الفصل السادس

نظرية المعرفة عند القورينيين

«إن تاريخ مذاهب اليونان الفلسفية يدل على أن حركة الفكر وحلقات الدرس في هذا الشعب الممتاز كانت متواصلة، فإذا أردنا أن نعرف النبع الذي استقى منه القورينيون أصل الفكرة في نظريتهم في المعرفة، وجب علينا أن نعود بالقارئ لمامًا إلى مقررات لوسيفوس وإلى مذهب ديمقريطس في الذرات.»

نظرية المعرفة عند القورينيين

ألمعنا من قبل إلى نظرية المعرفة عند القورينيين عندما لخصنا عن الأستاذ إردمان شرحه للعنصر الأساسي في فلسفة أرسطبس، وقد جاء في ذلك التلخيص ما يلي: «إنَّ النتيجة التي تترتب على القول بأنَّ كل «المعرفة» إدراك بالحس Sense perception وأنَّ كل إدراك بالحسِّ إنما «ندرك» به كيف أثر فينا ذلك الإدراك، تحصر «معرفتنا» في الوقوف على حالات «الوعي» أو الشعور Consciousness الكائن في تضاعيفنا، وعلى هذا يكون إدراك حالات الوعي النفسي وأساليبها، كل ما في مذهب أرسطبس من علاقة بالطبيعة.»

كذلك اضطررنا إلى الكلام في نظرية «المعرفة عند القورينيين» عندما تكلمنا في علاقة أفلاطون بالنظرية القورينية في كتابه «ثياطيطوس». غير أننا نريد قبل أن نمضي في بحث هذه النظرية أن نقرر أمرًا ذا بال، فنتساءل: «أكانت نظرية اللذة عند أرسطبس الأصل الذي جره إلى وضع نظرية المعرفة، وقوله: إن المعرفة «إدراك بالحس» أم كانت نظرية المعرفة هي الأصل الذي جره إلى نظرية اللذة؟»

والراجح عندي أن نظرية المعرفة كانت الأصل الذي جره إلى القول بنظريته في اللذة، والحكم بأن اللذة هي الخير الأسمى، وأن لذة «الحس» أسمى اللذات جميعًا كما سيتضح لك من سياق هذا البحث.

ويجدر بنا قبل أن نتغلغل في صميم هذا البحث، أن نلمع ثانية إلى العلاقة الفكرية والمذهبية التي تربط بين بروطاغوراس وأرسطبس. فقد سبق لنا أن قررنا أنه من المستطاع أن نرد فكرة أرسطبس إلى مبدأ رئيس، قال به الفيلسوف بروطاغوراس إذ قضى بأن معرفة الإنسان تقف عند الحد الذي تؤهل به إليه حواسه، كذلك أثبتنا أن الآصرة التي تربط بين الحواس واللذة، أمتن الأواصر وأقواها، فإذا أضفنا إلى هذا قول بروطاغوراس: «إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف إلا ما يظهر له (أي الظواهر) لا ما هي طبيعة الأشياء في ذاتها (أي الماهيات)» — استطعنا أن نجر إلى ذهن القارئ حقائق تكفي عنده لتأييد ما نرجحه من أن نظرية أرسطبس في المعرفة كانت الأصل الذي استمد منه فكرته في اللذة، ذلك بأن الواقع كما قررنا من قبل أن الوعي أو الشعور الذي هو أساس المعرفة عند أرسطبس، إنما تلابسه إحدى حالات ثلاث: إما عنف، وإما اعتدال، وإما سلب. وهذه الحالات بعينها هي التي أثبتها أرسطبس تمييزًا لدرجات اللذة، وإذن يكون مذهب أرسطبس الأخلاقي — وبالأحرى السلوكي — تقريعًا على مذهبه في المعرفة، الذي استمده أصلًا من بروطاغوراس.

•••

كذلك عرض لنا أن نتكلم في أرسطبس وأفلاطون في كتابه «ثياطيطوس» في نظرية المعرفة عند القورينيين، وشرحنا طرفًا منها، فلا مندوحة لنا في هذا المقام من أن ننقل تلك العبارات توطئة للكلام في نظرية المعرفة عند القورينيين، جاء في الموضع الذي أشرنا إليه:

ويكفي هنا أن نعرف أن أرسطبس وشيعته لم يزودوا الفكر الإنساني بنظرية فذة في الأخلاق لا غير، بل أضافوا إلى ذلك نظرية في المعرفة شرحوها ودافعوا عنها، وكان لها أكبر الأثر في كل ما ظهر من صور الفكر الفلسفي على مدار العصور، أمَّا محصل هذه النظرية فيكفي أن نعرف منه هنا أنَّ القورينيين كانوا يقيمون نظريتهم في المعرفة على قاعدة بسيطة، تنحصر في قولهم: «إنَّ الأساليب أو الكيفيات التي تتأثر بها، هي وحدها التي يمكن معرفتها.» ولما كانت هذه القاعدة هي لب النظرية، فيكفي أن نقول فيها إنَّ القورينيين مضوا في شرحها مستعينين بكل ما يخطر ببال من المُثل التي تستمد من «إدراك الحس»، فهم يقولون مثلًا بأننا لا نعرف أن العسل حلو، وأن الطباشير أبيض، وأن النار تحرق، وأن السكين تقطع، وإنما تعرف من هذه الأشياء وأمثالها حالات الوعي التي نعيها، وبالأحرى حالات الشعور التي نشعر بها؛ أي إن لنا إحساسًا بالحلاوة، وآخر بالبياض، وثالثًا بالحرق، ورابعًا بالقطع، وهكذا، وإن هذه الحسوس المختلفة هي طريقنا إلى المعرفة؛ أي إننا إنما نعرف الآثار التي تتركها الأشياء فينا من طريق الحواس، لا ما هي حقيقة الأشياء في ذاتها.

ولا شك في أن قوة التحليل الفلسفي الذي امتازت به الشيعة القورينية قد أدت بهم إلى الذهاب في بحث نظرية المعرفة التي اعتنقوها إلى أغوار أعمق من تلك الأغوار التي بلغوها في بحث نظريتهم في الأخلاق على عمقها وتغلغها في صميم الأشياء الإنسانية، لهذا سوف نطنب بعض الشيء في شرحها والكلام فيها، ومقارنتها بغيرها من النظريات، والبحث عن منابعها الفكرية وتطورها، ولا جرم أن إطنابنا سوف يشفع لنا فيه تلك الثمار الشهية التي سنجنيها من هذا البحث الفلسفي العميق.

•••

إن تاريخ مذاهب اليونان الفلسفية، يدل على أن حركة الفكر وحلقات الدرس في هذا الشعب الممتاز كانت متواصلة، فإذا أردنا أن نعرف النبع الذي استقى منه القورينيون أصل الفكرة في نظريتهم في المعرفة، وجب علينا أن نعود بالقارئ لمامًا إلى مقررات لوسيفوس وإلى مذهب ديمقريطس في الذرات.

فقد نجد أنه منذ عهد أنَكْسَاغُورَاس مضى العقل اليوناني يفتش — بما عُرف فيه من نزعة تأملية عميقة الأثر في استجلاء حقائق الأشياء — عن نظرية يعلل بها «المعرفة»، ويخلص من طريقها إلى تعليل يقبله العقل في حقيقة المادة، ولقد نجد أيضًا أن البحث في هذه الناحية قد أدى إلى نظريات وفروض تخالطت فيها نواحي التفكير تخالطًا، وتشابكت فيها جهات العقل، من تأمُّل واستنتاج إلى بحث واستقراء حتى صُبغت الفلسفة اليونانية في هذه الناحية بصبغة من الغموض لم يتَح لعقل أن يجلو عنها شيئًا منه، إلا عقل ديمقريطس العظيم.

يقول أرسطوطاليس: إن الفضل في ذلك إنما يعود إلى لوسيفوس، ولكنا نعلم يقينًا أن هذه النظرية لم تصلنا مجلوة في ثوبها المنطقي الطبيعي إلا في مقررات ديمقريطس إذ يقول:
يحاول العرف١ أن يبثَّ في روعنا أن هنالك شيئًا حلوًا وآخر مرًّا، وأن شيئًا حارًّا وآخر باردًا، وأن هنالك شيئًا يقال له اللون، ذلك في حين أن الحقيقة توحي إلينا بأن هنالك شيئين واقعين لا غير هما: الجوهر الفرد والخواء.
أما إذا أخرجنا من حسابنا مؤقتًا الجوهر الفرد والخواء، وحصرنا تفكيرنا فيما ندعوه «الناحية السلبية» في طريقة تفكير ديمقريطس، رأينا أنَّ هذا الفيلسوف قد ساق كلامه في قالب يشعرنا بأن تلك «الصفات»، وبالأحرى «الأعراض» التي ندعوها الحرارة واللون والذوق، ثم الشم والسمع؛ إنما هي أشياء ليس لها وجود موضوعي Objective مما يدلنا دلالة واضحة على أنَّ الفرق بين «العرف» وبين أشياء الطبع، أو بالأحرى «الطبيعة»، كان من الأشياء المدركة إدراكًا كافيًا في ذلك العصر، وأن العرف هو ما نمثل له بالعادات والتقاليد والشرائع، وبالأحرى الأشياء التي تواضع عليها الناس اتفاقًا، وهي أشياء تختلف باختلاف الجماعات، وتتغير بتغير البيئات، كانت قد اتخذت عنوانًا على التغير والحدوث، مقيسة على ما في الطبيعة من ثبات وقدم، لهذا اتخذ العرف مثالًا للتغير وعدم الثبات، وعنوانًا على الخضوع للاختيار وحكم الحوادث، كيفما وقعت وعلى أية صورة كانت.

من هنا أخذ ديمقريطس يقيس العرف على إدراك الحواس، فرأى أن هنالك كثيرًا من الحقائق دلته على أن إدراك الحواس إنما يرجع إلى خواص كائنة في تكوين الأفراد وإلى التغيرات المختلفة التي تلحق حالات الفرد الواحد وفي النهاية على الصور المختلفة التي تتشكل فيها «ذرات المادة»، فالمصاب باليرقان يحس العسل مرًّا، وأن درجة البرودة أو الحرارة — أفي الماء كانت أم في الهواء — يتوقف مقدار الإحساس بها على حالات الجسم، ومقدار ما فيه من برودة أو حرارة في وقت ما، إلى غير ذلك من الأمثال التي أفاض في تعدادها إفاضة فيلسوف ملم بحقائق الأشياء.

ولو أنَّ فلاسفة الأقدمين كانوا قد أوتوا من قوة التعبير ما أوتي المحدثون، وطاوعتهم اللغة على أن يضعوا مصطلحات محدودة المعاني يُستعان بها على تعيين المراد تمامًا؛ إذن لاستطاع ديمقريطس في عصره أن يكون أدق تعبيرًا عما أراد، ذلك بأن تطور معاني المفردات اللغوية يكسب الفلسفة، كما يكسب العلم، صفات جديدة أهمها صفة تحديد المعنى الذي يحمله كل لفظ من الألفاظ الاصطلاحية.

فإننا قد نعرف الآن الفرق الظاهر بين الصفات المطلقة والصفات النسبية، وبين الحقائق الذاتية والحقائق الموضوعية، أما في عصر ديمقريطس، فلم تكن هنالك ألفاظ يكفي مجرد ذكرها استيراد كل هذه المعاني في ذهن الباحث، ولو أن شيئًا من ذلك كان قد عُرف في عصر ديمقريطس؛ إذن لاستطاع أن ينزل إلى أعماق من الفكر، مثل تلك الأعماق التي ننزل إليها الآن، بأنْ عرفنا من تحديد المصطلحات مثلًا أن هناك عنصرًا ذاتيًّا Subjective يتغلغل في صميم الحقائق الموضوعية، وإننا لا نشك الآن مثلًا في أن تلك الصور غير المتناهية من الآثار الذاتية، ليست عبارة عن خيالات تشوبها الفوضى، وإنما هي خاضعة لسلسلة منظومة من قوانين السببية.

ولو أننا كنا نتكلم هنا في ديمقريطس بالذات؛ إذن لاستطردنا إلى الكلام في العلاقة الفكرية التي تربط بين فلسفة ديمقريطس من هذه الناحية، وبين فلسفة خليفتيه توماس هُبْز وجون لوك المحدثَين، ولكنا قد سردنا حتى الآن من مبادئ ديمقريطس في الذرات وإدراك الحس، ما يكفينا لمتابعة الكلام في نظرية المعرفة عند القورينيين.

لما أراد الأستاذ جومبرتز الألماني — وهو من ثقات المؤلفين في تاريخ الفكر اليوناني — أن يُلِمَّ بشيء من تاريخ التطور الذي لحق نظرية المعرفة عند القورينيين، لم يتبع طريق التسلسل التاريخي في ظهور الفكرات والمذاهب متعاقبة بحسب ترتيبها الزماني، وإنما عمد إلى طريقة تبويبها من حيث المكانة والشأن والأثر في تطور الفكر، فجاء تعقيبه رجعيًّا؛ إذ بدأ بالفيلسوف «سقسطوس Sextus»٢ وانتهى بأفلاطون، وخلَّلَ فيما بينهما بالفيلسوف «أرسطوقليس Aristocles».

وهو على اعتقاد بأنَّ هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، أكثر من ألمَّ بهذه النظرية وأن ترتيبهم على هذا الوجه يلائم عنده قيمة بحوثهم فيها.

أما سقسطوس فمن الفلاسفة التجريبيين الذن شغفوا بدرس الطبيعيات، ظهر حوالي سنة ٢٠٠ بعد الميلاد، ذلك في حين أن أرسطوقليس مشائي من أتباع أرسطوطاليس، ظهر قبل سقسطوس بجيل واحد، ولقد وصل إلينا من آثاره الفلسفية عبارات مطولة نقلها المؤرخ الكنسي «أوزبيوس Eusebius» في كتابه المسمى “Prœparatis Evangelica”.

أما السبب في أن يذكر الأستاذ جومبرتز الفيلسوف الإلهي أفلاطون في آخر هذه الحلقة، مع أنه أولها ظهورًا، فيرجع إلى أن الأوَّلَين عالجا النظر في نظرية المعرفة عند القورينيين بالذات، في حين أن أفلاطون لم يعالجها باعتبارها نظرية قورينية أصيلة، وإنما هو خصها بجزء ضئيل من كتابه «ثياطيطوس» باعتبار أنها نظرية غامضة من نظريات السفسطائي بروطاغوراس، على العكس مما يذهب إليه الآن كل ثقات المؤرخين في المذاهب الفلسفية اليونانية؛ إذ هم يؤمنون — وعلى رأسهم البحَّاثة الكبير فردريخ شليرميخر — أنَّ هذه النظرية من نتاج الفيلسوف أرسطبس، ذلك بأنه تلقاها من الفلاسفة الدارجين من قبله فرضًا غامضًا، فصاغها في قالب نظرية فلسفية يسلم بها العقل ويؤيدها المنطق، فأدخلها بذلك في حيز الفكرات المميزة ذوات الحدود والتعاريف.

على أننا مع هذا لا نشك في أن الفيلسوف أرسطوقليس قد نمَّ بما كتب على أن كفاياته لم تؤهل به إلى معالجة الصعاب التي تكتنف هذه النظرية الفذَّة، ولم تصل به إلى ذلك الحد الذي يستطيع عنده أن يقدر القيمة الحقة لهذه النظرية، ويكفي عندك أن تعرف، لتقتنع بهذا، أن أرسطوقليس قد اكتفى بذكر بعض نتف مثَّل بها القورينيون لبيان مذهبهم في المعرفة، ثم راح يُجادل فيها جدلًا طويلًا ويناقش في ما يدور حولها، مناقشات لم تتناول لب النظرية بحال من الأحوال، وإنما كانت أقرب إلى الجدل الفرضي الذي اتصفت به الفلسفة في عصور الانحطاط، إذ كان طابعها الفرار من الصعاب التي يواجهها الفكر عند النظر في حقائق الأشياء، ليأنس اللِّين والبساطة عند النظر في الأعراض.

أما سقسطوس فقد كان — فضلًا عن مشائيته وحبه البحث في الجواهر الطبيعية — من أنصار مذهب الشك، على أن تأييده لمذهب الشك لم يكن ليضيره شيئًا، لو أنه استطاع أن ينظر في مذاهب الفلسفة نظرة استقلال بعيدة عن التعصب المذهبي، أما وأنه يحاول أن يجر المذاهب كلها، بما فيها مذهب المعرفة عند القورينيين، إلى مفاوز موحشة من الجدل، ليجعلها تلائم القول بالشك على القواعد التي اعتنقها فيه، فإن ذلك كان سببًا في أن يقلل من قيمة شكه، بل وكان عاملًا من العوامل التي أثرت في فلسفته، فرماها الباحثون بالشك فيها، وقلة الثقة بمقرراتها.

آية ذلك أنه ألبس عباراته التي بحث فيها نظرية المعرفة عند القورينيين ثوبًا محيكًا من لغة مذهبِه في الشك، وشرحها بحيث جعل للناحية الشكية فيها، وبالأحرى مُثُل الناحية السلبية، المقام الأول.

غير أننا نعثر بجانب هذا على أشياء أثارت في الباحثين، وما زالت تثير، أشد العجب، فإنَّ تلك العبارات التي حاول بها فلاسفة من أمثال سقسطوس أن يجروا نظرية المعرفة عند القورينيين إلى مفاوز الشك والسلب، قد تضمنت كلمات أو عبارات هي أبعد ما تكون عن لغة الشك وعن مقررات الشك، بل هي أقرب إلى التقرير المذهبي، كأن يقولوا في شيء مثلًا «هذا حق» أو «غير منقوض» أو «ثابت» أو «معصوم عن الشك» أو «حقيقي» أو «يمكن الاعتماد عليه» ولا شك في أن هذا مما يثير رغبة الباحث في معرفة السبب في هذا التناقض بين ظاهر المذهب الشكي، وأخذهم بمثل هذه التعبيرات التي يقول بها غير المؤمنين أو أصحاب التعصب المذهبي؛ وإذن ينبغي لنا أن نستعمق بالبحث في عقل هؤلاء الفلاسفة، وفي المبادئ الفلسفية التي كان لها الزعامة الأولى على الفكرات التي حوَّمت في رءوسهم، ولقد نرى فيما بعد أن ما سيظهر لنا أنه فرضي خيالي، سوف يصبح، مع التحليل والبحث المنطقي، من الحقائق التي يسلم بها العقل.

•••

كان للكشف عن الفرق بين الصفات الأولية والصفات الثانوية — وهو كشف من أعظم ما زود به الفيلسوف لوسيفوس مذاهب الفلسفة من المبادئ — أثرًا جر الباحثين إلى الفحص عن أثر العنصر الذاتي Subjective في إدراك الحس بوجه عام، أما الفحص عن «العنصر الذاتي» في الصفات فكان خطوة خطتها الفلسفة إلى الأمام، بل هي خطوة رئيسة، كان لها أثر كبير في البحث عن أصل الإحساسات، غير أن أوجه الفحص عن ذلك لم يتأتَ إلا للذين درجوا بعد لوسيفوس من الفلاسفة، أضف إلى ذلك أن تأثير «العنصر الذاتي» في الصفات لم يكد يستقر على قاعدة، حتى تغلغل في عقول الباحثين وأحاط بأسلوب تفكيرهم وثبت فيه، وازداد ثباتًا على مرِّ الأيام، وبتقدم البحوث الفلسفية.

عندما استقر الاعتقاد بأن في الصفات «عنصرًا ذاتيًّا» تدرج العقل إلى التساؤل عن المدركات التي نُفِي عنها تأثير العنصر الذاتي، وهل هي في الحقيقة بعيدة عن ذلك التأثير؟ فقد قيل مثلًا: إنَّ إدراك اللون خاضع للعنصر الذاتي، وليست كذلك الأشكال والصور. غير أن التفرقة بين مثل هذه الأشياء — اللون والصورة مثلًا، على وثيق اتصالهما — لا يمكن أن تظل مأخوذًا بها عقلًا، إذا ما تنبه العقل إلى عدد من أكاذيب الحس التي في العين، غير إدراك اللون، فإن العصا تظهر للعين منكسرة إذا غُمست في الماء، والشيء الواحد يظهر بأقدار مختلفة، إذا ما نظر مرة بالعين سليمة، ومزدوجة الأشباح أخرى، وهي حالة مرضية، أو بالضغظ على طرف العين ثالثة. وكذلك حس اللمس — وهو من الحسوس التي اعتبرت أول الأمر مثالًا لما سُمِّي «الحسَّ الموضوعي»؛ أي الذي لا يدخله «العنصر الذاتي» — فقد وجد بعد الاستبصار أنه عرضة لنقائص كبيرة، ولقد ضرب سقسطوس أمثالًا على ذلك كثيرة.

على أن بعض الفلاسفة أراد أن ينمي نظرية جديدة حاولوا بها أن يقللوا من شأن «العنصر الذاتي» في الصفات، فقالوا: إن حسًّا من الحسوس أو عضوًا من الأعضاء، إذا عجز عن تأدية وظيفته كاملة، أعانه حس أو عضو آخر على إتمامها على وجه الكمال والتمام، كما تتم حالة سوية Normal نقائص أخرى غير سوية Abnormal غير أن هذه النظرية قد لقيت من الاعتراض والشك قدرًا، رَجَّهَا وزعزع الثقة بها.

فقد قال المعترضون: «من ذا الذي ينبئنا أن في حالات أخر قد ينعدم ذلك التعاون بين الحسوس المختلفة، فتنشأ الأكاذيب الحسية؟» أضف إلى ذلك أن ديمقريطس قد قرر من قبل أن تمييز الحق من الباطل لا يتوقف على العدد — أي عدد المؤيدين والمعارضين — ولا على الأغلبية أو الأقلية، سواء أمن الأشخاص أم من الحالات.

كذلك لا ينبغي أن ننسى أن الإلياويين Eleatics قد حملوا من قبل حملات صادقة على ما يمكن أن يعزى من إدراك الحقائق بشهادة الحس، ذلك بأن مذهب الإلياويين لم يكن قد قُضي عليه بالزوال من عقول المفكرين في عصر أرسطبس وعصر شيعته الذين درجوا على مذهبه من بعده، فإن مذهبهم قد عاش من بعدهم في «ميغارة Megara» وقد نعرفه باسم المذهب «الميغاري» نسبة إلى المدينة التي نما وانتعش فيها بعد «زيون» رأس ذلك المذهب، حتى إن بعض ثقات الباحثين المحدثين يطلقون على «المذهب الميغاري» اسم الإلياوية الجديدة Neo-Eleaticism إشارة إلى العلاقة بين المذهب الإلياوي الأول وبين المذهب الميغاري.

ولا ريب في أن الصيحة التي أرسلها القدماء بقولهم: «إن الحسوس كواذب فلا نؤمن بها، وإن الحقيقة إنما تكون في عالم خارج عن عالم الحس» — لم ترتفع بها أصوات الفلاسفة بأكثر مما ارتفعت في ذلك العصر، ولقد كان لها صدًى كبيرًا في عقل أفلاطون الآلهي.

غير أنه لا ينبغي أن يغيب عنا أن الإلياويين كان لهم نظراء يناظرونهم، فإن بروطاغوراس كان له أنصار وشيعة، كما كان للإلياويين أنصار وشيعة، ولا شك في أن الحرب الفكرية بين الشيعتين كانت سجالًا، ولكن بأية أسلحة قامت الحرب؟ ذلك ما يجب أن نعرفه، لنعرف شيئًا من طبيعة ذلك السجال.

كان للقول «بأنَّ كل ما يُدرك حقيقي» — صبغةٌ ذاتية Subjective ما كانت تتضح وضوحًا قويًّا، قدر ما تتضح عند القول بأن «الإنسان» إنما هو «مقياس كل الأشياء». وذلك ما شرحه بروطاغوراس في مقاله المعروف «في الفنون»، ففي هذا البحث تناول بروطاغوراس ناحية منه تَدَرَّجَ فيها إلى القول: «إذا كان اللاكائن يُرى كأنه كائن، فإني لا أفهم كيف يجوز لإنسان أن يقول إنه غير كائن، ما دام أن العين تراه، والعقل يسلِّم بوجوده.»

على أن هذه العبارة التي مرقت من عقل بروطاغوراس مروق الومضة العابرة، قد أصبحت في عصرنا هذا المعقل الذي يتحصن فيه العقل ليدافع عن شهادة الحواس، عند القول بأنَّ الحواس سبيل المعرفة، على أنَّ المدافعين عن مذهب إدراك الحس في المعرفة في الأعصر الحديثة، قد تركوا لمهاجميهم أسوار ذلك المعقل الأولية، واحتموا بقلبه — أي بالحسوس ذاتها — فإنك مهما قلت بأن الحس لن يكون المجس الذي تسبر به الطبيعة أو الوجود الخاص بالأشياء الخارجية، فإن وجود الحس نفسه لا يمكن أن ينكر، ذلك بأن وجود الحس له قوام غير مشروط على غيره، وأنه باتحاده مع غيره من نظم الوعي أو الشعور يحدث جملة من المعرفة نجد أنها كافية كل الكفاية لتأدية أغراض الإنسان.

إن من يعتقد بصحة هذا المذهب لأول مرة — مذهب أن الحسوس كواذب — ويمضي موقنًا — مجاراة لظاهر هذا المذهب — بأن العالم الخارجي لا وجود له؛ يمكن أن تلتمس له كل الأعذار، إذا ما خيل له أنه انتقل فجاءة إلى دار من دور المجانين، ذلك ما حدى بالفيلسوف «بركلي Berkeley» وأنصاره إلى القول: «إنك إذا اعتقدت بصحة هذه النظرية، فلا حرج عليك إذا أنت رميت برأسك إلى الجدار، ذلك بأن الجدار غير الموجود لا يمكن أن يضير رأسك التي هي غير موجودة.»

وعلى هذا القول أجاب أنصار مذهب أن الحسوس كواذب بقولهم: «إننا لا ننكر حس المقاومة، ولا غيره من الحسوس التي منها يتكون جدار أو صورة جدار، أو رأس أو صورة رأس، أو أي شيء من الأشياء التي نأنسها في العالم الخارجي، أما الذي ننكر، وبالأحرى نعتقد أننا لا نعرف من حقيقته شيئًا؛ فذلك الشيء الغامض المبهم الذي نؤمن بأنه كائن من وراء الظواهر؛ تلك الظواهر التي تلوح شيئًا واحدًا وعلى صورة معينة لكل من يحوزون ضربًا واحدًا من الوعي، والتي ترتبط جميعًا برباط من السنن الثابتة، آيتها المتابعة والاشتراك في الوجود.»

يزودنا باحث من أعلام الباحثين المحدثين، هو «مل» الكبير،٣ بعبارات تشرح المقصود من هذه النظرية شرحًا وافيًا، قال: «إن ما ندعوه فكرة الشجرة، أو فكرة الحصان، أو فكرة الإنسان، إنما هي في الأصل مجموعة من الفكرات المفردة يؤديها عدد من الحسوس، كثيرًا ما تلتقي دفعة واحدة، فنعبر عن التقائها وتجمعها بفكرة الوحدة.»

كذلك نقرأ لأفلاطون في كتابه «ثياطيطوس» قوله: «إننا نطلق على مثل هذه المجموعة من الحسوس اسم إنسان أو شجرة أو حجر أو غير ذلك، مما يقع عليه نظرنا في العالم الخارجي.»

وإنما يخاطب أفلاطون بقولته هذه نخبة من مفكري عصره، آنس فيهم القدرة على التأمل وسعة العقل، وفرق بينهم وبين من سماهم بامتعاض «الماديين»، أولئك الذين لا يؤمنون بشيء ما لم يقع في قبضة يدهم، هم الذين قال فيه أفلاطون: «إنهم يحللون كل شيء إلى نظم طبيعية وأحداث مادية، وينكرون بتاتًا تصور الوجود المجرد.» ثم رماهم من بعد ذلك بأنهم «أتباع بروطاغوراس السفسطائي».

•••

ينبغي للباحث في هذا الموطن أن يعرف أن معاصري أفلاطون الذين تصدق عليهم الصورة التي صورناها، إنما هم أولئك الذين آمنوا بأن ما يمكن معرفته محصور في أسلوب التأثر بالأشياء، وأن الأشياء الخارجية التي يُظن أنها تتضمن مجموعة من هذه الأساليب، من الممكن اعتبارها موجودة، ولكنها مع ذلك بعيدة عن منالنا على أية حال.

كذلك ينبغي لنا أن نعي أن العبارات التي شرح بها أفلاطون نظرية معاصريه هؤلاء في الحس قد خالطها كثير من الاستطرادات التي كان يأبى عقل أفلاطون إلا أن يستطرد فيها، ولذا يجب أن نقصر النظر على الأسس الأولية التي تقوم عليها نظرية معاصري أفلاطون، وأن نحصر بحثنا في المبادئ الجوهرية التي تتضمنها تلك النظرية.

تقضي هذه النظرية بأن هنالك عنصرين: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي، لا بد من أن يقترنا لإحداث كل إحساس من الإحساسات، وهذا التعاون الذي يجب أن يحصل بين العنصرين، إنما هو عبارة عن «حركة» عَمَد أصحاب هذا المذهب في إثباتها إلى نظرية هيرقليطس فيما سماه الفيض الدائم Perpetual flux وأنه باقتران مثل هذين العنصرين اللذين باقترانهما تتميز شخصية أحدهما من الآخر، من حيث السلبية والإيجابية — ينشأ الإحساس، ومعه وفي الوقت ذاته موضوع الإحساس، فالألوان التي هي موضوعات إحساس البصر تنشأ مع الإحساس البصري، والأصوات التي هي موضوعات إحساس السمع تنشأ مع الإحساس السمعي، وهكذا، وبذلك ينكرون كل وجود سابق لما ندعوه الصلابة والطراوة، أو الدفء والبرد، أو الأبيض والأسود. فإنَّ هذه إنما يتحقق وجودها في الوقت الذي يتحقق فيه الإدراك.
ولكن كيف نستطيع أنْ نُفسر حقيقة هذا النظام الذي يُحدث في وقت واحد الإحساس الذاتي Subjective والصفة الموضوعية Objective quaeliy، هذا إذا لم يُعزَ إليه إحداث الشيء الذي يحمل الصفة الموضوعية ذاتها؟

لقد أشرنا من قبل إلى أن أفلاطون قد عبر عن هذا النظام بأنه «حركة» ولا شك في أنه عزى إلى تلك الحركة آثارًا واسعة النطاق. كذلك يجب أن نُشير هنا إلى أن «العنصرين» اللذين قيل إن أحدهما سلبي والآخر إيجابي — وهما المنتجان «للحركة» — قد تركهما أفلاطون غير محددين وخلفهما محاطين بإبهام واستغلاق، وكان ذلك سببًا أن يظلَّا غير جليين في سياق هذا المذهب، غير أنه لا ينبغي أن يفوتنا أن أنماط التفكير التي قام عليها المذهب بكلياتها وجزئياتها لم تعرض في ناحية من النواحي إلى ذكر «المادي» أو «الهيولى» واتخاذهما جزءًا مكونًا من أجزاء المذهب. ولا شك أن مذهبًا كهذا يحاول أن ينقض مذهب الماديات، ويقول «بالوجود المطلق»؛ لن يكون فيه من محل لذكر الماديات والهيولانيات والجسمانيات إلى غير ذلك من الأشياء التي يحاول نفيها بتاتًا، غير أننا يجب أن نعي، إذا ما أردنا أن نفقه حقيقة الأمر، أن كثيرًا من فلاسفة الأقدمين — ومنهم أفلاطون وأرسطوطاليس — قد حاولوا أن يخلقوا للعقل تصورًا يحل فيه محل تصور المادة، ولكن محاولتهم هذه لم تخلص إلا بتصورات اعتراها الغموض واكتنفها الإبهام، لهذا لا يبعد — على ما يقول كثير من الباحثين — أن يكون هؤلاء الفلاسفة قد تصوروا بادئ الأمر ضربًا من المادة لا صورة ولا صفات لها، واتخذوه أداة لما سموه «الحركة» في هذا المذهب.

هذا جائز وإن لم يمكن استبانته من قضايا المذهب استبانة تامة. غير أننا إذا عرفنا أن أرسطبس قد مضى مسترشدًا في بحثه بوجود نظام مادي صرف، استطعنا أن نعرف لماذا تصور معارضوه وجود مادة مفروضة، لا صورة ولا صفات لها. ومن هنا جاء اعتراضهم على المذهب القوريني، إذ قالوا: إنه إنما يسير في دائرة كلما فرغ من آخرها دخل في أولها، بأنْ يفرض أن الهيولانيات تستحيل إلى إحساسات، والإحساسات تستحيل إلى هيولانيات.

هنا نستطيع أن ننتقل خطوة أخرى، بأنْ ننظر في اعتراض منابذي مذهب أرسطبس لنقرر بديًّا أن وجوه اعتراضهم عليه مدخولة بكثير من الشك، ذلك بأنه لا يعقل أن يلزم القائلون بأن المعرفة مقصورة على ظواهر الطبيعة، بحال من الاحوال، أن يكفُّوا عن درس وظائف الحواس، أو درس العلم الطبيعي في مختلف نواحيه درسًا عمليًّا أو استقرائيًّا، لمجرد أن هنالك فروضًا أو نظريات قد تلائم ظاهر الأشياء، بل ينبغي لمن يريد بحث الطبيعة أن يبدأ شوطه بأنْ يَعْرف أن الأجسام أو الجواهر المادية ما هي غير موضوعات حسية، وبالأحرى عبارة عن مجردات تدين بوجودها للحواس.

ذلك، ما للقائل بأن المعرفة مقصورة على ظواهر الطبيعة؛ من حق فيه، أما ما ليس من حقه، فهو البحث في الحالات الجسمانية الخاصة بكل إحساس أو الحالات المادية الخاصة بأي نظام من النظم التي يختار بحثها، ومحصل هذا أنه من الجائز لناقد أن يعترض على قبول تحليلات يقررها غيره، ولكن ليس له من حق في أن يناقش في المشروعية العقلية التي تخول لباحث ما، أن يطبق تحليلاته على الأشياء بوجه من الوجوه.

وهذا مثلٌ مما وقع لرجال المذهب القوريني، فإنهم عمدوا في آخر عصورهم إلى إلقاح المذهب بالطبيعيات وبالمنطق، تلك التي بدءوا مذهبهم بتصفيته من آثارها، والدليل على هذا أنهم توجوا المذهب في النهاية بأن خصوه بالبحث في «الأسباب» (أي الطبيعيات) و«أسس البرهان» (أي المنطق).

•••

ما هي تلك الصبغة التي اصطبغ بها منطق القورينيين؟ سؤال ينبغي لنا أن نجيب عنه قبل أن نختم هذا البحث، ذلك بأن الإجابة عليه أساس لما يقوم عليه مذهبهم في المعرفة.

على أننا يجب أن ننبه هنا إلى أنَّ البحث في طبيعة منطق القورينيين تنقصنا فيه المواد الأولية التي تجعل بحثنا إياه قائمًا على شيء من اليقين، هنا نرجع — كما رجعنا من قبل في مواضع عديدة من هذا البحث — إلى الاستعانة بقياس التمثيل، فقد يخيل إلينا بديئة a priori أنه في العصور القديمة كما في العصور الحديثة، اقترنت نظرية الحس في المعرفة كما اقترنت النظرية الهيدونية النفعية في الأخلاق Ethics بنزعة منطقية أساسها الاختبار والاستقراء. ولقد عرفنا الآن أن صورة من صور هذا المنطق قد اعتنقها متأخرو أصحاب المذهب الأبيقوري، وعرفناها منذ ثلاثين سنة لا غير، عندما عثر في خرائب «الهركيولانوم» على مؤلَّف لفيلسوف يدعى «فيلوذيموس Philodemus» عرض لبحث هذه المسألة الدقيقة.
عندما شرح الباحثون الذين أكبوا على درس كتاب فيلوذيموس ليكونوا من أطرافه المتناثرة كلًّا يعتمد عليه، استطاعوا بالدرس أن يعودا بمذهب الأبيقوريين المنطقي إلى عبارات عُرضت في ما كتب رجال المذهب الشكي، وإلى ما كتب زعماء المذهب التجريبي من علماء الطبيعة، ولكن من أي نبع استمد هؤلاء وهؤلاء أصل هذا المذهب؟ هُيِّئَ لباحث ألماني هو «إرنست لاس Ernst Laas» أن يتنبه إلى عبارات في جمهورية أفلاطون تَمُتُّ إلى هذا الموضوع بأسباب كثيرة، وكانت قد عدت أعين الباحثين من قبل.

عالج أفلاطون في جمهوريته مسألة خزن «الذكريات»، فالذاكرة تخزن الحوادث الماضية، وترتبها بإتقان فتعرف ما وقع أولًا ثم ما تلاه، وكذلك تعرف الحوادث التي وقعت معًا، وبالاستقراء من هذه الذكريات المخزونة، يمكن معرفة ما سوف يقع في المستقبل على قدر ما هُيِّئَ للعقل الإنساني من قدرة على ذلك. ولقد شرح أفلاطون قوله هذا بلغة كثيرًا ما تذكِّرنا باللغة والعبارات التي استعملها محدَثو المؤلفين والفلاسفة من زعماء مذهب المنطق الاستقرائي.

أما الأستاذ جومبرتز فيقول بأننا في هذا البحث إنما نكون أكثر أمنًا، إذا نحن وصَلنا فكرة أفلاطون هذه بأرسطبس ومذهبه، ولم نصلها بمذهب بروطاغوراس كما يذهب بعض الباحثين. بل يقول: إن كل البحوث التي بُذلت في هذا الشأن قد زودت المؤرخ بأسباب يستطيع على مقتضاها أن يقضي بأن أرسطبس قد وضع منطقًا، غير منطق أرسطوطاليس قائمًا على مجموعة من القواعد ترعى أول شيء تتابُع وقوع الظاهرات وتلازُمها الوجودي، فكان بذلك أول رائد من رواد المنطق الاستقرائي وأول مقنن لنظرية إدراك الحس في المعرفة.

هوامش

(١) يقصد بالعرف هنا أشياء الإدراك الذاتي الراجع إلى حكم الحواس.
(٢) سقسطوس أمفيريقوس.
(٣) في كتابه «تحليل ظواهر العقل الإنساني» Analysis of the phenomena of the Human Mind.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠