الفصل الثاني

القورينيون

الفضيلة: هي فن إسعاد الذات بالعمل على إسعاد الغير.

الفلسفة اليونانية في العالم القديم

كانت الفلسفة اليونانية خلال الأعصر القديمة محورًا دار مِن حوله الفكرُ البشري عصورًا متعاقبة، ولم يفلت العالم من التأثُّر بالفكر اليوناني تأثرًا مباشرًا، إلَّا منذ عهد قريب قد يكون عصر نيوتن مفتتحه، وعصر دروين ختامه.

ومن العجيب أن تتأثَّر كل نواحي الفكر بما أبرز العقل اليوناني من منتوج، وما خلَّف من مستحدثات حتى إنَّ رجال الدين في العصر النصراني قد عمدوا إلى منطق أرسطوطاليس كما عمد العرب إلى الصور التي استحالت إليها الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني في مدارس الإسكندرية ونصيبين والرُّها وغيرها، يستعينون بها على وضع قواعد «الكلام» في صورة جديدة، تؤيد المعتقد الديني من طريق عقلي صرف، على قدر ما يتقيَّد العقل الإنساني بمنطق أساسه الاستنتاج دون الاستقراء.

ولمَّا أشعت أضواء العقل اليوناني في جنبات العالم المتمدين، مبتدئة في آسيا الصغرى، منذ عهد «طاليس Thales» منتقلة إلى أثينا وبقية المدن اليونانية تَناقَلَها مُحِبُّو الحكمة من بلد إلى بلد، ومن حاضرة إلى أخرى، حتى عمَّ نورها شرقي البحر المتوسط، وما زالت تلك الأضواء تمتد في سماء الفكر وأشعتُها تخترق حجب المدنيات، حتى بلغت حرَّان وجزيرة العرب، فكان لها مراكز للثقافة، انتقلت إلى الشرق ثم إلى شمال أفريقية، حيث تكوَّنت نواة جديدة أبرزت صورة من صور الفكر اليوناني، وضعها الفيلسوف أرسطبس القوريني.

من الأضواء القوية التي أرسلها الفكر اليوناني ضوءٌ انبعثت أشعته عن عقل الحكيم الخالد سقراط فإنَّ الشعلة التي أذكاها هذا العقل قد أضاءت كلَّ أرجاء العالم الذي أظلَّه النفوذ اليوناني في الأعصر القديمة، ففي شمال أفريقية وعلى شاطئ البحر المتوسط الأفريقي، وعلى غربي مدينة الإسكندرية ومن فوق الجبل الأخضر بمدينة قورينة، تكوَّنت شعبة من المذهب السقراطي، ظلت يافعة مثمرة عدة أجيال، ثم ذوت دوحتها دراكًا حتى إذا ما أصابها الانحلال ظهرت مرَّة أخرى في جوف بلاد اليونان، ممثلة في المذهب الأبيقوري المعروف، ذلك المذهب الذي قُدِّر له أن ينقسم عدة شُعب، منها الشعبة التي كونت المذهب الرُّواقي، وهو مذهب أخضع العقلَ الروماني والأخلاق الرومانيَّة لسلطانه أجيالًا عديدة.

قورينة والمدائن الخمس

في مقاطعة بَرْقَة وعلى شاطئ طرابلس الغرب، نزل عدد من اليونان ليستعمروا تلك البقاع التي لم يكن ينقصها من شيء لتكون رقعة من رقاع الفردوس، إلَّا مهارة الصانع وقدرة الفنَّان وخيال الشاعر، وإقدام الرائد.

وعلى مدى الزَّمان شيَّد هؤلاء اليونان الذين نزحوا إلى تلك البقاع، ليزودوها بما كانت تحتاج إليه من الكفايات العليا؛ خمس مدائن كانت «قورينة Cyrene» أقدمها وأزهاها وأعمرها، أما تحقيق اسم قورينة ونشأتها فيكفي أن نعرف فيه الآتي:
  • أولًا: أن العرب في فتحهم لطرابلس الغرب وأفريقية لم يقتربوا من الساحل خوفًا من مراكب الروم، فلم يمروا بهذه المدينة الزاهرة العامرة في أيام المسيح، والتي خربت قبل ظهور الإسلام.
  • ثانيًا: لم يذكرها جغرافيُّو العرب، وإن كان ياقوت اعتمد على كلام مترجمي الإنجيل، فنقل وصفها عن كتَّاب اليونان، وأطلقه على القيروان، وهو خطأ جرَّه إليه علماء المسيحيين الذين غرَّر بهم المترجمون، فكتبوا في الإنجيل وفي سفر «المكابين» قيروان، وقيرواني (في بعض النسخ) لترجمة Cyrene وCyrenaic.
  • ثالثًا: القيروان مدينة أحدثها الإسلام في أواخر الربع الأول من القرن الأول للهجرة، وهي متوغلة في داخلية تونس، بخلاف Cyrene التي هي في إقليم برقة وبنغازي (بني غازي) بأرض طرابلس الغرب.
  • رابعًا: ترجمة اسم هذه المدينة اليونانية وارد في كثير من التراجم القديمة للتوراة وللإنجيل المطبوعة في رومية والمواصل واسمها قورينة.
  • خامسًا: في خريطة فرنسيَّة قديمة يمكن أن تكون في الخزانة الزكية بمصر، وضع الاسم العربي المتداول الآن وهو Grennah ويمكن إعادته إلى العربي في صيغة قرنية، وهي قورينة، وهذا الاسم مكتوب على نفس الموقع الذي كانت قائمة عليه مدينة Cyrene اليونانية.
  • سادسًا: من المعروف جيدًا أنَّ حرف “C” في الكلمات الغربيَّة منقول عن حرف “k” في كل كلمة منقولة من اليونانية إلى اللغات الحديثة مثل Cyrill وهو كيرللس وأصله كورللس وكذلك حرف “Y” (ويسمِّيه الإنجليزي واي) هو في اليونانية القديمة بمثابة الواو العربية، مثل «لوبيا Lybia» و«بوزنطية Byzance» و«سوريا Syria».١

وللاستطراد في التعريف بهذه المدينة، وعلاقة اليونان بشمال أفريقية، والمدائن التي شيَّدوها على البحر المتوسط الأفريقي ننقل الآتي:

أطلق العرب اسم برقة على ولاية رومانيَّة كانت تُعرف عند قدماء اليونان باسم «القيروان Cyrenaica» نسبة إلى قورينا إحدى مدنها، وهي غير مدينة القيروان التي مصَّرها العرب في أفريقية بعد الفتح، وكان الجزء الشمالي منها يُعرف عند اليونان باسم «بنطابلس Pentapolis» أي المدن الخمس، فقد كان فيه خمس مدن كبيرة.
  • الأولى: هسبريدس وقد سماها بطليموس الثالث «هسبيرس برنيقة Hesperis-Berenice» نسبة إلى زوجته برنيقة وسماها العرب برنيق وتُعرف الآن ببني غازي.
  • والثانية: «برقة Barca» وتُعرف الآن بالمرج وبها سميت البلاد عند العرب.
  • والثالثة: «قورينا Cyrene» وبها سميت البلاد عند اليونان، ولا تزال آثارها باقية، ويسميها الأعراب قرنيا وهي على الجبل الأخضر، وعلى مقربة منها عيون ماء، يقال لأحدها عين أبلون وقربها هيكل أبلُّون ولا تزال آثاره باقية. واشتهرت قورينا بمدرسة الطب التي كانت فيها، ويُنسب إليها جماعة من الشعراء والفلاسفة، منهم كليماخوس الشاعر، وأرسطبس تلميذ سقراط، واطسنيز العالم المشهور، وكان عدد سكانها إبان مجدها نحو مائة ألف نفس، وكان لها سور طوله أربعة أميال، ولا تزال آثاره باقية، وحوله ألوف من النواويس والقبور المنحوتة في الصخور.
  • والرابعة: «أبلونيا Apollonia» وتُعرف الآن بمرسى سوسه.
  • والخامسة: «طوخيرا أرسنوي Teucheira Arsinoe» وتُعرف الآن باسم توكرا.٢

وقد فضلت أن تكون النسبة إلى قورينة لا إلى قورينا فقلت قوريني لا قورينائي.

ولا بأس من أن نذكر هنا بعض عبارات عن المعاجم العربية، استكمالًا للبحث، ودفعًا لبعض الأوهام، جاء في شرح القاموس ص٢٩٣ ج١٠ ما يلي:

والقيروان أيضًا (بلد بالمغرب) بفتح الراء وضمها، وهو بلد بأفريقية بينه وبين تونس ثلاثة أيام، لا بالأندلس كما توهم الشهاب فلا يعتد به، قال شيخنا: «قلت افتتحه عقبة بن نافع الفهري زمن معاوية سنة خمسين، والنسبة إليه مرويٌ بالتحريك، وقيرواني على الأصل.»

وجاء في شرح القاموس ص٣٠٩ ج٩ أيضًا ما يلي:

وقيروان (بالمغرب) افتتحه عقبة بن نافع الفهري زمن معاوية سنة خمسين. يروى أنَّه لما دخله أمر الحشرات والسباع فرحلوا عنه، ومنه سليمان بن داود بن سلمون الفقيه.

وجاء في ترجمة القفطي عن حياة أرسطبس: «وقيل إن قورينا هي رفينة بالشام عند حمص والله أعلم.» ولعل هذا الخلط ناشئ عن تشابه الأسماء. فقد جاء في شرح القاموس ص٣٠٩ ج٩: «والقرينين — مثنى قرين — جبلان بنواحي اليمامة بينه وبين الطرف الآخر مسيرة شهر، وضبطه نصر بضم القاف وسكون الياء وفتح النون ومثناة فوقية، وأيضًا علم ببادية الشام.» ا.ﻫ. وأظنُّ أن الوهم الذي وقع فيه القفطي راجع إلى اسم ذلك العلَم الذي هو ببادية الشام.

ومما جاء في الموسوعة البريطانية الكبرى يتضح تمامًا أن قورينة غير القيروان.

جاء في المجلد٦ ص٩٣٦-٩٣٧ من الموسوعة البريطانية:
إنَّ قورينة هي عاصمة المقاطعة الأفريقية التي عُرفتْ بهذا الاسم، ومستعمرة من أعظم مستعمرات الإغريق، ولقد روى هيرودوتس السبب في بناء هذه المدينة، فقال نقلًا عن رواية قديمة إن هاتف دِلْفِي أمر «بُطَّاس Buttas» أن يهاجر مع عدد من الأهالي إلى صحراء لوبيا، ويبتني هنالك مدينة تقوم «بين الأمواء» فظنَّ أن المقصود بذلك أن تكون المدينة في جزيرة، فأنزل جمعه في جزيرة «إفلاطيا Platea» الجرداء في خليج «بومبا Bomba» ولما أن رأى المهاجرون أن أحوالهم غير مواتية، عادوا إلى استشارة الهاتف، فأمرهم بأن ينتقلوا إلى الشاطئ، فاسترشدوا بخبرة أهل لوبيا فقادوا هؤلاء الإغريق إلى مرتفع من الأرض تغذيه الينابيع الكثيرة والمياه الدافقة، وهنالك عثر بُطَّاس على المكان الذي هو بين الأمواه، وشرع يبني المدينة، وكان هذا في منتصف القرن السابع قبل الميلاد.
أمَّا تخريب المدينة فقد جاء عنه في تلك الموسوعة ما يلي:
في أواخر عهد الإمبراطور «ترايانوس Trajan» الروماني حدث في المدينة فتنة يهودية، فاستعمل الإمبراطور في قمعها أساليب أصاب المدينة منها خسائر مدمرة، وكان ذلك سنة ١١٥-١١٦ بعد الميلاد، وفي القرن الرابع بعد الميلاد كانت المدينة قد هجرت، وفي القرن الخامس كانت خرابًا بلقعًا، ومن ذلك العهد إلى غزو العرب سنة ٦٤١ بعد الميلاد أخذت البقية الباقية من اليونان تترك تلك البقعة إلى مدينة أبولونيا فكأن المدينة عند غزو العرب كانت خرابًا.
وجاء في هذه الموسوعة ص٨٠٦ ج١٨ عن القيروان ما يلي:

تبعد القيروان عن تونس ٣٦ ميلًا جنوبًا بغرب، وتروي أسطورة أن عقبة (بن نافع) سنة ٦٧١ بعد الميلاد (٥٠ هجرية) أراد أن ينشئ مدينة لتكون ملجأً يلجأ إليه المسلمون في أفريقية، فقاد أصحابه إلى الصحراء، وأمر الأفاعي والوحوش باسم الرسول، أن تنزح عن المكان، ثم رشق رمحه في الأرض، وقال: هنا القيروان؛ أي محل القِرى والراحة، ومن ثَمَّ أخذ اسم المدينة.

فكأن عقبة على هذه الرواية هو الذي أسس المدينة ولم يفتحها، على رواية المعاجم العربية.

وللتوسُّع في هذا الباب يرجع القارئ إلى كتاب جورج جروت «تاريخ اليونان» الفصل ٢٧ من المجلد الرابع طبعة مكتبة أفريمان ص٢١٥–٢٣٣ لناشريها دنت وشركائه في إنجلترا، وداتون وشركاه في أمريكة، وعنوانه «قورينة وبرقة وهسبيرس».

وصف قورينة

اتفق كل من زار مدينة قورينة من الأقدمين كما جاراهم كل من زار أطلالها من المحدثين، على أنَّ تلك المدينة قد تفرَّدَت بموقع جغرافي تأنَّقت يد الطبيعة في إبداعه، وأنفقت فيه كل ما كمن في تضاعيفها من مهارة القطع والتخطيط، كما زَوَّدَت البقاع المجاورة لها بجمال يكفي أن تقول فيه إنه جمال الطبيعة؛ إذ تخطه يد القدرة على لوحة من الجبال الشامخة ينبسط من تحتها بحر لجي كأنه السندس، وتترامى من جنوبيها صحراء لا يحدها الخيال، وكأنَّها التبر المنثور.

•••

ولقد حمت تلك المدينةَ الفريدة سلسلةٌ من الجبال كانت تردُّ عنها غائلة الصحراء برمضائها صيفًا، وزمهريرها شتاء، واستوت قورينة على قمتين منحدرة على سفوحهما المخضوضرة، مطلَّة من سماء ألفي متر على ذلك الخضم الذي يطاولها فلا يطولها، فكان ذلك سببًا في اعتدال إقليمها على مدار الفصول، كما كان لها من ينابيعها المتفجرة من خلال الجبال التي حملت عرش قورينة نبعًا للجمال فائضًا لا يغيض، ومنهلًا عذبًا سائغًا للشاربين، فكانت في موقعها هذا أشبه بالدرة العصماء، تقذف بها البيد المترامية، ليتلقاها البحر بالرَّاحتين.

•••

وكانت للسحر الذي ينفث به عرش قُورينة في النفوس جاذبية قوية، فأمَّها الملاحون من مختلف أنحاء العالم المتمدين، يمخرون بسفنهم عباب البحر؛ ليزوِّدوها بما تحتاح إليه من الزاد والعتاد، أو ليتزودوا منها بخيرات حسان، أو ليحملوا إليها نزلاء من جزر «ثيرا»٣ و«الفلوپونيز»٤ و«الققْلاد»،٥ والكل مستهين بدمه في سبيل أن يرد عن المدينة هجمات قبائل البربر التي تكتنفها مواطنهم التاريخية، بل ليدفعوا عن جمال الطبيعة وعن آثار الفن الذي تفرد به إذ ذاك أبناء اليونان، وعلى الأخص في المائيات، وتخطيط الطرق وتعبيدها، فإنَّ هذه القدرة كانت قد بلغت في قورينة أقصى مبالغها، وأرفع منازلها، فإنَّ السفوح المنحدرة التي كانت تترامى تحت قدمي قورينة قد ردت طرقًا معبَّدة مذللة المسالك، تتعرج ثم تمتد، وتمتد ثم تتعرج، وتلتوي ثم تدور من حول القمم في وضع حلزوني، حتى تبلغ الذروة التي استوت عليها المدينة مطلة على البحر، وكأنها «نرجس» في أساطير اليونان الأقدمين.٦

وترى الجبال وقد قُطعت صخورها بيد الطبيعة فجاءة، فكأنها الجدران المشمخرة، شامخة بأنوفها الشمِّ نحو السماء، ولكن يد اليونان لا تترك هذه القطوع الرأسيَّة من غير أن تمتدَّ إليها، ومن غير أن يتعهدها الفن بزخرف جميل تبتكره عبقرية الفنان، أو نقش رائع يحفره إزميل المثَّال، أو صورة تخطُّها ريشة المصوِّر على الصخر الجَلْمَد، فتلقي عليك ظلالًا من مختلف ما ترى في الحياة من صور وألوان.

وقد استغلت المياه المنحدرة من ينابيع الصخور، استغلالًا منع على الشمس أن تبخر منها، إلا القدر الذي تعجز المهارة البشريَّة عن أن تغالب فيه فعل الطبيعة، فاخضوضرت من حول قُورِينَة الحقولُ، وترنَّحت في سفوح جبالها أشجار الصرو والصنوبر والحور، نشوانة متمايلة كأنَّها القدود الهيفاء، وفي المروج رتعت قطعان من الماشية والأغنام زوَّدت الدنيا القديمة بأثمن أنواع الصوف، وَوُلِّدت سلائل من الخيل عُرِفت في ملاعب أثينا بأنها لا يشق لها غبار.

وفي هذه البيئة نشأ الفيلسوف أرسطبس صاحب الفلسفة المنسوبة إلى تلك المدينة المهجورة التي تركتها يد الحدثان في وحدتها الأليمة: «تبكي في الليل بكاء، ودموعها على خديها».٧

الحالة الفكرية في قورينة

لم يختلف مؤرِّخان في أنَّ نبض الحياة الفكرية في قورينة ظلَّ يدق بخفوت خلال أزمان طويلة، فالمعارك الدَّائمة التي اشتبكت فيها المدينة الفتية مع سكان البلاد الأصليين، قبل أن تأسرهم مفاتن المدينة اليونانية، والحروب الطاحنة التي عانتها مع مصر — وهي إذ ذاك إحدى الدول العظمى — قد استنفدت كل القوى الحيوية والمعنوية التي كان من الممكن أن تزود بها قورينة أبناءها، بما كانت تصبُّ في معينهم من جمال الموقع، واعتدال الإقليم وكثرة الأرزاق.

ولقد كان من أثر هذه الحروب أن المدينة كانت تحتاج إلى المهاجرين، ليملئوا فراغها الشاسع، فكانت مثلها كالسَّفين تمرُّ على الثغور، ولكن لتفرغ موتى تضمُّهم القبور، ولتشحن أحياء تسلم بهم إلى الموت، كأنما شاءت أهواء الزمان والأقدار، أن تظل قورينة مغمورة في بحر من الدماء والأشلاء.

على أن الحروب لم تكن لتهدأ نوبتها حتى تنتاب المدينة هزة الخلاف على النظام التشريعي، أو نظام الحكم والنيابة بين أهليها.

فدارت معارك الحكم حول الملوكية أولًا، ولكن الملوكية لم تدم فيها إلَّا بقدر ما دامت في أرض اليونان القديمة، فكان نصيبها الزوال في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد.

أمَّا أقدم ما وصل إلينا من ثمرات العقل اليوناني في قورينة فقصيدة من القصص الحماسي عنوانها التليغونية Telegonia وضعها الشاعر القوريني «أوغَمُّون Eugammon» في أواسط القرن السادس قبل الميلاد، وهو عصر كان يعتبر فيه الشعر القصصي في «إيونيا Ionia»٨ من الآداب القديمة، إذ كانت موجة الشعر أخذت تتجه في مدِّها نحو سمت آخر.
أما موضوع التليغونية فذو علاقة بحروب طروادة فقد كان من أبطال إسپرطة في حرب «طروادة Troy» آخيلوس و«أوذسيوس Odysseus» وبعد انتصار أهل اسپرطة وهدم طروادة، رجع المحاربون وأبطالهم إلى أوطانهم، ولكن خيال الشعراء وجد من المغامرات التي صادفها هؤلاء حين عودتهم إلى أوطانهم مجالًا خصبًا فسيحًا لخيالهم، وقد عثرت بعد البحث في المعاجم سدى على كلمات للمؤلف الإنجليزي «جورج جروت G. Grote» عن قصيدة تليغونية أثبتها في الجزء الأول من كتاب «تاريخ اليونان» ص٢٧٢ (طبعة إفريمان) جاء فيها أن هوميروس يترك أوذسيوس في إلياذته مستريحًا بين أهله، وفي كِسر بيته، ولكن شخصيَّة كهذه لا يمكن أن تترك وادعة في حياة البيت، فإنَّ هذه القصيدة تنسب إليه سلسلة من المغامرات بعد حرب طروادة فإن «تليغونس» ابنه من «سرسيه» يهبط «إيثالة» باحثًا عن أبيه، فيعيث في أطراف الجزيرة فسادًا، ويقتل أوذسيوس من غير أن يعرف أنه أبوه، ومن ثم يقع فريسة حزن قاتل، تلقاء قتل أبيه خطأ، فتتدخل أمه سرسيه وبصلواتها وتوسلاتها يصبح فنلوب وتليماخوس من الخالدين، ويتزوج تليغونس من فنلوب، ويتزوج تليماخوس من سرسيه إلى آخر ما هنالك من رواية القصيدة.
وظلت قورينة بعد ذلك — على ما وصفنا — عقيمة لا تلد إلا للموت والفناء، فلم تنجب من ابتكر في العلم أو أبدع في الأدب، حتى ذلك العهد الذي اتحدت فيه مع مصر، منضوية تحت لواء البطالمة،٩ فاستمتعت بالراحة والسلام.
في ذلك العصر بدأ نبوغ العقل اليوناني يحلق في سماء قورينة، فظهر شاعر البلاط «كَلِّيمَاخُوس Callimachus»١٠ الذي اشتهر بالرقة والعذوبة، والإنسيكلوبيدي «إرَاطُسنْيز Eratosthenes»،١١ والمفكر الانتقادي «قرنيادس Carneades».١٢

ولكن لا يجب أن نغفل عن أنَّ أثينا الأفريقيَّة كانت قد فرخت في صدور أبنائها بزرة التعاليم السقراطية؛ فاتبعت سنة الوراثة كاملة، فأنتجت مِثلًا مشابهًا للسلف العظيم، ولكن بطابع قوريني أصيل.

بأية من المدارس السقراطية يلتحق القورينيون

بعد موت سقراط تكونت عدة مذاهب فلسفية، ادعت كل منها أنَّها تقوم على مبادئه وتعاليمه. على أنَّ الاختلاف الملحوظ بين هذه المذاهب عند مقارنة بعضها ببعض، يدل على مقدار ما في المبادئ التي قامت عليها من حاجة إلى التحديد والضبط،١٣ كما يقول دِرَاپَر.
ويعلل الأستاذ سدجويك سبب الاختلاف الذي قام بين المذاهب السقراطية تعليلًا يخالف تعليل الأستاذ دراپر، وعندي أنه أقرب إلى الواقع، بل لا نغالي إذا قلنا بأنه الواقع، فقد قال في كتابه «تاريخ الأخلاق» ص٢٤–٣١ ما يلي:

لمَّا قال سقراط بأنَّ حياة الإنسان العقلية يجب أن تتجه نحو الحصول على ما هو خير، لم يحدِّد ما هو الخير الحقيقي، وماذا يمكن أن يكون.

ولا شكَّ في أن هذا القول فتح باب الاختلاف بين المذاهب السقراطية في تقدير ما هو «الخير الأسمى»، كما جعل للدعوى التي ادعاها أصحاب كل مذهب، من أنهم لم يخرجوا على مبادئ الأستاذ الأعظم أساسًا تقوم عليه.

كان من بين هؤلاء المتقلِّدين إقليدس الميغاري مؤسس المدرسة الميغارية في الفلسفة اليونانية (٣٩٩ق.م) وعلى الرغم من أنه كان من تلاميذ سقراط فإنه درس الفلسفة الإلياوية Eleatic Philosophy.١٤

•••

وقد يشتبه إقليدس الميغاري بإقليدس الرياضي على الكثيرين، وهنا يجب أن ننبه على أن الأخير فيلسوف رياضي علَّم في الإسكندرية حوالي سنة ٣٠٠ق.م، ويعتبر أول من وضع أساس المدرسة الرياضية.١٥
أمَّا إقليدس الميغاري — تلميذ سقراط — فقد كان يستهدف لأخطار شديدة، في سبيل حضوره على المعلم العظيم؛ إذ كان هبوط أحد من أهل «ميغارة Megara» — مدينة أثينا — خيانة عظمى، فلما اضطهد أفلاطون وغيره من تلاميذ سقراط بعد موته، لجئوا إلى ميغارة ونزلوا في ضيافة إقليدس فأحسن وفادتهم وعني بهم.
أما فلسفته التي أكبَّ أرسطبس على درسها، فمزيج من مبادئ الإلياويين Eleatics وتعاليم سقراط مع تغلُّب المبادئ الأدبية على بقيَّة نواحي مذهبه، ولقد قضى بوجود شيء يقال له «الخير»، وقال بأن له ظواهر متعددة، منها الحكمة والله والعقل، وأظهر نزعة إلى ذلك المبدأ الذي انتحله من بعدُ الكلبيون، وتوسَّعوا فيه، مبدأ أن الرجل ذا العقل يجب أن لا يأبه بالألم.
وبالمذهب الميغاري عادة، يلتحق المذهب القوريني الذي وضعه أرسطبس.١٦

هوامش

(١) هذا من تحقيق المغفور له شيخ العروبة أحمد زكي باشا في كتاب خاص للمؤلف تاريخه ٢٣ من سبتمبر سنة ١٩٣٣.
(٢) عن مجلة المقتطف عدد نوفمبر سنة ١٩١١ ص٤٧٣، وأخبرني السيد أمين فهد المعلوف أنه كاتب المقال الذي جاءت فيه هذه العبارات.
(٣) جزيرة في جنوبي أرخبيل الأسفوراد وتسمى الآن «صنطورين Santorin» وقد استمرت معروفة باسم «ثيرا Thera» إلى ما بعد الحرب الصليبية الرابعة وبعد ذلك أصبحت إحدى دوقية الأرخبيل.
(٤) «الفلوپونيز Peloponnes» اسم قديم لشبه جزيرة تكون جنوبي بلاد اليونان وتقع جنوبي برزخ أورثية، وكانت تدعى (موريا) في القرون الوسطى، من طريق مشابهتها في الشكل لثمرة التوت، ولشبه جزيرة الموره علاقة معروفة بتاريخ مصر الحديث.
(٥) جزر «الققلاد Cyclades» جمع من الجزر المتجاورة في أرخبيل اليونان يكون كتلة حول جزيرة «صورا Syra» أو «صوروص Syros» وعاصتمها «هرموبوليس».
(٦) أسطور «الصدى ونرجس Echo and Narcisuss» في المثلوجيا اليونانية أن نرجس كان فتى سليل إلهين من آلهة الماء فأحبته الصدى فصد عنها وجفاها، فشكت أمرها إلى الإلهة هيرا زوجة أبولون، فلم يذعن، ولذا مسخه أبولون زهرة هي زهرة النرجس فكانت على غراره مصوبة برأسها؛ لأنه كان يقف على حوافي الغدران وينكس رأسه ليستجلي جماله في مائها، أما الصدى فأصابها الهزال حتى لم يبقَ منها إلا القدرة على ترديد الأصوات.
(٧) من «مراثي إرميا» في العهد القديم: «كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب، صارت كأرملة العظيمة في الأمم، السيدة في البلدان صارت تحت الجزية، تبكي في الليل بكاء ودموعها على خديها، ليس لها من معزٍّ من كل محبيها، كل أصحابها غدروا بها، صاروا لها أعداء، إلخ.» و«مراثي إرميا» قصيدة منثورة من أمتع ما أخرجت القرائح.
(٨) «إيونيا Ionia» هو الاسم الذي أطلق في الجغرافية القديمة على جزء من شواطئ آسيا الصغرى يجاور بحر إيجه، وتحده ليديا شرقًا.
(٩) جرى الكتَّاب على أن يقولوا البطالسة، والحقيقة البطالمة؛ لأن حرف “S” غير أصيل في اسم بطلميوس، فالاسم عند المحدثين Ptolemy وعند الرومان Ptolemais وحرف “S” يضاف في اللغة الرومانية إلى الأسماء في حالة الرفع، فهو عندهم كالضمة في العربية؛ أي علامة إعراب، فحذف المعربون الحرف الأصيل وهو الميم، وأبقوا على حرف الرفع، وهو غير أصيل، فالواجب أن نقول بطلميوس والبطالمة، لا بطليموس والبطالسة.
(١٠) «كليماخوس» شاعر ونحوي يوناني من أهل قورينة، ومن أعقاب بيت «بنطيده Battidae» المعروف في التاريخ القديم، اشتهر حوالي سنة ٢٥٠ق.م، وأسس مدرسة في ضواحي الإسكندرية، وأكثر الشعراء والنحويين من السكندريين من تلاميذه، وأقامه بطليموس الثاني (فيلا دلفوس) أمينًا لمكتبة الإسكندرية، وظل بها حتى توفي في سنة ٢٤٠ق.م، وقد يداخلنا الشك في صحة التاريخين المذكورين هنا، أو يكون أحدهما مدخولًا بالخطأ، وأرجح أن يكون التاريخ الأول (٢٥٠ق.م) هو تاريخ هبوطه الإسكندرية، أو تأسيسه مدرسة فيها.
(١١) «إراطسنيز Eratosthenes» السكندري وطنًا (٢٧٠–١٩٤ق.م) عالم يوناني وكاتب مشهور، ولد بقورينة، ودرس النحو على كليماخوس في الإسكندرية، كما درس الفلسفة على الفيلسوف الرواقي «أرسطون Ariston» والأكاديمي «أرقسلاوس Arciselaus» في أثينا، وعاد إلى الإسكندرية بدعوة من بطليموس الثالث (أورغيطس) الذي أقامه أمينًا لمكتبة الإسكندرية خلفًا لمعلمه كليماخوس، وهو من أعلم علماء الأقدمين، وكتب في كثير من فروع المعرفة، فإذا عرفنا أن أرسطبس (٤٣٥ق.م) لم ينبه إلا في أواسط القرن الرابع قبل الميلاد، فكأنه وضع مذهبه حوالي ذلك الوقت، ولكن أثينا كانت ميدان فكره ودرسه، والظاهر أنه لم يعد إلى قورينة إلا في أواخر أيام عمره.
(١٢) قرنيادس (٢١٤–١٢٩ق.م) فيلسوف يوناني، ومؤسس الأكاديمية الثالثة أو الجديدة، ولد بقورينة والمعروف عن حياته قليل، ودرس الجدل على ديوجنيس الرواقي وعلى هجسياس ثالث رءوس الأكاديمية بعد أرقسلاوس، ودرس على الأخص مؤلفات فريسيفوس، وكان انتقاده مؤلفات هذا الفيلسوف، ينبوعًا لفلسفته الخاصة.
(١٣) راجع الأستاذ دراپر في كتابه «نشوء أوربا العقلي» Draper Intellectual Development of Europe: 148-149 Vol. I..
(١٤) عن دراپر «نشوء أوربا العقلي» ١٤٨-١٤٩، ج١.
(١٥) راجع من ٣٤٧ من قاموس تشامبرس للتراجمة: Ch. Biographical: Dictionary.
(١٦) عن دراپر «نشوء أوربا العقلي» ص١١٤، ج١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠