الجزء الرابع

١

شققت طريقي إلى لوير بينفيلد عبر تل تشامفورد. هناك أربعة طرق تُؤدي إلى لوير بينفيلد، وكان من الأسرع أن أذهب عبر وولتن، ولكني أردتُ المرور على تل تشامفورد، فهو الطريق الذي اعتدنا أن نسلكه بالدراجات رجوعًا إلى المنزل من رحلات صيدنا في نهر التيمز. عندما تتجاوز للتوِّ قمة التل، تتباعد الأشجار ويُمكِنك رؤية لوير بينفيلد في الوادي أسفل قدَمَيك.

إنها لتَجرِبة غريبة أن تعود إلى مكانٍ ما من الريف لم ترَه منذ عشرين سنة؛ إذ تتذكَّره بكل تفاصيله، ولكنك تكتشف أن كل ما تتذكره غير صحيح؛ فكل المسافات مختلفة، ويبدو أن المعالم قد تغيرت. تستمر في الشعور — بالطبع هذا التل كان شديد الارتفاع — بأنك بالتأكيد انعطفتَ في الجانب الخاطئ من الطريق. ومن جهة أخرى، تجد أن لديك ذكرياتٍ شديدةَ الدقة، ولكنها تخص موقفًا بعينه. ستتذكر، على سبيل المثال، ركنًا من الحقل، في يوم مَطير في الشتاء، بعُشبه شديدِ الخُضْرة حتى يكاد يُصبح أزرق اللون، وعُضادة بوَّابة صَدِئة مُغطَّاة بالأُشْنَة، وبقرة واقفة على العشب تنظر إليك. وسترجع بعد عشرين سنة، وستُفاجَأ؛ لأنَّ البقرة ليست واقفة في المكان نفسه، ولا تنظر إليك بالتعبير نفسه الذي تتذكره.

عندما صعدت تلَّ تشامفورد بالسيارة، أدركت أن صورته التي كانت في ذهني كانت من وحي خيالي إلى حدٍّ كبير. ولكن الحقيقة أن أشياء بعينها قد تغيرت. كان الطريق مُعبَّدًا، بينما كان في الأيام الخوالي مرصوفًا بالحصباء (أتذكر ذلك الشعور الوعر به أسفل دراجتي)، وبدا كما لو أنه أصبح أعرَضَ، وقلَّت أشجاره بشكل ملحوظ. في الماضي، كانت أشجار الزَّان الضخمة تنمو في الأسيجة، وكانت أغصانها تتلاقى في بعض الأماكن على الطريق مُشكِّلةً ما يُشبِه القوس. كل ذلك اختفى الآن. كدت أصل إلى قمة التل عندما صادفت شيئًا كان بالتأكيد جديدًا؛ فعلى يمين الطريق كانت ثمة مجموعةٌ كبيرة من المنازل ذات المظهر الخلاب الزائف، بأفاريز متدلِّية وعرائش ورد وما إلى ذلك. تعرف ذلك النوع من المنازل التي تكون أعلى في رقيِّها من أن تصطفَّ على خط واحد؛ ومِن ثَم تجدها متناثرة فيما يُشبه المستعمَرة، بطرقها الخاصة التي تقود إليها. وعلى مدخل أحد الطرق الخاصة كانت ثمَّة لوحةٌ بيضاءُ كبيرة مكتوبٌ عليها:
مأوى للكلاب
جِراء من سلالة سيليهام النقية
مبيت وطعام للكلاب.

بالطبع لم يكن ذلك موجودًا في الماضي، أليس كذلك؟

فكَّرت لوهلة. أجل، تذكرت! في مكان تلك المنازل كانت أشجار البلُّوط الصغيرة، التي نمَت شديدة القرب من بعضها بعضًا، فأصبحت شاهقة الطول ورفيعة السُّمْك، وكانت الأرض أسفلها تُغطيها بكثافة شقائقُ النُّعمان في فصل الربيع. بالطبع لم تكن ثَمة مَنازلُ قط بهذا البُعد عن البلدة.

وصلتُ أعلى التل، دقيقة واحدة وتُصبح لوير بينفيلد على مرمى البصر. لوير بينفيلد! لماذا يجب أن أتظاهر بعدم الحماس؟ فعند مجرَّد التفكير في رؤيتها مرة أخرى أشعر بإحساس استثنائي يزحف داخلي محدِثًا أثره على قلبي. خمس دقائق وسأراها. أجل، ها قد وصلت! حرَّرت القابض ثم ضغطت على المكابح، ثم يا إلهي!

أوه، أجل، أعلم أنك تعلم ما كان بانتظاري، ولكني لم أكن أعلم. يُمكنك القول إنني كنت في غاية الحماقة ألَّا أتوقَّع الأمر، فكذلك كنت بالفعل. ولكنه لم يخطر ببالي قط.

السؤال الأول كان: أين هي لوير بينفيلد؟

لا أعني أنها هُدِمت، بل فقط ابتُلِعَت؛ فما كنتُ أنظر إليه بالأسفل كان بلدةً صناعيَّة كبيرةً بعض الشيء. أتذكَّر — يا إلهي، وكيف لا أتذكَّر؟! ولا أعتقد في هذه الحالة أنَّ ذاكرتي تخونني — ما كانت تبدو عليه لوير بينفيلد عند النظر إليها من أعلى تل تشامفورد. أعتقد أن هاي إستريت كان طوله نحو ربع ميل، وباستثناء بعض المنازل النائية، كان شكل البلدة يقترب من شكل الصليب. وكان المَعْلمان الرَّئيسان هما برجَ الكنيسة ومدخَنة مصنع الجِعَة. في هذه اللحظة، لم أتمكَّن من رؤية أيٍّ منهما، وكلُّ ما تمكَّنتُ من رؤيته كان نهرًا ضخمًا من المنازل الجديدة تمامًا، كان يتَدفَّق عبر الوادي في كِلا الاتِّجاهَين وإلى منتصَف الطَّريق إلى أعلى التِّلال على كِلا الجانبَين. إلى اليمين، كان ما بدا أنه عدة فدادين من الأسقف الحمراء الساطعة، التي كانت كلُّها مُتشابِهة تمامًا. بالنظر إليها، عرَفتُ أنها مساكنُ البلدية.

ولكن أين كانت لوير بينفيلد؟ أين كانت البلدة التي كنت أعرفها؟ لا بد أنها كانت في مكان ما. كل ما أعرفه أنها كانت مَخفيَّة في مكانٍ ما وسطَ ذلك البحر من الطوب. من المداخن الخمس أو الست التي يُمكنني رؤيتها، لم أتمكَّن من أن أُخمِّن حتى أيُّهما كانت مِدخنةَ مصنع الجِعَة. ناحية الطرَف الشرقي للبلدة، كان ثمةَ مصنَعان ضخمان للزجاج والإسمنت. هذا هو السبب وراء نموِّ البلدة، على ما أعتقد، عندما بدأت في إدراك الأمر. وخطر ببالي أن سكان هذا المكان (الذين كانوا نحو ألفَيْن في الماضي) لا بد أنهم قد أصبحوا خمسةً وعشرين ألفًا على الأقل. الشيء الوحيد الذي لم يتغيَّر، على ما يبدو، كان منزل بينفيلد. لم يكن سوى كالنقطة من تلك المسافة، ولكنك يُمكنك أن تراه على الجانب المقابل للتل، وأشجار الزان حوله؛ فلم تكن البلدة قد ارتفعت مبانيها لتصل لذلك العلو. وأنا أنظر على البلدة، طار سرب من الطائرات القاذفة للقنابل السوداء أعلى التل، ومر بسرعة فوق البلدة فسمعت الأزيز الذي أحدثته.

دفعت القابض وبدأت أتحرك بالسيارة ببطء نزولًا من التل. كانت المنازل قد زحفت صعودًا إلى منتصف التل. تعرف تلك المنازل شديدة الصغر والرخص التي تمتدُّ على جوانب التلال في صف واحد لا ينقطع، ولها أسقف تراها مرتفعة الواحد أعلى الآخر؛ كسِرْب من الخطوات وكلها مُتشابهة تمامًا. ولكن قبل أن أصل إلى المنازل بقليل توقفتُ مرة أخرى. على يسار الطريق، كان ثمة شيء آخر جديد تمامًا. المقبرة. توقفتُ أمام المدخل للنظر إليها.

كانت ضخمة، وعلى مساحة عشرين فدانًا، على ما أعتقد. تتَّسم المقابر الجديدة دائمًا بمظهر مُحدَث جذَّاب، بمساراتها من الحصى الخشن ومروجها الخضراء الوعرة، وتماثيل الملائكة الرخامية المصنوعة آليًّا، التي تبدو كما لو كانت مُنتزَعةً من كعكات الزفاف. ولكن أكثر ما هالني في تلك اللحظة هو أن هذا المكان لم يكن موجودًا في الماضي، ولم يكن ثَمة مقابرُ منفصلةٌ في ذلك الحين، فقط كان لدينا مدفن الكنيسة. تمكنت بشكل غامض من تذكُّر المُزارع الذي كان يمتلك تلك الحقول، بلاكيت، هكذا كان اسمه، وكان مُزارعًا ومُنتِجًا لمنتجات الألبان. كما ذكَّرني المظهر البارد للمكان بطريقة ما بمدى تَغيُّر الأمور؛ فلم تتَّسع البلدةُ كثيرًا فحسب، حتى إنهم احتاجوا إلى عشرين فدانًا لدفن موتاهم، بل إنهم قد وضَعوا المقبرة هنا على أطراف البلدة. هل لاحظت أنهم دائمًا ما يفعلون ذلك في تلك الأيام؟ كل بلدة جديدة تضع مقبرتها على أطرافها. يدفعونها بعيدًا، يُبقونها بعيدًا عن أنظارهم! إنهم لا يتحمَّلون تذكر الموت. حتى شواهد القبور تُخبرك بالقصة نفسها. إنهم لا يقولون أبدًا إن الرجل المدفون تحتها قد «مات»، بل «رحل» أو «رقد». لم يكن الأمر كذلك في الماضي؛ حيث كان مدفن كنيستنا قابعًا في وسط البلدة، وكنت تمر عليه كل يوم وترى البقعة التي يرقد فيها جدُّك، وأين سترقد أنت الآخر في يوم من الأيام. لم يكن يُزعجنا النظر للأموات. أعترف أننا في الأيام الحارة كنا نشم رائحتهم أيضًا؛ لأنَّ قبور بعض العائلات لم تكن مغلقة جيدًا.

تركت السيارة تهبط من على التل ببطء. يا له من أمر غريب! لا يُمكنك تخيُّل مدى غرابته! طوال الطريق إلى أسفل التل كنتُ أرى أشباحًا، وخاصة أشباح الأسيجة والأشجار والأبقار. كنت كما لو أنني أنظر إلى عالمَين في الوقت نفسِه؛ ما يُشبه الفقاعة الرقيقة لما كان موجودًا في الماضي، مع ما هو موجود بالفعل وساطعٌ من خلالها. هناك كان الحقل حيث كان الثور يطارد جينجر رودجرز! وهناك كان المكان حيث كان ينمو فِطرُ الحصان! ولكن لم يكن هناك أيُّ حقول أو أيُّ ثيران أو أي فِطر؛ بل كانت المنازل في كل مكان، منازل حمراء باردة صغيرة بستائر نوافذها الوضيعة، والخردة في الحدائق الخلفية التي لم تكن شيئًا سوى رُقعة من العشب الرديء أو بعض من نبات العائق الذي يُكافح لينموَ وسط الأعشاب. وكان الرِّجال يمشون ذَهابًا وإيابًا، والنساء ينفضن الحصائر، والأطفال بأنوفهم التي يسيل منها المخاط يلعبون على طول الرصيف. كلهم غرباء! فقد جاءوا جميعًا وتجمَّعوا هنا أثناء غيابي. ومع ذلك فهُم مَن كانوا ينظرون إليَّ باعتباري غريبًا، فلم يعلموا أي شيء عن لوير بينفيلد القديمة، ولم يسمعوا قط عن شوتير وويثرال، أو السيد جريميت وعمي إيزيكيال، وبالتأكيد لم يكن يُهمُّهم أن يَعرفوا شيئًا.

من الأمور الطريفة سرعةُ الناس على التكيُّف. أعتقد أنه مرَّت خمسُ دقائق منذ أن توقفتُ عند قمة التل، وأنا متحمِّس قليلًا في الواقع لفكرة رؤية لوير بينفيلد مرة أخرى. وبالفعل اعتدت على فكرة أن لوير بينفيلد قد ابتُلِعَت ودُفِنَت مثلها مثل مدن بيرو الضائعة. عزَّزتُ شجاعتي وواجهتُ الوضع. فبعد كلِّ شيء، ماذا تتوقع؟ يجب أن تنموَ المدن، إذ يجب أن يعيش الناس في مكان ما. عِلاوةً على ذلك، فلم تُبَد القرية القديمة؛ فهي لا تزال موجودة في مكان ما، بيد أنها أصبحت مُحاطة بالمنازل بدلًا من الحقول. خلال بضع دقائق سوف أراها مجددًا، حيث الكنيسة ومدخنة مصنع الجِعَة، ونافذة متجر أبي، ومَعْلَف الخيول في السوق. وصلت إلى أسفل التل، وتشعَّب الطريق. اتجهت يسارًا، وبعد دقيقة ضللت الطريق.

لم أستطع تذكُّر شيء، لم أستطع حتى أن أتذكَّر ما إذا كانت بداية البلدة من هذه الناحية أم لا. كل ما كنت أعرفه هو أن هذا الشارع لم يكن موجودًا في الماضي. ولمئات الياردات، كنتُ أسير فيه — كان شارعًا حقيرًا شديد الوضاعة، وكانت المنازل متراصَّة على جانِبَيه، ومن حين لآخر كنتَ ترى متجرًا للبقالة أو حانة قذرة صغيرة — وأتساءل إلى أين عساه أن يقودني. وأخيرًا، توقفت بجوار امرأة مرتدية مئزرًا قذرًا، ولا ترتدي قبعة وكانت تسير على الرصيف. أخرجت رأسي من نافذة السيارة، وقلت لها:

«عذرًا، هل يُمكنكِ أن تَدلِّيني على الطريق إلى السوق؟»

ردت بلهجة صعبة الفهم، قائلةً: «لا أعلم.» بدا أنها كانت من لانكشير؛ فثمة العديد منهم في جنوب إنجلترا الآن، وقد فرُّوا بأعداد كبيرة من المناطق المُدمَّرة.

ثم رأيت رجلًا في رداء عمل سروالي ومعه حقيبة أدوات آتيًا نحوي، فحاولتُ مرة أخرى. جاءتني الإجابة هذه المرة بلهجة الطبقة العاملة، ولكنه كان عليه أن يُفكر فيها لدقيقة أولًا، ثم قال:

«السوق؟ السوق؟ دعنا نرى. أوه، هل تعني السوق القديم؟»

أعتقد أنني كنتُ أعني بالفعل السوق القديم.

«أوه، حسنًا، انعطِفْ يمينًا …»

كان طريقًا طويلًا. بدا لي أنه أميال، على الرغم من أنه في الواقع لم يكن يتعدى ميلًا واحدًا. المنازل، والمتاجر، ودور السينما، والكنائس الصغيرة، وملاعب كرة القدم، كلها جديدة، كل شيء جديد. مرة أخرى، انتابني هذا الشعور بأن نوعًا من غزو الأعداء قد حدث في غيابي. كل هؤلاء الناس تدفَّقوا من لانكشير وضواحي لندن، وزرعوا أنفسهم هنا مُحدِثين هذه الفوضى الموحشة، وهم لا يهتمون حتى بمعرفة أسماء المعالم الرئيسية للبلدة. ولكنني فهمت الآن السبب في أن ما كنا نُطلق عليه قديمًا السوق أصبح الآن يُعرَف باسم السوق القديم؛ فقد أقاموا ميدانًا كبيرًا، على الرغم من أنه لا يُمكنك أن تُطلِق عليه ميدانًا بالتحديد؛ لأنه لم يكن له شكل محدد، وكان في منتصف البلدة الجديدة، تملؤه إشارات المرور وبه تمثال ضخم من البرونز لأسد يُهاجم نَسرًا، لقد كان نُصُبًا تذكاريًّا للحرب على ما أعتقد. إن كل شيء جديد! يا له من مظهر بارد ووضيع! هل تعرف شكل هذه البلدات الجديدة التي تضخمت فجأة كالبالون في السنوات القليلة الماضية: هايز، وسلاو، وداجنهام، وغيرها؟ ذلك الطوب الأحمر الساطع البارد في كل مكان، ونوافذ المتاجر ذات الطلاءات المؤقتة المليئة بالتخفيضات على أسعار الشوكولاتة وأجهزة الراديو. هذا ما كان الأمر عليه تمامًا. ولكني، فجأة، استدرت إلى شارع به منازل قديمة. يا إلهي! إنه هاي إستريت!

رغم كل شيء، لم تَخنِّي ذاكرتي. كنت أعرف كل بوصة فيه. بضعة مئات أخرى من الياردات وسأكون في السوق. كان المتجر القديم في الطرَف الآخر من هاي إستريت. سأذهب إلى هناك بعد الغداء، وكنت أنوي الإقامة في حانة جورج. لي في كل بوصة ذكريات! أعرف جميع المتاجر، على الرغم من أن كل الأسماء قد تغيرت، والأشياء التي يبيعونها قد تغيرت أيضًا في الغالب. ها هو متجر لوفجروف! وها هو متجر تود! وهذا المتجر الداكن اللون الكبير ذو الأعمدة والنوافذ الناتئة من السقف المائل كان متجر ليلي وايت للأقمشة، حيث كانت تعمل إلسي. وها هو متجر جريميت! يبدو أنه لا يزال متجرًا للبقالة. والآن، إلى مَعْلَف الخيول في السوق. كانت ثمة سيارة أخرى أمامي، ولم أتمكن من رؤيته.

انعطفت جانبًا ودخلت إلى السوق؛ ولكن مَعْلَف الخيول كان قد اختفى.

كان يوجد مكانه رجل من جمعية السيارات في مهمة مرورية. ألقى نظرة على السيارة، ورأى أنها لا تحمل شارة الجمعية، فقرَّر عدم إلقاء التحية عليَّ.

استدرتُ متوجهًا إلى حانة جورج؛ فقد كان غياب مَعْلَف الخيول بمثابة صفعة لي جعلتني أخرج من المكان دون أن أنظر حتى لأعرف ما إذا كانت مدخنة مصنع الجعة ما زالت موجودة أم لا. تغيرَت حانة جورج كذلك؛ فكل شيء فيها قد تغير ما عدا اسمَها. وقد تزينَت وِجهتها الأمامية حتى بدَت كأحد الفنادق الساحلية، وقد بُدِّلَت لافتتها كذلك. كان من الغريب أنه على الرغم من أنني لم أكن أُفكر في اللافتة القديمة ولو مرة حتى تلك اللحظة لمدة عشرين عامًا، فقد اكتشفت فجأة أنه يُمكنني تذكُّرُ كلِّ تفصيلة فيها، حيث كانت معلَّقة في هذا المكان منذ أقدم وقتٍ يُمكنني تذكُّره. كانت لافتة غير متقنة مرسومًا عليها القديس جورج يركب حصانًا شديد النحافة ويدهس تنينًا شديدَ الضخامة؛ وفي الزاوية، على الرغم من تشقُّق الطلاء وتغير لونه، يُمكنك قراءة توقيعٍ صغير، وهو «ويليام ساندفورد، رسام ونجار». أما اللافتة الجديدة، فقد كانت ذات مظهر فني جذاب؛ إذ يُمكِنك أن ترى أن راسِمَها فنان حقيقي، ويبدو فيها القديس جورج شابًّا عاديًّا مخنثًا. أما الساحة التي كانت مرصوفة بالحصى، حيث كانت تُوضَع أمتعة المزارعين وكان السكارى يتقيَّئون في ليالي السبت، فقد زاد حجمها بما يُعادل ثلاثة أمثال ورُصفت بالإسمنت، وأحاطتها بالكامل مواقفُ السيارات. ترَكتُ السيارة في أحد مواقف السيارات هذه وخرَجت.

من الأشياء التي لاحظتها عن العقل البشري هو أنه متأرجح؛ فلا عاطفةَ تدوم لفترة طويلة. في ربع الساعة التي سبقت ذلك الحين، كان لديَّ ما يُمكنك أن تصفه بعض الشيء بالصدمة. شعرت وكأنَّ لكْمةً شديدة قطَّعَت أحشائي عندما توقفت أعلى تل تشامفورد، وفجأة أدركت أن لوير بينفيلد قد اختفت، وشعرت بطعنة صغيرة أخرى عندما رأيت أن مَعْلَف الخيول لم يَعُد موجودًا. هِمتُ في الشوارع بسيارتي عابسًا، وشعرتُ كما لو أنه قد زال مَجْدي. ولكن عندما ترجَّلت من السيارة ورفعت قبعتي الملساء على رأسي، شعرت فجأة أن الأمر لا يُهِم في شيء؛ فقد كان يومًا صيفيًّا جميلًا، وكان لساحة الفندق مظهرٌ صيفي نوعًا ما، بورودها في الأحواض الخضراء وما إلى ذلك. بالإضافة إلى ذلك، فقد كنت جائعًا وأرتقب تناول الغداء.

دخلت إلى الفندق بنوعٍ من التباهي، وتَبِعني عاملُ الفندق، الذي كان قد انطلق لاستقبالي بالفعل، حاملًا حقيبتي. شعرت ببعض الدَّعَة، التي ربما كانت جلية على مظهري؛ فيُمكنك القول إنني بدوتُ كرجل أعمال كبير، على أي حال إن لم تكن قد رأيت سيارتي. كنت سعيدًا أنني أتيت ببدلتي الجديدة، التي كانت زرقاء من قماش الفلانيلَّة وبخطوط بيضاء رفيعة، ما أضفى عليَّ مظهرًا ملائمًا؛ فقد كان لها ما أطلَق عليه الخياط «تأثير التخسيس». أعتقد أنني في ذلك اليوم كان بإمكاني أن أبدوَ كسِمْسار في البورصة. قل ما شئت، ولكنه شيء لطيف للغاية أنه في يوم من أيام شهر يونيو، عندما تكون الشمس ساطعة على نباتات إبرة الراعي الوردية في الأواني على النوافذ، أن تدخل فندقًا ريفيًّا جميلًا وبانتظارك لحمُ الحمل المشوي بصلصة النَّعناع. ليس من ميولي الإقامةُ في الفنادق؛ فأنا أرى الكثير منها، ولكن في تسعة وتسعين في المائة من المرات التي أراها فيها تكون تلك الفنادق «العائلية والاقتصادية»، مثل روبوتوم، حيث كان من المفترض أن أُقيم في ذلك الحين، ذلك النوع من الأماكن التي تُدفع فيها خمسة شلنات مُقابل المبيت والإفطار، وحيث الملاءات الرَّطبة دائمًا وصنابير الحمامات التي لا تعمل أبدًا. بدا فندق جورج عصريًّا حتى كِدتُ لا أعرفه؛ إذ كنا في الماضي بالكاد نُطلِقُ عليه فندقًا، فلم يكن سوى حانة، على الرغم من أنه كان به غرفةٌ أو غرفتان للإيجار وكان يُعِد الغداء للمزارعين (لحم البقر المشوي وبودينج يوركشاير، والحلوى الدسمة وجبن ستلتون) في أيام السوق. بدا كلُّ شيء مختلفًا باستثناء البار العام، الذي ألقيت نظرة عليه وأنا أمرُّ، وقد بدا تمامًا كما كان دائمًا. مررت في ممر به سجادة ناعمة، ومعلَّق على جدرانه صور صيد، وأوعية تدفئة للأَسِرَّة مصنوعة من النُّحاس، وما شابه من أشياء. يُمكنني على نحو باهت تذكر الممر القديم، حيث بلاط الأرضيَّات البالية ورائحة الجِصِّ الممزوج برائحة الجِعَة. كانت ثَمة شابةٌ أنيقة، بشعر مجعَّد وفستان أسود، التي أعتقد أنها كانت موظَّفة أو ما شابه؛ أخذَت اسمي في الاستقبال، قائلةً:

«هل تُريد غرفة يا سيدي؟ بالتأكيد يا سيدي. باسم مَن يا سيدي؟»

صمَتُّ قليلًا. على أية حال، هذه لحظتي الكبرى. كنتُ متأكدًا من أنها ستعرف اسمي. إنه ليس بالاسم الشائع، وهناك الكثير من أفراد العائلة المدفونين في مدفن الكنيسة؛ فقد كنا إحدى عائلات لوير بينفيلد القديمة، آل بولينج من بلدة لوير بينفيلد. وعلى الرغم من أنه من المزعج بعض الشيء أن يعرفني أحد، تمنَّيت لو يحدث ذلك.

فقلتُ بوضوح شديد: «بولينج، السيد جورج بولينج.»

«بولينج يا سيدي. بوا … أوه! بو؟ أجل يا سيدي. وهل أنت آتٍ من لندن يا سيدي؟»

لا شيء. لا ردَّ فعل. لم تَسمع بي قط. لم تسمع قط عن جورج بولينج، نجل صامويل بولينج، صامويل بولينج الذي كان يحتسي كوبًا من الجعة في هذه الحانة نفسها كلَّ سبت لأكثر من ثلاثين عامًا.

٢

تغيرَت غرفة الطعام كذلك.

كان بإمكاني تذكر الغرفة القديمة، على الرغم من أنني لم أتناول قط وجبةً واحدة بها؛ كانت برف مَوقِد بُنِّي اللون وورق حائط أصفر برونزي — لم أعرف قطُّ ما إذا كانت مصمَّمة في الأساس لتكون بذلك اللون، أم أنها أصبحت كذلك بفعل الزمن والدخان — وكان بها لوحة زيتيَّة موقَّعة كذلك باسم «ويليام ساندفورد، رسام ونجار»، وكانت لمعركة التل الكبير. الآن، ارتقَوا بالمكان فيما يُشبِه نمطَ القرون الوسطى، حيث مِدفأةٌ من الطوب مع مقعدَين متقابِلَين أمامها، وعارضة خشبية كبيرة عبر السقف، وألواح بلُّوط على الجدران، وكل جزء منها يبدو مصطنعًا حتى من مسافة خمسين ياردة. كانت العارضة الخشبية من البلوط الأصلي، الذي ربَّما جلَبوه من سفينة قديمة؛ ولكنها لم تكن تحمل أيَّ شيء، وكنت أشك في الألواح منذ اللحظة التي وقعت عيناي عليها. عندما جلست إلى الطاولة، وأتى إليَّ النادل الشاب الزلق بالطعام عابثًا بمنديل المائدة خاصته، طرَقتُ على الجدار ورائي. أجل! كما اعتقدت! لم يكن حتى من الخشب؛ فقد قلدوه بتركيبةٍ ما، ثم طلَوْه.

ولكن الغداء لم يكن سيئًا. تناولتُ لحم الحمل مع صلصة النعناع، وزجاجةً من نبيذ أبيض ما باسم فرنسي جعلني أتجشَّأ قليلًا، ولكنه جعلني سعيدًا. كان ثمة شخص آخر يتناول الغداء هناك؛ امرأة في الثلاثين من عمرها تقريبًا ذات شعر أشقر، وبدَت كأرملة. كنت أتساءل ما إذا كانت تُقيم في الفندق، وفكَّرت في خُطة غير واضحة للتعرف عليها. من الغريب اختلاطُ المشاعر داخل المرء؛ فقد ظللت أرى الأشباحَ نصف الوقت. وكان الماضي يتداخل مع الحاضر. رأيت أيام السوق حيث المزارعون الأقوياء المعروفون يُلقون بسيقانهم أسفلَ الطاولات الطويلة، بمسامير نعالهم التي كانت تحكُّ بشدة في الأرضية الحجرية، ويتناولون كمياتٍ كبيرةً من اللحم البقري والحلوى لا تكاد تصدق أن إنسانًا يقدر على تناولها. ثم أرى الطاولات الصغيرة، وعليها المفارش البيضاء اللامعة وكئوس النبيذ والمناديل المطوية، والزينة المقلَّدة وأجواء الرَّخاء تُخيم على المكان. وفكرت قائلًا في نفسي: «معي اثنا عشرَ جنيهًا وأرتدي بذلة جديدة. أنا جورج بولينج الصغير، ومن كان يظن أنني سأرجع إلى لوير بينفيلد بسيارتي الخاصة؟» ثم أثَّر عليَّ النبيذ ببعض الدفء المنبعث من معدتي، ونظرت إلى المرأة ذات الشعر الأشقر، وتخيلت أنني أخلع عنها ملابسها.

الشيء نفسُه حدث لي في فترة ما بعد الظهر، عندما جلست في صالة الانتظار — التي كانت مرة أخرى على طِراز مصطنع للعصور الوسطى، ولكن كان بها كراسي حديثة بمساند من الجلد وطاولات بأسطح زجاجية — مع بعض البراندي والسيجار. كنت أرى أشباحًا، ولكنني كنت إجمالًا مستمتعًا بالأمر. في الحقيقة، كنت قد أفرطتُ في الشرب بعض الشيء وكنت آمُل أن تأتيَني المرأة ذات الشعر الأشقر لأتعرَّف عليها؛ ولكنها لم تظهر قط. لم أخرج إلا وقت تناول الشاي تقريبًا.

تمشيتُ إلى السوق وانعطفتُ يسارًا. المتجر! كان هذا غريبًا! منذ إحدى وعشرين سنةً مضَت، يوم جنازة والِدَتي، مرَرت عليه بعرَبة أجرة، ورأيته مغلقًا تعلوه الأتربة، ولافتته محترقة بفعل لهيب نفخ السمكري، ولم أكن أهتم به قِيد أنملة. والآن، عندما كنت بعيدًا جدًّا عنه، وعندما كانت ثَمة تفاصيل بالفعل عما بداخل المنزل لم يكن بإمكاني تذكُّرها، أثرَت عليَّ مجرد فكرة رؤيته مرة أخرى في قلبي ومعدتي. مررتُ بمتجر الحلاق، وكان لا يزال متجرًا للحلاقة، ولكنَّ اسمه تغير؛ حيث خرجَت من بابه رائحة اللوز والصابون الدافئة، ولكنها لم تكن جيدة كرائحته القديمة حيث عِطر ما بعد الحلاقة وتبغ اللاذقية. المتجر — متجرنا — كان يبعد مسافة عشرين ياردة. يا إلهي!

تبدو فوقه لافتةٌ ذات مظهر فني — رسَمها الرجل نفسه الذي رسم لافتة فندق جورج، لا عجب في ذلك — تَحملُ الكلمات التالية:
صالة شاي ويندي
قهوة صباحية
كعك بيتي.

صالة شاي!

أتصور أنه إن كان قد أصبح متجرًا للجزارة أو لتجارة الأدوات المعدنية أو أي شيء آخر غير الحبوب، لكان له الأثر نفسه عليَّ. من السخيف أنه لأنه قد صادف ووُلِدتُ في منزل معيَّن أن تعتقد أنَّ لديك الحقَّ فيه لبقية حياتك، ولكنك تفعل ذلك. حسنًا، كان المكان جيدًا؛ ستائر زرقاء في النوافذ، وكعكة، أو كعكتان، في مكان ما، مغطَّاة بالشكولاتة وبجوزة واحدة موضوعة أعلاها. دخلت المتجر، ولم أكن أُريد أن أتناول الشاي في الواقع، ولكني أردت أن أراه من الداخل.

كان من الواضح أنهم حوَّلوا كلًّا من المتجر والردهة القديمة إلى أماكنَ لتناول الشاي وما شابه. أما عن الساحة الخلفية حيث كان صندوق القُمامة ورقعة الأعشاب الصغيرة التي كان يزرعها أبي؛ فقد عبَّدوها بالكامل وزيَّنوها بالطاولات البسيطة ونباتات الكوبية وغيرها من الأشياء. دخلت إلى الرَّدْهة، ورأيتُ مزيدًا من الأشباح! البيانو والنصوص على الجدار، والكرسيَّين بالمسندَين الأحمرَين القديمَين الكبيرَين حيث كان يجلس أبي وأمِّي مُتقابِلَين حول المدفأة يقرآن صحيفتَي «صن داي بيبول» و«نيوز أوف ذا وورلد» في يوم الأحد ما بعد الظهيرة! زيَّنوا المكان بطراز أكثر قِدمًا من ذلك الذي زُيِّن به فندق جورج، حيث الطاولات القابلة للطي ونجفة من الحديد المطاوع وأطباق البيوتر المعلقة على الجدار وما إلى ذلك. هل لاحظت مدى الإعتام الذي يُعِدون به دائمًا صالات الشاي ذات الطابع الفني تلك؟ أفترض أن هذا جزءٌ من أجواء العصور القديمة. وبدلًا من النادلة العادية، كانت هناك شابة في رداء منقوش، والتي قابلَتني بتعبير بارد. طلبتُ منها شايًا، وأتت به بعد عشر دقائق. تعلم هذا النوع من الشاي، الشاي الصيني، الذي يكون خفيفًا للغاية لدرجة أنك قد تعتقد أنه ماء حتى تضع عليه الحليب. كنت جالسًا تقريبًا في المكان نفسِه الذي كان فيه كرسيُّ أبي ذو المسندَين. كدتُ أسمع صوته وهو يقرأ «مقطعًا»، كما كان يُسميه، من صحيفة «صن داي بيبول» عن الآلات الطائرة الجديدة، أو الرجل الذي ابتلعه حوت أو ما شابه. جعلني ذلك أشعر بإحساس شديد الغرابة بأني مُدعٍ كاذب، وأنه بإمكانهم أن يطردونني إن اكتشفوا من أكون، ولكن في الوقت نفسه كنت أتوق لأن أخبر أحدًا أنني قد ولدت هنا، وأنني أنتمي إلى هذا المنزل، أو بالأحرى (وهو ما كنت أشعر به بالفعل) أن المنزل ينتمي إليَّ. لم يكن أحدٌ غيري يحتسي الشاي، وكانت الفتاة ذات الرداء المنقوش واقفة أمام النافذة، ويُمكنني أن أقول إنني لو لم أكن هناك لنظفت أسنانها بعود ثِقاب أو ما شابه. تناولت إحدى شرائح الكعك التي جلبَتها لي. إنه كعك بيتي! بالطبع كان كذلك. كعك بيتي بالسمن النباتي وبدائل البيض. ولكن في النهاية، كان عليَّ أن أتحدث، فقلت:

«هل تعيشين في لوير بينفيلد منذ وقت طويل؟»

أجفَلَت وبدَت متفاجئة ولم تُجب. فحاولتُ مرة أخرى قائلًا:

«لقد كنت أعيش في لوير بينفيلد منذ وقت طويل.»

مرة أخرى لم تُجب، أو أجابت بشيء لم أسمعه؛ ورمقَتني بنظرة باردة وأعادَت النظر عبر النافذة مجددًا. رأيت ما كانت عليه؛ إذ كانت تَعُد نفسها سيدة أرقى من أن تتجاذب أطراف الحديث مع الزبائن. وربما ظنت أنني أحاولت مغازلتها. ما الفائدة من أن أُخبرها بأنني قد وُلِدت في هذا المنزل؟ وحتى إن صدَّقَتني، فلم يكن الأمر ليَعنِيَها في شيء. لم تسمع قط عن صامويل بولينج، تاجر الذرة والحبوب. دفعت الحساب وخرجت.

تجولت إلى الكنيسة. أحد الأشياء التي كنت شبه خائف منها، وأتطلع إليها في الوقت نفسه، أن يتعرف عليَّ أشخاص كنت أعرفهم. ولكن لم يكن ثمة داعٍ للقلق، فلم يكن هناك وجه أعرفه في الشوارع. بدا الأمر كما لو أن البلدة بأكملها جاءها سكان جدد.

عندما وصلت إلى الكنيسة، عرفت لما تحتم عليهم أن يُنشئوا مقبرة جديدة؛ فساحة الكنيسة كانت ممتلئة إلى حافتها، ونصف القبور كانت عليها أسماء لا أعرفها. ولكن الأسماء التي أعرفها كان من السهل للغاية أن أجدها. تجولت حول القبور؛ حيث كان القندلفت قد حشَّ العُشب للتو، وكانت رائحة الصيف موجودة حتى هناك. كانوا جميعًا بمفردهم، جميع الناس الذين كنت أعرفهم. جرافيت الجزار، ووينكل تاجر الحبوب الآخر، وترو الذي كان يُدير حانة جورج، والسيدة ويلر من متجر الحلوى، كلهم كانوا يرقدون هناك. وكان شوتير وويثرال يرقد كلٌّ منهما أمام الآخر على جانِبَي الممر، تمامًا كما لو كانا لا يزالان يُغنيان لبعضهما بعضًا على جانِبَي ممر الكنيسة. إذن ويثرال لم يصل عامه المائة بعد كل ذلك؛ فقد وُلِد عام ١٨٤٣ و«غادر الحياة» عام ١٩٢٨، ولكنه تفوق على شوتير، كالمعتاد، الذي تُوفِّي عام ١٩٢٦. يا له من وقت عصيب ذلك الذي لا بد أن يكون العجوز ويثرال قد قضاه في آخر عامَين له عندما لم يكن ثمة أحد ليُغنِّي أمامه! وكان العجوز جريميت أسفل شيء ضخم من الرخام على شكلٍ يُشبه فطيرة لحم العجل والخنزير، مع حاجز حديدي حوله، وفي الركن كان آل سيمونز كلهم أسفل صلبان صغيرة ورخيصة. الكل ذهبوا إلى التراب. العجوز هودجز بأسنانه المصفرَّة من التبغ، ولوفجروف بلحيته البنية الكبيرة، والسيدة رامبلينج التي كانت لها سائق عربة ونمر، وعمة هاري بارنز التي كان لها عينٌ زجاجية، وبروير من الطاحونة بوجهه العجوز الكريه كشيء منحوت من جوزة، لا شيء بقي من أيٍّ منهم عدا لوحًا من الحجارة وما أسفله الذي لا يعلمه إلا الله.

وجدتُ قبر أمي وكان قبر أبي بجواره، وكان كلٌّ منهما في حالة جيدة. حافظ القندلفت على العشب مقصوصًا. وكان قبر عمي إيزيكيال بعيدًا بعض الشيء. سُوِّيَت بالأرض الكثير من القبور القديمة، وأُزِيلَت كل الشواهد الخشبية القديمة، تلك القطع التي كانت تبدو كطرَف هيكل السرير. ما شعورك عندما ترى قبرَيْ أبوَيك بعد عشرين عامًا؟ لا أعرف ما المفترض أن تشعر به، ولكني سأخبرك بما شعرت، وهو ما كان لا شيء. لم يَغِب أبي وأمي عن بالي قط؛ فكما لو أنهما موجودان في مكانٍ ما وإلى الأبد. أمي خلف إبريق الشاي البني، وأبي برأسه الأصلع المغبر بالطحين بعض الشيء، ونظارته وشاربه الأشيب كانا ثابتَين طَوال الوقت على تلك الهيئة كالأشخاص في الصور، ولكنهما كانا حيَّين أيضًا بشكلٍ ما. صناديق العظام تلك المستلقية تحت الأرض لا يبدو أن لها أيَّ علاقة بهما. فقط، عندما وقفت هنا، بدأت في التساؤل عما تشعر به عندما تكون تحت الأرض، وعما إذا كنتَ ستكترث كثيرًا، وإلى متى سيتوقف اكتراثك؛ ولكن فجأةً غمرَني بسرعة ظلٌّ ثقيل وأرعبني بعض الشيء.

نظرت أعلى كتفي، ولم تكن سوى طائرة قاذفة للقنابل كانت تحول بيني وبين الشمس. تسبب هذا في شعوري بالخوف بعض الشيء.

دخلت الكنيسة. وللمرة الأولى تقريبًا منذ عدت إلى لوير بينفيلد لم أشعر بالأشباح، أو شعرت بها ولكن بطريقة مختلفة؛ لأنه لم يتغيَّر شيء. لا شيء، سوى أن الجميع قد رحلوا. حتى وسائد الركوع بدَت كما هي. وكانت رائحة الجثث المختلطة برائحة الأتربة نفسها في المكان. ويا إلهي! رأيت الفتحة نفسها في النافذة، ولكن لأننا كنا في المساء وكانت الشمس في الجانب الآخر، فلم تزحف بقعة الضوء أعلى ممر الكنيسة. كان ما زال لديهم مقاعد خشبية، ولم يجلبوا الكراسيَّ بدلًا منها. كانت مقعدنا لا يَزال موجودًا، ورأيت المقعد في الأمام حيث كان ويثرال يَصْدع بصوته أمام شوتير. سِيحُون ملك الأَمُورِيِّين وعُوج ملك بَاشَان! والأحجار البالية في الممرِّ حيث لا يزال بإمكانِك قراءةُ بعضٍ من النقوش على شواهد أضرحة الرجال المستلقين أسفلَها. جثمتُ لأنظر إلى النقوش المقابلة لمقعدنا. ما زلت أحفظ عن ظهر قلبٍ الأجزاءَ التي يُمكن قراءتها منها، وحتى النمط المكتوبة عليه بدا مستقرًّا في ذاكرتي؛ فكثيرًا ما قرأتها أثناء الخُطب.
هنا … ابن هذه الأبرشية … عدله واستقامته …
له … أضاف لهباته العديدة إخلاصًا …
… زوجته الحبيبة أميليا … سبع بنات …

أتذكر كيف كان يُحيرني طريقة كتابتهم لأحد الحروف عندما كنت طفلًا، وكنت أتساءل عما إذا كانوا قديمًا ينطقونه كحرف آخر، وإن كان ذلك صحيحًا، فلماذا؟

سمعت خُطًى ورائي ونظرت، فوجدتُ رجلًا في رداء كهنوتي. كان راعيَ الكنيسة.

ولكني أعني راعيَ الكنيسة نفسه! كان العجوز بيترتون، الذي كان راعيَ الكنيسة في الماضي — لا يُمكنني أن أقول، في الواقع، إنه كان كذلك طوال الوقت الذي أتذكَّره، ولكن منذ ١٩٠٤ أو نحو ذلك. عرَفتُه على الفور، على الرغم من أن شعره أصبح أبيض تمامًا.

ولكنه لم يَعرفني؛ فلم أكن بالنسبة له إلا سائحًا بدينًا ببدلة زرقاء يُشاهد معالم البلدة. حيَّاني وبدأ على الفور في مسار كلامه المعتاد، ما إذا كنت مهتمًّا بالمعمار، وهذا المبنى القديم الجدير بالملاحظة، حيث ترجع أساساتُه إلى الحقبة السكسونية وما إلى ذلك. وسرعان ما بدأ يمشي هنا وهناك ليُريَني المعالم، كما كانت، القوس النورماني الذي يقود إلى مجلس الكنيسة، والتمثال النُّحاسي للسير رودريك بون، الذي قُتِل في معركة نيوبري. اتبعته على مضض كمعظم رجال الأعمال في منتصف العمر عندما يأخذون جولة في كنيسة أو مَعرِض للَّوحات. ولكن هل أخبرته بأنني أعلم كل شيء فيها بالفعل؟ هل أخبرته أنني جورج بولينج، ابن صامويل بولينج — لا بد أنه كان سيتذكر أبي حتى، وإن لم يتذكرني — وأنني لم أكن فقط أستمع إلى خُطبه لعشرِ سنوات وأذهب إلى دروس التأكيد التي كان يَعقدها، بل إنني انضممتُ كذلك لحلقة قراءة لوير بينفيلد، وقرأت قليلًا في كتاب «السمسم والزنابق» فقط لإرضائه؟ لا، لم أخبره، بل فقط تبعته في أرجاء الكنيسة متمتمًا كما تفعل عندما يُخبرك أحدٌ أن هذا الشيء أو ذاك يَرجع تاريخه إلى خَمسمائة سنة مضَت، ولا يُمكنك التفكير فيما تقوله إلا أنه لا يبدو كذلك. منذ اللحظة التي رأته فيها عيناي، قرَّرت أن أتركه يعتقد أنني رجلٌ غريب. وبمجرد أن تمكَّنت من الإفلات منه باحترام، وضعتُ ستة بنسات في صندوق نفقات الكنيسة وغادرت.

ولكن لماذا؟ لماذا لم أتواصل معه، الآن وقد وجدت أخيرًا شخصًا أعرفه؟

لم أفعل ذلك لأن التغيير في مظهره بعد عشرين عامًا أرعبَني بالفعل. أعتقد أنك تظن أنني أعنى أنه بدا أكبرَ عمرًا، ولكنه لم يكن كذلك! بل بدا أصغر. وقد علَّمَني ذلك فجأةً شيئًا عن مرور الوقت.

أعتقد أن العجوز بيترتون في الخامسة والستين تقريبًا الآن؛ ومِن ثَم فعندما شاهدته آخرَ مرة كان في الخامسة وأربعين تقريبًا، أي في عمري الآن. عندما رأيته الآن، كان شعره أبيض؛ بينما في اليوم الذي دفَن فيه أمي كان مخططًا بالشيب بعض الشيء، كفرشاة الحلاقة. ولكن بمجرد أن رأيته، فأول ما خطر ببالي أنه بدا أصغر. كنتُ أفكر فيه كرجل عجوز، ولكنه لم يكن بذلك الكِبَر. عندما كنت صبيًّا، بدا لي أن كل الناس فوق سن الأربعين عجائزُ قد عفا عليهم الزمن لدرجة أنه لم يكن ثمَّة فرقٌ بينهم؛ فكان يبدو لي الرجل في الخامسة والأربعين أكبر مما يبدو لي الآن وهو في الخامسة والستين. يا إلهي! أنا في الخامسة والأربعين أيضًا! لقد أفزعني الأمر.

كيف أبدو إذن لشابٍّ في العشرين؟ فكَّرت في ذلك وأنا أشق طريقي بين القبور. لا بد أنه يراني كبدين عجوزٍ مسكين ومُنتهٍ. كان ذلك مُثيرًا للفضول. عادةً لا يَشغلني أمر عمري على الإطلاق؛ فلِمَ عليَّ أن أنشغل به؟ أنا بدين، ولكني قويٌّ وبصحة جيدة. ويُمكنني أن أفعل أي شيء أريده، ورائحة الورود تبدو لي كما كانت عندما كنت في العشرين من عمري. أوه، ولكن هل رائحتي لا تزال كما هي بالنسبة للورود؟ وكما لو كانت الإجابة، أتت فتاةٌ لا بد أنها في الثامنةَ عشرة من عمرها تمشي عبر ممر فناء الكنيسة، وكان عليها أن تمر على مسافة ياردة أو ياردتَين بالقرب مني. رأيت النظرة التي رمقَتْني بها، وكانت مجرد نظرة عابرة وخاطفة. لا، لم تكن خائفةً أو عدائيَّة؛ فقط نظرة باردة وبعيدة، كما لو كانت لحيوان برِّي التقَت عيناها بعينَيه. لقد وُلِدت ونشأت في تلك السنوات العشرين التي كنت فيها بعيدًا عن لوير بينفيلد؛ فكلُّ ذكرياتي لا بد أنها لا تعني لها شيئًا، فقد عاشت في عالَم مختلِف عن عالمي، كما الحيوانات.

رجعتُ إلى فندق جورج؛ وأردت أن أحتسيَ مشروبًا، ولكن البار لم يكن ليفتح إلا بعد نصف الساعة. انتظرت قليلًا، وأخذت أقرأ عددًا من العام الماضي من مجلة «سبورتينج آند دراماتيك»، ثم فجأة أتت السيدة ذات الشعر الأشقر، التي بدَت لي أرملة. شعرت فجأة بشوق بائس بأنني أريد أن أُقيم علاقة معها. لقد أردت أن أُظهِر لنفسي أنه ما زال ثمة حياةٌ في كلب عجوز مثلي، حتى وإن اضطُرَّ هذا الكلب العجوز إلى ارتداء طقم أسنان. وفي نهاية المطاف، فكرت أنها إذا كانت في الثلاثين وأنا في الخامسة والأربعين فهذا مناسب جدًّا. كنت واقفًا أمام المدفأة الفارغة أتظاهر بتدفئة مؤخرتي، كما تفعل في أيام الصيف. ولم يكن مظهري سيئًا في بدلتي الزرقاء. كنتُ بدينًا بعض الشيء بلا شك، ولكني كنت رائعًا. كنت رجلًا عصريًّا، ويُمكنك أن تعتقد أنني سمسار في البورصة. قلتُ بأسلوب راقٍ غير رسمي:

«يا له من طقس رائع في شهر يونيو!»

كانت ملاحظةً لا ضررَ منها، أليس كذلك؟ فلم تكن في مستوى «هل قابلتُكِ في مكان ما من قبل؟»

ولكنها لم تكن ناجحة؛ فلم تردَّ عليَّ، فقط خفضَت لما يقرب من نصف ثانيةٍ الورقةَ التي كانت تقرؤها ورمقتني بنظرة من شأنها أن تكسر نافذة. كان ذلك بشعًا. كانت عيناها زرقاوَين من تلك العيون الزرقاء التي ترشق فيك كالرصاصة. في ذلك الجزء من الثانية، أدركتُ كيف كوَّنتُ فكرة خاطئة عنها؛ فلم تكن من تلك النوع من الأرامل من ذَوي الشعر المصبوغ اللاتي يُرِدن أن يذهبن مع الرجال إلى صالات الرقص؛ بل كانت من الطبقة المتوسطة العليا، وربما كانت ابنة أميرال، وقد ذهبت إلى إحدى تلك المدارس التي يلعبون فيها الهوكي. وقد أسأتُ تقدير نفسي أيضًا؛ فببدلة جديدة أو دون بدلة جديدة، لا يُمكنني أن أرقى لمستوى سمسار في البورصة. فقط كنتُ أبدو مندوبَ مبيعات متجولًا صادفَ أن كان معه بعض المال. تسللت إلى البار الخاص لتناول كوبٍ أو كوبَيْن من الجعة قبل العشاء.

اختلفَت الجعة عما كانت عليه في الماضي. أتذكر الجعة القديمة، جعة وادي التيمز الجيدة التي كان لها مذاق مميز؛ لأنها كانت مصنوعة من ماء طباشيري. سألت الساقية:

«هل ما زال آل بسمر أصحاب مصانع الجعة؟»

«آل بسمر؟ أوه، لا يا سيدي. لقد رحلوا منذ سنوات طويلة قبل أن نأتي هنا.»

كانت فتاة لطيفة، من ذلك النوع من الساقيات الذي أُسميه نوع الأخت الكبرى، وكانت في الخامسة والثلاثين تقريبًا، وبوجه لطيف وذِراعَين بدينَين من جراء التعامل مع مِضخَّة الجعة. أخبرتني باسم اتحاد الشركات الذي استولى على مصنع الجعة. وكان بإمكاني تخمينُه من المذاق في الواقع. تغير شكلُ البارات عما كان عليه في الماضي فقد أصبحت دائرية ومقسَّمة إلى أقسام. وفي الجهة الأخرى على البار العام، كان ثمة رجلان يلعبان بالأسهم، وفي القسم الخارجي جلس رجلٌ لم يكن بإمكاني رؤيتُه جيدًا، وكان من حين لآخر يُعلق بصوت كئيب. أسندت الساقية مرفقَيها الكبيرَين على البار واقتربَت مني وأخذت تتحدث معي. ذكرتُ أسماء جميع الأشخاص الذين عرَفتهم، ولكنها لم تكن قد سمعت بأحد منهم؛ إذ قالت إنها لم تأتِ إلى لوير بينفيلد إلا منذ خمس سنين. لم تسمع حتى عن العجوز ترو، الذي كان يملك حانة جورج قديمًا.

قلت لها: «لقد كنت أعيش في لوير بينفيلد، منذ زمن طويل قبلَ الحرب.»

«قبل الحرب! عجبًا! لا تبدو عجوزًا هكذا.»

قال الرجل في القسم الخارجي: «هل ترى أيَّ تغييرات؟»

قلت: «لقد اتسعت البلدة. أعتقد أن ذلك بسبب المصانع.»

«صحيح، بالطبع معظم الناس يعملون في المصانع؛ فهناك مصنع الجرامافون، ومصنع جوارب تروفيت، ولكنهما بالطبع يصنعان القنابلَ في هذه الأيام.»

لم أكن أفهم على الإطلاق لمَ كانت تقول «بالطبع»، ولكنها أخبرَتني عن شاب كان يعمل في مصنع تروفيت وكان في بعض الأحيان يأتي إلى فندق جورج، وقد أخبرها أنهم كانوا يصنعون القنابل مع الجوارب؛ فالاثنان — لسبب ما لم أفهمه — يَسهل الجمعُ بينهما. ثم أخبرَتني عن الميناء الجويِّ العسكري الكبير بجوار وولتن — ما فسَّر رؤيتي المستمرة للطائرات القاذفة للقنابل — وفي اللحظة التالية بدأنا نتحدث عن الحرب كالعادة. إنه لأمر طريف؛ فقد كان تحديدًا الهروب من التفكير في الحرب التي أتيت هنا من أجلها. ولكن كيف يُمكنك الهروبُ على أي حال؟ إنه في الهواء الذي نتنفسه.

قلت إن الحرب ستحدث في عام ١٩٤١، وقال الرجل في القسم الخارجي إنه يُرجح أنها عمل قذر. أما الساقية، فقالت إن الأمر يُصيبها بالقُشَعْريرة؛ وأضافت:

«إن كل ما قيل واتُّخِذ من إجراءات لن يُفيد، أليس كذلك؟ وفي بعض الأحيان أستلقي مستيقِظةً في الليل وأسمع واحدة من تلك الأشياء الكبيرة تسير فوق رأسي، وأقول لنفسي: «حسنًا، ماذا إن قُذِفت الآن قنبلةٌ فوق رأسي مباشرةً؟» ما فائدةُ كلِّ هذه الإجراءات الاحترازية ضدَّ الغارات الجوية وتوجيهات الآنسة تودجرز مراقِبةِ الغارات الجوية، التي تُخبرك أن كل شيء سيكون على ما يُرام إذا أبقيتَ رأسك منخفضًا وملأتَ النوافذ بورق الصحف، وما يقولونه من أنهم سيحفرون ملجأً تحت مبنى البلدية؟ ولكن عندما أنظر للأمر، أتساءل كيف يُمكن أن تضَع قناعَ غازٍ على وجه طفل صغير؟»

قال الرجل في القسم الخارجي إنه قرأ في الصحف أنه سينبغي علينا البقاءُ داخل حمام ساخن حتى ينتهيَ كل شيء. سمع الرجلان في البار العام هذا الكلام، وكان ثمة أحاديثُ جانبية حول عدد الأشخاص الذين يُمكنهم مشاركة الحمام الساخن نفسه، وسأل كلٌّ منهما الساقيةَ ما إذا كان بإمكانه مشاركتُها في حمامها. طلبت منهما ألا يكونا وقِحَين، ثم ذهبت إلى الطرَف الآخر من البار وأعدَّت لهما كوبَين من الجِعَة القديمة والخفيفة. رشَفتُ بعضًا من كوب الجعة خاصتي، وكانت سيئة، مُرة، كما يُطلِقون عليها. وكانت فيها مرارة زائدة عن الحد، وبها مذاقٌ كبريتيٌّ. إنها مصنوعة من موادَّ كيميائية. يقولون إن نباتات حشيشة الدينار الإنجليزية لم تَعُد تُستخدَم في صنع الجعة في هذه الأيام، بل أصبحوا يصنعون منها موادَّ كيميائية، تُستخدَمُ بعد ذلك في صنع الجعة. وجدتُ نفسي أُفكر في عمي إيزيكيال، وفيما كان سيقوله عن جعةٍ كهذه، وماذا كان سيقول عن الإجراءات الاحترازية ضد الغارات الجوية ودِلاء الرمال التي من المفترض أن تتفادى بها القنابل الثرميتية. عندما أتت الساقيةُ مرةً أخرى إلى الجانب الذي كنت أجلس فيه في البار، قلت لها:

«بالمناسبة، مَن يمتلك القصر الآن؟»

كنا دائمًا نُطلِق عليه القصر، على الرغم من أن اسمه كان منزل بينفيلد. للحظةٍ لم تبدُ أنها فهمت.

ثم قالت: «القصر، يا سيدي؟»

قال الرجل في القسم الخارجي: «إنه يعني منزل بينفيلد.»

«أوه، منزل بينفيلد! أوه، أعتقد أنك تعني القصر التذكاري. إنه ملك الدكتور ميرال الآن.»

«الدكتور ميرال؟»

«نعم يا سيدي. يقولون إنه يستقبل أكثرَ من ستين مريضًا هناك.»

«مرضى؟ هل حولوه إلى مستشفًى أو ما شابه؟»

«حسنًا، إنه ليس ما يُمكنك أن تقول عنه مستشفًى عاديًّا، بل هو أقربُ إلى مِصحَّة. إنه للمرضى النفسيِّين في الواقع. يُسمُّونه مصحةً عقلية.»

بيت للمجانين!

ماذا كنت تتوقع بعد كل ذلك؟

٣

استيقظت زاحفًا من على السرير وفي فمي مذاقٌ سيِّئ وعظامي تُصرصِر.

الحقيقة هي أنني، بسبب زجاجة النبيذ على الغداء وأخرى على العشاء، وعدة أكواب من الجعة فيما بين الوجبتَين، إضافةً إلى كوب أو كوبَين من البراندي، كنتُ قد شربت كثيرًا أمس. لعدة دقائق، وقفت في وسط السجادة لا أنظر إلى شيء بالتحديد، وكنت مرهقًا لدرجة لم تُمكِّني من اتخاذ أي حركة. تعرف ذلك الإحساس الكريه الذي تشعر به أحيانًا في الصباح الباكر؛ إنه إحساس بالأساس في ساقَيك، ولكنه يُخبرك جليًّا بما لا تقدر أيُّ كلمات على أن تخبرك به: «لماذا تمادَيت في الأمر؟ توقف أيها الرجل العجوز! ضع رأسك في فرنِ الغاز!»

ثم وضعت طقم أسناني في فمي وتوجهت إلى النافذة. كان، مرة أخرى، يومًا لطيفًا من أيام شهر يونيو؛ وكانت الشمس قد بدأت لتوِّها في الانحدار على الأسقف، وضربت بأشعتها واجهاتِ المنازل في الجانب الآخر من الشارع. لم تبدُ نباتات إبرة الراعي الورديةُ في أواني النوافذ سيئة. وعلى الرغم من أن الساعة لم تكن قد تعدت الثامنة والنصف، ولم يكن هذا الشارع سوى أحد الشوارع الجانبية للسوق، فقد كان هناك حشدٌ من الناس يذهب ويجيء. تدفق الرجال الذين يبدو عليهم أنهم موظَّفون ببدلاتهم الداكنة وحقائب العمل، وكانوا في عجَلة على طول الطريق؛ ساروا جميعًا في الاتجاه نفسه، تمامًا كما لو أن هذه كانت ضاحيةً في لندن وكانوا ينطلقون ليلحقوا بالمترو؛ وكان أطفال المدارس يسيرون دون انتظام باتجاه السوق في أزواج أو مجموعات من ثلاثة أطفال. شعرت بالإحساس نفسه الذي شعرت به أمس حين رأيت غابة المنازل الحمراء، التي ابتلعت تل تشامفورد. الطفيليون اللعناء! العشرون ألف طفيلي الذين لا يعرفون حتى اسمي. وها هي هذه الحياة الجديدة التي تعج بالناس الذين يتحركون هنا وهناك، وها أنا ذا، رجل عجوز وبدين بأسنان اصطناعية، أُشاهدهم من نافذة وأُتمتم بأشياء لا يرغب أحد في سماعها عن أمور حدثَت منذ ثلاثين وأربعين سنة. يا إلهي! اعتقدت أنني كنت مخطئًا عندما ظننتُ أنني كنت أرى أشباحًا؛ فأنا الشبح هنا؛ أنا الميت وهم الأحياء.

ولكن بعد الإفطار — سمك الحَدوق، والكُلى المشوية، والتوست، والمربى، وإبريق من القهوة — شعرت بتحسُّن. لم تكن السيدة الباردة تتناولُ الإفطار في غرفة الطعام، وكان ثمة شعور صيفي لطيف في الأجواء، ولم أتمكَّن من التخلُّص من شعوري بأنني كنت أبدو في تلك البدلة الزرقاء من قماش الفلانيلَّة رائعًا بعض الشيء. يا إلهي! فكرت إن كنت شبحًا، فسأفعل ما يفعله الأشباح! سأتجوَّل، وسأتردَّد على الأماكن القديمة، وربما يُمكنني ممارسة بعض السحر الأسود على بعضٍ مِن هؤلاء الأوغاد الذين سرقوا بلدتي مني.

خرجت، ولم أكَد أتجاوزُ السوق، حتى جذبني شيء لم أكن أتوقع أن أراه. موكب من حوالي خمسين طفلًا من أطفال المدارس، كانوا يمشون في الشارع — على نحوٍ بدا كمِشْية عسكرية — في أربعة أرتال ومعهم امرأة متجهمة تمشي بجوارهم كما لو كانت رقيبًا أولَ. كان أول أربعة يحملون راية بإطار أحمر وأبيض وأزرق، مكتوب عليها بخط ضخم «الإنجليز مستعدون.» خرج الحلَّاق لعتبة متجره الذي يُوجَد على زاوية الشارع كي يُلقي عليهم نظرة. تحدثت معه. كان رجلًا ذا شعرٍ أسود لامع، ووجه فاترٍ بعض الشيء.

سألته: «ما الذي يفعله هؤلاء الأطفال؟»

رد بغموض: «إنهم يتدرَّبون على الغارات الجوية. إن هذا جزءٌ من الإجراءات الاحترازية ضد الغارات الجوية. نوع من التدريب. وها هي الآنسة تودجرز.»

كان لا بد أن أُخمن أنها الآنسة تودجرز؛ إذ يُمكنك أن ترى ذلك في عينَيها. تعرف هذا النوع من الشياطين الصارمين العجائز من ذوي الشعر الأشيب والوجه الأشبه بالسمك المدخَّن، الذين يضَعونهم دائمًا على رأس فِرَق كشَّافة الفتَيات، ونُزل جمعية الشابات المسيحيَّات العالمية، وما إلى ذلك. كانت ترتدي مِعطفًا وتنُّورة فيما بدا نوعًا ما كزِيٍّ رسمي، يُعطيك انطباعًا قويًّا بأنها كانت ترتدي حزامَ سام براون العسكريَّ، على الرغم من أنها في واقع الأمر لم تكن تَرتديه. عرَفت من أي الأنواع من الناس هي. لقد انضمَّت لفيلق الجيش النسائي المساعد، ولم تحظَ بيوم من المرح بعدها. وهذا التدريبُ كان بمثابة ترويحٍ عن نفسِها. عند مُرور الأطفال، سمعتُها تصرخ فيهم تمامًا كما يصرخ الرقيب الأول، قائلةً: «مونيكا! ارفعي قدمَيكِ!» ورأيت أن الأطفال الأربعة في الصف الأخير كانوا يحملون راية أخرى بإطار أحمر وأبيض وأزرق، مكتوب عليها في المنتصف:

نحن جاهزون. فهل أنتم كذلك؟

قلت للحلَّاق: «ما الغرض من سيرهم هكذا ذهابًا وإيابًا؟»

«لا أعلم. أعتقد أنه نوع من أنواع الدعاية.»

عرَفتُ ذلك بالطبع. كان هذا من شأنه فتحُ عقول الأطفال على الحرب، وإعطاؤنا جميعًا الشعورَ بأنه لا مهرب منها؛ فالقنابل آتيةٌ بالتأكيد كما أن الكريسماس آتٍ؛ فانزل إلى القبو ولا تُجادل. كانت طائرتان سوداوان ضخمتان آتيتان من وولتن تُحلِّقان أعلى الطرَف الشرقي للبلدة. يا إلهي! اعتقدت أن الحرب عندما ستبدأ لن نُفاجَأ بها أكثر مما تُفاجِئنا الأمطار؛ فنحن ننتظر بالفعل القنبلةَ الأولى. استأنف الحلَّاق حديثه ليُخبرني أنه بفضلِ جهود الآنسة تودجرز، قُدِّمَت أقنعةُ الغاز لأطفال المدارس بالفعل.

حسنًا، بدأتُ أستكشف البلدة. لقد أمضيتُ فيها يومَين متجولًا حول مَعالمها القديمة، التي تمكَّنَت من التعرُّف على بعضها، وفي كل ذلك الوقت لم أُقابل أحدًا يَعرفني. كنت شبحًا، وإن لم أكن غيرَ مرئيٍّ بالفعل، فقد شعرتُ بذلك.

كان أمرًا غريبًا، أغربَ مِن أن أستطيع وصفَه. هل قرأت من قبل قصةً لإتش جي ويلز عن رجل كان في مكانَين في وقتٍ واحد، أي إنه كان بالفعل في بلدته الأصلية، ولكن كانت لديه هلاوس بأنه في قاع البحر؟ لقد كان يتجول في غرفته؛ ولكن بدلًا من الطاولات والكراسي، كان يرى أعشابَ الماء المتموِّجةَ وأسماك الحبار والسرطانات الضخمة تسعى للحصول عليه. حسنًا، ذلك ما كان عليه الوضعُ تمامًا. لساعات بلا توقُّف، كنت أتجول في عالم لم يكن موجودًا، وكنت أعدُّ خطواتي وأنا أسير على الرصيف وأقول في نفسي: «أجل، هنا يبدأ حقلُ كذا وكذا. السياج يمتدُّ مع الشارع ويمر عبر ذلك المنزل. ومِضخَّة الوقود هذه كانت فيما مضى شجرةَ دردار. وها هي حافة المزارع. وهذا الشارع (الذي كان صفًّا صغيرًا كئيبًا من المنازل شبهِ المنفصلة والذي كان يُسمَّى شارع كمبرليدج، على ما أتذكر) كان الزقاق حيث كنا نذهب مع كيتي سيمونز، وكانت شُجيرات البندق تنمو على جانبَيه.» لا شك أنني أخطأت في المسافات، ولكن الاتجاهاتِ العامةَ كانت صحيحة. لا أعتقد أن أحدًا مِمَّن لم يُولَدوا هنا كان ليُصدِّق أن تلك الشوارع كانت حقولًا فقط من عشرين سنةً مضَت. كان الأمر كما لو أن الريف قد دُفِن بفعل اندفاعٍ بركاني قادم من الضواحي الخارجية؛ فتقريبًا كل ما كان في الماضي أرض العجوز بروير ابتلعته عقاراتُ مساكن البلدية. اختفَت الطاحونة، وجُفِّفَت بِركة الأبقار التي اصطَدتُ فيها سمكتي الأولى ثم رُدِمت وبُنِي عليها، حتى إنني لا يُمكنني أن أعرف أين كانت بالتحديد. كان المكان كلُّه مليئًا بالمنازل؛ مكعبات حمراء صغيرة من المنازل المتشابهة، بأسيجة من الشجيرات ومسارات من الأسفلت تقود إلى الأبواب الأمامية. خلف مبنى البلدية، كانت تَضيق البلدةُ قليلًا، ولكن كان بُناة المنازل الرخيصة يعملون هناك عن كثب. وكانت ثَمة مجموعاتٌ قليلة من المنازل المنتشرة هنا وهناك، حيثما استطاع أحدٌ شراءَ قطعة أرض، وشوارعُ تبدو مؤقتةً تقود إلى المنازل، وأراضٍ خالية عليها لافتات البنَّائين، وبعض الحقول المهجورة المغطاة بالنباتات الشوكيَّة والعُلَب المعدِنية.

من ناحيةٍ أخرى، لم تتغيَّر الأمورُ كثيرًا في وسط البلدة القديمة فيما يتعلَّق بالمباني. ما زالت العديد من المتاجر تعمل في المجال نفسِه، على الرغم من تغيُّر أسمائها. ما زال ليلي وايت متجرًا للقماش، ولكنه لم يبدُ شديد الازدهار. ولكن ما كان متجر جزارة جرافيت أصبح الآن متجرًا لبيع أجهزة الراديو. أما النافذة الصغيرة للأم ويلر، فقد أُغلِقَت بالطوب. وكان متجر جريميت لا يزال متجرًا للبقالة، ولكن استولت عليه الشركة الدولية. يُعطيك ذلك فكرة عن قوة هذه الاتحادات الكبيرة، حيث يُمكنها ابتلاع عجوز بخيل وذكي كجريميت. ولكن مما أعرفه عنه — ناهيك عن شاهد قبره الرائع في مدفن الكنيسة — أُراهن أنه مات وأحواله جيدة ومعه من عشرة إلى خمسةَ عشرَ ألفَ جنيه. المتجر الوحيد الذي كان لا يزال مِلكًا لأصحابه كان متجر آل سارازينز، الذين دمَّروا أبي؛ حيث تطوروا كثيرًا، وأصبح لهم فرع ضخمٌ آخر في الجزء الجديد من البلدة، ولكنهم حولوا نشاط متاجرهم لتُصبح متاجرَ عامة، وأصبحوا يبيعون الأثاث والأدوية والأجهزة والأدوات المعدنية، بالإضافة إلى أدوات الحدائق القديمة.

في أغلب الوقت على مدى يومَين، لم أفعل شيئًا سوى التجوُّل هنا وهناك، ولم أكن أشعرُ بالألم أو الضيق، ولكني تمنَّيت ذلك في بعض الأحيان. كما كنت أتناول الخمر بشكل مبالَغٍ فيه؛ فتقريبًا بمجرد وصولي إلى لوير بينفيلد، بدأت في الإسراف في الشراب، وبعدها لم يبدُ لي أن الحانات تفتح مبكرًا، حيث كان لساني يتدلَّى دائمًا من العطش في النصف الساعة الأخيرة قبل موعد فتحها.

لا تظن أنني كنتُ في ذلك المزاج طوالَ الوقت؛ فأحيانًا كان يبدو لي أنه لا يُهِمني على الإطلاق إن كانت معالمُ لوير بينفيلد قد طُمِسَت. وفي النهاية، ألم يكن السببُ في أنني أتيت إلى هنا هو الهروبَ من عائلتي لبعض الوقت؟ لم يكن ثمة سببٌ يمنعني من القيام بكل الأشياء التي كنت أُريد القيام بها، حتى صيد الأسماك إن شعَرتُ أنني أريد ذلك. لذا، بعد ظهيرة يوم السبت ذهبت إلى متجر لأدوات الصيد في هاي إستريت وابتعت قصبةً مصنوعة من الخيزران (لطالما أردت هذا النوع عندما كنت صبيًّا؛ فهي أحبُّ إليَّ أكثر قليلًا من تلك المصنوعة من أشجار الغار) وخطافات وأحشاء وما إلى ذلك. أبهجَتني أجواء المتجر؛ وعلى الرغم من تغير كل شيء، فلم تتغيَّر أدوات الصيد، بالطبع لأن السمك لا يتغير كذلك. ولم يرَ صاحبُ المتجر شيئًا يدعو إلى الضحك في رجلٍ بدين في منتصف العمر يشتري قصبة صيد؛ بل على العكس، فقد تجاذَبْنا أطراف الحديث قليلًا حول الصيد في نهر التيمز وسمكة الشوب الكبيرة التي اصطادها أحد الأشخاص العامَ قبل الماضي بمعجونٍ مصنوع من الخبز البني والعسل ولحم أرنب مسلوق ومفروم. لقد اشتريت منه أيضًا أشياء أخرى — على الرغم من أنني لم أُخبره بما أُريدها من أجله، وحتى إنني لم أُصرِّح لنفسي بالسبب — لقد اشتريت أقوى خيط لصيد أسماك السلمون لديه، وخطافات رقم خمسة لصيد سمك الرَّوْش، وأنا آمُل في صيد أسماك الشَّبُّوط في منزل بينفيلد في حالة كانت لا تزال موجودة.

قضيتُ معظم صباح يوم الأحد في التفكير في الأمر، هل عليَّ أن أذهب للصيد أم لا؟ كنت في لحظة أقول في نفسي لماذا لا أذهب، وفي اللحظة التالية كان يبدو الأمر لي كأحد الأشياء التي تحلم بها، ولكنك لا تفعلها أبدًا. ولكن بعد الظهيرة أخذتُ السيارة وذهبت إلى بورفورد وير. اعتقدت أنني سأُلقي نظرةً فقط على النهر، وأنني في اليوم التالي، إن كان الطقس جيدًا، ربما سآخذ قصبة الصيد الجديدة، وأرتدي مِعطفًا قديمًا وبنطالًا رَماديًّا من قماش الفلانيلَّة كنت قد جلبتهما معي في حقيبتي، وأقضي يومًا جيدًا في الصيد، وربما ثلاثة أو أربعة أيام إن شعرت أنني أريد ذلك.

قُدت السيارة عبر تل تشامفورد؛ وبالأسفل، استدار الطريق وسار بمحاذاة مسار جر القوارب، فخرجتُ من السيارة ومشيت. أوه! هناك مجموعة من بيوت الطابق الواحد الصغيرة الحمراء والبيضاء ظهرت بجوار الطريق. كان يجب أن أتوقَّع ذلك بالطبع. وبدا أن الكثير من السيارات واقفةٌ في المكان. وكلما اقتربتُ من النهر، كنت أسمع صوتًا، صوت أجهزة الجرامافون.

شعرت بخيبة أمل ووصلت إلى حيث يُمكِنني رؤية مسار جرِّ القوارب. يا إلهي! صدمة أخرى! كان المكانُ محتشِدًا بالناس، وحلَّ محل المروج المائية صالات الشاي والآلات التي تعمل بالعملات المعدنية وأكشاك الحلوى والرجال الذين يبيعون مثلجات وولز. بدا المكان كبلدة مارجيت الساحلية. أتذكَّر مسار جرِّ القوارب القديم؛ حيث كان بإمكانك السير فيه لأميال، وباستثناء الرجال على بوابات الهويس، وسائق صندل من حينٍ لآخر يتسكَّع خلف حِصانه، لم تكن ترى أحدًا. عندما كنا نذهب للصيد، كنا دائمًا ما نكون في المكان وحدنا. وكنت عادةً أجلس هناك طَوال وقتِ ما بعدَ الظهيرة، وكان طائر البَلَشون يقف في الماء الضَّحل، الذي يبعد مسافة خمسين ياردة من الضفة؛ ولثلاث أو أربع ساعات بلا انقطاع، لم يكن ثمَّة أحدٌ يمرُّ ليُفزعه ويُبعده عن مكانه. ولكن مِن أين جئت بفكرة أن الرجال الناضجين لا يذهبون للصيد؟ أعلى وأسفل الضفَّة، على طول نظري في كِلا الاتجاهَين، كانت ثمَّة سلسلةٌ مستمرة من الرجال يصطادون، واحد في كل خمس ياردات. تعجبت كيف تمكَّنوا بحق الجحيم جميعًا من الوصول هناك، حتى خطر ببالي أنه لا بد من أنهم ينتمون إلى نادٍ للصيد أو ما شابه. وكان النهر مكتظًّا بالقوارب، قوارب التجديف، وقوارب الكنو، وقوارب البنط، والقوارب البخارية ذات المحرِّكات، التي كانت مليئة بالشباب الأحمق شبه العُراة، الذين جميعهم يصرخون ويصيحون ومعظمُهم معهم أجهزة الجرامافون على متن القارب كذلك. أما طوافات الرجال المساكين، الذين كانوا يُحاولون الصيد، فكانت تتأرجح لأعلى وأسفل بسبب الأمواج التي تتسبب فيها القوارب ذاتُ المحركات.

تمشيت قليلًا. كانت المياه قذرةً وأمواجها الصغيرة متلاطمة؛ على الرغم من الطقس الجيد. لم يكن أحدٌ يصطاد شيئًا، ولا حتى سمك المنوة. تساءلت إن كانوا يتوقعون أن يصطادوا شيئًا؛ فحشدٌ كذلك كفيلٌ بإخافة كل الأسماك في الكون. ولكن بالفعل عندما كنتُ أشاهد الطوافات تتأرجح لأعلى وأسفل بين عُلَب المثلجات والأكياس الورقية، انتابني شك فيما إذا كانت هناك أيُّ أسماك لاصطيادها. هل لا يزال ثمة سمكٌ في نهر التيمز؟ أعتقد أنه لا بد أن السمك لا يَزال في النهر، ولكني أُقسم إن مياهَ النهر لم تَعُد كما كانت بالماضي؛ فلونها قد تغيَّر كثيرًا. بالطبع تعتقد أن هذا من نسج خيالي فحَسب، ولكني يُمكنني أن أقول لك إنه ليس كذلك. أعلم أن الماء قد تغير؛ إذ أتذكر كيف كانت مياه نهر التيمز خضراءَ شفَّافة، حتى إنه كان يُمكنك رؤية ما في أعماقها، كما كان يُمكنك رؤية أسراب سمك الدَّاس وهي تحوم حول قصبات العشب. أما الآن، فلا يُمكنك الرؤية لثلاث بوصات أسفل المياه؛ فقد أصبحت بالكامل بُنيَّة ومتسخة، مع طبقةٍ من الزيت عليها من القوارب ذات المحركات، ناهيك عن أعقاب السجائر والأكياس الورقية.

بعد قليل، بدأتُ أعودُ أدراجي إلى السيارة؛ فلم أستطع تحمُّلَ ضوضاء أجهزة الجرامافون. فكرت أن الوضع كان كذلك لأننا كنا في يوم الأحد، وربما لا يكون بهذا السوء في أيام العمل. ولكن على كل حال، عرَفت أنني لن أرجع إلى هناك أبدًا. لعنهم الله، فليحتفظوا بنهرهم اللعين. واعتقدت أنني أينما ذهبت للصيد، فلن يكون في نهر التيمز.

مرت الحشود عليَّ. حشود من الأغراب، وكلهم تقريبًا من الشباب. فِتية وفَتيات يتنزهون معًا في أزواج. مرت عليَّ كذلك مجموعةٌ من الفتيات، يرتدين سراويلَ تتسع تدريجيًّا من تحت الرُّكبة حتى الأسفل وقبعات بيضاء كالتي يرتدونها في البحرية الأمريكية، وكان عليها شعارات مطبوعة. كانت إحداهن، لا بد أنها كانت في السابعة عشرة من عمرها، ترتدي قبعة مكتوبًا عليها «قبِّلْني إذا سمحت». لم أكن لأُمانع. قرَّرتُ فجأةً أن أنحرف عن الطريق وأذهب لأزِنَ نفسي على إحدى الآلات التي تعمل بالعملات المعدنية. كان في مكانٍ ما داخلَها صوتُ نقر — تعرف تلك الآلات التي تُخبرك بطالَعِك ووزنِك في الوقت نفسه — وخرجت بطاقة مكتوبة على الآلة الكاتبة مُنزلِقة منها، وكان فيها:

«أنت تمتلك ملَكاتٍ استثنائيةً، ولكن بسبب تواضعك المفرِط لم تَحصُل قطُّ على مكانتك اللائقة. الناس من حولك يُقلِّلون من شأن قدراتك. أنت مُولَع للغاية بالتنحي جانبًا والسماح للآخرين بنَيل التقدير على ما فعلته بنفسك. أنت حساس، وودود، ودائم الإخلاص لأصدقائك. وأنت جذَّاب للغاية للجنس الآخر. عيبك الأكبر هو كرمك. ثابر، لأنه سيرتفع شأنك!

الوزن: ثلاثة وتسعون كيلوجرامًا، وتسعمائة جرام.»

لاحظت أن وزني قد زاد كيلوجرامَين في الأيام الثلاثة الماضية. لا بد أن ذلك بسبب الإسراف في الشرب.

٤

قُدت سيارتي رجوعًا إلى فندق جورج، ووضعت السيارة في موقف السيارات، وتناولت كوبًا من الشاي. ولأننا كنا في يوم الأحد، فلن يُفتَح البار قبل ساعة أو ساعتَين. وفي برودة المساء، خرجت وتنزَّهت في اتجاه الكنيسة.

بينما كنتُ أمر على السوق، لاحظتُ امرأة تسير أمامي على بُعد أمتار قليلة. وبمجرَّد أن لمحَتْها عيناي، شعرت بإحساس شديدِ الغرابة بأنني قد رأيتها في مكانٍ ما من قبل. أنت تعرف ذلك الإحساس. لم أتمكَّن من رؤية وجهها، بالطبع، ولم أتعرَّف على شخصيتها من الخلف، ولكنني يُمكنني أن أُقسم إنني كنتُ أعرفها.

ذهبت إلى هاي إستريت، ودخلتُ أحد الشوارع الجانبية على اليمين، حيث كان متجر عمي إيزيكيال. تبِعتُها، ولم أكن أعلم لماذا بالتحديد، جزء من ذلك كان بسبب الفضول، ربما، وجزء آخرَ كنوعٍ من الاحتياط. أول شيء فكرت فيه هو أنني قد وجَدت أخيرًا شخصًا أعرِفه من أيامي الخوالي في لوير بينفيلد، ولكن في اللحظة نفسها خطر ببالي أنها من الممكن أن تكون من غرب بلتشلي؛ وإن كان الأمر كذلك، فعَليَّ أن أتوخَّى الحذر؛ لأنها إن اكتشفت أنني هنا فلربما أخبرَت هيلدا. لذلك تبعتها بحذر شديد، مع الحفاظ على مسافة آمنة وتفحصها من الخلف قدرَ ما استطعت. لم يكن ثمة شيءٌ لافتٌ للنظر فيها. كانت طويلةً بعضَ الشيء، وبدينةً بعض الشيء، وربما كانت في الأربعين أو الخمسين من عمرها، وكانت ترتدي فستانًا أسودَ رثًّا للغاية. ولم تكن ترتدي قبعة، كما لو كانت قد خرجَت من منزلها لوقت قصير فقط، والطريقة التي كانت تسير بها تُعطيك انطباعًا بأن كعب حذائها بالٍ. إجمالًا، كان منظرها قذرًا ومبتذَلًا بعض الشيء. ولكن لم يكن ثمة شيءٌ مميز فيها يُمكنني منه التعرفُ عليها، فقط ذلك الشيء الغريب الذي عرَفت أنني قد رأيته من قبل. ربما كان شيء في حركاتها. وصلت أخيرًا إلى متجر صغير للحلوى والورق، ذلك النوع من المتاجر الصغيرة التي تظل مفتوحة دائمًا يوم الأحد. وكانت المرأة صاحبةُ المتجر واقفة على عتبة الباب تفعل شيئًا حِيالَ حامل البطاقات البريدية. وقفت المرأة التي أتبعها لتخوضَ معها محادثة قصيرة.

وقفتُ أنا أيضًا بمجرد أن وجدتُ نافذة أحد المتاجر التي يُمكنني التظاهرُ بأنني أنظر إليها. كانت نافذةَ متجر سبَّاك ومزخرف، وكانت مليئةً بنماذج من ورق الحائط ولوازم تجهيزات الحمامات وما إلى ذلك من الأشياء. في ذلك الوقت، لم أكن إلا على بُعد خمس عشرةَ ياردة من المرأتَين. وقد تمكنتُ من سماع صوتهما وهما تتحدَّثان في واحدة من تلك المحادَثات غير ذات المعنى التي تخوضها النساء عندما يتجاذَبْن أطراف الحديث. «أجل، هذه دعابة. تلك دعابة بالتأكيد. قلت له: «عجبًا، ماذا كنت تتوقع غير ذلك؟» لا يبدو الأمر جيدًا، أليس كذلك؟ ولكن ما الفائدة، فكما لو أنكِ تتحدَّثين إلى حجَر. يا للعار!» وما إلى ذلك. كان الجو يزداد دفئًا. من الواضح أن المرأة التي كنتُ أتبعها كانت زوجةَ صاحب متجر صغير، كالمرأة الأخرى. كنت أتساءل عما إذا كانت من الناس الذين كنتُ أعرفهم في لوير بينفيلد، عندما استدارَت تقريبًا نحوي ورأيت ثلاثة أرباع وجهِها. يا إلهي! إنها إلسي.

أجل، كانت إلسي. لا سبيل للخطأ. إلسي! تلك الشمطاء البدينة!

صُدِمت بشدَّة — ليس لرؤية إلسي، ولكن لرؤيتي لها على تلك الحالة التي أصبحَت عليها عندما كَبِرَت — لدرجة أنه للحظةٍ تجمعَت أمام عينَيَّ الأشياء؛ الصنابيرُ النُّحاسية والصمَّامات الكروية وأحواضُ البورسلين وغيرها، والتي أخذَت تَخفُت وتبعد، حتى أصبحتُ أراها ولا أراها. وللحظةٍ كذلك، كنت في ذعر مميت من أن تتعرف عليَّ؛ ولكنها نظرَت جيدًا إلى وجهي ولم يبدُ عليها أيُّ شيء. بعد لحظة أخرى، استدارت ومشَت. تبعتُها مرة أخرى. كان الأمر خطيرًا، فقد تعرف أنني أتبعها، وقد يثير ذلك تساؤلها عمَّن أكون، ولكنني كنت أريد فقط أن أُلقي نظرة أخرى عليها. الحقيقة كانت أنها كان لها وقعٌ مروِّع عليَّ. ويُمكِنني القولُ إنني كنت أُشاهدها قبل ذلك، ولكنني أُشاهدها بعينَين مختلفتَين تمامًا الآن.

كان الأمر مروِّعًا، ولكنني توصَّلت إلى استنتاجات عمَلية كثيرةٍ من تفحصها من الخلف. إنه لمن المرعبِ ما قد تفعله أربعٌ وعشرون سنةً في أيِّ امرأة. فقط أربع وعشرون سنةً والفتاةُ التي كنت أعرفها، ببشَرتِها التي كانت في بياض الحليب وفَمِها الأحمر وشعرها الذهبيِّ الفاتح، تُصبح عجوزًا شمطاء بكتفَين عريضتين مستديرتين، تمشي مُتثاقِلةً بكعبَين ملتويَين. جعلني ذلك أشعر بسعادةٍ تامة أنني رجل، فلا يتحطَّم رجلٌ بالكامل أبدًا ليُصبح هكذا. أعلم أنني بدين، وأن شكلي سيئ، إن أردت القول؛ ولكن على الأقل لي شكل. أما إلسي، فلم تكن حتى بدينة، بل كانت فقط بلا شكل. لقد حدثَت تغيراتٌ مروِّعة في وركَيها. أما خصرها، فقد اختفى. لقد تحولَت إلى ما يُشبه أسطوانة متكتلة طريَّة، ككيس من الطحين.

تبعتُها لمسافة طويلة؛ إلى خارج البلدة القديمة وعبر العديد من الشوارع الوضيعة الصغيرة التي لم أكن أعلمها. وأخيرًا، وصلت إلى عتبة متجرٍ آخر. ومن الطريقة التي دخلَت بها المتجر، كان من الواضح أنه متجرها. توقفتُ للحظة خارج النافذة. كان مكتوب على اللافتة: «جيه كوكسون، حلواني ودخاخني» إذن، كانت إلسي السيدة كوكسون. كان متجرًا صغيرًا ورثًّا، ويُشبه إلى حد كبير المتجرَ الذي توقفتُ عنده من قبل، ولكنه كان أصغرَ وأكثر تلوثًا بكثير. لم يبدُ أنه يبيع أي شيء سوى التبغ وأرخص أنواع الحلوى. فكَّرت فيما يُمكنني أن أشتريَه وأستغرِقَ في شرائه دقيقةً أو دقيقتَين، ثم رأيت رفًّا من الغلايين الرخيصة في النافذة، ثم دخلت. كان عليَّ أن أستجمعَ شجاعتي قليلًا قبل أن أدخل؛ لأنني كنت سأحتاج إلى افتعال بعضِ الأكاذيب إن تعرفَت عليَّ بالصدفة.

اختفَت في الغرفة الخلفية للمتجر، ولكنها رجعَت عندما نقرتُ على طاولة البيع. إذن، قد أصبحنا الآن وجهًا لوجه. يا إلهي! لم تُبدِ أي إشارة على أنها تعرفني. لم تتعرف عليَّ. فقط نظرَت إليَّ بالطريقة نفسِها التي ينظر بها هؤلاء — تعرف الطريقةَ التي ينظر بها أصحاب المتاجر الصغيرة لزبائنهم — نظرة تنمُّ عن فقدان اهتمام تام.

كانت المرة الأولى التي أرى فيها وجهها بالكامل، وعلى الرغم من أنني كنت أتوقع بعض الشيء ما رأيتُه، فقد صدمَني ذلك تقريبًا بالقدر الكبير نفسه الذي صُدِمت به في اللحظة الأولى التي تعرَّفتُ فيها عليها. أظن أنك عندما تنظر إلى وجهِ شخص صغير في السن، حتى لو كان طفلًا، فلا بد أنك تستطيع توقُّعَ شكلِه عندما يكبر؛ فالأمر كله يعتمد على شكل عظامِ الوجه. ولكن إن كان قد حدث لي قط، عندما كنت في العشرين وكانت هي في الثانية والعشرين، أنْ فكَّرت في شكل إلسي في السابعة والأربعين، فلم يكن ليخطر في بالي قط أنها قد تبدو بذلك الشكل أبدًا. إنَّ وجهها كله قد تدلَّى، كما لو أن أحدًا سحبه بطريقةٍ ما لأسفل. هل تعرف هذا النوع من النساء في منتصف العمر اللاتي لديهن وجوهٌ تُشبِه تمامًا وجوه كلاب البولدوج؟ الفك البارز الضخم، والفم المتهدل لأسفل، والعينان الغائرتان، بجيبَين أسفلهما. تمامًا ككلب البولدوج. ولكنه ما زال الوجهَ نفسَه، ويُمكنني أن أُميزه من بين ملايين الوجوه. أما شعرها، فلم يُغطِّه الشيب بالكامل، بل كان بلونٍ باهت، وقد فقدتُ منه الكثير. لم تعرفني عندما رأتني؛ فلم أكن بالنسبة لها سِوى زبونٍ وغريب ورجلٍ بدينٍ غير مثير للاهتمام. من الغريب ما قد تفعله بوصةٌ أو بوصتان من الدهون في شكل المرء. تساءلت إن كنت قد تغيرتُ أكثرَ مما تغيرَت، أم أن الأمر وما فيه أنها لم تكن تتوقَّع أن تراني، أم — وهو ما كان الأرجح — أنها ببساطةٍ قد نسيت أمر وجودي تمامًا.

قالت بتلك الطريقة الكسولة لأصحاب المتاجر: «مساء الخير.»

قلتُ بفُتور: «أريد غليونًا من خشب أشجار الورد البري.»

«غليون. حسنًا، دعني أرى. أعلم أن لدينا بعضَ الغلايين في مكان ما. حسنًا، أين؟ آه! ها هي.»

أخذَت صندوقًا من الورق المقوَّى مملوءًا بالغلايين من مكان ما أسفلَ طاولة البيع. يا للسوء الذي أصبحَت عليه لهجتُها! أم هل تُراني أتخيل فقط ذلك؛ لأن معاييري قد تغيرَت؟ ولكن لا، فقد كانت شديدةَ «الرقي»؛ فكلُّ الفتيات في ليلي وايت كنَّ شديدات «الرُّقي»، وكانت عضوة في حلقة قراءة راعي الكنيسة. أُقسم إنها لم تكن تُسقِط قط بعضَ الحروف في كلامها. من الغريب كيف يتدهور الحال بهؤلاء النساء بمجرد زواجهن. عبثتُ في الغلايين قليلًا وتظاهرتُ بالنظر فيها، ثم في النهاية قلتُ إنني أريد غليونًا بمبسم كهرماني.

«كهرماني؟ لا أعرف إن كان لدينا أي …» ثم استدارَت في اتجاه الجزء الخلفي من المتجر، وقالت: «جورج!»

إذن، كان اسم الرجل الآخر الواقف في المتجر جورج أيضًا. ثم سمعتُ ضوضاءً آتية من الجزء الخلفي من المتجر.

«جورج! أين وضعتَ صندوق الغلايين الآخر؟»

أتى جورج، وكان رجلًا بدينًا وقصيرًا، يرتدي قميصًا دون أيِّ شيء فوقه، وكان ذا رأس أصلع وشارب كبير بلون الزنجبيل يُغطِّي كثيرًا من شَفتِه العلوية. وكان فكُّه يتحرك ويَمضغُ شيئًا؛ فكان مِن الواضح أنها قد قاطعَته في وسط تناوُلِه للشاي. بدأ الاثنان في البحث في أرجاء المتجر عن صندوق الغلايين الآخر. وقد مرَّت خمسُ دقائق تقريبًا قبل أن يجداه خلف بعض زجاجات الحلوى. من المدهش كمية الركام التي يُكدِّسونها في هذه المتاجر الصغيرة القذرة، بينما لا تتعدَّى قيمةُ مخزونهم كلِّه ما يقرب من خمسة جنيهات.

شاهدتُ العجوز إلسي وهي تندسُّ بين الركام وتُتمتِم مع نفسِها. هل تعرف تلك الحركاتِ المتثاقلةَ للأكتاف المستديرة التي تصدر عن النساء العجائز عندما يفقدن شيئًا؟ لا فائدة من أن أشرح لك ما كنت أشعر به؛ فقد كان شعورًا باردًا وشديدَ الكآبة. لا يُمكنك فَهمُه إلا إذا جرَّبتَه. كل ما يُمكنني قوله هو إن كانت هناك فتاةٌ كنت تهتمُّ بأمرها من نحو خمس وعشرين سنة، فلتذهَب وتُلقي نظرة عليها الآن، فلربما حينها ستعلم ما أشعر به.

ولكن، في الحقيقة، الفكرة الأساسية التي كانت في ذهني كانت مدى اختلاف الأشياء عمَّا تتوقع أن تكون عليه. يا له من وقتٍ ذلك الذي أمضيته مع إلسي! ويا لها من ليالٍ في شهر يوليو تلك التي قضيتها معها أسفلَ أشجار الكستناء! ألا تعتقد أن ذلك يُخلِّف بعض الأثر وراءه؟ من كان يُفكر أن وقتًا سيأتي وليس بيننا أي شعور من أي نوع؟ ها أنا هنا وها هي كذلك، جسمانا قد لا يبعدان سوى ياردة واحدة عن بعضهما البعض، ولكننا كنا مجردَ غريبَين كما لو أننا لم نلتقِ قط. أما هي، فلم تتعرَّف حتى عليَّ. وإن كنت قد أخبرتها بمن أكون، فمن المحتمل جدًّا ألا تتذكَّرني. وإن كانت قد تذكرَتني، فبمَ كانت ستشعر؟ لا شيء. ربما لم تكن حتى لتغضب لأنني عاملتُها بطريقة سيئة. كان الأمر برُمته كأن لم يحدث قط.

ومن جهة أخرى، من كان يتوقع يومًا أن إلسي ستُصبح بهذا الحال؟ لقد بدَت من ذلك النوع من الفتيات المقدَّرِ لهن أن ينتهين نهايةً سيئة. أعلم أنها عرَفَت رجلًا على الأقل قبل أن أُقابلها، ومن المؤكد أنها عرَفت رجالًا آخرين بين معرفتي ومعرفة جورج الآخر. ولن أتعجب إن علمت أنها كانت تعرف العديد منهم في وقت واحد. لقد عاملتها معاملة سيئة، لا شك في ذلك، وفي كثير من الأحيان كان ذلك يُؤرِّقني؛ إذ كنت أتخيل أنه سينتهي بها الحال في الشوارع، أو أنها ستنتحر بوضع رأسها في فرن الغاز. وفي بعض الأحيان، كنت أشعر أنني كنت وغدًا بعض الشيء، ولكن في أحيان أخرى كنت أعتقد (وهو ما كان صحيحًا للغاية) أنني إن لم أكن قد تركتها لكان أحد غيري فعل ذلك. ولكنك ترى المنوال الذي تسير عليه الأمور، ذلك المنوال غير ذي المعنى الكليل؛ فكم من امرأة قد انتهى بها الحال بالفعل في الشوارع؟ العديد منهن قد انتهى بهن الحال مشوهات. لم يَسُؤ بإلسي الحال، ولم يكن جيدًا كذلك؛ فقط انتهى بها الحال كالجميع، امرأة عجوز بدينة تُدير متجرًا قذرًا وصغيرًا، مع زوج ذي شارب بلون الزنجبيل يُدعى جورج. وربما كان لديها الكثير من الأطفال كذلك. السيدة جورج كوكسون التي عاشت محترمة وستموت مأسوفًا عليها، وقد تموت قبل حُكم المحكمة بالإفلاس، إن كانت محظوظة.

كانا قد وجدا صندوق الغلايين. وبالطبع لم يكن أيٌّ منها بمبسم كهرماني.

«لا أعتقد أن لدينا أيَّ قطع كهرمانية في الوقت الحاليِّ يا سيدي. ولكن لدينا بعض القطع من المطاط الصلد.»

قلت: «أريد مبسمًا كهرمانيًّا.»

قالت: «لدينا غلايينُ جيدة هنا.» ثم أخرجَت غليونًا من الصندوق وقالت: «ذلك غليون جيد، وثمنه نصف كروان.»

أخذتُه، وتلامسَت أصابعنا؛ ولكن بلا إحساس أو ردَّة فعل، فجِسمانا لا يتذكر كلٌّ منهما الآخر. أظن أنك تعتقد أنني سأشتري الغليون، فقط من أجل الأيام الخوالي، كي أعطي إلسي نصف كراون، ولكن لا شيء من هذا قد حدث، فأنا لم أكن أريده، فأنا لا أُدخن الغليون، ولم أُرِد سوى ذريعةٍ أدخلُ بها المتجر. لذا، قلَّبتُه بين أصابعي ثم وضعته على طاولة البيع، وقلت:

«لا يُهم، أنا لا أريده. أعطني علبة سجائر صغيرةً من ماركة بلايرز.»

كان عليَّ أن أشتريَ شيئًا بعد كل تلك الجلَبة. سحَب جورج الثاني، أو ربما الثالثُ أو الرابع، علبةَ سجائر بلايرز، وكان لا يزال يمضَغ شيئًا أسفلَ شاربه. كان بإمكاني أن أرى أنه كان عابسًا؛ لأنني اضطررتُه إلى ترك شايه لا لأجل شيء يُذكَر. ولكنه بدا من السخيف للغاية أن أُضيِّع نصف كراون. خرجت، وكانت هذه آخرَ مرة على الإطلاق أرى فيها إلسي.

رجعت إلى فندق جورج وتناولتُ العشاء. بعد ذلك، تفتَّق ذهني عن فكرة غريبة وهي أن أذهب إلى إحدى دُور السينما، إن كانت مفتوحة، ولكني انتهى بي المطاف بدلًا من ذلك في إحدى الحانات الصاخبة الكبيرة في الجزء الجديد من البلدة. قابلتُ هناك رجلَين من ستافوردشير، كانا مندوبَي مبيعات متجولَين وكانا يبيعان الأدواتِ المعدنية، وتحدثنا عن حالة التجارة، ولعبنا بالأسهم، وتناولنا جِعةَ الجينيس. وعندما حان وقتُ إغلاق الحانة، كان الاثنان قد أسرفا في الشرب لدرجة أنني اضطُرِرت إلى مُرافقتهما للمنزل في سيارة أجرة، ولم أكن على ما يُرام بعض الشيء أنا الآخر؛ وفي الصباح، استيقظتُ ورأسي أثقلُ من أي وقت مضى.

٥

ولكن كان عليَّ أن أرى البِركة في منزل بينفيلد.

شعرت بأنني في حالةٍ شديدة السوء في ذلك الصباح. الحقيقة كانت أنني منذ أن وصلت إلى لوير بينفيلد وأنا أشرب باستمرار تقريبًا منذ موعدِ فتح الحانات وحتى موعد إغلاقها كل يوم. السبب، الذي لم أكتشفه إلا في هذه اللحظة، هو أنه لم يكن ثمةَ شيءٌ آخرُ يُمكن أن أفعله في الواقع. هذا ما كانت عليه رحلتي حتى ذلك الحين، ثلاثة أيام من الإسراف في الشرب.

وكما فعلت تمامًا في الصباح الفائت، استيقظت زاحفًا من على السرير، واتجهت إلى النافذة حيث شاهدتُ الرجال في القبعات المستديرة، والأطفال في قبعات المدارس يمشون على عجَل هنا وهناك. أعدائي، هكذا رأيتهم. ذلك الجيش الغازي الذي نهَب البلدة وغطَّى أنقاضها بأعقاب السجائر والأكياس الورقية. تعجَّبت من اهتمامي بالأمر. لعلك تعتقد أنني إن كنت قد صُدِمت من اكتشافي أن لوير بينفيلد قد ابتُلِعَت وغدَت ما يُشبه ضاحيةَ داجنهام؛ فإن ذلك فقط لأنني لم أُرِد أن أرى الأرض تمتلئ بالناس والريف يتحول إلى حضَر. ولكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق؛ فلا أُمانع نمو البلدات، ما دامت تتطوَّر وليس فقط تتوسع كمرَق اللحم على غِطاء مائدة. أعلم أن الناس لا بد لهم من أماكنَ ليعيشوا فيها، وأنه إن لم يكن أحدُ المصانع في مكان ما فسيكون في مكانٍ آخر. أما عن الأشياء الريفية الزائفة، من ألواح البلوط والصحون من البيوتر وأوعية تدفئة الأسرَّة النُّحاسية وما إلى ذلك، فإنها لا تُشعرني إلا بالغثيان في الواقع. أيًّا ما كنا في الماضي، فلم يكن لدينا كل هذا؛ فلم تكن أمي ترى قطُّ أيَّ معنًى في امتلاك التحف التي ملأ بها ويندي منزلنا. ولم تكن تُحب الطاولات القابلةَ للطي، كانت تقول إنها «تُطبِق على السيقان». أما عن صحون البيوتر، فما كان لها أن تقتني أيًّا منها في منزلها، وكان تقول عنها إنها «أشياء مَلْساء كريهة». ولكن، ولتَقُل ما شئت، كان لدينا شيءٌ في تلك الأيام ولم يَعُد موجودًا الآن، شيء ربما لا يُمكِنك الحصول عليه في حانة عصرية للوجبات السريعة من منتجات الألبان حيث تستمع للراديو. وقد عدت للبحث عنه، ولكني لم أَجِده. وما زلت بشكل ما أعتقد في ذلك الشيء حتى الآن، وأنا لم أضَع طقم أسناني بعد وكان بطني يتوجَّع في احتياجٍ إلى قرص أسبرين وكوب من الشاي.

جعَلَني ذلك أُفكِّر ثانيةً في بِركة منزل بينفيلد. بعد أن رأيت ما فعَلوه في البلدة، انتابني شعور لا يُمكنك وصفُه إلا بالخوف من الذَّهاب ورؤية ما إذا كانت البركة ما زالت موجودة. ولربما كانت موجودة، لم أكن أعلم. كانت البلدة ترزح أسفل الطوب الأحمر، وكان منزلنا مليئًا بالخردة التي جلبتها ويندي، وكان نهر التيمز مُسممًا بزيت المحركات والأكياس الورقية. ولكن ربما كانت البركة لا تزال هناك، وربما كان لا يزال يعوم في أرجائها ذلك السمك الأسود الكبير. ربما كذلك كانت لا تزال مختبئة في الغابة ولم يكتشفها أحدٌ منذ ذلك اليوم وحتى الآن. كان ذلك ممكنًا جدًّا؛ إذ كانت الغابةُ التي أخفَتْها كثيفةً للغاية، وكانت مليئة بشجيرات العُلَّيق والأيكات المتعفنة (تراجعت أشجار الزان مفسِحةً الطريقَ لأشجار البلوط، ما جعل الشجيراتِ الناميةَ تحت الأشجار أكثرَ سُمكًا)، ولا يهتم معظم الناس بمكان كهذا. ولكن حدثت أشياء أكثر غرابة.

لم أبدأ الرحلة إلى هناك إلا في وقت متأخر من بعد الظهيرة؛ فلا بد أن الساعة كانت الرابعة والنصف تقريبًا عندما أخذت السيارة وقُدتها إلى طريق أبر بينفيلد. وفي منتصف الطريق صعودًا إلى التل، أخذَت المنازل تتضاءل ثم اختفت، وبدأت أشجار الزان في الظهور. هناك تشعب الطريق، وأخذتُ الجهة اليمنى قاصدًا الانعطاف والرجوع إلى منزل بينفيلد على الطريق. ولكني توقفت بعد لحظة لأُلقيَ نظرة على الأجمة التي كنتُ أقود سيارتي عبرها. لقد بدَت أشجار الزان كما كانت من قبل تمامًا. يا إلهي، كيف تكون كما كانت في الماضي؟! تركت السيارة في مساحة بها قليل من العشب بجوار الطريق، أسفل ركام من الطباشير، وخرجت منها وتمشيت. كان المكان كما كان تمامًا، بنفس الهدوء، وبنفس الطبقات الكبيرة من أوراق الشجر التي تُصدِر حفيفًا، التي يبدو أنها تَزيد من سنةٍ لأخرى دون أن تتعفن. والمكان ليس فيها كائنٌ سوى الطيور الصغيرة على أعالي الأشجار التي لا يُمكنك رؤيتها. لم يكن من السهل التصديق أن الضوضاء الصاخبة للبلدة كانت على بُعد ثلاثة أميال فقط من هنا. بدأت أشق طريقي عبر الأجمة الصغيرة، في اتجاه منزل بينفيلد؛ وتمكَّنت على نحو غامض من تذكر المسارات هناك. يا إلهي! أجل! ها هو التجويف الطباشيري نفسه؛ حيث كانت تذهب مجموعة اليد السوداء ويلعبون بمراجمهم، وحيث أخبرَنا سيد لوفجروف كيف تُولَد الأطفال، وحيث كان اليوم الذي اصطدت فيه سمكتي الأولى قبل ما يقرب من أربعين سنة مضت!

عندما قلَّت الأشجار مرة أخرى، كان بإمكانك أن ترى الطريق الآخر وسورَ منزل بينفيلد. كان السور الخشبي القديم المتعفن قد أُزيل، بالطبع، وقد بنَوْا سورًا عاليًا من الطوب بنتوءات معدِنية أعلاه، كما قد تتوقع أن ترى حول مستشفًى للأمراض العقلية. احترت لبعض الوقت في كيفية الدخول إلى منزل بينفيلد، حتى خطر ببالي في النهاية أن أقول لهم إن زوجتي كانت مجنونة وإنني كنت أبحث عن مكان لأضعَها فيه. بعد ذلك، سيكونون مستعدِّين تمامًا لأخذي في جولة في المكان. وربما كنت في بدلتي الجديدة أبدو ثريًّا بما يكفي لأن تكون لديَّ زوجة في إحدى المصحَّات العقلية الخاصة. لم يخطر في بالي أن أُفكر فيما إذا كانت البركة لا تزال في مكانها حتى وصلتُ بالفعل إلى البوابة.

كانت الأراضي القديمة لمنزل بينفيلد على مساحة خمسين فدانًا، على ما أعتقد، بينما كانت أراضي مستشفى الأمراض العقلية لا تتعدى خمسة أو عشرة فَدادين. ولم يكونوا في حاجة إلى بِركة كبيرة من الماء كي يُغرِق فيها المرضى النفسيون أنفسَهم. أما الكوخ الذي كان يسكن فيه العجوز هودجز، فكان كما هو، ولكن الجدار الأصفر من الطوب والبوابات الحديدية الضخمة كانت جديدة. لم أعرف المكان بالنظر إليه عبر البوابات؛ فقد رأيت مساراتٍ مُغطاةً بالحصى، وأحواضَ زهور، ومروجًا، وبعض الأشخاص الذين يتجوَّلون بلا هدف، المرضى النفسيين، على ما أعتقد. أخذت الطريق إلى اليمين. كانت البركة — البركة الكبيرة، التي كنتُ أصطاد فيها — على بُعد بضعة مئات الياردات خلف المنزل؛ فلا بد أنني قد مشيت مائة ياردة قبل أن أصل إلى جانب السور، ومِن ثَم فالبركة خارجَ أراضي المستشفى. بدأ سُمك الأشجار يقل، وكان بإمكاني سماعُ أصوات أطفال. يا إلهي! لقد كانت البركة موجودة.

وقفتُ للحظةٍ، متسائلًا عما حدث لها. ثم عرَفتُ ما حدث؛ فكل الأشجار لم تعد موجودة حول حافَتِها، وبدا كل شيء عاريًا ومختلفًا، في الحقيقة بدَت على نحو مدهش كالبركة المستديرة في حدائق كينزينجتون. كان الأطفال يلعبون في كل مكان حول حافة البركة، وكانوا يركبون قواربَ شراعيةً وقواربَ تجديفٍ، وكان هناك أيضًا بعض الأطفال الأكبر سنًّا يندفعون في قوارب الكنو الصغيرة التي تقودها بتدوير المقبض. على اليسار، حيث كان قديمًا مصفُّ القوارب المتعفِّن القديم، كان ثمة ما يُشبه السُّرادِقَ وكُشكٌ للحلوى، ولافتة بيضاء كبيرة مكتوب عليها «نادي أبر بينفيلد النموذجي لليخوت».

نظرت إلى اليمين، فكان المكان كله منازل. لا بد أنني كنت في الضواحي الخارجية؛ فكل الأشجار التي كانت تنمو وراء البِركة، والتي نمَت على نحو شديدة الكثافة حتى بدت كغابة استوائية، قد اقتُلِعَت وأصبحت الأرض مستوية. ولم يتبقَّ سوى مجموعاتٍ صغيرة من الأشجار حول المنازل. كانت منازلَ ذات مظهرٍ فني، وكانت واحدة من تلك المستعمرات التي تُقلِّد الطراز التيودوري كالتي رأيتها في اليوم الأول لي عند قمة تل تشامفورد، فقط كانت تبدو كذلك على نحو أكبر. كم كنت أحمقَ حين تخيلت أن هذه الأشجار ستظل كما هي! رأيت ما كانت عليه؛ فلم يكن هناك سوى أجَمةٍ واحدة صغيرة، ربما على مساحة ستة فدادين، هي فقط التي لم تُقطَع، وكان من الصدفة البحتة أنني مشيت عبرها في طريقي إلى هنا. أبر بينفيلد، الذي كان مجرد اسمٍ في الماضي، تطور ليُصبح بلدة كبيرة. في الحقيقة، لم يكن سوى أرضٍ على أطراف لوير بينفيلد.

مشيت إلى حافة البِركة، حيث كان الأطفال يتحركون في المياه ناثرين بعض الرذاذ حولهم، ويُحدِثون ضوضاءً لعينة. وبدا أن هناك أعدادًا كبيرة منهم في المكان. أما المياه، فقد بدَت ميتة؛ فلم يعُد فيها أسماك. وكان ثمة رجلٌ واقف يُشاهد الأطفال. كان رجلًا عجوزًا بعض الشيء، برأس أصلع وبِضْع خصلات من الشعر الأبيض، ونظارة أنفية، ووجه تظهر عليه بشدة آثار حروق الشمس. كان ثمة شيء غريب على نحوٍ شديد الغموض حول مظهر ذلك الرجل؛ فقد لاحظت أنه كان يرتدي بنطالًا قصيرًا وصندلًا وقميصًا من الحرير الصناعي مفتوح الصدر، ولكن ما لفت انتباهي في الواقع كانت النظرةَ في عينَيه، فقد كانت له عينان شديدتا الزُّرقة، من ذلك النوع الذي تراه متلألئًا من وراء نظارته. لاحظتُ أنه من هؤلاء الرجال الكبار في السن الذين لا تظهر قط عليهم آثار العَجز؛ فهم دائمًا يُحافظون على تناول الأطعمة الصحيَّة، أو يعملون مع فِتيان الكشافة، في كلتا الحالتَين هم يستمتعون بالطبيعة والحياة في الهواء الطلق. كان ينظر إليَّ كما لو كان يريد التحدث معي.

قلت: «اتسعَت أبر بينفيلد كثيرًا.»

نظر إليَّ بعينَيه الوامضتَين، وقال:

«اتسعت! يا عزيزي، نحن لا نسمح أبدًا باتساع أبر بينفيلد؛ فنحن نفخر بكوننا أشخاصًا استثنائيِّين في هذا المكان المرتفع هنا، كما تعلم، فنحن مستعمرة صغيرة منفردة، بلا متطفلين، ها ها.»

قلت: «أعني مقارنة بما كان قبل الحرب؛ فقد كنت أعيش هنا في صباي.»

«آه. بلا شك. كان هذا قبل مجيئي إلى هنا بالطبع؛ ولكن عقارات أبر بينفيلد تعد شيئًا مميزًا في عالم البناء كما تعلم، حيث شكَّلَت عالَمًا صغيرًا خاصًّا بها؛ فكل التصميمات هي تصميمات المعماري الشاب إدوارد واتكين. بالطبع سمعت عنه. نحن نعيش وسط الطبيعة بالأعلى هنا، بلا ارتباط بالبلدة هناك بالأسفل — ولوَّح بيده في اتجاه لوير بينفيلد — حيث المصانع القذرة المظلمة، ها ها!»

كانت لديه ضحكة خافتة عجوز وطيبة، وطريقة لتجعيد وجهه كالأرنب. على الفور، كما لو كنت قد سألته، شرع في إخباري بكل شيء عن عقارات أبر بينفيلد والشاب المعماري إدوارد واتكين، الذي كان يحب الطراز التيودوري، وقد كان رجلًا رائعًا لأنه استطاع العثور، على العوارض الخشبية الأصلية التي ترجع إلى العصر الإليزابيثي في منازل المزارع القديمة، وشراءَها بأثمان قليلة. وقد كان هذا الشاب المثير للاهتمام روحَ حفلات التعري. وقد كرر الرجل العجوز عدة مرات أنهم كانوا أشخاصًا استثنائيين للغاية في أبر بينفيلد، ومختلفين تمامًا عن الناس في لوير بينفيلد؛ فقد عزموا على إثراء الريف بدلًا من تشويهه (أنا أستخدم كلماته)، وأن عقاراتهم لم يكن فيها أي منازل عامة.

«يتحدث الناس عن مدن الحدائق، ولكننا نُسمِّي أبر بينفيلد مدينة الغابة، ها ها! الطبيعة!» أشار بيده إلى ما تبقى من الأشجار، واستأنف قائلًا: «الغابة البِكر تحتضنُنا، وينمو صغارنا وسط جمال الطبيعة؛ وتقريبًا جميعنا من المتنورين بالطبع. هل تُصدق أن ثلاثة أرباعنا هنا من النباتيِّين؟ لا يُحبُّنا الجزارون المحليون على الإطلاق، ها ها! وبعض الشخصيات البارزة تعيش هنا. الآنسة هيلينا ثورلو، الروائية — لقد سمعت عنها بالطبع — والبروفيسور وود، الباحث في المجال النفسي، يا له من شخصية شاعرية! إذ يذهب متجولًا وسط الغابة، ولا تتمكَّن عائلته من إيجاده في أوقات الوجبات. ويقول إنه يتجول وسط الجنيات. هل تُؤمِن بوجود الجنيات؟ أعترف — ها ها! — أنني أشك قليلًا في الأمر، ولكن صورَه الفوتوغرافية شديدة الإقناع.»

بدأتُ أسأل نفسي عما إذا كان أحدَ الهاربين من منزل بينفيلد؛ ولكن لا، فقد كان عاقلًا إلى حدٍّ كبير. أعلم هذا النوع، حيث النظام الغذائي النباتي، والحياة البسيطة، والشِّعر، وتقديس الطبيعة، والاستمتاع بالندى قبل الإفطار؛ فقد قابلت بعضًا منهم قبل بضع سنوات في إيلينج. ثم أخذني في جولة في المكان، حيث لم يكن شيء متبقيًا من الأشجار، فقد كان المكان كله مليئًا بالمنازل، ويا لها من منازل! هل تعرف هذه المنازل المقلِّدة على الطراز التيودوري، ذات الأسقف المجعَّدة والدعامات التي لا تدعم أي شيء، والحدائق الصخرية التي يضعون فيها أحواض شرب الطيور الإسمنتية، وتماثيل الأقزام الخرافية الحمراء الصغيرة المصنوعة من الجِصِّ التي يُمكِنك شراؤها من محلات الزهور؟ يُمكنك أن تتخيل المجموعات البشعة التي تعيش هنا من خبراء التغذية وصائدي الأشباح ومهاويس الحياة البسيطة الذين يحصلون على ألف جنيه في السنة. حتى الأرصفة كانت مختلة. لم أتركه يأخذني بعيدًا؛ فقد جعلتني بعض المنازل أتمنى لو كان معي قنبلة يدوية في جيبي. حاولتُ تثبيطه بسؤاله عما إذا كان الناس لم يعترضوا على العيش بجوار مِصَحة للأمراض العقلية، ولكن ذلك لم يكن له الأثرُ الكبير عليه. وأخيرًا، توقفت وقلت:

«كانت ثمة بِركةٌ أخرى هنا، بجوار البركة الكبيرة. ولا بد أنها ليست بعيدة عن هنا.»

«بِركة أخرى؟ أوه، بالتأكيد لا. لا أعتقد أنه كان ثمة أي بِركة أخرى هنا.»

قلت: «ربما جفَّفوها. لقد كانت بركة شديدة العمق. ولا بد أنها ستترك حفرةً كبيرة مكانها.»

للوهلة الأولى، بدا قلقًا بعض الشيء، ثم فرَك أنفه وقال:

«آه. بالطبع، لا بد أنك قد فهمت أن حياتنا بالأعلى هنا هي حياة بُدائية نوعًا ما، حياة بسيطة، كما تعلم. ونحن نُفضلها كذلك؛ ولكن البعد الشديد عن البلدة قد يكون له أضرارٌ بالطبع؛ فبعض من إجراءاتنا الصحية ليست مُرضية تمامًا. أعتقد أن عربة القُمامة لا تأتينا إلا مرة واحدة في الشهر.»

«أتعني أنهم حولوا البركة إلى مكبٍّ للنفايات؟»

«حسنًا، ثمة شيء في طبيعة … وقد خجل من كلمة مكب النفايات. علينا أن نتخلص من العلب المعدنية وما إلى ذلك بالطبع هناك خلف الكتلة الشجرية تلك.»

ذهبنا إلى هناك. وكانوا قد تركوا بعض الأشجار لتُغطي على الأمر؛ ولكن أجل، ها هي، لقد كانت بِركتي هنا. لقد جفَّفوا ماءها، فأحدثَ ذلك حُفرة مستديرة كبيرة كبئرٍ ضخم بعمق عشرين أو ثلاثين قدمًا. وكانت بالفعل ممتلئة إلى نصفها بالعلب المعدنية.

وقفتُ أنظر إلى العلب المعدنية.

قلت: «من المؤسف أنهم جففوها؛ فقد كانت ثمة بعض الأسماك الكبيرة في تلك البركة.»

«أسماك؟ أوه، لم أسمع عن شيء كذلك قط. بالطبع يصعب وجود بركة من المياه هنا وسط المنازل؛ تعلم أن ذلك يتسبَّب في وجود البعوض، ولكن لا بد أنها كانت هنا قبل مجيئي.»

قلت: «أعتقد أن هذه المنازل قد بُنِيَت منذ وقت طويل.»

«أوه، أعتقد منذ عشر أو خمس عشرة سنة.»

قلت: «لقد كنت أعرف هذا المكان قبل الحرب. لقد كان مليئًا بالكامل بالأشجار، ولم تكن ثمة منازل سوى منزل بينفيلد؛ ولكن الأجمة الصغيرة هناك لم تتغير، فقد مشيت خلالها في طريقي إلى هنا.»

«آه، تلك! إنها مقدسة؛ فقد قررنا ألا نبني مكانها أبدًا. إنها مقدسة لدى الشباب. الطبيعة، كما تعلم.» نظر إليَّ بعينَيه الوامضتَين، بنظرة خبيثة بعض الشيء، كما لو كان سيُطلِعني على سر صغير، وقال: «نُسمِّيها واديَ الجنيات.»

وادي الجنيات! تملصت منه، ورجعت إلى السيارة وقدتها نزولًا إلى لوير بينفيلد. وادي الجنيات! وقد ملَئوا بِركتي بالعلب المعدنية! لعنهم الله ودمرهم! فلتَقُل ما تريد — قل إنه شيء سخيف أو طفولي أو أي شيء — ولكن ألا تشعر بالغثَيان في بعض الأحيان عندما ترى ما يفعلونه بإنجلترا؛ مِن وضعِهم لأحواض شرب الطيور وتماثيل الأقزام الخرافية المصنوعة من الجِص والجنيات والعلب المعدنية خاصتهم في مكان أشجار الزان؟

أتقول عني عاطفي؟ أم كارهٌ للمجتمع؟ أم أنني لا ينبغي أن أُفضل الأشجار على الرجال؟ أقول إن الأمر يعتمد على طبيعة الأشجار وطبيعة الرجال. ليس ثمة شيء يُمكنني فعله سوى أن أتمنى أن يُصيبهم الجدري في أمعائهم.

لم أفكر إلا في شيء واحد منذ هبطت من أعلى التل، وهو أنني قد أعرضتُ عن فكرة الرجوع إلى الماضي؛ فما الفائدة من محاولة إعادة زيارة مَعالم صباك عندما لم يَعُد لها وجود؟ ما فائدة محاولة التقاط الأنفاس وليس هناك أي هواء؟! فصندوق القُمامة الذي نعيش فيه قد وصل إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي. مع ذلك، أنا لم أعُد أهتم بالأمر بوجهٍ خاص. على كل حال، اعتقدتُ أنه لا يزال أمامي ثلاثة أيام متبقية يُمكنني فيها أن أنعم بالسكينة والهدوء، وأن أتوقف عن التذمُّر حول ما فعلوه في لوير بينفيلد. أما عن فكرة الذهاب للصَّيد، فقد ألغيتها بالطبع. صيد الأسماك! كيف ذلك؟! في سنِّي! بالفعل كانت هيلدا محقة.

وضعتُ السيارة في موقف سيارات فندق جورج ودخلتُ إلى الردهة. كانت الساعة السادسة، وكان أحد الأشخاص قد فتَح المِذياع وكانت نشرة الأخبار تبدأ. وقد دخلتُ من الباب تمامًا في الوقت الذي كانت فيه الكلمات القليلة الأخيرة من نداء استغاثة. أعترف أن ذلك قد صدمني بعض الشيء؛ فقد كانت الكلمات التي سمعتها:

«… حيث إن زوجته، هيلدا بولينج، مريضةً بشدة.»

وجاء النبأ التالي العاجل بالصوت الفخم نفسه قائلًا: «إليكم نداء استغاثة آخر. ويل بيرسيفال شوت الذي شُوهِدَ آخِرَ مرة …» ولكنني لم أنتظر حتى أسمع المزيد، ومشيت على الفور. ما جعلني أشعر بالفخر الشديد، عندما فكرتُ في الأمر فيما بعد، أنني عندما سمعت تلك الكلمات قادمة من مكبر الصوت لم يرمش لي جفن، ولم أتوقف ولو قليلًا لأُعلم أي أحد أنني كنت جورج بولينج، الذي كانت زوجته هيلدا بولينج مريضةً للغاية. كانت زوجة المالك في الردهة، وكانت تعرف أن اسمي بولينج، فعلى الأقل رأته في سجل النزلاء. بخلاف ذلك، لم يكن هناك أحد باستثناء رجلَين، كانا يُقيمان في الفندق، ولم يكونا يعرفاني. ولكني بقيت هادئًا، ولم أُبدِ أي إشارة لأي أحد؛ فقط ذهبت إلى البار الخاص، الذي كان قد فتح للتو، وطلبت كوب الجعة المعتاد.

كان عليَّ أن أُفكر في الأمر. وفي الوقت الذي كنت قد شربت فيه ما يقرب من نصف الكوب، بدأت أُدرك ما عليَّ فعله. في المقام الأول، هيلدا لم تكن مريضة، لا للغاية ولا غيره. كنتُ أعلم ذلك، فقد كانت في صحة ممتازة عندما غادرت، ولم نكن في ذلك الوقت من العام الذي يُصاب فيه الناس بالإنفلونزا أو أي شيء من هذا القبيل. لقد كانت تتصنَّع. لماذا؟

بالطبع كانت هذه إحدى حِيَلِها، وقد رأيت ما كان عليه الأمر. لقد أدركَت بشكل أو بآخر — ثِقْ في هيلدا! — أنني لم أكن في الواقع في برمنجهام، وكانت هذه هي ببساطة طريقتَها في جلبي للمنزل؛ فلم تَعُد تحتمل أن تُفكر في أنني مع امرأة أخرى، لأنها بالطبع كانت متأكدة من أنني مع امرأة ما، فلا يُمكنها أن تتخيل أي دوافع أخرى. وبالطبع افترضَت أنني سأذهب مسرعًا إلى المنزل في أقرب وقت ممكِن عندما أسمع أنها كانت مريضة.

ولكن هنا يَكمن خطأُ توقعك، قلت ذلك لنفسي عندما أنهيتُ كوب الجعة؛ فأنا أذكى من أن أُخدع بتلك الطريقة. لقد تذكرت الحِيلَ التي افتعلَتها من قبل، والمصاعب غير العادية التي ستتكبَّدها للإيقاع بي. أنا أعرفها جيدًا، فعندما أكون في إحدى الرحلات التي تشك فيها، فإنها تتحقق بالكامل من جدول مواعيد القطارات وخريطة الطريق؛ فقط لترى ما إذا كنت أقول الحقيقة حول تحركاتي. وفي مرة تبعَتني طوال الطريق إلى كولتشيستر، ثم دخلَت عليَّ الغرفة فجأةً في فندق تيمبرانس. وفي ذلك الوقت، لسوء الحظ، تصادف أنها كانت مُحقة، في الواقع لم تكن كذلك، ولكن ثمة ظروف جعلَت الأمر يبدو كما لو كانت على حق. لم يكن لديَّ أدنى تصديقٍ لمسألةِ مرضها. في الواقع، كنت أعلم أنها ليست مريضة، على الرغم من أنني لم يكن يُمكِنني أن أُبرهن لك على تأكُّدي.

تناولت كوبًا آخر، وبدت الأمور أفضل حالًا. بالطبع كان سيقع بيننا شجار عندما أرجع إلى المنزل، ولكنه كان سيقع على أي حال. اعتقدتُ أنه كان متبقيًا لي ثلاثة أيام يُمكنني أن أستمتع بها. الغريب أنه على الرغم من أن الأشياء التي جئت باحثًا عنها لم تعد موجودة، فقد راقت لي فكرةُ الاستمتاع بالإجازة أكثر؛ فالابتعاد عن المنزل كان هو الشيءَ الرائع، حيث السلام والسكينة التامة مع بُعد الأحبَّاء، كما تقول الترنيمة. وفجأة، قررتُ أن أُرافق امرأة إن راق لي الأمر؛ فالفضل يرجع لهيلدا في هذا التفكير المنحرف، بالإضافة إلى ذلك، فأين الشعور بأن أحدًا يشك فيك إن لم تكن موضعَ شك بالفعل؟

ولكن عندما أثَّر الكوب الثاني عليَّ، بدأت أستمتع بالأمر. لم أُغرَم بالفكرة، ولكنها كانت بارعة للغاية؛ فكيف لها أنْ فكرَت في إرسال نداء استغاثة؟! أنا عن نفسي لا أعرف إجراءات إرساله؛ هل على المرء إحضار شهادة من طبيب، أم أن كل ما عليك فعله هو أن تُرسل اسمك؟ كنت متأكدًا تمامًا من أن السيدة ويلر هي صاحبة الفكرة؛ إذ بدا لي أن الأمر به لمسة ويلر.

ولكن يا لمكرها! عجبًا للنساء، يذهبن إلى أقصى الحدود! أحيانًا لا يُمكنك تجنُّب الشعور بإعجاب ما لهن.

٦

بعد الإفطار، تجولت بالخارج ثم ذهبت إلى السوق. كان صباحًا لطيفًا، به بعض البرودة والهدوء، مع ضوء أصفر خافت كنبيذٍ أبيض يُغطي على كل شيء. وكانت رائحة الصباح المنعشة مختلطةً برائحة سيجاري. ولكن كانت ثمة ضوضاء نابعة من تحليق الطائرات خلف المنازل، وفجأة كان أسطول من قاذفات القنابل السوداء الكبيرة يقترب بأزيزه. نظرتُ إليها بالأعلى، فبدا أنها ستُلقي بقنابلها فوق رءوسنا.

وفي اللحظة التالية، سمعت صوتًا. وفي الوقت نفسه، إن صادف وكنتُ هناك، لكنت قد رأيت مثالًا مثيرًا للاهتمام لما أعتقد أنه يُسمَّى بالانعكاس الشرطي؛ لأن ما سمعته — وما لم يحتمل مجالًا للخطأ — كان صوت صفير إحدى القنابل. لم أكن قد سمعت شيئًا كهذا منذ عشرين سنة، ولكنني لست بحاجة إلى من يُخبرني بما هو. ودون أن أستغرق وقتًا في التفكير، فعلت ما يجب فعله؛ فقد انبطحت على وجهي.

ولكني سعيد أنك لم ترَني؛ فلا أظن أن شكلي كان محترمًا، حيث تمددتُ على الرصيف كالجرذ عندما ينضغط مارًّا أسفل أحد الأبواب. لم يتخذ أيُّ أحد آخر ردَّ فعل بهذه السرعة؛ بينما تصرفتُ بسرعة شديدة حتى إنني في شَطْر من الثانية، عندما كانت القنبلة تهبط بصوت صفيرها، كان لديَّ الوقتُ للخوف من أن الأمر برُمته قد يكون خطأً وأنني قد وضعت نفسي في هذا الموقف بلا داعٍ.

ولكن في اللحظة التالية، آه!

بوووووم!

حدث ضجيج كما لو كنا في يوم القيامة، ثم سمعنا ضوضاء تُشبه ضوضاء سقوط طنٍّ من الفحم على لوح من الصفيح. كان ذلك صوت قوالب الطوب وهي تتهاوى. بدوت كما لو أنني قد ذُبت في الرصيف، وقلت لنفسي: «لقد بدأت. أنا أعرفها! العجوز هتلر لم ينتظر؛ فقد أرسل قاذفات القنابل علينا دونَما إنذار.»

لكن كان هناك شيء غريب في الأمر؛ فحتى وسط صدى هذا التحطُّم المروع الذي يُصِم الآذان، الذي بدا أنه جمَّدَني من رأسي إلى أخمص قدمَي، كان لديَّ الوقت للتفكير في أن ثمة شيئًا مهيبًا في أمر انفجار قذيفة كبيرة. كيف يبدو؟ من الصعب القول؛ لأن ما تسمعه يختلط بما تخاف منه. إنه يتمثل على نحو أساسي في رؤية انفجار المعادن، فيبدو أنك ترى ألواحًا كبيرة من الحديد تنفتح من الانفجار. ولكن الشيء الغريب حقًّا هو الإحساس الذي يشعر به المرء عندما يُواجه الواقع بشكل مفاجئ؛ فهو مثل الاستيقاظ بصبِّ دلو من المياه فوق رأسك؛ فأنت تُنتزَع فجأة من أحلامك بفعل رنين المعادن المنفجرة، وهو شيء مروِّع، وحقيقي.

كانت ثمة أصوات صراخ وصياح، وتوقُّف مفاجئ لمكابح السيارات. أما القنبلة الثانية التي كنت أنتظرها، فلم تسقط؛ فرفعتُ رأسي قليلًا، ورأيت الناس في كل الجوانب يتدافعون ويصرخون. وكانت ثمة سيارة تنزلق مائلةً عبر الشارع، وكان يُمكنني سماع صوت امرأة تصرخ قائلةً: «الألمان! الألمان!» على اليمين، رأيت تعبيرًا غريبًا على وجه رجل مستدير وأبيض، إذ كان مثل كيس ورقي مجعَّد، وكان ينظر إليَّ، وكان يرتجف بعض الشيء، وسألني:

«ما هذا؟ ماذا يحدث؟ ماذا يفعلون؟»

قلت: «لقد بدأَت. كانت تلك قنبلة. انبطح على الأرض.»

ولكن ما زالت القنبلة الثانية لم تسقط. بعد ربع دقيقة أو ما يقرب من ذلك، رفعت رأسي مرة أخرى، وكان بعض الناس لا يزالون يتدافعون هنا وهناك، وكان آخرون واقفين كما لو أنهم قد لُصِقوا بغراء في الأرض. ومن مكانٍ ما خلف المنازل، ارتفع ضباب كثيف من الغبار، وظهرَت عبرَه سحابةٌ من الدخان التي كانت تتدفق لأعلى. ثم رأيت منظرًا استثنائيًّا؛ ففي الطرف الآخر من السوق، ارتفع هاي إستريت بعض الشيء، وأسفل هذا التل الصغير كان قطيع من الخنازير يعدو كما لو كان فيضانًا ضخمًا من وجوه الخنازير. في اللحظة التالية، بالطبع، عرَفت ما يحدث؛ فلم تكن خنازير على الإطلاق، بل كانوا أطفال المدارس في أقنعة الغاز. أعتقد أنهم كانوا يندفعون إلى قبوٍ ما، قيل لهم أنْ يستتروا فيه في حالة القصف الجوي. خلفهم، لاحظتُ ما يُشبه الخنزير الطويل، الذي كان على الأرجح الآنسة تودجرز. ولكني أقول لك إنهم لوهلة بدَوْا تمامًا كقطيع من الخنازير.

لملمتُ شتات نفسي، ومشيت عبر السوق. كان الناس يُهدِّئون من روعهم بالفعل، وبدأت مجموعة صغيرة في الاتجاه نحو المكان الذي وقعت فيه القنبلة.

أوه، أجل، معك حق، بالطبع؛ فلم تكن طائرةً ألمانية، ولم تبدأ الحرب بعد، بل كانت فقط حادثة؛ إذ كانت الطائرات تطير للتدرب على قذف القنابل — وبطبيعة الحال كانت تحمل قنابل — ووضع أحدُ الطيارين يده على ذراع القذف وحرَّكه بالخطأ. أتوقع أنه سيتلقَّى توبيخًا جسيمًا على ذلك. في الوقت الذي اتصل فيه مديرُ مكتب البريد هاتفيًّا بلندن للسؤال عما إذا كانت الحرب قد بدأت وأخبروه أنها لم تبدأ، كان الجميع قد أدركوا أنها كانت حادثة. لكن كانت ثَمة مساحةٌ من الوقت، بين دقيقة وخمس دقائق، كان فيها عدة آلاف من الأشخاص يعتقدون فيها أن الحرب قد اندلعت. من الجيد أن ذلك لم يَدُم طويلًا؛ إذ إننا، بعد ربع ساعة أخرى، كنا سنُعدِم جاسوسنا الأول دون محاكمة.

تبعتُ الحشد. كانت القنبلة قد سقطت في شارع جانبي صغير متفرع من هاي إستريت، حيث كان متجر عمي إيزيكيال؛ ولم تكن تبعد خمسين ياردة عن مكان المتجر القديم. وعندما اقتربت بشدة من المكان، كان بإمكاني سماعُ أصوات همهمة هلع، كما لو كان الناس خائفين ولكنهم في الوقت نفسه مفتونون بما رأوا. لحسن الحظ، وصلت إلى هناك قبل بضع دقائق من وصول الإسعاف وعربة الإطفاء، وعلى الرغم من الأشخاص الخمسين أو نحو ذلك الذين كانوا قد تجمعوا في المكان، رأيت كل شيء.

للوهلة الأولى، بدا الأمر كما لو أن السماء قد أمطرت طوبًا وخَضراوات؛ فقد كانت أوراق الكرنب في كل مكان، حيث فجَّرت القنبلة متجرَ خضريٍّ وسوَّته بالأرض. وقد تفجر جزءٌ من سقف المنزل المجاور له، وكانت النيران ممسكةً في الألواح الخشبية للسقف، وكانت جميع المنازل المحيطة قد أصابها ضرر بشكل أو بآخر، وكُسِّرت نوافذها. ولكن ما كان الجميع ينظر إليه هو المنزل على اليسار؛ فقد دُمِّر جداره، المشترك مع جدار متجر الخضري، على نحو مرتَّب كما لو أن أحدًا قد فعل ذلك بسكين. وما كان غريبًا، أن شيئًا لم يُمَس في الغرف العُلوية. كان الأمر تمامًا كما لو أنك تنظر إلى منزل دمية؛ خِزانة أدراج، وكراسيُّ غرفة نوم، وورق حائط باهت اللون، وسرير غير مرتَّب، ومبولة أسفل السرير، كل ذلك كان تمامًا كما ترَكه أصحابه، باستثناء الجدار الوحيد الذي تحطَّم. أما الغرف في الطابق الأسفل، فقد نالها الانفجار، حيث كان ثمة فوضى من الأشياء المحطَّمة المروِّعة من طوب وجِصٍّ وأرجلِ كراسيَّ وبعضٍ من أجزاء منضدة زينة ملمعة وخِرق من غطاء مائدة وأكوام من الأطباق المحطمة وقطع مكسورة من حوض غسل الأطباق. وكان برطمانٌ من المربى متدحرجًا على الأرض، تاركًا خلفه خطًّا طويلًا من المربى، وكان بمُحاذاته شريط من الدماء. ولكن وسط الآنية الفخارية المحطمة، كانت ثمة ساقٌ ملقاة؛ فقط ساق، ولا تزال بأحد زوجَي البنطال وأحد زوجَيِ الحذاء الأسود ذي الكعب المطاطي ماركة وود ميلين اللتين كانتا يرتديهما صاحبها. هذا ما كان يصيح عليه الناس.

نظرت جيدًا إليها وفهمت الأمر. وكانت الدماء قد بدأت تختلط مع المربى. وعندما وصلَت عربة الإطفاء، انصرفتُ وذهبت إلى فندق جورج كي أجمع أغراضي.

كانت هذه نهايتي مع لوير بينفيلد، على ما اعتقدت؛ فأنا ذاهبٌ للمنزل. ولكني في الواقع، لم أُزِل الغبار من على حذائي وأترك المكان على الفور؛ إذ لا يتسنَّى للمرء أن يفعل ذلك أبدًا، فعندما يحدث شيء كذلك، يقف الناس دائمًا ويتناقشون حوله لساعات. لم يكن ثمة الكثير من العمل الذي أُنجِز في لوير بينفيلد في ذلك اليوم؛ فقد كان الجميع مشغولين بشدة بالحديث عن القنبلة، وعن نوعية صوتها، وعما ظنوا عندما سمعوا صوتها. قالت الساقية في فندق جورج إن ما حدث أصابها برعب شديد، وإنها لن تستطيع النوم جيدًا في سريرها بعد الآن؛ وماذا كنت تتوقع؟ فقد تبيَّن لنا وجود قنابل لم نَعرف عنها شيئًا من قبل. وكانت امرأة قد عضَّت جزءًا من لسانها بسبب القفزة التي جعلها الانفجار تقوم بها. تبين أنه بينما كان الجميع في هذا الطرف من البلدة يتصوَّرون أنها كانت غارة جوية ألمانية، فإن الجميع في الطرَف الآخر كانوا موقنين أنه كان ثمة انفجار في مصنع الجوارب. بعد ذلك (وقد عرَفتُ الأمر من الصحف) أرسلَت وزارة الطيران رجلًا لتقصِّي الأضرار، وأصدروا تقريرًا يقولون فيه إن آثار القنبلة كانت «مخيبة للآمال». في الحقيقة، لم تقتل سوى ثلاثة أشخاص: الخضري، وكان اسمه بيروت، وزوجًا وزوجة مسنَّين كانا يعيشان بجوار الخضري. لم يتحطَّم وجه المرأة كثيرًا، وتمكنوا من التعرف على الرجل من حذائه؛ ولكنهم لم يجدوا قط أثرًا لبيروت، ولا حتى زرًّا من أزرار بنطاله ليُصلُّوا عليه.

بعد الظهيرة، دفعت فاتورتي وخرجت. لم يكن معي أكثر من ثلاثة جنيهات متبقِّية بعد أن دفعت الفاتورة؛ فهؤلاء المنمَّقون الذين يعملون في تلك الفنادق الريفية يعلمون كيف يَحصلون منك على المال، كما أنني كنتُ أنفق المال بسخاء على المشروبات والنثريات الأخرى. تركت صنارتي الجديدة وبقية أدوات الصيد في غرفة النوم بالفندق. دعهم يأخذونها فلا منفعة منها، ولم أضَع فيها سوى جنيهٍ واحد كي أُعلِّم نفسي درسًا، وقد تعلمت الدرس جيدًا؛ فالرجال البُدناء البالغون من العمر خمسةً وأربعين عامًا لا يُمكنهم الذَّهاب للصيد، ولن يحدث ذلك الأمر مجددًا، فلم يكن سوى حلم، ولن أذهب للصيد مرة أخرى في هذه الحياة.

من الطريف كيف تتغلغل الأشياء فيك بالتدريج. ماذا شعرتُ بالتحديد عندما انفجرَت القنبلة؟ في اللحظة نفسها، بالطبع، أفزعتني بشدة؛ وعندما رأيت المنزل المحطم وساق الرجل العجوز، شعرتُ بهذه الهِزة الخفيفة التي تشعر بها عندما تُشاهد حادث طريق. إنه لأمر كريهٌ بالفعل. كريه بما يكفي ليَجعلَني أسأمُ من هذه الإجازة المزعومة؛ ولكنه لم يكن له تأثيرٌ كبير في الواقع.

ولكن بينما كنتُ أقود سيارتي على حدود لوير بينفيلد واتجهتُ شرقًا، تذكَّرت كل شيء. تعلم كيف يكون الأمر عندما تكون في سيارةٍ وحدك؛ هناك شيء، إما في الأسيجة التي تمرُّ عليها سريعًا أو في خفقان المحرك، يجعل أفكارك تأخذ إيقاعًا معينًا. ينتابك الشعور نفسُه في بعض الأحيان عندما تكون في القطار. إنه شعور بالقدرة على رؤية الأشياء من منظورٍ أفضلَ من المعتاد؛ إذ أصبحتُ متأكدًا من جميع الأشياء التي كنت أشك فيها. في البداية، أتيت إلى لوير بينفيلد وفي رأسي تساؤل: ما الذي ينتظرنا؟ هل أُعلِن القرار بالفعل؟ هل بإمكاننا العودة إلى الحياة التي اعتَدْنا أن نعيشها، أم أنها انتهت للأبد؟ حسنًا، حصلتُ على إجابتي. الحياة القديمة قد انتهت، وبالرجوع إلى لوير بينفيلد، لا يُمكنك إرجاع يونان إلى بطن الحوت. لقد تيقنت من ذلك، على الرغم من أنني لا أتوقع أن تُجاريَني في أفكاري. وكان من الغريب أني أتيت إلى هنا. كل تلك السنوات ولوير بينفيلد مختفية في مكان ما في ذهني، كركنٍ هادئ يُمكنني الرجوع إليه عندما أشعر بأنني أريد ذلك، وأخيرًا رجعت إليه ووجدتُ أنه لم يكن موجودًا؛ فقد دُمِّرت بقنبلة أحلامي، وكي لا يكون ثمة خطأٌ في الإصابة تبعتها القوات الجوية الملكية بخمسمائة رطل من مادة التي إن تي.

الحرب آتية. قالوا إنها في ١٩٤١. وسيكون ثمة الكثيرُ من الآنية الفَخَّارية المتكسرة، والبيوت الصغيرة المتفسِّخة كصناديق الشحن، وستلتصق أحشاء موظف الحسابات المعتمد بالبيانو الذي اشتراه على أقساط لا نهاية لها. ولكن ما أهمية ذلك على كل حال؟ سأُخبرك بما علَّمته لي إقامتي في لوير بينفيلد، وهو ما يلي: «كل ذلك سيحدث». كل ما وضعته في مكانٍ ما في ذهنك من الأشياء التي ترعبك، والأشياء التي تقول لنفسك إنها مجرد كوابيس أو إنها لا تحدث إلا في البلاد الأخرى. القنابل، والطوابير على الطعام، والهراوات المطاطية، والأسلاك الشائكة، والقمصان الملونة، والشعارات، والوجوه الضخمة، والمدافع الآلية التي تنثر رصاصها من نوافذِ غرف النوم. كل ذلك سيحدث، أعلم ذلك، على أي حال كنت أعلم في ذلك الحين. لا مفر من هذا. فلتُناهِضها إن أردت، أو لتصرف نظرك وتتظاهر أنك لا تُلاحظها، أو لتجلب مِفكَّك وتندفع لتحطيم بعض الوجوه مع الآخرين. ولكن لا مفرَّ، فهو شيء مُحتَّم.

ضغطت على دواسة الوقود، وتأرجحت السيارة القديمة صعودًا وهبوطًا على التلال الصغيرة، ومرت على الأبقار وأشجار الدردار وحقول القمح حتى كاد يحترق المحرك من الحرارة. شعرت أنني في المِزاج نفسه الذي كنت فيه في ذلك اليوم من شهر يناير، عندما مررت بشارع إستراند، ذلك اليوم الذي حصلت فيه على طقم أسناني الجديد؛ إذ كنت كما لو أن قوة النبوءة قد مُنِحَت لي، وبدا لي أنه بإمكاني رؤية إنجلترا كلها، وكل الناس فيها، وكل الأشياء التي ستحدث لهم جميعًا. أحيانًا، بالطبع، حتى في ذلك الحين، كنت أشك في أمر أو أمرَين. العالم حقًّا كبير للغاية، وهو ما تُلاحظه عندما تقود سيارتك، ونوعًا ما يُطمئِنُك ذلك. فكِّر في الأراضي الضخمة التي تمرُّ عليها عندما تعبر ركنًا من أركان إحدى المقاطعات الإنجليزية. الأمر يُشبه سيبيريا. وفكر في الحقول وأيكاتِ الزان ومنازلِ المزارعين والكنائس، والقرى بمتاجر البقالة الصغيرة وقاعة الأبريشية والبط الذي يتمشى عبر العُشب. بالطبع، كل ذلك أكبر من أن يتغير، أليس كذلك؟ ويبدو أنه سيظل كما هو بشكل أو بآخر. في ذلك الوقت، كنت قد وصلت إلى ضواحي لندن، وأخذت طريق أوكسبريدج إلى ساوثهول؛ حيث أميال وأميال من المنازل القبيحة، بأشخاص يعيشون حياة راقية مملة داخلها. بعد ذلك، تمتد لندن بلا توقف؛ حيث الشوارع، والميادين، والأزقَّة الخلفية، والمباني المشتملة على عدة شقق، ومجموعات الشقق السكنية، والحانات، ومتاجر السمك المقلي، ودور السينما؛ يستمر ذلك مسافة عشرين ميلًا، وجميع الثمانية الملايين نسَمة بحياتهم الخاصة الصغيرة التي لا يرغبون في تغييرها. يبدو أنه لا تُوجَد قنابلُ كافية للقضاء على ذلك بالكامل. والفوضى الناتجة عنها! وخصوصية حياة جميع هؤلاء! يقطع جون سميث قسائمَ كرة القدم، ويتبادل بيل ويليامز القصص في متجر الحلاق، وتعود السيدة جونز إلى المنزل ومعها جعة العشاء. ثمانية ملايين شخص! بالطبع سيتدبَّرون حالهم بطريقة ما، سواء قُذِفَت القنابل أو لم تُقذَف، كي يستمروا في الحياة التي اعتادوا عليها، أليس كذلك؟

وَهْم! هُراء! لا يُهم عددهم؛ فكلهم في قارب واحد. الأيام الصعبة قادمة، والجيوش قادمة كذلك. لا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ولست مهتمًّا أن أعرف. كل ما أعرفه هو أنه إذا كان ثمة شيءٌ تهتمُّ لأمره، فمن الأفضل أن تُودِّعه الآن؛ لأن كل شيء تعرفه سيتهاوى وسيسقط في الوحل، مع المدافع الآلية التي تُصلصِل طوال الوقت.

ولكن عندما رجعت إلى الضاحية، تغيَّر مِزاجي فجأة.

خطر ببالي فجأة — ولم يكن قد خطر ببالي حتى تلك اللحظة — أن هيلدا قد تكون مريضة بالفعل رغم كل شيء.

ذلك تأثير البيئة التي نعيش فيها. في لوير بينفيلد، كنت متأكدًا تمامًا أنها لم تكن مريضة، وأن الأمر لم يكن سِوى خدعةٍ كي أرجع إلى المنزل. بدا الأمر طبيعيًّا في ذلك الوقت، ولا أعلم لماذا. ولكن عندما وصلت إلى غرب بلتشلي وأغلقت عليَّ عقارات هيسبيريدز فيما يُشبه سجنًا من الطوب الأحمر، وهو كذلك بالفعل، رجعَت لي عادات التفكير المعتادة. شعرت بهذا الإحساس الذي أشعر به في صباح يوم الإثنين عندما يبدو كل شيء كئيبًا ومعقولًا. رأيت كم كان سخيفًا ما ضيعتُ فيه الأيام الخمسَ الماضية؛ حيث ذهبت هاربًا إلى لوير بينفيلد في محاولة لاستعادة الماضي، ثم، في السيارة أثناء رجوعي إلى المنزل، فكرت كثيرًا في نبوءتي التي لا معنى لها عن المستقبل. المستقبل! ما شأن المستقبل برجل مثلي ومثلك؟ أن نُحافظ على وظائفنا، ذلك هو مستقبلنا. أما بالنسبة لهيلدا، فحتى عندما تسقط القنابل، فستظل تُفكر في سعر الزبد.

وفجأة، أدركت حماقتي حين فكَّرت أنها فعلَت شيئًا كذلك؛ فبالطبع نداء الاستغاثة لم يكن مزيفًا! فشيء كهذا بعيدٌ عن مخيَّلتها! لقد كانت الحقيقة القبيحة والباردة. لم تكن تخدعني على الإطلاق، بل كانت مريضة فعلًا. يا إلهي! وقد تكون في تلك اللحظة مستلقيةً في مكان ما وتُعاني من ألم مبرِّح، أو قد تكون قد ماتت. تسبَّبَت لي هذه الفكرة في أكثر الآلام رعبًا، إذ شعرت بنوع من الإحساس البارد المميت في داخلي. نزلت إلى شارع إلزمير بسرعة ما يقرب من أربعين ميلًا في الساعة، وبدلًا من أن آخذ السيارة إلى موقف السيارات الآمن كالمعتاد، توقفت خارج المنزل وأسرعت بالدخول.

لعلك تقول إنني إذن مُغرَم بهيلدا رغم كل شيء! لا أعلم تحديدًا ما تَعنيه بالغرام. هل أنت مُغرَم بوجهك؟ ربما لا، ولكنك لا يُمكِنك تخيُّل نفسك من دونه، فهو جزءٌ منك. حسنًا، هذا ما شعرَت به تجاه هيلدا. عندما تسير الأمور على ما يرام، لا يُمكِنني تحمُّلُ رؤيتها؛ ولكن فكرة أنها قد تكون ميتة أو حتى تتألَّم جعلَتني أرتجف.

فتحت الباب بالمفتاح بعصبية، وشممت الرائحة المألوفة لمعاطف المطر القديمة.

ناديت: «هيلدا. هيلدا!»

ولكن لم يُجِب أحد. لبعض الوقت أخذتُ أصيح: «هيلدا! هيلدا!» وسط صمت تام، وشعرت ببعض العرق البارد على عمودي الفقري. ربما نقلوها إلى المستشفى، وربما ثمة جثةٌ مستلقية بالأعلى في المنزل الخاوي.

اندفعت إلى الدَّرج، ولكن في اللحظة نفسها رأيت الطفلَين في ملابس النوم يخرجان من غرفتَيهما من كلا جانبَي بسطة الدرَج. كانت الساعة الثامنة أو التاسعة، على ما أظن، على أي حال كان الضوء في بداية خفوته. تعلقَت لورنا بالدرابزين، وصاحت:

«أوه، أبي! أوه، إنه أبي! لمَ رجعتَ اليوم؟ قالت أمي إنك لن تأتيَ قبل يوم الجمعة.»

قلتُ لها: «أين أمكما؟»

«أمي بالخارج. لقد خرجَت مع السيدة ويلر. لماذا رجعتَ اليوم يا أبي؟»

«إذن لم تكن أمُّكما مريضة، أليس كذلك؟»

«بلى. من قال إنها كانت مريضة يا أبي؟ هل كنتَ في برمنجهام؟»

«نعم. ارجعا إلى سريرَيكما الآن. ستُصابان بالبرد.»

«ولكن أين هدايانا يا أبي؟»

«أي هدايا؟»

«الهدايا التي جلَبتَها من برمنجهام.»

قلت: «ستريانِها في الصباح.»

«أوه، أبي! ألا يُمكننا رؤيتها الليلة؟»

«لا. اذهبا إلى سريرَيكما وإلا فسأضربكما.»

إذن، لم تكن مريضة، وكانت تخدعني. لم أعرف حقيقةً هل أفرح أم أحزن. رجعت إلى الباب الأمامي، الذي كنت قد تركته مفتوحًا، وهناك، ويا للمفاجأة، كانت هيلدا آتيةً عبر مَمْشى الحديقة.

نظرت إليها وهي آتية نحوي في آخر ضوء في المساء. كان من الغريب حين تذكرت أنني قبل ما يقل عن ثلاث دقائق كنتُ مرعوبًا، وكان العرق البارد يتصبب على عمودي الفقري بالفعل حين كنت أعتقد أنها ربما قد ماتت. حسنًا، إنها لم تمت، بل كانت كعادتها. هيلدا العجوز بكتفَيها النحيفتين ووجهها القلِق، وفاتورة الغاز ومصاريف المدرسة، ورائحة معطف المطر والمكتب في يوم الإثنين، كل الحقائق الراسخة التي ترجع لها دون تغيير، الحقائق الأبدية كما يُطلِق عليها العجوز بورتيوس. لاحظت أن هيلدا لم تكن في مِزاج جيد؛ وقد رشقَتني بنظرة خاطفة سريعة، كما تفعل أحيانًا عندما يدور شيء ما في ذهنها، كانت نظرة تُشبه تلك النظرة التي قد ينظر إليك بها حيوان نحيف وصغير كابن عِرْس أو نحوه. مع ذلك، لم تبدُ أنها فُوجِئت برجوعي.

وقالت: «أوه، أوَقد عُدت؟»

بدا من الجلي أنني قد عدت، لذا، لم أُجب. لم تتحرَّك لتقبيلي.

واستأنفت حديثها على الفور قائلةً: «لا يوجَد شيء لتأكله.» تلك هي هيلدا؛ فدائمًا ما تنجح في أن تقول شيئًا مُحبطًا في اللحظة التي تطَأ فيها قدَماك المنزل. وأردفَت: «لم أكن أتوقع مجيئَك، فليس أمامك سوى الخبز والجبن، ولكني لا أعتقد أن لدينا أيَّ جبن.»

تَبِعتها إلى الداخل، حيث رائحة مَعاطف المطر. ودخلنا إلى غرفة الجلوس، ثم أغلقتُ الباب وأنَرت الأنوار. كنتُ أنوي التحدُّث أولًا؛ لأنني كنت أعلم أن الأمور ستكون أفضلَ إذا اتخذتُ موقفًا حازمًا من البداية.

قلت: «حسنًا، ما الذي عنَيتِه بلعب تلك اللعبة السخيفة عليَّ؟»

كانت قد وضَعَت لتلوها حقيبتها أعلى الراديو، وبدَت متفاجئة حقًّا لوهلة.

ثم قالت: «أي لعبة؟ ماذا تعني؟»

«أن تُرسلي لي نداء الاستغاثة ذلك!»

«أي نداء استغاثة؟ ما الذي تتحدث عنه يا جورج؟»

«أتُحاولين أن تقولي لي إنكِ لم تُرسلي نداء استغاثة تقولين فيه إنك كنت مريضة جدًّا؟»

«بالطبع، لا! كيف يُمكنني أن أفعل ذلك؟ لم أكن مريضة. لمَ أفعل شيئًا كذلك؟»

شرَعتُ في شرح الأمر لها، ولكن قبل أن أبدأ مباشرةً فهمتُ ما حدث؛ فقد كان الأمر برمته خطأً، حيث سمعتُ آخر بضع كلمات من نداء الاستغاثة، ومن الواضح أنها كانت هيلدا بولينج أخرى. أعتقد أنك ستجد سجلًّا كاملًا مِمَّن اسمهن هيلدا بولينج إذا بحثت في الدليل؛ فما كان الأمر سوى خطأ من تلك الأخطاء الغبية التي طالما تحدث. لم يبدُ على هيلدا أيٌّ من التخيل الذي ظننتَ أنها قادرة عليه. كان الاهتمام الأوحد في الأمر كله في الدقائق الخمس أو نحو ذلك التي ظننتُ فيها أنها قد ماتت، حيث وجدتُ أنني أهتمُّ بها رغم كل شيء، ولكن ذلك قد ولى وانتهينا منه. وأثناء شرحي لما حدث، كانت تُشاهدني؛ ولاحظت في عينَيها أن ثمة مشكلةً ما في انتظاري. ثم بدأَت تسألني بما أُسميه صوت انتزاع الاعتراف، والذي لم يكن — كما قد تتوقع — غاضبًا ومتذمرًا، بل هو صوت هادئ ويقظ.

قالت: «إذن، لقد سمعتَ نداء الاستغاثة هذا في الفندق ببرمنجهام، أليس كذلك؟»

«نعم، ليلة أمس، على الإذاعة الوطنية.»

«ومتى تركت برمنجهام إذن؟»

«هذا الصباح، بالطبع.» (حسبت الرحلة في ذهني، تحسبًا إن احتجتُ أن أكذب كي أُخرِج نفسي من المشكلة. خرجت في العاشرة، وتناولت الغداء في كوفنتري، والشاي في بيدفورد، خططت لكل شيء.)

«إذن، كنت تعتقد ليلة أمس أنني مريضة جدًّا، ولم ترحل إلا في الصباح؟»

«ولكني أقول لك إنني لم أكن أعتقد أنك مريضة، ألم أشرَح لكِ؟ لقد اعتقدت أنها إحدى خدعكِ، فقد بدا الأمر على الأرجح أقربَ إلى ذلك.»

قالت بكثير من المرارة في صوتها، ما جعلني أعلم أن المزيد قادم: «إذن، من المفاجئ أنك غادرت من الأساس!» ولكنها استأنفَت حديثها بصوت أهدأ، قائلةً: «إذن، غادرت هذا الصباح، أليس كذلك؟»

«بلى، غادرت في نحو الساعة العاشرة. وتناولت الغداء في كوفنتري …»

صرخَت فيَّ فجأة: «إذن، كيف تُفسر هذا؟» وفي اللحظة نفسِها فتحَت حقيبتها بعنف، وأخرجت قطعة من الورق، وأمسكت بها كما لو كانت شيكًا مزوَّرًا أو ما شابه.

شعرتُ وكأن أحدًا قد لكَمني في معدتي. كان يجب أن أتخيل ذلك! لقد اكتشفَت أمري في نهاية المطاف؛ وكان معها الدليل، مستند القضية. لم أكن أعلم حتى ما هو، باستثناء أنه كان شيئًا يُثبت أنني كنت في إجازة مع امرأة. فقدتُ رباطة جأشي بالكامل؛ فقد كنت منذ لحظةٍ أتنمَّر عليها بعض الشيء، وأتظاهر بالغضب لأنها جعلَتني أُهرَع من برمنجهام دون سبب، ولكنها الآن قلبَت الدفَّة ضدي. لست بحاجة إلى أن تُخبرني بالشكل الذي بدَوت عليه في تلك اللحظة؛ فأنا أعلم، وكان الذنب مكتوبًا بخط عريض على كامل جسدي. ولكنني لم أكن مذنبًا! غير أنها أصبحت عادة؛ فقد اعتدتُ أن أكون المخطئ. ولو أعطيتني مائة جنيه، لم يكن بإمكاني التخلصُ من نبرة الذنب في صوتي، فأجبتها:

«ماذا تعنين؟ ما هذا الشيء الذي لديك هنا؟»

«اقرأه وستعلم ما هو.»

أخذتُه، وقد كان خطابًا مما بدا أنه شركةٌ للمحاماة، وكان عليه العنوان نفسه لشارع فندق روبوتوم، كما لاحظت.

قرأتُه: «سيدتي العزيزة، ردًّا على خطابك بتاريخ الثامن عشر من الشهر الجاري، نعتقد أنه لا بد أن ثمة خطأً في الأمر. إن فندق روبوتوم أُغلِق منذ عامَين، وقد تحول إلى مبنًى لمكاتب الأعمال. ولم نرَ أحدًا بأوصاف زوجك هنا. ربما …»

لم أقرأ المزيد، وبالطبع رأيت على الفور ما حدث أمامي؛ فقد تذاكيتُ أكثر من اللازم وورطت نفسي. ولم يكن أمامي سوى شعاع أمل خافت، وهو أن يكون الشاب ساوندرز قد نسي أن يُرسِل الخطاب الذي زعمتُ أنني أرسلته من روبوتوم؛ ففي تلك الحالة يُمكنني أن أنكر مزعمها. ولكن هيلدا سرعان ما كشفَت عن الحقيقة.

قالت: «حسنًا يا جورج، أرأيتَ ماذا يقول الخطاب؟ في اليوم الذي غادرتَ من هنا، كتبتُ إلى فندق روبوتوم، فقط لأسالهم عما إذا كنت قد وصلت، وها قد رأيت الإجابة التي وصلَتني! فلم يكن ثمةَ مكانٌ يُدعى فندق روبوتوم حتى. وفي اليوم نفسه، وفي البريد نفسه، تلقيتُ خطابك الذي تقول فيه إنك كنت في الفندق. أعتقد أنك جعلتَ أحدًا يُرسِلُه لك. أهذا كان عملك الذي في برمنجهام؟!»

«ولكن اسمعي يا هيلدا! لقد أسأتِ فَهم الأمر؛ فهو ليس كما تعتقدين. أنتِ لا تفهمين.»

«لا يا جورج، أنا أفهم. وأفهم جيدًا.»

«ولكن اسمعي يا هيلدا …»

لم يكن ثمة فائدة في الأمر بالطبع؛ فقد كانت في ذلك الموقف كالشرطي العادل، ولم أكن حتى أستطيعُ أن أنظر في عينَيها. استدرتُ وحاولت التوجه إلى الباب.

وقلت: «يجب أن أضع السيارة في موقف السيارات.»

«أوه، لا يا جورج! لن تهرب بهذه البساطة. ستظل هنا وتستمع لما سأقوله إذا سمحت.»

«ولكن اللعنة! يجب أن أُضيء الأنوار، أليس كذلك؟ لقد تجاوزنا الوقت الذي يجب فيه إضاءة أنوار السيارة. أتريدينا أن نحصل على غرامة؟!»

عندئذٍ تركَتْني أذهب، وخرجتُ وأضأت أنوار السيارة؛ ولكن عندما رجعت، كانت لا تزال واقفة هناك كرمز للهلاك ومعها الخطابان، خطابي وخطاب المحامي، أمامها على الطاولة. تمالكتُ نفسي بعض الشيء، وحاولت مرة أخرى، قائلًا:

«اسمعي يا هيلدا، إنكِ لم تفهمي الموقف جيدًا؛ ويُمكنني أن أشرح لك الأمر كله.»

«أنا متأكدة أنك تستطيع أن تشرح وتُبرر أي شيء يا جورج. ولكن السؤال هو: هل سأُصدقك؟»

«ولكنك تسرعتِ في الحكم! ما الذي جعلك تكتبين للفندق على كل حال؟»

«لقد كانت فكرة السيدة ويلر. وكانت فكرة جيدة للغاية أيضًا، كما اتضح بعد ذلك.»

«أوه، السيدة ويلر، هل كانت هي صاحبة الفكرة؟ إذن أنتِ لا تُمانعين في إطلاع تلك المرأة اللعينة على شئوننا الخاصَّة؟»

«لم تحتَج إلى من يُطلِعها على شيء؛ فهي من حذرتني مما تنوي فعله هذا الأسبوع. قالت إنه بدا أن شيئًا أوحى لها بذلك. وقد كانت مُحقة، كما ترى. إنها تعلم كل شيء عنك يا جورج؛ فقد كان لها زوجٌ مثلك تمامًا.»

«ولكن يا هيلدا …»

نظرت إليها، وكان وجهها قد شحب لونه بعض الشيء؛ فقد كانت هكذا تبدو عندما تظن أنني كنتُ مع امرأة أخرى. امرأة أخرى! يا ليت ذلك كان صحيحًا!

يا إلهي! ما الذي كان ينتظرني؟! تعلم ما سيبدو عليه الأمر. أسابيع من التذمر المروع والعبوس المستمر، والملاحظات الخبيثة التي تأتيك بعدما تظن أن الهدوء قد عاد؛ وتتأخر الوجبات دائمًا، ويُريد الطفلان أن يعرفا سببَ كلِّ ما يحدث. ولكن أكثر ما أحبطني كان البؤس العقلي، تلك الأجواء الجنونية التي جعلَت السبب الحقيقي لذَهابي إلى لوير بينفيلد لم يكن حتى مقنعًا. كان ذلك ما خطر ببالي في الأساس في تلك اللحظة، فلو قضيتُ أسابيعَ أشرح فيها لهيلدا سبب ذهابي إلى لوير بينفيلد، فلن تفهم أبدًا. ومن بإمكانه أن يفهم مِمَّن يعيشون هنا في شارع إلزمير؟ يا إلهي! هل أنا نفسي أفهم السبب؟ بدا كل شيء يتبخر من ذهني. لماذا ذهبت إلى لوير بينفيلد؟ وهل ذهبت إلى هناك بالفعل؟ بدا الأمر في تلك الأجواء بلا معنًى؛ فلم يكن شيئًا حقيقيًّا في شارع إلزمير سوى فواتير الغاز، ومصاريف المدرسة، والكرنب المسلوق، والعمل يوم الإثنين.

في محاولة أخيرة، قلت لهيلدا:

«ولكن اسمعي يا هيلدا! أعلم ما تظنين، ولكنك مُخطئة تمامًا. أقسم لكِ إنكِ مخطئة.»

«أوه، لا يا جورج! إن كنتُ مخطئة، فلماذا كان عليك إخباري بكل تلك الأكاذيب؟»

لا مفرَّ من ذلك، بالطبع.

سِرت خطوة أو خطوتَين جيئةً وذَهابًا. كانت رائحة معاطف المطر القديمة قويةً للغاية. لمَ أهرب هكذا؟ ولمَ أهتمُّ بالمستقبل والماضي، وأنا أرى أن المستقبل والماضيَ لا يُهمان؟ أيًّا كانت دوافعي، فأنا بالكاد أتذكرها الآن. الحياة القديمة في لوير بينفيلد، والحرب وما بعد الحرب، وهتلر، وستالين، والقنابل، والمدافع الآلية، والطوابير على الطعام، والهراوات المطاطية، كل ذلك كان يتلاشى. ولم يتبقَّ شيء سوى شجارٍ وضيع وسوقي في ظل رائحة معاطف المطر القديمة.

وفي محاولة أخيرة، قلت:

«هيلدا! فقط استمعي لي دقيقة. اسمعي، إنك لا تعلمين أين كنتُ طوال هذا الأسبوع، أليس كذلك؟»

«لا أريد أن أعلم أين كنت؛ فأنا أعلم ماذا كنت تفعل، وهذا يكفيني.»

«لكن اللعنة …»

لا فائدة، بالطبع؛ فقد قررَت أنني مذنب، والآن ستُخبرني بما تظنُّه فيَّ، وقد يستغرق ذلك ساعتَين. وبعد ذلك ستلوح مشكلةٌ أخرى في الأفق، لأنها عما قريب ستتساءل عن مصدر النقود التي أنفقتها في الرحلة، ثم ستكتشف أنني كنت أُخبئ عنها أمر الجنيهات السبعة عشر. بالطبع لا يوجد ما يمنع أن يستمر هذا الشجار حتى الثالثة فجرًا، ولا فائدة من لعب دور البريء الضحية. كل ما كنتُ أريده هو أقل قدر من المقاومة. وراجعت في ذهني الاحتمالات الثلاثة، والتي كانت:
  • أولًا: أن أُخبرها بما كنتُ أفعله بالفعل، وأجعلها تُصدقني بطريقة أو بأخرى.
  • ثانيًا: أن ألجأ للحُجة القديمة المتمثلة في عدم القدرة على التذكُّر.
  • ثالثًا: أن أتركها تظن أنني كنت مع امرأة أخرى، وأتقبَّل الموقف دون أن أعترض.

ولكن اللعنة! كنتُ أعرف أيَّها سأختار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢