمة الذين كانوا يصلبون الناس ويقطعون رءوسهم وما إلى ذلك من الأمور لمجرد المرح، بل إنهما يسعيان إلى شيء جديد تمامًا، شيء لم نسمع عنه من قبل.»

«يا صديقي العزيز، لا جديد تحت الشمس.»

بالطبع تلك مقولة مفضَّلة لدى العجوز بورتيوس؛ فهو لا يسمع عن وجود أي شيء جديد، وبمجرَّد أن تُخبره عن أي شيء يحدث في أيامنا هذه، يقول لك إن الأمر نفسه قد حدث في عهد الملك فلان. وحتى إذا تحدثت معه عن شيء كالطيارات، يقول لك إنها ربما كانت موجودة في كريت أو ميسينا أو أيًّا كان. حاولت أن أشرح له ما شعرت به أثناء إلقاء الرجل الضئيل الحجم للمحاضرة، ونظرتي للأوقات الصعبة القادمة؛ ولكنه لم يستمع. وكل ما فعله هو أن كرَّر قوله بأنه لا جديد تحت الشمس. وفي النهاية، سحب كتابًا من على الأرفف وقرأ لي فقرةً عن أحد الطُّغاة اليونانيين في عصورِ ما قبل الميلاد، والذي بالتأكيد يكاد يكون شقيق هتلر التوأم.

استمر نقاشنا لبعض الوقت، وقد كنتُ طوال اليوم أنتظر التحدثَ إلى أحدٍ عن هذا الأمر. إنه لأمر طريف. أنا لست أحمق، ولكني لستُ رفيعَ الثقافة أيضًا، وعادة لا يكون لديَّ الكثير من الاهتمامات التي تتوقع أن تكون لرجل في منتصف العمر يتحصَّل على سبعة جنيهات في الأسبوع ولديه طفلان. ولكن لديَّ من الشعور ما يجعلني أرى أن الحياة القديمة التي اعتَدْنا عليها تُنتزَع من جذورها. إنني أشعر بحدوث الأمر؛ إذ أشعر بالحرب آتيةً وأرى أعقابها، حيث الطوابير على الطعام والشرطة السرية ومكبرات الصوت التي تُملي عليك ما يجب أن تعتنقه من آراء. ولستُ وحدي مَن يشعر بذلك، فهناك الملايين غيري. الرجال العاديون الذين أُقابلهم في كل مكان؛ رجال أراهم في الحانات، وسائقو الحافلات، ومندوبو المبيعات المتجولون لشركات الأدوات المعدنية، كلهم لديهم شعورٌ بأن العالم يسير نحو الهاوية؛ إذ يُمكنهم الشعور بالتحطُّم والانهيار أسفل أقدامهم. وعلى الرغم من ذلك، تجد هذا الرجل المثقَّف الذي عاش حياته كلها وسط الكتب وغاص في التاريخ حتى يكاد يتعرَّقه، ولا يُمكنه حتى أن يرى أن العالم يتغير. إنه لا يعتقد أن أمر هتلر مهم، ويرفض الاعتقاد بقدوم حرب ثانية. على أي حال، بما أنه لم يُحارب في الحرب الأخيرة، فلم يستقر الأمر كثيرًا في فكره، إذ يظن أنها كانت عرضًا بائسًا مقارنةً بحصار طروادة. وهو لا يرى ضرورةً للقلق من الشعارات ومكبرات الصوت والقمصان الملونة، ويقول دائمًا إنه ليس ثمة رجلٌ ذكي يُعير لمثل تلك الأشياء اهتمامًا. سيموت هتلر وستالين، ولكن شيئًا يُطلق عليه العجوز بورتيوس «الحقائق الأبدية» لن يموت. هذه بالطبع طريقة أخرى للقول بأن الأشياء ستستمرُّ دائمًا تمامًا كما يعرفها؛ فدائمًا وأبدًا سيتجوَّل رجال أكسفورد المثقفون جيئة وذهابًا في غرف مكتب مليئة بالكتب، مقتبسين العبارات اللاتينية، ومدخنين أجود أنواع التبغ الذي يضعونه في برطمان عليه شعار نبالة. في الحقيقة، لم تكن ثمة فائدةٌ من الحديث معه، وكنت قد استفدت أكثر من الحديث مع الشاب ذي الشعر الأصفر الباهت. وتدريجيًّا، تحوَّل النقاش، كما هو الحال دائمًا، إلى أمور حدثت قبل الميلاد، ثم تطرَّق إلى الشعر. وأخيرًا، سحب العجوز بورتيوس كتابًا آخرَ من الرفوف، وبدأ يقرأ قصيدة «أغنية إلى عندليب» لكيتس (أو ربما كان طائر القُبَّرة، لا أتذكر).

لا يُمكنني القول إن الشِّعر يُهمني كثيرًا، ولكن من المفارقات الغريبة أنني أحب الاستماع للعجوز بورتيوس وهو يقرؤه جهرًا، فلا شك أنه يُلقيه جيدًا. وقد اكتسب تلك العادة بالطبع من قراءته على الطلاب في المدرسة. إنه يتكئ إلى شيء بطريقته المسترخية، وغليونه بين أسنانه حيث ينفث قليلًا من الدخان، ويخرج صوته مَهيبًا ويعلو ويهبط مع الأبيات. يُمكنك رؤية أن الشعر يُؤثر فيه بطريقة ما. لا أعرف ما يُمثله الشعر أو ما وظيفته، ولكني أتصور أنه له تأثير على أعصاب بعض الناس كالموسيقى. عندما يقرأ، لا أستمع حقيقةً، بمعنى أنني لا أنتبه للكلمات، ولكن أحيانًا يُشعرني الصوت بنوع من السكينة الذهنية. إجمالًا، أحب الأمر، ولكنه لم يُفلح معي الليلة نوعًا ما؛ إذ كان كما لو أن تيار هواء باردًا قد هبَّ في الغرفة، وشعرت أن كل ذلك هراء. الشعر! ما هذا الشيء؟ إنه مجرد صوت، مجرد دوي في الهواء. يا إلهي! ما فائدة ذلك في مقابل المدافع الآلية؟

رأيته يتَّكئ إلى رف الكتب. يا لطرافة أبناء المدارس العامة! يظلون كطلاب المدارس طوال حياتهم، حيث تدور حياتهم كلها حول مدرستهم القديمة وما يعرفونه من اللاتينية واليونانية والشِّعر. فجأة، تذكرت أنه في المرة الأولى التي جئت فيها لبورتيوس هنا كان يقرأ عليَّ القصيدة نفسها. وكان يقرؤها بالطريقة نفسها، وقد ارتجف صوته عندما وصل إلى الجزء نفسه، ذلك الجزء عن النافذة السحرية أو شيء من هذا القبيل. وجالت ببالي فكرةٌ غريبة، وهو أنه ميت، وأن ما أراه هو شبح؛ فكل الناس الذين يُشبِهونه قد ماتوا.

وخطر ببالي أنه ربما كثير من الأشخاص الذين تراهم يمشون حولك هم أموات في الحقيقة. نحن نقول إن شخصًا ما قد مات عندما يتوقف قلبه وليس قبل ذلك، ولكن هذا يبدو تعسفيًّا بعض الشيء؛ ففي نهاية المطاف، لا تتوقف أجزاء من جسمك عن العمل، الشَّعر على سبيل المثال يظل ينمو لسنوات. ربما يموت المرء بالفعل عندما يتوقف دماغه عن العمل، أي عندما يفقد القدرة على استيعاب فكرة جديدة. العجوز بورتيوس من ذلك النوع؛ فهو متعلم تعليمًا جيدًا، وله ذوق رائع، ولكنه غير قادر على التغيير؛ إذ يقول الأشياء نفسها ويُفكر في الأفكار نفسها مرارًا وتَكرارًا. وثمة العديد من الناس مثله، من ذَوي العقول الميتة، المتوقفين من الداخل. إنهم فقط يستمرون في السير ذهابًا وإيابًا في المسار الضيِّق نفسه، ويُصبِحون أكثر فقدانًا للوعي بمرور الوقت كالأشباح.

أعتقد أن عقل العجوز بورتيوس ربما توقف عن العمل في وقت الحرب الروسية اليابانية. ومن المروع أن تقريبًا كل الناس المحترمين — هؤلاء الذين لا يريدون تحطيم الوجوه بالمطارق — من هذا النوع. إنهم أشخاص محترمون، ولكن عقولهم قد توقفت، فلا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ضد ما هو آتٍ إليهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يروه، حتى عندما يكون تحت أنوفهم. إنهم يعتقدون أن إنجلترا لن تتغير أبدًا وأنها العالم بأكمله، ولا يُمكِنهم أن يفهموا أنها مجرد ركن ضئيل تصادف عدم رؤية الطائرات القاذفة للقنابل له. ولكن ماذا عن النوع الجديد من الرجال من أوروبا الشرقية، هؤلاء الرجال المحتشدون في صفوف منظمة الذين يؤمنون بالشعارات ويتعاملون بالرصاص؟ إنهم على إثرنا، ولن يطول الوقت حتى يلحقوا بنا؛ فليس لدى هؤلاء الصبية قواعدُ كقواعد مركيز كوينزبري. وكل الرجال المحترمين عاجزون، فهم كالرجال الموتى أو الغوريلات الأحياء، ولا يبدو أنهم أي شيء بين أولئك أو هؤلاء.

خرجت بعد ذلك بنحو نصف ساعة، وقد فشلت تمامًا في إقناع العجوز بورتيوس أن أمر هتلر مهم. وكنت لا أزال أُفكر في الأفكار نفسها وأنا أسير إلى المنزل عبر الشوارع شديدة البرودة. كانت قد توقفت القطارات عن السير. وكان المنزل مظلمًا بالكامل، وكانت هيلدا نائمة. خلعت طقم أسناني ووضعته في كوب من الماء في الحمام، وارتديت ملابس النوم، ودفعت هيلدا إلى الجانب الآخر من السرير؛ فتدحرجت دون أن تستيقظ، وكانت الحدبة نوعًا ما التي بين كتفَيها أمامي. غريب هو هذا الإحساس المروع بالكآبة الذي يُصيبك ليلًا في بعض الأحيان. في تلك اللحظة، بدا مصير أوروبا لي أكثر أهمية من إيجار المنزل وفواتير مدرسة الطفلَين والعمل الذي ينتظرني غدًا. إن مثل هذه الأفكار هي مجرد حماقة لأي أحد عليه أن يكسب قوته، ولكنها لم تترك ذهني؛ فما زالت صورة القمصان الملونة والمدافع الآلية تُزعجني. وآخر ما أتذكر أنه شغل بالي قبل أن أنام هو السؤال التالي: لماذا بحق الجحيم يجب أن يهتم رجل مثلي بكل ذلك؟

٢

كانت قد بدأت زهور الربيع تتفتح. أعتقد أن ذلك كان في شهر مارس.

كنت أقود السيارة عبر ويسترهام وكنت في طريقي إلى بودلي. وكنت في مهمة لتقييم متجر أدوات معدنية، ثم لمقابلة صاحبه، فقط إذا استطعت مقابلته، الذي كان مترددًا في القيام بالتأمين على الحياة. كان أحد وكلائنا المحليين قد أرسل اسمه، ولكن في اللحظة الأخيرة ارتعب وبدأ يشك فيما إذا كان بإمكانه تحمل النفقات. أنا جيد جدًّا في التحدث مع الناس، فهذه من صفات البدناء؛ إذ تضع الناس أمامك في مزاج من البهجة، وتجعلهم يشعرون أن إمضاء شيك أمر ممتع. بالطبع كانت هناك طرق مختلفة للتعامل مع مختلف الأشخاص؛ فمع بعض العملاء يكون من الأفضل التركيز على المزايا، ومع آخرين يُمكنك استخدامُ الترويع بطريقة ماكرة بالتلميح لما قد يحدث لزوجاتهم إن ماتوا وهم غير مؤمَّن عليهم.

انطلقت السيارة القديمة بشكل متعرج طوال طريق التلال الصغيرة المتعرجة. يا إلهي، يا له من يوم! تعلم مثل تلك الأيام التي تكون عادةً في شهر مارس، حيث يبدو فجأة أن الشتاء قد توقف عن المقاومة. في الأيام الماضية، كنا في ذلك الطقس الموحش الذي يُطلِق عليه الناس الطقس «الساطع»، حيث السماء باللون الأزرق البارد والرياح التي تحتكُّ بك كشفرة الحلاقة الكليلة؛ وفجأة، توقفت الرياح وأخذت الشمس فرصتها. تعرف هذا النوع من الأيام، حيث أشعة الشمس الصفراء الباهتة، وأوراق الشجر الساكنة، ونفحة من الضباب على مسافة بعيدة حيث يُمكنك أن ترى الخِراف المتناثرة على جوانب التلال كقطع الطباشير. وأسفل الوادي، ترى النيران المتقدة، والدخان الذي يتلوى ببطء لأعلى ويذوب في الضباب. كان الطريق لي وحدي، وكان الجو شديد الدفء لدرجةٍ تجعلك تكاد تخلع ملابسك.

وصلت إلى بقعة كان فيها العُشب المجاور للطريق مختنقًا بسبب أزهار الربيع. ولربما كانت رقعةً من التربة الطينية. وبعد ذلك بعشرين ياردة، أبطأتُ ثم توقفت؛ فقد كان الطقس شديد الجمال ولم أكن أريد أن أُفوِّت الاستمتاع به. شعرت أنه كان عليَّ أن أخرج من السيارة وأشمَّ هواء الربيع، وربما حتى أقطف بعضًا من أزهار الربيع إن لم يكن أحد في الطريق. بل قد واتتني فكرة غريبة، وهي أن أجلب باقة منها معي إلى المنزل لهيلدا.

أطفأت المحرك وخرجت من السيارة؛ فلا أحب أبدًا أن أترك السيارة القديمة تدور دون سير؛ لأنني دائم الخوف من أن تنخلع الرفارف أو شيء من هذا القبيل. إنها سيارة من طراز عام ١٩٢٧، وقد قطعت أميالًا طويلة نسبيًّا. عندما ترفع غطاء المحرك وتنظر داخل السيارة، يُذكِّرك ذلك بالإمبراطورية النمساوية القديمة؛ حيث كل شيء مترابط معًا بأسلاك، ولكنها بطريقة أو بأخرى تظل تعمل بشكل جيد رغم كل شيء. لن تُصدق أن أي آلة يُمكنها أن تهتز في عدة اتجاهات في الوقت نفسه كما تفعل هذه السيارة. إنَّ حركتها تُشبه حركة الأرض، حيث تهتز باثنتَين وعشرين حركةً مختلفة، أو هكذا أتذكر أنني قرأت. وإذا نظرت إليها من الخلف ومحركها دائر دون أن تتحرك، فستجدها تُشبه تمامًا فتاةً من هاواي تُؤدي رقصة الهولا هولا.

كانت ثمة بوابة بخمسة قضبان في جانب الطريق. تمشيت إليها واتَّكَأت عليها. ولم يكن هناك شخص على مرمى البصر. أرجعت قبعتي للوراء قليلًا للاستمتاع بذلك الشعور المنعش للهواء وهو يخترق جبهتي. كان العشب أسفل السياج مليئًا بأزهار الربيع. وداخل البوابة مباشرةً كان متشردٌ أو ما شابه قد ترك بقايا نيران، وكانت هناك كومة صغيرة من الجمرات البيضاء، وخيطٌ رفيع من الدخان لا يزال يخرج منها. بعيدًا عن ذلك، كانت ثَمة بِركة صغيرة مغطَّاة بالطحالب. وكان الحقل مزروعًا بقمح شتوي، ومنحدرًا لأعلى بشدة، ثم تجد جرفًا من الطباشير وأيكة زان صغيرة. وكانت الأوراق اليافعة على الأشجار كالضباب. وكان الصمت المطبق في كل مكان. ولم يكن حتى ثمة ما يكفي من الرياح لتحريك رماد النار. وكان ثمَّة طائر قُنْبُرَة يُغنِّي في مكان ما، بخلاف ذلك لم تكن تسمع شيئًا، ولا حتى صوت طائرة.

بقيت هناك قليلًا، متكئًا على البوابة. كنت وحدي، وحدي تمامًا. وكنتُ أنظر إلى الحقل، وكان الحقل ينظر إليَّ. شعرت، تُرى هل ستفهمني؟!

ما شعرت به كان أمرًا غير معتاد في هذه الأيام لدرجة أنه يبدو سخيفًا. شعرت بأنني سعيد! شعرت أنه على الرغم من أنني لن أعيش إلى الأبد، فسأكون مستعدًّا تمامًا لذلك. إن أردت يُمكنك القول إن ذلك لم يكن سوى لأننا كنا في أول أيام الربيع؛ فمواسم العام تؤثِّر على الغدد الجنسية أو شيء من هذا القبيل. ولكن الأمر كان قد فاق ذلك، فمن الغريب أن الشيء الذي أقنعني فجأة بأن الحياة تستحق أن نعيشها، أكثر من أزهار الربيع أو البراعم الصغيرة على السياج، كان بقايا النار تلك الموجودة بجوار البوابة. لعلك تعرف شكل نار الخشب في يوم بلا رياح، حيث العصي التي استحالت بأكملها رمادًا أبيض ولا تزال محتفظة بشكل العصي، وأسفل الرماد كان اللون الأحمر الزاهي الذي يُمكنك أن تتبيَّنَه. من الغريب أن تبدوَ الجمرات الحمراء بهذه الحيوية، ما يُعطيك شعورًا بالحياة أكثر من أي كائن حي. ثمة شيء فيها، نوع من القوة، اهتزاز — لا يُمكنني التفكير في كلمة تُعبر عنها بدقة — ولكنها تجعلك تعلم أنك حي أنت الآخر. إنها البقعة في الصورة التي تجعلك تُلاحظ كلَّ ما عداها.

انحنيت لألتقط زهرة من زهرات الربيع، ولكن لم أستطع الوصول إليها بسبب بطني الكبير. جثمت على ورِكَيَّ والتقطت مجموعة صغيرة منها. من حسن حظي أنه لم يكن هناك أحدٌ ليراني. كانت الأوراق مجعدة بعض الشيء وتشبه آذان الأرانب. وقفت ووضعت باقة الزهور في عُضادة البوابة، ثم أخرجتُ طقم أسناني باندفاع من فمي ونظرت إليه.

لو كان معي مِرآة، لنظرت إلى شكلي كله، رغم أني في الحقيقة أعرف ما أنا عليه بالفعل؛ رجلٌ بدين في الخامسة والأربعين، يرتدي بذلة رمادية بخطوط متعرِّجة في حالة سيئة بعض الشيء وقبعة مستديرة، ولديَّ زوجة وطفلان، وأعيش في منزل في الضواحي — كل ذلك يبدو جليًّا عليَّ — وذو وجه أحمر وعينَين زرقاوَين مهتاجتَين. أعلم كل ذلك، فلا أحتاج أن تقوله لي؛ ولكن ما فاجأني، وأنا أخلع طقم أسناني في اللمحة السريعة التي ألقيتها عليه قبل أن أُعيده إلى فمي، هو أن ليس ثمة شيء مهم. حتى طقم الأسنان لا يُهم. أنا بدين، أجل. وأبدو كالأخ الفاشل لوكيل المراهنات، أجل. لن تنام معي امرأةٌ مرةً أخرى إلا إذا دفعتُ لها. أعلم كل ذلك. ولكني أقول لك إن كل ذلك لا يُهمني. لا أريد امرأة، ولا أريد حتى أن أرجع صغيرًا مرة أخرى. كل ما أريده هو أن أعيش. وها أنا عشت في تلك اللحظة عندما وقفت أنظر إلى أزهار الربيع والجمرات الحمراء أسفل السياج. إنه شعور بداخلك، نوعٌ من الشعور بالسكينة، وفي الوقت نفسه هو كاللهيب.

بعيدًا عن السياج كانت البِركة مغطَّاة بالطحالب، التي كانت كالسجَّاد حتى إنك إن لم تكن تعرف الطحالب لاعتقدتَ أنها أرضٌ صُلبة ولوَطِئتَ عليها بقدَمَيك. أتساءل لمَ نحن جميعًا حمقى لُعَناء؟ لمَ لا يتنزَّه الناس متأمِّلين الأشياء بدلًا من الحماقات التي يَقضون فيها أوقاتهم؟ تلك البِركة مثلًا. وكل الأشياء التي فيها: السَّمَندل، وحلزون الماء، وخنافس الماء، وذبابة القَمص، والعَلَق، وغيرها من الأشياء التي لا حصر لها التي لا يُمكنك رؤيتها إلا بالميكروسكوب. وكذلك لغز الحياة فيها، أسفل الماء. يُمكنك قضاء حياتك في مشاهدتها، بل يُمكنك قضاء عشر حيَوات، ولن تصل حتى إلى آخر تلك البِركة. وطوال ذلك الوقت ستشعر بالانبهار، وبذلك اللهيب الفريد بداخلك. إنه الشيء الوحيد الذي يستحق أنه تحظى به، ولكننا لا نُريده.

ولكنني أريده. اعتقدت ذلك على الأقل في تلك اللحظة. ولا تُسئ فَهم ما أقول؛ فبادِئَ ذي بَدءٍ، وعلى عكس معظم أبناء الطبقة العاملة، ليست لديَّ تلك العاطفة الصِّبيانية تجاه «الريف»؛ فقد نشأت بالقرب الشديد منه وعشت فيه بما يكفي. ولا أريد ألا يعيش الناس في البلدات، أو في الضواحي في الحقيقة، فليعيشوا أينما أرادوا. ولا أقول بأن تقضيَ البشرية كلُّها أعمارها جميعًا في التنزه والتقاط أزهار الربيع وما إلى ذلك، فأنا أعلم جيدًا أنه يجب علينا الذَّهاب للعمل، وأنه فقط لأنَّ ثَمة رجالًا يسعلون في المناجم حتى تكاد رئتهم تخرج من صدورهم، وفتياتٍ يعملن على الآلة الكاتبة بهِمَّة؛ فلا يسمح الوقت لأحدٍ بقطف زهرة. إضافة إلى أنك إن لم يكن بطنك ممتلئًا ومنزلك دافئًا، فلن تُريد أن تقطف زهرة. ولكن ذلك ليس المقصَد. إنه ذلك الإحساس الداخلي الذي يغمرني، أعترف أنه لا يحدث دائمًا ولكن بين الحين والآخر. وأعلم أنه إحساس من الجيد أن يشعر به المرء. وما هو أكثر من ذلك، أنه كذلك بالنسبة لجميع الناس، أو الغالبية العظمى. إنه حولنا طوال الوقت، ونعلم جميعًا أنه هناك. أوقف ذلك المدفع الرشاش! توقف عن مطاردة ما تُطارده! اهدأ، واسترجع أنفاسك، واجعل بعض السكينة تتسرَّب إلى داخلك. أعرف أنه لا فائدة من ذلك؛ فنحن لا نفعل ذلك، فقط نستمرُّ في حماقاتنا اللعينة نفسها.

الحرب التالية على الأبواب، يقولون إنها قادمة في عام ١٩٤١. ثلاث دورات للأرض حول الشمس، ثم سنجد أنفسنا فيها مباشرةً. ستسقط علينا القنابل كالسيجار الأسود، وستتدفَّق الطلقات بانسيابية من مَدافع برن الآلية. ليس هذا ما يُقلقني تحديدًا؛ فقد كبرت سنِّي كثيرًا على القتال. وسنشهد كذلك الغارات الجوية بالطبع، ولكنها لن تضرب الجميع؛ هذا بالإضافة إلى أنه إذا وجد ذلك الخطر، فلن يُؤخَذ بعين الاعتبار مسبقًا. وكما قلت عدة مرات من قبل، فأنا لست خائفًا من الحرب، بل مما بعدها. وحتى ذلك ليس من المحتمل أن يُؤثِّر عليَّ بشكل خاص؛ فمن سيهتم برجل مثلي؟ أنا بدين جدًّا على أن أكون موضع شك سياسي. لا أحد سيسعى لقتلي أو ضربي بهراوة مطاطية، فأنا رجل عادي من الطبقة المتوسطة، ينصرف عندما تأمره الشرطة بذلك. أما هيلدا والطفلان، فربما حتى لن يُلاحظوا قط أي فرق. ولكن الأمر يرعبني. الأسلاك الشائكة! الشعارات! الوجوه الضخمة! السراديب المبطنة بالفلين حيث يَضربك الجلَّادون من الخلف! لكل ذلك، تُرعب الحرب رجالًا آخَرين أكثرَ حماقةً مني من الناحية الفكرية. ولكن لماذا؟ لأنها تعني نهاية هذا الشيء الذي أخبرتك به، هذا الإحساس الفريد بداخلك. فلتُسمِّه سلامًا إن أردت، ولكن عندما أقول سلامًا فلا أقصد عدم الحرب، بل أقصد السكينة، ذلك الإحساس الذي تشعر به في حواشيك. وسيزول للأبد إن أمسك بنا صِبيان الهراوات المطاطية.

أخذت باقة زهور الربيع وشممتها. وكنت أفكر في بلدة لوير بينفيلد. كان من الطريف أن تظل تأتي إلى ذاكرتي على فترات خلال الشهرَين الماضِيَين، وبعد عشرين عامًا كنت قد نسيتها فيها بالفعل. وفي هذه اللحظة تحديدًا، سمعت صوت سيارة آتية على الطريق.

عدت إلى الواقع مصدومًا، وأدركت فجأة ما كنت أفعله، أتنزَّه ملتقطًا أزهار الربيع بينما ينبغي عليَّ أن أقوم بتقييم متجر تاجر الأدوات المعدنية هذا الذي في بودلي. إلى جانب هذا، هالني فجأةً كيف سيبدو شكلي أمام الناس الذين في السيارة إن رأَوني. رجل بدين بقبعة مستديرة يُمسك بباقة من أزهار الربيع! لا تبدو صورة جيدة على الإطلاق، فالرجل البدين يجب ألا يُمسك بأزهار الربيع، بأي حال من الأحوال في العلَن. كان لديَّ الوقت لرميها عبر السياج قبل أن تظهر السيارة في مرمى البصر. وكان من الجيد أن فعلت ذلك؛ فالسيَّارة كانت مليئةً بالشباب الحمقى في عمر العشرين تقريبًا، وكانوا بالتأكيد سيَضحكون مني لو كانوا رأوني على تلك الحال. كانوا جميعًا ينظرون إليَّ — تعلم كيف ينظر الناس إليك عندما يكونون في سيارة قادمةٍ نحوَك — وخطرَ ببالي أنه حتى الآن ربما يُخمِّنون ما كنت أفعل. أُفضِّل أن يظنوا أي شيء آخر. فلماذا يخرج رجل من سيارته على جانب طريق ريفي؟ الأمر واضح! عندما مرت السيارة، تظاهرت بأني أُغلق أزرار البنطال الأمامية.

أدَرت السيارة باستخدام الكرنك (فمُبدئ الحركة الذاتي لم يَعُد يعمل) وركبت. ومن الغريب أنه في اللحظة نفسها التي كنتُ أُغلق فيها أزرار بنطالي، عندما كان ذهني منشغلًا ثلاثةُ أرباعه بالتفكير في أمر هؤلاء الشباب الحَمْقى في السيارة الأخرى، خطرَت ببالي فكرةٌ مدهشة.

سأذهب إلى لوير بينفيلد!

لمَ لا؟ فكرت في ذلك وأنا أسير بأقصى سرعة بالسيارة. ما المانع؟ ماذا كان يمنعني؟ ولماذا لم أُفكِّر بحق الجحيم في الأمر من قبل؟ إجازة هادئة في لوير بينفيلد، إنه بالضبط ما أحتاج إليه.

لا تتخيل أن لديَّ أيَّ أفكار عن العودة للعيش في لوير بينفيلد، فلم أكن أُخطط لأن أهجُر هيلدا والطفلَين وأن أبدأ حياتي باسمٍ آخر؛ فهذه الأشياء لا تحدث إلا في الروايات؛ ولكن ما الذي يمنعني من زيارة لوير بينفيلد وقضاء أسبوع فيها وحدي تمامًا، في السر؟

بدا كأني قد خطَّطت لكل شيء في ذهني بالفعل، وكان الأمر مناسبًا ما دامت النقود متوفِّرة. كان لا يزال معي اثنا عشر جنيهًا أحتفظ بها سرًّا، ويُمكِنك قضاء أسبوع غاية في الراحة بهذا المبلغ. يُمكنني الحصول على إجازة من العمل لمدة أسبوعَين في السنة، وتكون عادةً في أغسطس أو سبتمبر. وإذا تمكَّنت من اختلاق قصة مناسبة — احتضار قريب من مرض عُضال أو ما شابه — لربما تمكَّنت من إقناع الشركة أن تُعطيني إجازتي على فترتَين منفصلتَين. حينئذٍ يُمكِنني أن آخذ أسبوعًا كاملًا وحدي قبل أن تعرف هيلدا بالأمر. أسبوع في لوير بينفيلد، بعيدًا عن هيلدا والطفلَين، وفلاينج سلامندر، وشارع إلزمير والشجار حول الإيجار والمشتريات، وضوضاء المرور التي تقودك للجنون، فقط أسبوع من التسكع والاستماع لصوت الهدوء!

ولكن في رأيك لمَ أريد العودة إلى لوير بينفيلد؟ لماذا لوير بينفيلد بالتحديد؟ ما الذي أنوي فعله عندما أذهب إلى هناك؟

لم أنوِ فعل أي شيء، وهذا جزء من السبب؛ فقط أريد أن أنعمَ بالسلام والهدوء. السلام! كان موجودًا فيما مضى، في لوير بينفيلد. أخبرتك قليلًا عن حياتنا القديمة هناك، قبل الحرب. لا أتظاهر أنها كانت مثالية، بل أستطيع القول إنها كانت فاترة وراكدة ورتيبة؛ إذ يُمكنك القولُ إن أردت إننا كنا كحبات اللِّفت. ولكن اللِّفت لا يعيش في رعب من رئيسه في العمل، ولا يظل مستيقظًا في الليل مفكرًا في الركود الاقتصادي والحرب القادمَين. لقد كنا ننعم بالسلام الداخلي. أعلم بالطبع أنه حتى في لوير بينفيلد قد تغيرت الحياة، ولكن المكان نفسه لم يتغير؛ فلا تزال هناك أشجار الزان حول منزل بينفيلد، ومسار جر القوارب المجاور لبورفورد وير، ومَعْلَف الخيول في السوق. أردت العودة إلى هناك، فقط لمدة أسبوع، وجعل الشعور بالسلام يغمرني. كان الأمر أشبه باعتزال أحد الحكماء الشرقيين في الصحراء. وأعتقد أنه بالطريقة التي تسير بها الأمور، سيعتزل الكثير من الأشخاص الجيِّدين في الصحراء في السنوات القليلة القادمة. سيكون الأمر أشبه بروما القديمة التي كان يُخبرني عنها العجوز بورتيوس، حيث كان العديد من النُّساك حتى إنه كانت ثمة قائمة انتظار للعيش بكل كهف.

ولكني لا أعني أنني أردتُ أن أعتزل لأُمارس بعض أنواع التأمُّل؛ كالتأمل بالنظر إلى السرة الذي كان يُمارسه الإغريق، بل كل ما أردته هو أن أستعيد قوتي قبل أن يأتيَ الزمان الصعب. هل لا يشكُّ عاقل في أن الأوقات الصعبة قادمة؟ لا نعلم حتى ما الذي ستكون عليه، ولكننا نعلم أنها آتية. ربما تكون حربًا أو أزمة اقتصادية — لا أحد يعلم، فقط ستمرُّ علينا أيام سيئة. وأينما كنا ذاهبين، فنحن ذاهبون إلى الهاوية؛ إلى القبر أو إلى المجاري — لا أحد يعلم. ولا يُمكنك مواجهة هذا الأمر إلا إذا كنت تتمتع بالإحساس الصحيح بداخلك، وهو شيء فارقَنا خلال السنوات العشرين الماضية منذ الحرب. إنه كنوع من العصارة الحيوية التي رشَشناها حتى لم يتبقَّ منها شيء. كل هذا التدافع هنا وهناك. تدافع أبدي من أجل حفنة من المال. ضجيج أبدي صادر من الحافلات والقنابل وأجهزة المذياع وأجراس الهاتف. تآكلت أعصابنا حتى دُمِّرت، ونَخِرَت عظامنا حتى اختفى نُخاعها.

ضغطتُ بقدمي على دواسة الوقود، وقد أراحتني بالفعل فكرةُ العودة إلى لوير بينفيلد. تعرف الإحساس الذي كنت أشعر به، إنه هدنة لالتقاط الأنفاس! كسُلَحفاة البحر الكبيرة عندما تَجدِف إلى السطح، وتُخرِج أنفها من الماء لتملأ رئتَيها بجرعة كبيرة من الهواء قبل أن تغوص للأسفل مرة أخرى، عائمةً بين أعشاب البحر والأُخطُبوطات. كلنا نختنق في قاع صندوق قُمامة، ولكنني وجدت الطريق للأعلى. إنه يتمثَّل في العودة إلى لوير بينفيلد! أبقيت قدَمِي على دواسة الوقود حتى وصلَت السيارة القديمة إلى أقصى سرعتها بما يقرب من أربعين ميلًا في الساعة. كانت تُقعقِع كصينيَّة مَعدِنية مليئة بالآنية الفخارية، وبدأت أُغني وسط ضوضائها.

ولكن بالطبع ما كان يُعكر صفو الأمر كان هيلدا. جعلتني تلك الفكرةُ أتراجع بعض الشيء، وأبطأت السيارة إلى عشرين ميلًا في الساعة للتفكير في الأمر.

لا شك أن هيلدا ستكتشف الأمر عاجلًا أو آجلًا، فلكي أحصل على إجازة لأسبوع واحد في أغسطس، فعليَّ أن أُحسِن تجاوز الأمر معها. يُمكنني أن أُخبرها أن الشركة لم تُعطني سوى أسبوعٍ واحدٍ هذا العام. ربما لن تطرح العديد من الأسئلة عن الأمر؛ لأنه سيروق لها أن تُوفِّر نفقات الإجازة. والطفلان، على أي حال، دائمًا ما يقضيان شهرًا على الشاطئ. ولكن الصعوبة كانت في أن أجد حُجَّة للتغيُّب لذلك الأسبوع في شهر مايو؛ فلا يُمكِنني أن أختفيَ دون إعلامها. فكَّرت في أن أفضل شيء هو أن أقول لها مسبقًا إنه من المتوقَّع أن يُرسلوني في العمل لمهمة خاصة إلى نوتينجهام أو ديربي أو بريستول، أو إلى أي مكان بعيد. وإذا أخبرتها بذلك قبل الإجازة بشهرَين، فسيبدو أنه ليس لديَّ ما أُخفيه.

ولكنها بالطبع ستكتشف الأمر عاجلًا أو آجلًا. ثِق في هيلدا! ستتظاهر في البداية بأنها تُصدقني، ثم بطريقتها الهادئة والعنيدة ستكتشف أنني لم أذهب إلى نوتينجهام أو ديربي أو بريستول أو أيٍّ ما كان. إنها تفعل ذلك بطريقة مذهلة، يا لها من مُثابِرة! إنها تظل صامتة حتى تكتشف كل نقاط الضعف في حُجتك المزعومة، ثم فجأة عندما تذكر الأمر بالصدفة على إثر ملاحظة عابرة تنقضُّ عليك، وتأتيك فجأة بملف القضية كلها، فتجدها تقول: «أين قضيت ليلة السبت؟ أنت تكذب! لقد كنت بصحبة امرأة. انظر إلى هذا الشعر الذي وجدته عندما كنت أنظف معطفك. انظر إليه! هل هذا لون شعري؟» ثم يبدأ المرح. حدث ذلك كثيرًا. في بعض الأحيان تكون مُحقة في شأن أنني كنت بصحبة امرأة، وأحيانًا أخرى تكون مخطئة؛ ولكن رد فعلها دائمًا واحد، وهو التذمر لأسابيع بلا توقف! ولا نجلس لتناول الطعام دون مشاجرة، والطفلان لا يفهمان ما يجري. ولكن أسوأ ما يُمكنني أن أفعله هو أن أخبرها أين سأقضي ذلك الأسبوع بالفعل ولماذا؛ فإذا حاولت أن أشرح لها حتى يوم القيامة، فلن تُصدقني.

ولكن، تبًّا! لمَ أشغل بالي؟ فما زال أمامي وقت طويل. تعلم كيف تختلف هذه الأمور بعد فعلها عن قبل فعلها. ضغطت بقدمي على دواسة الوقود مرة أخرى، وجالت في ذهني فكرة أخرى، فكرة أكبر حتى من الأولى. لن أذهب في شهر مايو، بل سأذهب في النصف الثاني من شهر يونيو، عندما يبدأ موسم صيد الأسماك غير المنتمية لعائلة السلمون، وسأذهب للصيد!

لمَ لا؟ فقد أردت السكينة، والصيد يبعث على السكينة. ثم خطرَت ببالي الفكرة الأكبر، وكادت أن تنحرف بي عن الطريق.

سأذهب وأصطاد أسماك الشَّبُّوط الكبيرة في بِركة منزل بينفيلد!

ومجددًا، لمَ لا؟ أليس من الغريب كيف نعيش حياتنا، إذ نعتقد دائمًا أن الأشياء التي نُريد فعلها هي الأشياء التي لا يُمكننا فعلها؟ لمَ لا يجب أن أصطاد أسماك الشَّبُّوط تلك؟ ولكن بمجرد أن ذكرت الفكرة، ألم تبدُ لك شيئًا مستحيلًا أو شيئًا لا يُمكن حدوثه؟ لقد بدت لي كذلك، حتى في تلك اللحظة؛ فقد بدت لي كحلم واهم، كتلك الأحلام التي ترى نفسك فيها نائمًا مع نجمات الأفلام أو فائزًا ببطولة الوزن الثقيل. ومع ذلك لم يكن الأمر مستحيلًا على الإطلاق، بل لم يكن صعبًا؛ إذ يُمكنك أن تُؤجر مكانًا للصيد، فأيًّا كان المالك الحاليُّ لمنزل بينفيلد، فسيسمح لي بالتأكيد بالصيد في البِركة إذا دفعت له ما يكفي. يا إلهي! كم يُسعدني أن أدفع خمسة جنيهات لقضاء يوم في الصيد في تلك البِركة! ومن المحتمل كذلك أن يكون المنزل ما زال فارغًا، ولا يعلم أحد حتى بوجود البركة.

فكرت في ذلك المكان المظلم خلف الأشجار، وهو ينتظرني طوال تلك الأيام، وفي الأسماك السوداء الضخمة التي لا تزال تعوم في الأرجاء. يا إلهي! إذا كانت بذلك الحجم الذي رأيتها عليه منذ ثلاثين عامًا، فكيف سيكون حجمها الآن؟

٣

كنا في السابع عشر من شهر يونيو، يوم الجمعة، وكان اليوم الثاني هو موعدَ بدء موسم صيد الأسماك غير المنتمية إلى عائلة السلمون.

لم أجد أي صعوبة في ترتيب أموري مع الشركة. أما مع هيلدا، فقد خدعتُها بقصةٍ كانت على أحسن تنظيم ولا تشوبها شائبة؛ فقد رتبتُ أن تكون حُجة غيابي أني ذاهب إلى برمنجهام، حتى إني أخبرتها في اللحظة الأخيرة باسم الفندق الذي كنت سأبيت فيه، وهو فندق روبوتوم العائلي والتِّجاري، وكنت أعرف عنوانه؛ لأنني قد أقمت فيه قبل ذلك ببضع سنوات. في الوقت نفسه، لم أكن أُريدها أن تُرسل لي خطابات إلى برمنجهام، الأمر الذي كان من المتوقع أن تفعله إن تغيبتُ لمدة أسبوع. بعد التفكير مليًّا، أخبرت الشاب ساوندرز، الذي كان مندوب مبيعات متجولًا لدى شركة جليسو لملمعات الأرضيات، بجزء من السر؛ إذ كان قد أخبرني بالصُّدفة أنه سيمر على برمنجهام في الثامن عشر من يونيو، واتفقتُ معه على أن يتوقف في الطريق ويُرسل خطابًا مني إلى هيلدا، وعليه عنوان فندق روبوتوم؛ وذلك لإخبارها أنه قد يُطلَب مني مغادرة المكان وأنه من الأفضل عدم الكتابة لي. تفهَّم ساوندرز الأمر، أو هكذا اعتقد؛ فغمز لي وقال إنني مبهِر مقارنةً بسنِّي. وهكذا تمت تسوية الأمر مع هيلدا، التي لم تطرح أي أسئلة؛ وحتى إن شكَّت في شيء فيما بعد، فإن حُجةً كتلك لن يكون من السهل تفكيكُها.

قدتُ السيارة عبر ويسترهام، وكان صباحًا رائعًا من صباحات شهر يونيو؛ حيث هبَّ نسيمٌ خفيف، وكانت قمم شجر الدَّرْدار تتمايل في الشمس، وكانت السُّحب البيضاء الصغيرة تسبح في السماء كقطيعٍ من الخِراف، وكانت الظِّلال يُطارد بعضُها بعضًا عبر الحقول. خارج ويسترهام، قابلت فتًى يعمل في متجر مثلجات وولز، وكانت وجنتاه كالتفاحَتين، وكان يَعْدو مسرعًا تجاهي على دراجته، ويُصفِّر حتى كادت صفارته تخترق رأسك. ذكرني ذلك فجأة بالوقت الذي كنت فيه صبي مهمات مثله (على الرغم من أننا في تلك الأيام لم تكن لدينا دراجات بترس حر)؛ وكدت أن أوقفه وآخذ قطعة من المثلجات التي كانت معه. كان القش مقطعًا في مكانه بالحقول، ولكنه لم يكن قد خُزِن بعد؛ إذ كان قد فُرِش ليجفَّ في الشمس في صفوف لامعة طويلة، وكانت رائحته قد انجرفَت عبر الطريق، واختلطت برائحة الوقود.

قُدت السيارة ببطء على سرعة خمسة عشر، وكان صباحًا هادئًا وحالمًا. كان البطُّ يعوم في البِرَك كما لو أنه قد شعر بأنه قد شبع تمامًا، فلم يَعُد يُريد أن يأكل. في نيتلفيلد، القرية بعد ويسترهام، جاء رجل ضئيل الحجم، بمئزرٍ أبيض وشعرٍ أشيب وشاربٍ رمادي ضخم، مندفعًا كالسَّهم عبر الحقول، ثم وقف في وسط الطريق وبدأ يُلوح لجذب انتباهي. كانت سيارتي معروفة على طول هذا الطريق بالفعل. توقفت، ولم يكن سوى السيد ويفر صاحب المتجر العامِّ في القرية. لا، لم يكن يُريدني أن أُؤمِّن له على حياته ولا على متجره، فقط كانت قد نفدت منه الفكة، ويُريد أن يعلم ما إذا كان معي ما يُعادل جنيهًا من «العملات الفِضية الكبيرة». ليس لديهم فكة أبدًا في نيتلفيلد، حتى في الحانة.

واصلت في طريقي، وكان القمح قد طال حتى يكاد يصل إلى خصرك. كنت أُعرِّج في الطريق لأعلى وأسفل عبر التِّلال التي كانت تُشبه السجادة الخضراء الكبيرة، التي كانت الرياح تميلها قليلًا فتبدو كثيفة وحريرية. كانت كالمرأة المستلقية التي تدعوك لحضنها. ثم رأيت أمامي العلامة الإرشادية التي تُخبرك بأن الطريق يتفرع يمينًا إلى بودلي ويسارًا إلى أكسفورد.

كنتُ لا أزال في حدودي المعتادة، داخل «منطقتي»، كما تُسمِّيها الشركة. من الطبيعي، بما أنني كنت متجهًا إلى الغرب، أن أُغادر لندن من طريق أوكسبريدج؛ ولكن حَدْسي جعلني أتبع طريقي المعتاد. الحقيقة هي أنني كنت أشعر بالذنب حول الأمر برُمَّته، وكنت أريد أن أكون قد قطعت شوطًا طويلًا قبل أن أصل أكسفوردشير. على الرغم من أنني قد رتبت الأمر جيدًا من ناحية هيلدا والشركة، وعلى الرغم من أنَّ معي اثنَي عشر جنيهًا في محفظتي وحقيبةَ سفر في السيارة من الخلف، فكلما كنت أقترب أكثر من تقاطع الطرق كنت أشعر بالفعل بإغراءٍ — أعلم أنني لم أكن لأستسلم له، ولكنه كان إغراءً على أي حال — يَدفعني للتراجع عن كل شيء. كان لديَّ ذلك الشعور بأنني طوال سيري في طريقي المعتاد فأنا ما زلت محترِمًا للقانون؛ فلم يَفُت الأوان، هكذا اعتقدت، وأنه ما زال أمامي الوقت لأن أسلك المسلك القويم. كان بإمكاني الإسراعُ إلى بودلي، على سبيل المثال، ومقابلة مدير بنك باركلي (وهو وكيلنا في بودلي) وسؤاله عما إذا كان ثمة عملٌ جديد في الأرجاء. وكان يُمكنني كذلك التراجع والعودة إلى هيلدا معترفًا بكذبتي.

أبطأت عندما اقتربت من الدوران. هل أُتِم الأمر أم أتراجع عنه؟ لمدة ثانية تقريبًا كان الإغراء يتملَّكُني بالفعل. ولكن لا! أطلقت بوق السيارة وملت بالسيارة غربًا في طريق أكسفورد.

حسنًا، سأذهب. كنت قد أصبحت في الأرض المحرمة. كان من الممكن، إن أردت، أن أتجه بعد خمسة أميال إلى اليسار مرة أخرى وأرجع إلى ويسترهام؛ ولكني في تلك اللحظة كنت قاصدًا الغرب. بالأحرى، كنت في منتصف الطريق. والغريب في الأمر، أنه بمجرد وجودي على طريق أكسفورد شعرت شعورًا أكيدًا أنهم علموا كل شيء. وبقولي «أنهم» أعني كل الناس الذين لم يكونوا ليُوافقوا على رحلة من هذا النوع، والذين كانوا سيمنعونني إن تمكَّنوا من ذلك، وهم، على ما أعتقد، كل الناس.

علاوة على ذلك، أحسست بأنهم يُلاحقونني بالفعل. جميعهم! جميع الناس الذين لم يتمكنوا من فهم السبب وراء اختلاس رجلٍ في منتصف العمر بأسنان اصطناعية لأسبوع هادئ في المكان الذي قضى فيه أيامَ صِباه. وكل الأوغاد من ذوي النفوس الدنيئة الذين تمكنوا من فهم الأمر جيدًا، ولكنهم سيُقيمون الدنيا ويُقعدونها لمنعي. كلهم كانوا في الطريق خلفي. كان الأمر كما لو أن جيشًا ضخمًا يتدفق على الطريق خلفي، وبدا لي أنني أراهم في ذهني. كانت هيلدا في المقدمة، بالطبع، ويُلاحقها الطفلان، والسيدة ويلر تحثُّها بحقد وضراوة، والآنسة مينس تركض في الخلف ونظارتها تنزلق على أنفها، وعلى وجهها نظرة أسًى كالدجاجة المتخلفة عن الركب، بينما بقية الدجاج قد حصلوا على قشور اللحم المقدَّد. وكان خلفي أيضًا السير هربرت كروم وأصحاب المناصب العليا في فلاينج سلامندر في سياراتهم الرولز رويس والهيسبانو سويسا. وكل الرجال في المكتب، وكل الموظفين المداسين بالأقدام المساكين من شارع إلزمير ومن كل الشوارع المماثلة، الذين يركب بعضُهم في العرَبات الصغيرة وآلات الحصاد، ومداحل الحدائق الإسمنتية، والبعض الآخر يُحدِثون ضجة بسيارات أوستين سيفن القديمة التي يقودونها. وكل مُنقذي الأرواح والمتطفلين، هؤلاء الذين لا تراهم أبدًا، ولكنَّهم يُديرون مصيرك على الرغم من ذلك: وزير الداخلية، وشرطة سكوتلاند يارد، وتحالف الاعتدال في شرب الكحوليات، وبنك إنجلترا، واللورد بيفربروك، وهتلر وستالين على دراجة بمقعدَين، والأساقفة، وموسوليني، والبابا. جميعهم كانوا ورائي. حتى إنه كان بإمكاني سماعُهم وهم يصرخون قائلين:

«ثمة رجلٌ يعتقد أنه سيهرب! ثمة رجل يقول إنه لا يريد أن يسير مع القَطيع! إنه يرجع إلى لوير بينفيلد! الحَقوا به! أوقفوه!»

إنه لأمر غريب! كان تأثير ذلك الإحساس عليَّ عظيمًا لدرجة أنني ألقيتُ نظرة خاطفة عبر الزجاج الخلفي للسيارة للتأكُّد من أن أحدًا لا يُلاحقني. أعتقد أنه الإحساس بالذنب. ولكن لم يكن ثَمة أحد، فما كان سوى طريقٍ أبيضَ يَكسوه الغبار، وصفٌّ طويل من أشجار الدَّردار التي تتضاءل أحجامها خلفي.

ضغطتُ بقوة على دواسة الوقود، فقعقعَت السيارة القديمة ووصلَت سرعتها إلى الثلاثينيات. بعد ذلك ببضع دقائق، كنتُ قد تجاوزت منعطف ويسترهام. وكان ما كان. وما كان هناك مجال للتراجع. هذه كانت الفكرة التي، بشكل غامض، بدأَت في التشكُّل في ذهني في اليوم الذي حصلت فيه على طقم أسناني الجديد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢