الفصل الثامن

بردة البوصيري

حياة البوصيري، وشعره في الموظفين – نماذج من شعره الفكاهي – سبب نظم البردة – الإكثار من الصلاة على الرسول – شاهد من القصيدة المضرية – أثر البردة في أحلام الصوفية – تعليل تلك الأحلام.

***

تعدُّ قصيدة البُردة أهم القصائد بين المدائح النبوية، فهي أولًا: قصيدة جيدة، وهي ثانيًا: أَسْيَرُ قصيدة في هذا الباب، وهي ثالثًا: مصدر الوحي لكثير من القصائد التي أنشئت بعد البوصيري في مدح الرسول.

ولهذا كله نرى من الواجب أن نعرض للبوصيري وقصيدته بشيء من التفصيل.

  • (١)
    والبوصيري هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله بن صنهاج، كان أحد أبويه من «أبو صير»، والآخر من «دلاص» من قرى بني سويف، فرُكِّبت له منهما نسبة، وقيل: «الدلاصيري» لكنه اشتهر بالبوصيري، وكان يعاني صناعة الكتابة والتصرف، ويباشر الشرقية ببلبيس.١

    والبوصيري شاعر مصري ظريف من شعراء القرن السابع تجري في شعره النكت المستملحة، وله في شكوى حاله والتذمر من الموظفين قصائد لا تخلو من ذكاء، وفي شعره وصف للحالة الاجتماعية في عصره، وأحسبه من الصادقين؛ فهو يذكر أن الموظفين كانوا يسرقون الغلال، وأنهم لولا ذلك ما لبسوا الحرير، ولا شربوا الخمور، وأن من الكُتَّاب طائفة تنسَّكت وعُدَّت من الزهاد مع أنها تملأ بطونها بالسحت، وتأكل مال الأيتام، ويذكر أن القضاة خانوا الأمانة، وبرروا خيانتهم بتأويل القرآن والحديث، ويذكر أن المسلمين والأقباط كانوا مختلفين، فكان المسلمون يقولون: لنا بمصر حقوق، ونحن أولى الآخذين، وكان القبط يقولون: نحن ملوك مصر، ومن سوانا هم الغاصبون، وكان اليهود يستحلون مال الطوائف أجمعين، وفي ذلك يقول:

    نَقَدْتُ طَوَائِفَ الْمُسْتَخْدَمِينَا
    فَلَمْ أَرَ فِيهِمُو حُرًّا أَمِينَا
    فَقَدْ عَاشَرْتُهُمْ وَلَبِثْتُ فِيهِمْ
    مَعَ التَّجْرِيبِ مِنْ عُمْرِي سِنِينَا
    فَكُتَّابُ الشِّمَالِ هُمُو جَمِيعًا
    فَلَا صَحِبَتْ شِمَالُهُمُ الْيَمِينَا
    فَكَمْ سَرَقُوا الْغِلَالَ وَمَا عَرَفْنَا
    بِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ سَرَقُوا الْعُيُونَا
    وَلَوْلَا ذَاكَ مَا لَبِسُوا حَرِيرًا
    وَلَا شَرِبُوا خُمُورَ الْأَنْدَرِينَا
    وَلَا رَبَّوْا مِنَ الْمُرْدَانِ مُرْدًا
    كَأَغْصَانٍ يَمِلْنَ وَيَنْحَنِينَا
    وَقَدْ طَلَعَتْ لِبَعْضِهِمُو ذُقُونٌ
    وَلَكِنْ بَعْدَمَا حَلَقُوا ذُقُونَا
    وَأَقْلَامُ الْجَمَاعَةِ جَائِلَاتٌ
    كَأَسْيَافٍ بِأَيْدِي لَاعِبِينَا
    وَقَدْ سَاوَمْتُهُمْ حَرْفًا بِحَرْفٍ
    وَكُلُّ اسْمٍ يَخُطُّوا مِنْهُ سِينَا
    أَمَوْلَايَ الْوَزِيرَ غَفَلْتَ عَمَّا
    يَتِمُّ مِنَ اللِّئَامِ الْكَاتِبِينَا
    تَنَسَّكَ مَعْشَرٌ مِنْهُمْ وَعُدُّوا
    مِنَ الزُّهَّادِ وَالْمُتَوَرِّعِينَا
    وَقِيلَ لَهُمْ دُعَاءٌ مُسْتَجَابٌ
    وَقَدْ مَلَئُوا مِنَ السُّحْتِ الْبُطُونَا
    تَفَقَّهَتِ الْقُضَاةُ فَخَانَ كُلٌّ
    أَمَانَتَهُ وَسَمَّوْهُ الْأَمِينَا
    وَمَا أَخْشَى عَلَى أَمْوَالِ مِصْرٍ
    سِوَى مِنْ مَعْشَرٍ يَتَأَوَّلُونَا
    يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لَنَا حُقُوقٌ
    بِهَا وَلَنَحْنُ أَوْلَى الْآخِذِينَا
    وَقَالَ الْقِبْطُ نَحْنُ مُلُوكُ مِصْرٍ
    وَإِنَّ سِوَاهُمُو هُمْ غَاصِبُونَا
    وَحَلَّلَتِ الْيَهُودُ بِحِفْظِ سَبْتٍ
    لَهُمْ مَالَ الطَّوَائِفِ أَجْمَعِينَا
    وَمَا ابْنُ قُطَيْبَةٍ إِلَّا شَرِيكٌ
    لَهُمْ فِي كُلِّ مَا يَتَخَطَّفُونَا
    أَغَارَ عَلَى قُرَى «فَاقُوسَ» مِنْهُ
    بِجَوْرٍ يَمْنَعُ النَّوْمَ الْجُفُونَا
    وَصَيَّرَ عَيْنَهَا حِمْلًا وَلَكِنْ
    لِمَنْزِلِهِ وَغَلَّتَهَا خَزِينَا
    وَأَصْبَحَ شُغْلُهُ تَحْصِيلَ تِبْرٍ
    وَكَانَتْ رَاؤُهُ مِنْ قَبْلُ نُونَا
    وَقَدَّمَهُ الَّذِينَ لَهُمْ وُصُولٌ
    فَتَمَّمَ نَقْصَهُ صِلَةُ الَّذِينَا
    وَفِي دَارِ الْوَكَالَةِ أَيُّ نَهْبٍ
    فَلَيْتَكَ لَوْ نَهَبْتَ النَّاهِبِينَا
    فَقَامَ بِهَا يَهُودِيٌّ خَبِيثٌ
    يَسُومُ الْمُسْلِمِينَ أَذًى وَهُونَا
    إِذَا أَلْقَى بِهَا مُوسَى عَصَاهُ
    تَلَقَّفَتِ الْقَوَافِلَ وَالسَّفِينَا
    وَشَاهِدُهُمْ إِذَا اتُّهِمُوا يُؤَدِّي
    عَنِ الْكُلِّ الشَّهَادَةَ وَالْيَمِينَا
  • (٢)

    وهذه القطعة ذكرها صاحب فوات الوفيات من قصيدة طويلة يذكر أنها كانت مشهورة، وشهرتها فيما نرى لا ترجع إلى قيمتها الأدبية؛ لأنها قصيدة ضعيفة يغلب عليها الابتذال، وإنما ترجع شهرتها إلى ما فيها من التنديد بالموظفين، والناس يبغضون الموظفين حين يُعرَفون بالطمع والاستبداد. ولهذه القصيدة قيمتها من الوجهة التاريخية، فهي شاهد على اختلاف الطوائف في مصر، وعلى ما كان يجري إذ ذاك بين المسلمين والنصارى واليهود، وهي كذلك شاهد على عيوب الإدارة في ذلك الحين.

    والظاهر أنه كان مغرمًا بثلب الموظفين، فقد قال من قصيدة أخرى يحرِّض عليهم أحد كبار المماليك:

    فَلَا تُدْنِ مِنْهُمْ وَاحِدًا مِنْكَ سَاعَةً
    وَلَوْ فَاحَ مِنْ بُرْدَيْهِ مِسْكٌ وَعَنْبَرُ
    وَبَرِّدْ فُؤَادِي بِانْتِقَامِكَ مِنْهُمُو
    فَقَدْ كَادَ قَلْبِي مِنْهُمُو يَتَفَطَّرُ
    مُنِعْتُ بِهِمْ حَظِّي شُهُورًا وَلَمْ أَصِلْ
    إِلَى حَظِّهِمْ حَتَّى مَضَتْ لِيَ أَشْهُرُ
    أَمَا فِيهِمُو، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهِمُو
    أَخُو قَلَمٍ إِلَّا يَخُونُ وَيَغْدِرُ

    وفي هذه الأبيات ما يُشعِر بأن الموظفين كانوا يماطلونه في دفع المرتب، وقد صرح بذلك في قصيدة أخرى إذ يقول:

    مَنْ لَمْ يَقُمْ لِي مِنْهُمُو بِوَظِيفَتِي
    جَرَّسْتُهُ بِمَلَامَتِي تَجْرِيسَا
  • (٣)

    ومن شعر البوصيري فيما يجري مجرى الدعابة قوله في الحديث عن جارية راودها عن نفسها فأنكرت عليه الشيب والضعف:

    أَهَوًى وَالْمَشِيبُ قَدْ حَالَ دُونَهْ
    وَالتَّصَابِي بَعْدَ الْمَشِيبِ رُعُونَهْ
    أَبَتِ النَّفْسُ أَنْ تُطِيعَ وَقَالَتْ
    إِنَّ حُبِّي لَا يَدْخُلُ الْقُنِّينَهْ
    كَيْفَ أَعْصِي الْهَوَى وَطِينَةُ قَلْبِي
    بِالْهَوَى قَبْلَ آدَمٍ مَعْجُونَهْ
    سَلَبَتْهُ الرُّقَادَ بَيْضَةُ خِدْرٍ
    ذَاتُ حُسْنٍ كَالدُّرَّةِ الْمَكْنُونَهْ
    سُمْتُهَا قُبْلَةً تُسَرُّ بِهَا النَّفـْ
    ـسُ فَقَالَتْ كَذَا أَكُونُ حَزِينَهْ
    قُلْتُ لَا بُدَّ أَنْ تَسِيرِي إِلَى الدَّا
    رِ فَقَالَتْ عَسَى! أَنَا مَجْنُونَهْ!
    قُلْتُ سِيرِي فَإِنَّنِي لَكِ خَيْرٌ
    مِنْ أَبٍ رَاحِمٍ وَأُمٍّ حَنُونَهْ
    أَنَا نِعْمَ الْقَرِينُ إِنْ كُنْتِ تَبْغِيـ
    ـنَ حَلَالًا وَأَنْتِ نِعْمَ الْقَرِينَهْ
    قَالَتِ اضْرِبْ عَنْ وَصْلِ مِثْلِيَ صَفْحًا
    وَاضْرِبِ الْخَلَّ أَوْ يَصِيرَ طَحِينَهْ
    لَا أَرَى أَنْ تَمَسَّنِي يَدُ شَيْخٍ
    كَيْفَ أَرْضَى بِهِ لَطَشْتِي مَشِينَهْ
    قُلْتُ إِنِّي كَثِيرُ مَالٍ فَقَالَتْ
    هَبْكَ أَنْتَ الْمُبَارِزُ الْقَارُونَهْ

    وهذا أيضًا شعر ضعيف، ولكن فيه «حكاية ظريفة» من حكايات مولانا الشيخ رضي الله عنه وأرضاه! وأظرف من هذه القطعة أبياته التي بعث بها إلى ناظر الشرقية، وكانت له حمارة استعارها منه الناظر فأعجبته، فكتب على لسانها إليه:

    يَا أَيُّهَا السَّيِّدُ الَّذِي شَهِدَتْ
    أَخْلَاقُهُ لِي بِأَنَّهُ فَاضِلْ
    مَا كَانَ ظَنِّي يَبِيعُنِي أَحَدٌ
    قَطُّ وَلَكِنَّ صَاحِبِي جَاهِلْ
    لَوْ جَرَّسُوهُ عَلَيَّ مِنْ سَفَهٍ
    لَقُلْتُ غَيْظًا عَلَيْهِ يَسْتَاهِلْ
    أَقْصَى مُرَادِي لَوْ كُنْتُ فِي بَلَدِي
    أَرْعَى بِهَا فِي جَوَانِبِ السَّاحِلْ
    وَبَعْدَ هَذَا فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ
    أَخْذِي لِأَنِّي مِنْ سَيِّدِي حَامِلْ

    وقد استظرف ناظر الشرقية هذه الأبيات، ورد إليه الحمارة، ولم يكن فيها من الزاهدين! ونحن نستملح كذلك قصيدته التي بعث بها إلى أحد الوزراء في شكوى حاله، وهي قصيدة طريفة يذكر فيها أنه فقير، وأن أبناءه لا يجدون ما يأكلون، وأنهم يتحسرون لفقد الكعك أيام الأعياد، وأن امرأته زارت أختها، وشكت إليها سوء الحال، فأشارت عليها بضربه، ونتف ذقنه شعرة شعرة! وفي تفصيل ذلك يقول، وهو يخاطب ذلك الوزير:

    إِلَيْكَ نَشْكُو حَالَنَا إِنَّنَا
    حَاشَاكَ مِنْ قَوْمٍ أُولِي عُسْرَهْ
    فِي قِلَّةٍ نَحْنُ وَلَكِنْ لَنَا
    عَائِلَةٌ فِي غَايَةِ الْكَثْرَهْ
    أُحَدِّثُ الْمَوْلَى الْحَدِيثَ الَّذِي
    جَرَى لَهُمْ بِالْخَيْطِ وَالْإِبْرَهْ
    صَامُوا مَعَ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمْ
    كَانُوا لِمَنْ أَبْصَرْهُمُ عِبْرَهْ
    إِنْ يَشْرَبُوا فَالْبِئْرُ زِيرٌ لَهُمُ
    مَا بَرِحَتْ وَالشَّرْبَةُ الْجَرَّهْ
    لَهُمْ مِنَ الْخُبَّيْزِ مَسْلُوقَةٌ
    فِي كُلِّ يَوْمٍ تُشْبِهُ النَّشْرَهْ
    أَقُولُ مَهْمَا اجْتَمَعُوا حَوْلَهَا
    تَنَزَّهُوا فِي الْمَاءِ وَالْخُضْرَهْ
    وَأَقْبَلَ الْعِيدُ وَمَا عِنْدَهُمْ
    قَمْحٌ وَلَا خُبْزٌ وَلَا فُطْرَهْ
    فَارْحَمْهُمُو إِنْ عَايَنُوا كَعْكَةً
    فِي كَفِّ طِفْلٍ أَوْ رَأَوْا تَمْرَهْ
    تَشْخَصُ أَبْصَارُهُمُو نَحْوَهَا
    بِشَهْقَةٍ تَتْبَعُهَا زَفْرَهْ
    كَمْ قَائِلٍ يَا أَبَتَا مِنْهُمُو
    قَطَعْتَ عَنَّا الْخَيْرَ فِي كَرَّهْ
    مَا صِرْتَ تَاتِينَا بِفَلْسٍ وَلَا
    بِدِرْهَمٍ وَرِقٍ وَلَا نُقْرَهْ
    وَأَنْتَ فِي خِدْمَةِ قَوْمٍ فَهَلْ
    تَخْدُمْهُمُو يَا أَبَتِ سُخْرَهْ
    وَيَوْمَ زَارَتْ أُمُّهُمْ أُخْتَهَا
    وَالْأُخْتُ فِي الْغَيْرَةِ كَالضَّرَّهْ
    وَأَقْبَلَتْ تَشْكُو لَهَا حَالَهَا
    وَصَبْرَهَا مِنِّي عَلَى الْعِشْرَهْ
    قَالَتْ لَهَا كَيْفَ تَكُونُ النِّسَا
    كَذَا مَعَ الْأَزْوَاجِ يَا عُرَّهْ!
    قُومِي اطْلُبِي حَقَّكِ مِنْهُ بِلَا
    تَخَلُّفٍ مِنْكِ وَلَا فَتْرَهْ
    وَإِنْ تَأَبَّى فَخُذِي ذَقْنَهُ
    أَوِ انْتِفِيهَا شَعْرَةً شَعْرَهْ
    قَالَتْ لَهَا مَا هَكَذَا عَادَتِي
    فَإِنَّ زَوْجِي عِنْدَهُ ضَجْرَهْ
    أَخَافُ إِنْ كَلَّمْتُهُ كِلْمَةً
    طَلَّقَنِي قَالَتْ لَهَا بَعْرَهْ
    وَهَوَّنَتْ قَدْرِيَ فِي نَفْسِهَا
    فَجَاءَتِ الزَّوْجَةُ مُجْتَرَّهْ
    فَقَاتَلَتْنِي فَتَهَدَّدْتُهَا
    فَاسْتَقْبَلَتْ رَأْسِي بِآجُرَّهْ
    وَحَقُّ مَنْ حَالَتُهُ هَذِهِ
    أَنْ يَنْظُرَ الْمَوْلَى لَهُ أَمْرَهْ

    وفي هذه القصيدة كثير من التعابير المصرية، ولا تزال بقاياها موجودة في بلبيس.

  • (٤)

    وقد حدثنا البوصيري عن سبب وضعه للبردة فقال: «كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله منها ما كان اقترحه عليَّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن صاحبني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكررت إنشادها، ودعوت، وتوسلت، ونمت فرأيت النبي ، فمسح وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بُردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدًا، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله ، فقلت: أيها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك وذكر أوَّلها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تُنشَد بين يدي رسول الله ، ورأيت رسول الله يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام.»

    وفي هذه القطعة دلالة على عقلية البوصيري؛ فهو رجل فيه طيبة وسذاجة كأكثر الصوفية، فليس من المعقول أن يبرأ مريض من مرضه لآية يتلوها أو قصيدة ينشدها كما برئ البوصيري بقصيدته، ولو مرض مفتي الديار المصرية — لا سمح الله — ما استغنى بالبردة عن الطبيب،٢ ولعل حكاية البوصيري هذه هي سبب ما سار بجانب البردة من الخرافات، فقد ذكر بعض الشراح لكل بيت من أبياتها فائدة: فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون! وهذا النوع من الغفلة قديم، فقد كان الزمخشري يذكر شيئًا من مثل هذا عن سور القرآن. ونلاحظ كذلك أن البوصيري كرر عبارة «» خمس مرات في هذه الفقرة الصغيرة، وتكرار الصلاة على النبي كلما ذُكر اسمه من وساوس المتأخرين، وقد زاد البوصيري على ذلك في القصيدة المضرية، فهو يدعو الله أن يصلي على النبي وشيعته وصحبه عدد الحصى والثرى والمدر، وعدد نجم السماء، ونبات الأرض، وعدد وزن مثاقيل الجبال، وقطر جميع الماء والمطر، وما حوت الأشجار من ورق، وعدد الجن والإنس والأملاك، وعدد الذر، والنمل، والحبوب، والشعر، والصوف، والريش، والوبر، وعدد ما أحاط به العلم المحيط، وما جرى به القلم والقدر، وعدد نعم الله على الخلائق مذ كانوا، ومذ حشروا، وعدد ما كان في الأكوان، وما يكون إلى يوم البعث، وتكون هذه الصلاة بهذا التحديد:
    فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ يَطْرِفُونَ بِهَا
    أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ أَوْ يَذَرُوا
    مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ مَعْ جَبَلٍ
    وَالْفَرْشِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِي وَمَا حَصَرُوا
    مَا أَعْدَمَ اللهُ مَوْجُودًا وَأَوْجَدَ مَعـْ
    ـدُومًا صَلَاةً دَوَامًا لَيْسَ تَنْحَصِرُ
    تَسْتَغْرِقُ الْعَدَّ مَعْ جَمْعِ الدُّهُورِ كَمَا
    تُحِيطُ بِالْحَدِّ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ

    وهذا النمط من الصلاة على النبي لم يكن معروفًا في صدر الإسلام، وإنما هو تصرف من غلاة الصوفية أمثال صاحب «دلائل الخيرات».

  • (٥)

    ومنام البوصيري كانت له أطياف في أذهان الصوفية، فقد استحبوا أن يقرأ المرء هذا البيت:

    مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا
    عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ

    بعد كل بيت من أبيات البردة، وذكروا أن الغزنوي كان يقرؤها في كل ليلة ليرى النبي في منامه، فلم تتيسر له الرؤيا، فشكا ذلك إلى شيخ كامل، فقال له: لعلك لا تراعي شرائطها! فقال: لا، بل أراعيها. فراقبه الشيخ ثم قال له: إنك لا تصلي بالصلاة التي كان يصلي بها الإمام البوصيري على النبي ، وهي قوله: مولاي صل وسلم (البيت). قالوا: وحكمة اختياره هذا البيت دون غيره أنه رحمه الله لما أنشأ هذه القصيدة رأى النبي في المنام، فأنشدها بين يديه، فكان يتمايل طربًا كتمايل الأغصان، فلما انتهى إلى قوله: «فمبلغ العلم فيه أنه بشر» لم يقدر على تكميل البيت، فقال له عليه الصلاة والسلام: اقرأ، فقال: إني لم أوفق للمصراع الثاني يا رسول الله. فقال له الرسول قل: «وأنه خير خلق الله كلهم»، فأدرج البوصيري هذا المصراع الذي قاله النبي في البيت المتقدم، وجعله صلاة مكررة بعد كل بيت حرصًا على لفظ النبي عليه السلام.

    وهذه المنامات تعليلها سهل، فحب البوصيري للرسول خلق منه قيثارة نبوية، وإيمان الصوفية بعظمة البوصيري ويُمن قصيدته وجَّه أحلامهم إلى تصور الرسول في المنام بفضل الإكثار من تلاوة البردة مصحوبة بتلك الصلاة، والبردة في ذاتها لا تمكن كل إنسان من الكرامات، وإنما تنفعل النفس بما تؤمن به في صدق وإخلاص، فتتمثل الغرائب والأعاجيب، وكذلك كانت البردة عند بعض الناس مفتاحًا للمثول بين يدي الرسول، ورؤيا النبي حق: عند الصوفية، وعند الفقهاء.

١  (راجع فوات الوفيات) وُلِد البوصيري في دلاص سنة ٦٠٨ﻫ، وتوفي بالإسكندرية سنة ٦٩٧ﻫ، وله قبر مشهور في الإسكندرية يتصل به مسجد كبير تدرس به العلوم الدينية.
٢  كذلك قلنا في كتاب: «الموازنة بين الشعراء»، ونرى الآن أن البوصيري صادق في رؤياه؛ لأن قوة الإيمان تؤثر أبلغ التأثير على الجسم، ولا سيما إذا تذكرنا أنه لم يزد على أن قال إنه وجد في جسمه نهضة، وذلك أقل ما يُنتظَر لرجل مؤمن يرى الرسول في المنام ويسمع منه كلمات التشجيع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤