الفصل الثاني عشر

مدائح ابن نباتة المصري

موجز ترجمة ابن نباتة – غلبة البديع على شعره – تحليل الهمزية – تحليل الرائية – تحليل العينية – تحليل اللامية – نقد الميمية – خلاصة القول في مدائح ابن نباتة.

***

  • (١)

    ابن نباتة المصري جمال الدين محمد بن محمد: شاعر مكثر من شعراء القرن الثامن، وُلِد بالقاهرة في زقاق القناديل في ربيع الأول سنة ٦٨٦ﻫ، وتُوفِّي يوم الثلاثاء من صفر سنة ٧٦٨ﻫ بالبيماريستان المنصوري، ودُفِن خارج باب النصر بتربة الصوفية. وَلْيتنبَّه القارئ إلى كلمة «تربة الصوفية» فهي من الدلائل على غلبة التصوف في ذلك الزمان.

  • (٢)

    وأهمُّ ما ترك ابن نباتة في المدائح النبوية خمس قصائد: الأولى همزية مطلعها:

    شُجُونٌ نَحْوَهَا الْعُشَّاقُ فَاءُوا
    وَصَبٌّ مَا لَهُ فِي الصَّبْرِ رَاءُ

    والثانية رائية ومطلعها:

    صَحَا الْقَلْبُ لَوْلَا نَسْمَةٌ تَتَخَطَّرُ
    وَلَمْعَةُ بَرْقٍ بِالْغَضَا تَتَسَعَّرُ

    والثالثة عينية، ومطلعها:

    يَا دَارَ جِيرَتِنَا بِسَفْحِ الْأَجْرَعِ
    ذَكَرَتْكِ أَفْوَاهُ الْغُيُوثِ الْهُمَّعِ

    والرابعة لامية، ومطلعها:

    مَا الطَّرْفُ بَعْدَكُمُ بِالنَّوْمِ مَكْحُولُ
    هَذَا وَكَمْ بَيْنَنَا مِنْ رَبْعِكُمْ مِيلُ

    والخامسة ميمية، ومطلعها:

    أَوْجِزْ مَدِيحَكَ فَالْمَقَامُ عَظِيمُ
    مِنْ دُونِهِ الْمَنْثُورُ وَالْمَنْظُومُ
  • (٣)

    وهذه المدائح كسائر شعر ابن نباتة تغلب عليها فنون البديع، وكانت هذه الفنون غلبت على الشعر كله في تلك الأيام، فلا ينسَ القارئ أن هذا كان منتهى البلاغة عند شعراء القرن الثامن، وليتذكَّر أن موقفنا من هذه الفنون ليس موقف اللائم، ولكنه موقف المؤرخ، وما نستهجنه اليوم من هذه الفنون كان الظفر بنكتة منه غاية ما يصبو إليه كبار الشعراء في ذلك الحين.

  • (٤)

    تقع الهمزية في تسعة وستين بيتًا، منها ستة عشر في النسيب، والنسيب في هذه القصيدة تافه، والشاعر يفرح بالنكتة اللفظية كأن يقول:

    وَلَاحٍ مَا لَهُ هَاءٌ وَمِيمٌ
    لَهُ مِنْ صَبْوَتِي مِيمٌ وَهَاءُ

    ويسرُّه أن يُغرِب في التشبيه فيقول:

    كَأَنَّ الْحُبَّ دَائِرَةٌ بِقَلْبِي
    فَحَيْثُ الِانْتِهَاءُ الِابْتِدَاءُ

    ومَدْح النبي في هذه القصيدة تافه أيضًا؛ فهو يتحدث عن نار المجوس كما تحدث سواه فيقول:

    وَفِي نَارِ الْمَجُوسِ لَنَا دَلِيلٌ
    لِأَنْفُسِهِمْ بِهَا وَلَهَا انْطِفَاءُ

    ويتوهم أن ناسًا ينكرون ذلك فيقول:

    فَقُلْ لِلْمُلْحِدِينَ تَنَقَّلُوهَا
    جَحِيمًا إِنَّنَا مِنْكُمْ بَرَاءُ
    وَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي
    لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

    وفي هذا ما يُشعِر بأنه كان يعارض همزية حسان بن ثابت.

    ويذكر أن نور النبي أصل لنور الشمس:

    وَأَيْنَ الشَّمْسُ مِنْهُ سَنًا وَلَوْلَا
    سَنَاهُ لَمَا أَلَمَّ بِهَا سَنَاءُ

    وأنه يحارب بالدعاء وبالرأي وبالجيش:

    سِهَامُ دُعًا لَهُ وَسِهَامُ رَأْيٍ
    لَهَا فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ مَضَاءُ
    دَرَى ذُو الْجَيْشِ مَا صَنَعَتْ ظُبَاهُ
    وَمَا يُدْرِيهِ مَا صَنَعَ الدُّعَاءُ

    ويذكر أن الناس كانوا يحجون البيت بسرِّه قبل أن يولد بأزمان فيقول:

    وَلَوْلَاهُ لَمَا حَجَّتْ وَعَجَّتْ
    وُفُودُ الْبَيْتِ ضَاقَ بِهَا الْفَضَاءُ
    فَإِنْ يُتْلَى لَهُ فِي الْحَجِّ حَمْدٌ
    فَقِدْمًا قَدْ تَلَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ

    ومن اللعب بالألفاظ هذان البيتان:

    وَنَفْسٌ ذَنْبُهَا كَالنِّيلِ مَدًّا
    وَمَا لِوُعُودِ تَوْبَتِهَا وَفَاءُ
    مُسَوِّفَةٌ مَتَى وَعَدَتْ بِخَيْرٍ
    تَقُلْ سِينٌ وَوَاوٌ ثُمَّ فَاءُ
  • (٥)

    وتقع الرائية في تسعين بيتًا، منها سبعة وثلاثون في النسيب، وهي خير ما قال في المدائح النبوية، وربما كانت خير ما في ديوانه من الشعر الجيد. وتمتاز هذه القصيدة بوضوح المعاني وقوة السبك، وفيها كذلك إشارة لبعض لفتات القدماء، ولا بد أن يكون معاصرو ابن نباتة تلقوها بكثير من القبول؛ لأنها بَعْثٌ لروعة الشعر القديم، وَلْننظر كيف يقول:

    صَحَا الْقَلْبُ لَوْلَا نَسْمَةٌ تَتَخَطَّرُ
    وَلَمْعَةُ بَرْقٍ بِالْغَضَا تَتَسَعَّرُ
    وَذِكْرُ جَبِينِ الْبَابِلِيَّةِ إِذْ بَدَا
    هِلَالُ الدُّجَى وَالشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ
    سَقَى اللهُ أَكْنَافَ الْغَضَا سَائِلَ الْحَيَا
    وَإِنْ كُنْتُ أُسْقَى أَدْمُعًا تَتَحَدَّرُ
    وَعَيْشًا نَضَا عَنْهُ الزَّمَانُ بَيَاضَهُ
    وَخَلَّفَهُ فِي الرَّأْسِ يَزْهُو وَيُزْهِرُ
    تَغَيَّرَ ذَاكَ اللَّوْنُ مَعْ مَنْ أُحِبُّهُ
    وَمَنْ ذَا الَّذِي يَا عَز لَا يَتَغَيَّرُ
    وَكَانَ الصِّبَا لَيْلًا وَكُنْتُ كَحَالِمٍ
    فَيَا أَسَفِي وَالشَّيْبُ كَالصُّبْحِ يُسْفِرُ
    يُعَلِّلُنِي تَحْتَ الْعِمَامَةِ كَتْمُهُ
    فَيَعْتَادُ قَلْبِي حَسْرَةٌ حِينَ أَحْسِرُ
    وَيُنْكِرُنِي لَيْلِي وَمَا خِلْتُ أَنَّهُ
    إِذَا وَضَعَ الْمَرْءُ الْعِمَامَةَ يُنْكَرُ

    والقارئ يجد في هذا الشعر العذب كلمات «الغضا» و«البابلية»، ويجد «ومن ذا الذي يا عز لا يتغير»، ويجد «صحا القلب»، ويجد «العمامة»، وكل أولئك إشارات إلى معانٍ تحدَّث عنها الشعراء الأقدمون.

    وكذلك تطَّرد العذوبة في قوله بعد أبيات:

    وَغَيْدَاءَ أَمَّا جَفْنُهَا فَمُؤَنَّثٌ
    كَلِيلٌ وَأَمَّا لَحْظُهَا فَمُذَكَّرُ
    يَرُوقُكَ جَمْعُ الْحُسْنِ فِي لَحَظَاتِهَا
    عَلَى أَنَّهُ بِالْجَفْنِ جَمْعٌ مُكَسَّرُ
    مِنَ الْغِيدِ تَحْتَفُّ الظِّبَا بِحِجَابِهَا
    وَلَكِنَّهَا كَالْبَدْرِ فِي الْمَاءِ يَظْهَرُ
    يَشِفُّ وَرَاءَ الْمَشْرَفِيَّةِ خَدُّهَا
    كَمَا شَفَّ مِنْ دُونِ الزُّجَاجَةِ مُسْكِرُ
    وَلَا عَيْبَ فِيهَا غَيْرُ سِحْرِ جُفُونِهَا
    وَأَحْبِبْ بِهَا سَحَّارَةً حِينَ تَسْحَرُ
    إِذَا جُرِّدَتْ مِنْ بُرْدِهَا فَهْيَ عَبْلَةٌ
    وَإِنْ جَرَّدَتْ أَلْحَاظَهَا فَهْيَ عَنْتَرُ

    ومع حلاوة هذا الشعر فإنا لا نفهم جيدًا كيف يُؤنَّث الجفن ويُذكَّر اللحظ، ولعله يريد فتور الجفن، وفتك اللحظ، والجمع المكسر في البيت الثاني فيه إشارة لطيفة. وقوله:

    يَشِفُّ وَرَاءَ الْمَشْرَفِيَّةِ خَدُّهَا
    كَمَا شَفَّ مِنْ دُونِ الزُّجَاجَةِ مُسْكِرُ

    فيه معنى جميل، و«المشرفية» هي اللِّثام، ولم أرها عند غير ابن نباتة، وهي كلمة مولَّدة، والبيت الأخير فيه تلاعب بالألفاظ، ولكنه مع ذلك مقبول.

    وابن نباتة مغرم بأمثال هذه الألاعيب اللفظية، ونراه يقول في هذه القصيدة وهو يصف الناقة التي حملته إلى أرض الحجاز حيث قبر الرسول:

    إِذَا مَا حُرُوفُ الْعِيسِ خُطَّتْ بِقَفْرَةٍ
    غَدَتْ مَوْضِعَ الْعُنْوَانِ وَالْعِيسُ أَسْطُرُ
    فَللهِ حَرْفٌ لَا تُرَامُ كَأَنَّهَا
    لِوَشْكِ السُّرَى حَرْفٌ لَدَى الْبِيدِ مُضْمَرُ

    ومن أسماء الناقة: الحرف، فرأى الشاعر أن يجعل العيس أسطرًا، وأن يجعل ناقته موضع العنوان، أما الحرف المضمر فوصف جميل، وإن لم يعرفه النحاة.

    ثم يأخذ في مدح النبي فيبدأ بمعنى ساذج؛ إذ يذكر أن النبي تمَّ مجده قبل أن يُخلق آدم، وذلك قوله:

    نَبِيٌّ أَتَمَّ اللهُ صُورَةَ فَخْرِهِ
    وَآدَمُ فِي فَخَّارِهِ يُتَصَوَّرُ

    وفي هذا البيت جناس سخيف.

    ويجعل من شرفه أن جبريل خادمه، وأن عيسى بَشَّر به، فيقول:

    تَحَزَّمَ جِبْرِيلٌ لِخِدْمَةِ وَحْيِهِ
    وَأَقْبَلَ عِيسَى بِالْبِشَارَةِ يَجْهَرُ
    فَمَنْ ذَا يُضَاهِيهِ وَجِبْرِيلُ خَادِمٌ
    لِمَقْدَمِهِ الْعَالِي وَعِيسَى مُبَشِّرُ

    وعبارة «تحزَّم لخدمته» لا تزال حية في لغة التخاطب.

    ويتحدث عن تهاوي النجوم ونضوب بحيرة ساوة ليلة مولده، كما تحدث غيره، فيقول:

    تَهَاوَى لِمَأْتَاهُ النُّجُومُ كَأَنَّهَا
    تُشَافِهُ بِالْخَدِّ الثَّرَى وَتُعَفِّرُ
    وَيَنْضُبُ طَامٍ مِنْ بُحَيْرَةِ سَاوَةٍ
    وَلِمْ لَا وَقَدْ فَاضَتْ بِكَفَّيْهِ أَبْحُرُ

    ويتمثل نوره يتنقل بين الأصلاب الكريمة، ويرى قوة إبراهيم وثورته على الأصنام فيضًا من فضله، وكذلك يجعله السر في فِدَى الذبيحين وردِّ جيوش الفيل، وذلك قوله:

    تَنَقَّلَ نُورًا بَيْنَ أَصْلَابِ سَادَةٍ
    فَللهِ مِنْهُ فِي سَمَا الْفَضْلِ نَيِّرُ
    بِهِ أُيِّدَ الطُّهْرُ الْخَلِيلِيُّ فَانْتَحَتْ
    يَدَاهُ عَلَى الْأَصْنَامِ تَغْزُو وَتَكْسِرُ
    وَمِنْ أَجْلِهِ جِيءَ الذَّبِيحَانِ بِالْفِدَى
    وَصِينَ دَمٌ بَيْنَ الدِّمَاءِ مُطَهَّرُ
    وَرُدَّتْ جُيُوشُ الْفِيلِ عَنْ دَارِ قَوْمِهِ
    فَلِلهِ نَصْلٌ قَبْلَ مَا سُلَّ يَنْصُرُ

    والقصيدة على طولها ليس فيها جديد؛ فهي معانٍ مكررة تعاورها المادحون من قبل، وقد خُتِمت القصيدة بقطعة جزلة توسَّل فيها الشاعر بالرسول، واستعداه على ما يقاسي من الذل والاغتراب.

  • (٦)

    وتقع العينية في ثمانية وثمانين بيتًا، منها ستة وعشرون في النسيب، والنسيب في هذه القصيدة ضعيف، والشاعر يمضي فيه على ما أَلِف من الإشارات، كان يقول:

    بَانَتْ سُعَادُ فَلَيْتَ يَوْمَ رَحِيلِهَا
    فُسِحَ اللِّقَا فَلَثَمْتُ كَعْبَ مُوَدِّعِي

    يشير إلى «سعاد» في قصيدة كعب بن زهير، والمدح في هذه القصيدة ضعيف أيضًا، وهو فيه يقتبس بعض التعابير القديمة كقوله:

    مَاذَا عَسَى الْمَدْحُ الطَّهُورُ يُدِيرُ مِنْ
    كَأْسِ الثَّنَا بَعْدَ الْكِتَابِ الْمُتْرَعِ
    بَعْدَ الْحَوَامِيمِ الَّتِي بِثَنَائِهَا
    هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ الْمَحَلِّ الْأَرْفَعِ

    والشطر الأخير من قصيدة ابن سينا في النفس.

    والشاعر مفتون بهذه القصيدة، ويرى نفسه خليفة حسان فيقول:

    إِنْ كُنْتُ حَسَّانًا بِمَدْحِكَ نَائِبًا
    فَسَنَاكَ أَرْشَدَهُ وَقَالَ لِيَ اتْبَعِ

    وفي القصيدة قطعة طويلة بكى فيها الشاعر صباه، وتألَّم من غفلته بعد الشيب عن المتاب.

  • (٧)

    أما اللامية فتقع في تسعة وسبعين بيتًا، منها خمسة وعشرون في النسيب، وهي قصيدة نظمها الشاعر معارضة لقصيدة بانت سعاد، وقد اقتبس من لامية كعب شطرات كثيرة، كقوله:

    مَا يُمْسِكُ الْهُدْبُ دَمْعِي حِينَ أَذْكُرُكُمْ
    إِلَّا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ

    وهو مقتبس من قول كعب:

    وَلَا تَمَسَّكُ بِالْعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ
    إِلَّا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ

    وقوله:

    بَاتَتْ زَخَارِفُهَا بِالصَّبْرِ وَاعِدَةً
    وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الْأَبَاطِيلُ

    وهو مقتبس من قول كعب:

    كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا
    وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الْأَبَاطِيلُ

    وهو نفسه قد أفصح عما يؤكد هذه المعارضة إذ قال:

    يَا خَاتَمَ الرُّسْلِ لِي فِي الْمُذْنِبِينَ غَدًا
    عَلَى شَفَاعَتِكَ الْغَرَّاءِ تَعْوِيلُ
    إِنْ كَانَ كَعْبٌ بِمَا قَدْ قَالَ ضَيْفُكَ فِي
    دَارِ النَّعِيمِ فَلِي فِي الْبَابِ تَطْفِيلُ
    وَأَيْنَ كَابْنِ زُهَيْرٍ لِي شَذَا كَلِمٍ
    رَبِيعُهَا بِغَمَامِ الْقُرْبِ مَطْلُولُ
    بَانَتْ مَعَاذِيرُ عَجْزِي عَنْ نَدَاكَ وَعَنْ
    بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ

    والنسيب في هذه القصيدة لا يخلو من روعة، كقوله في خطاب الأحباب:

    يَا بَاعِثِينَ سُهَادًا لِي وَفَيْضَ بُكًا
    مَهْمَا بَعَثْتُمْ عَلَى الْعَيْنَيْنِ مَحْمُولُ
    هَبْكُمْ مَنَعْتُمْ جُفُونِي مِنْ خَيَالِكُمُ
    فَكَيْفَ يُمْنَعُ تَذْكَارٌ وَتَخْيِيلُ
    فِي ذِمَّةِ اللهِ قَلْبٌ يَوْمَ بَيْنِكُمُ
    مُوَزَّعٌ وَدَمٌ فِي الْحُبِّ مَطْلُولُ
    شُغِلْتُمُ بِصَبَاحِ الْأُنْسِ مُبْتَسِمًا
    وَنَاظِرِي بِظَلَامِ اللَّيْلِ مَشْغُولُ
    كَأَنَّمَا الْأُفْقُ مِحْرَابٌ عَكَفْتُ بِهِ
    وَالنَّيِّرَاتُ بِأُفْقَيْهِ الْقَنَادِيلُ

    وقوله: «مهما بعثتم على العينين محمول» من التعابير الحية في القرى المصرية.

    ومن الكلام المقبول قوله في تفدية زمن الوصل:

    يَفْدِي الزَّمَانَ الَّذِي فِي عَامِهِ قِصَرٌ
    هَذَا الزَّمَانُ الَّذِي فِي يَوْمِهِ طُولُ

    أما قوله:

    لَوْ كُنْتُ أَرْتَاعُ مِنْ عَذْلٍ لَرَوَّعَنِي
    سَيْفُ الْمَشِيبِ بِرَأْسِي وَهْوُ مَسْلُولُ
    أَمَا تَرَى الشَّيْبَ قَدْ دَلَّتْ كَوَاكِبُهُ
    عَلَى الطَّرِيقِ لَوَ انَّ الصَّبَّ مَدْلُولُ
    حَتَّامَ أَسْأَلُ عَنْ لَهْوٍ وَعَنْ لَعِبٍ
    وَفِي غَدٍ أَنَا عَنْ عُقْبَاهُ مَسْئُولُ

    فهو مسايرة للبوصيري في قصيدته الميمية.

    فإذا انتقلنا إلى المديح رأيناه يعود إلى معانيه الماضية فيذكر أن محمدًا جُبِل معنى نبوته قبل أن يُجبَل آدم، وأن تاج عُلاه ارتفع قبل أن يرتفع ضوء البدر والنجم، فيقول:

    مُحَمَّدُ الْمُجْتَبَى مَعْنَى جِبِلَّتِهِ
    وَمَا لِآدَمَ طِينٌ بَعْدُ مَجْبُولُ
    وَالْمُجْتَلَى تَاجُ عَلْيَاهُ الرَّفِيعُ وَمَا
    لِلْبَدْرِ تَاجٌ وَلَا لِلنَّجْمِ إِكْلِيلُ

    ولا يكتفي بهذه الدعوى، بل يدَّعي أنه لولا النبي لم تُخلَق الأرض ولا الأفق ولا الزمان ولا الناس ولا المناسك، ولا كان في الدنيا وحيٌ ولا تنزيل، وأن أبرهة لم ينهزم إلا بسرِّه، وذلك حيث يقول:

    لَوْلَاهُ مَا كَانَ أَرْضٌ وَلَا أُفُقٌ
    وَلَا زَمَانٌ وَلَا خَلْقٌ وَلَا جِيلُ
    وَلَا مَنَاسِكُ فِيهَا لِلْهُدَى شُهُبٌ
    وَلَا دِيَارٌ بِهَا لِلْوَحْيِ تَنْزِيلُ
    ذُو الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي مَا اسْطَاعَ أَبْرَهَةٌ
    يَغْزُو مَنَازِلَهَا كَلَّا وَلَا الْفِيلُ

    ويعود إلى ما تحدث عنه في الرائية من خدمة جبريل فيقول:

    مَا زَالَ فِي الْخَلْقِ ذَا جَاهٍ وَذَا خَدَمٍ
    لَكِنَّ خَادِمَهُ الْمَشْهُورَ جِبْرِيلُ

    وقد سرَّه أن يكون أبرهة انهزم بسرِّ النبي قبل مولد النبي فعاد إليه في القصيدة نفسها مرة ثانية، فقال:

    حَامِي حِمَى الْبَيْتِ بِالرُّعْبِ الْمُقَدَّمِ مَا
    نَاوَاهُ أَبْرَهَةُ الْعَادِي وَلَا الْفِيلُ

    وتحدث كما تحدث قبله ناس عن فيض الماء من أصابع النبي، وبركة ما مسَّت راحته من الزاد، وما خاطبته به الوحوش، فقال:

    فَاضَ الزُّلَالُ الْمُهَنَّى مِنْ أَصَابِعِهِ
    نِعْمَ الْأَصَابِعُ مِنْ كَفَّيْهِ وَالنِّيلُ
    وَبُورِكَ الزَّادُ إِذْ مَسَّتْهُ رَاحَتُهُ
    فَحَبَّذَا مَشْرَبٌ مِنْهَا وَمَأْكُولُ
    وَخَاطَبَتْهُ وُحُوشُ الْبِيدِ مُقْبِلَةً
    فَالرِّجْلُ عَاسِلَةٌ وَاللَّفْظُ مَعْسُولُ

    وفي هذه القصيدة قطعة في مدح أصحاب الرسول، نظر فيها الشاعر إلى معاني كعب ومعاني البوصيري، فليس فيها جديد، ومن أظهر الشواهد على ذلك أن البوصيري يقول:

    وَالْكَاتِبُونَ بِسُمْرِ الْخَطِّ مَا تَرَكَتْ
    رِمَاحُهُمْ حَرْفَ شِرْكٍ غَيْرَ مُنْعَجِمِ

    فيجيء ابن نباتة فيقول:

    الْكَاتِبُونَ مِنَ الْأَجْسَامِ مَا اعْتَبَرَتْ
    سُودٌ وَبِيضٌ فَمَنْقُوطٌ وَمَشْكُولُ

    ومن الغرام بالإشارات الاصطلاحية قوله في وصف الرسول:

    مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ مُصْطَبِرًا
    عَلَى الْجِرَاحِ وَبَعْضُ الْجُرْحِ تَعْدِيلُ

    يشير إلى بعض القواعد في علم مصطلح الحديث.

  • (٨)

    أما الميمية فهي أقصر مدائحه وأضعفها، ولم يبتدئها بالنسيب كما فعل في أخواتها من قبل، ولم يأتِ فيها بمعنى طريف، وإنما أعاد الحديث عن نار كسرى، وذكَّرنا بألاعيبه اللفظية حين قال:

    بِمَقَامِكَ الْمَرْفُوعِ يُخْفَضُ ذَنْبُنَا الْـ
    ـمَنْصُوبُ إِنَّ رَجَاءَنَا الْمَجْزُومُ
  • (٩)

    وخلاصة القول أن ابن نباتة كان من المولعين بالمدائح النبوية كأهل عصره، وله في ذلك قصائد بعضها جيد وبعضها ضعيف. ويجب أن نتذكَّر أن ابن نباتة كان من المفتونين بالمجون، وفي ديوانه مقطوعات كثيرة فيها دعارة وفسق، وفيها تزيين للإثم والغواية، وتلك اتجاهات نفسية توحي إلى مَنْ كان في مِثل رقة حِسِّه أن يفزع إلى الندم والمتاب، وكذلك نجد في مدائحه رقة المستغفر المنيب، ولا ينقض ذلك أن يكون شعره ضعيفًا في الاستغفار والإنابة، فإن ذلك الضعف لا يرجع إلى قيمة الصدق في توبته، ولكنه يرجع إلى ضعف الشاعرية عند ابن نباتة، فلن نرى شعره في أصدق مواقفه أقوى من شعره في استغفاره وإنابته، وعودته إلى مدح الرسول من حينٍ إلى حينٍ تؤكِّد مَيْل نفسه إلى هذا الفن، وتدلُّ على رغبته في الخلاص من آصار الذنوب.

    ولا ننسَ النص على أن اهتمامه بمعارضة قصيدة كعب والإشارة إلى همزية حسان يدلُّ على سيرورةِ تلك القصائد، وقربِها من أذهان الناس، وعَدِّها من أصول المدائح النبوية.

    وَلْنَنُصَّ أيضًا على أن جامع ديوان ابن نباتة رتَّبه على حروف المعجم، ورأى أن يجعل ما قيل في مدح الرسول رأس الباب؛ فالهمزية هي أولى القصائد في باب الهمزة، والرائية أولى القصائد في باب الراء، وهكذا، وفي ذلك ما يدل على منزلة المدائح النبوية في أنفس مصنِّفي الدواوين.

    وأغرب ما لاحظناه أن ابن نباتة لم يشغل نفسه بمعارضة ميمية البوصيري، مع أنها كانت شغل الشعراء في ذلك الحين، فدلَّ بذلك على أنه استقل عن الروح السائد في عصره بعض الاستقلال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤