حب امرأة طيبة

على مدى العقدين الماضيين، كُرِّس متحف في والي لحفظ الصور، ومماخض اللبن، وعُدد الخيل، إضافةً إلى كرسي عيادة أسنان قديم، ومقشرة تفاح ضخمة وغريبة الشكل، وغير ذلك من المقتنيات النادرة مثل العوازل الكهربائية الصغيرة جميلة الشكل المصنوعة من الخزف والزجاج التي كانت تُستخدَم على أعمدة التلغراف.

احتوى ذلك المتحف كذلك على صندوق أحمر منقوش عليه «دكتور ويلينس، أخصائي بصريات»، وملحوظة بجانب الاسم نصها: «يتمتع هذا الصندوق الذي يحتوي على أدوات أخصائي بصريات — بالرغم من عدم قدمه — بأهمية كبيرة على المستوى المحلي؛ إذ إنه يخص الدكتور ويلينس الذي غرق في نهر بيريجرن عام ١٩٥١. ولم يتأثر هذا الصندوق بالحادث المؤسف، وعثر عليه — فيما يبدو — متبرع مجهول الهوية، وهو الذي أرسله إلى المتحف لضمه إلى مجموعة التحف المعروضة لدينا.»

قد يذكرك منظار العين الموجود في هذا الصندوق برجل الثلج؛ فالجزء العلوي منه — وهو الجزء المثبت فوق مقبض مقعر — عبارة عن قرص كبير يعلوه قرص أصغر حجمًا. ويحتوي هذا القرص الكبير على ثقب للنظر عبره عند تحريك العدسات المتعددة. أما المقبض، فهو ثقيل الوزن؛ لأنه لا يزال يحتوي على البطاريات بداخله. وإذا أخرجتَ هذه البطاريات منه، ووضعتَ — بدلًا منها — قضيب التوصيل المزود مع المجموعة، الذي يحتوي على قرص بكلا طرفيه، فسيمكنك توصيل سلك كهربي به. لكن ربما كان من الضروري استخدام هذه الأداة في أماكن تخلو تمامًا من الكهرباء.

يبدو منظار الشبكية أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فأسفل أداة تثبيت الجبهة الدائرية يوجد شيء شبيه برأس الجني الصغير المصور في حكايات الجن، له واجهة مسطحة مستديرة وغطاء معدني مُستدق الطرف. ويميل هذا الشيء بزاوية مقدارها خمس وأربعون درجة ناحية عمود رفيع من المفترض أن ينبعث من أعلاه مقدار بسيط من الضوء. والواجهة المسطحة مصنوعة من الزجاج، وهي أشبه بمرآة داكنة.

طغا اللون الأسود على كافة الأدوات، لكنه لم يكن سوى طلاء. وفي بعض المواضع التي احتكت بها يدا أخصائي البصريات كثيرًا، زال هذا الطلاء، وصار من الممكن رؤية رقعة من المعدن الفضي اللامع أسفله.

(١) جوتلَنْد

اسم هذا المكان جوتلَنْد. وقد ضمَّ في السابق طاحونة ومستوطنة صغيرة، لكن كل هذه الملامح اختفت بحلول نهاية القرن الماضي. ولم يحظَ هذا المكان بأي أهمية في أي مرحلة من تاريخه على الإطلاق. واعتقد الكثير من الناس أنه سُمي بهذا الاسم تيمنًا بالمعركة البحرية الشهيرة التي اندلعت أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن الحقيقة هي أن هذا المكان بأكمله قد تحول إلى أطلال قبل تلك المعركة بسنوات.

لكن الصبية الثلاثة، الذين ذهبوا إلى ذلك المكان في الصباح الباكر من أحد أيام السبت في ربيع عام ١٩٥١، ظنوا — شأنهم شأن معظم الأطفال آنذاك — أن هذا الاسم الذي يعني «الأرض الناتئة» مستوحًى من الألواح الخشبية القديمة الناتئة من الأرض على ضفة النهر، وغيرها من الألواح الأخرى السميكة المستقيمة التي برزت عموديًّا في المياه بالقرب من الضفة لتصنع سياجًا غير مستوٍ من الأوتاد الخشبية (كانت هذه الأخشاب في الواقع بقايا سدٍّ قديم شُيِّد قبل عصر السدود الأسمنتية). الألواح الخشبية، وكومة من أحجار البناء، وشجيرة ليلك، وبعض أشجار التفاح الضخمة التي شوهها مرض العُقد السوداء، والقناة الضحلة التي كانت تزود الطاحونة بالمياه وتمتلئ بأعشاب القُرَّاص في فصل الصيف، كانت هذه هي الآثار الوحيدة الأخرى المتبقية التي تدل على ما كان موجودًا في ذلك المكان فيما مضى.

كان هناك طريق، أو بالأحرى مسار ضيق، متفرع من طريق البلدة، لكنه لم يُرصَّف قط بالحصى، وبدا على الخرائط كخط مُنقَّط فقط؛ فقد كان أرضًا احتفظت بها الحكومة لإقامة طريق عام عليها. اعتاد الناس قيادة سياراتهم على هذا الطريق في فصل الصيف وصولًا إلى النهر لممارسة السباحة، كذلك كان مهمًّا للأحبة الذين يبحثون عن مكان لإيقاف سياراتهم ليلًا. وكان هناك منعطف قبل الوصول إلى القناة، لكن المنطقة بأكملها اجتاحتها أعشاب القُرَّاص ونباتات الهرقلية الصوفية وأعشاب الشوكران البرية الخشبية في السنوات كثيرة الأمطار، الأمر الذي أجبر بعض السيارات أحيانًا على الرجوع للخلف للخروج من ذلك الطريق واستخدام الطريق المهيأ للسير عليه.

كان من اليسير في صباح ذلك اليوم الربيعي ملاحظة آثار السيارة التي وصلت إلى حافة المياه. بيد أنها لم تلفت نظر الصبية الثلاثة الذين لم يشغل تفكيرهم سوى السباحة فقط، أو هكذا سيسمونها على الأقل، عندما يعودون للبلدة ويخبرون الناس بأنهم سبحوا في جوتلَنْد قبل ذوبان الجليد.

اتسم ذلك المكان الموجود أعلى النهر بأنه أكثر برودة من المسطحات المتكونة من رواسب النهر والقريبة من البلدة. لم تكن قد نَمَت بعد أي أوراق على الأشجار الموجودة على ضفة النهر، واللون الأخضر الوحيد الذي كان من الممكن رؤيته هو لون رقع الكُرَّاث على الأرض، ونباتات قطيفة الأهوار النضرة مثل السبانخ، التي انتشرت بطول أي مجرًى صغير شق طريقه وصولًا إلى النهر. وعلى الضفة المقابلة تحت بعض أشجار الأرز، رأى الصبية ما كانوا يبحثون عنه على وجه التحديد، ألا وهو كتلة ثلجية متصلبة، ممتدة لمسافة طويلة ومنخفضة الارتفاع، رمادية اللون مثل الحجارة.

لم يكن الثلج قد ذاب بعد.

عزم الصبية على القفز في الماء واستشعار الصقيع كطعنات خناجر ثلجية تخترق أجسادهم لتصل إلى ما وراء أعينهم وإلى أعلى جماجمهم من الداخل، وبعدها يحركون أذرعهم وسيقانهم بضع مرات، ثم يخرجون بصعوبة من الماء، مُصدِرين أصواتًا كأصوات البط من أفواههم وصريرًا من أسنانهم، ويدفعون أطرافهم الخدرة في الملابس، فيشعرون بألم عودة الدماء تجري في أجسادهم؛ ومن ثم الارتياح لتحقيق ما سيتباهون به.

امتدت آثار السيارات التي لم يلاحظها هؤلاء الصبية إلى القناة المائية التي خلت من أي أعشاب أو نباتات آنذاك، ولم تحتوِ إلا على بعض حشائش العام الماضي الميتة التي استحال لونها إلى الصفرة وطفت على السطح. امتدت الآثار عبر القناة وحتى النهر دون أي شيء يدل على محاولة دوران السيارة للخلف. خطا الصبية فوقها، لكنهم كانوا قد اقتربوا للغاية حينذاك من الماء، الأمر الذي حال دون أن يلفت انتباههم أي شيء، حتى وإن كان أكثر غرابة من آثار سيارة على الأرض في هذا المكان.

كانت هناك لمعة من اللون الأزرق الباهت في الماء، لكنها لم تكن منعكسة من السماء، وإنما كانت لسيارة غارقة في وضع مائل في البركة التي تزود الطاحونة بالماء، بحيث غرز الإطاران الأماميان والمقدمة في الوحل بالقاع، في حين برز الجزء العلوي من السيارة بالكاد فوق سطح الماء. كان اللون الأزرق الفاتح لونًا غير مألوف كطلاء للسيارات آنذاك، كذلك شكل تلك السيارة ذات المنحنى البارز أيضًا، الأمر الذي ساعد الصبية في التعرف عليها على الفور. إنها السيارة الإنجليزية الصغيرة — طراز أوستن — والوحيدة من نوعها بلا شك في المقاطعة بأسرها. كانت سيارة السيد ويلينس، أخصائي البصريات، الذي كان يشبه الشخصيات الكرتونية عند قيادته لها؛ إذ كان قصيرًا، مكتنز الجسم، عريض المنكبين، وكبير الرأس. بدا دومًا محشورًا في سيارته الصغيرة كما لو كانت بذلة تكاد تتمزق فوق جسده.

احتوى سقف السيارة على جزء متحرك اعتاد السيد ويلينس فتحه في الطقس الدافئ، وقد كان مفتوحًا عند عثور الصبية على السيارة، لكنهم لم يتبينوا جيدًا ما كان بالداخل. ولون السيارة جعل شكلها واضحًا في الماء، لكن هذا الماء لم يكن نظيفًا تمامًا، حتى إنه أعتم الأجزاء غير الواضحة من السيارة. جثم الصبية على ضفة النهر، ثم استلقوا على بطونهم ودفعوا رءوسهم للخارج مثل السلاحف محاولين النظر داخل السيارة. رأوا شيئًا داكن اللون ومكسوًّا بالفراء يشبه ذيل حيوان كبير، وكان ذلك الشيء مدفوعًا عبر الفتحة الموجودة بالسقف، ويتحرك بتراخٍ في الماء، وسرعان ما اتضح لهم أنها ذراع مغطاة بِكُمِّ معطف داكن اللون مصنوع من نسيج ثقيل كثير الزغب، وبدا أن ثمة جثة داخل السيارة — بالتأكيد جثة السيد ويلينس — في وضع غريب؛ فلا بد أن قوة المياه — التي كانت شديدة في ذلك الوقت من العام؛ حتى في بركة المياه الصغيرة التي تزوِّد الطاحونة بالماء — رفعت السيد ويلينس على نحو ما من مقعده ودفعته في ناحية أخرى بحيث صارت إحدى كتفيه قرب سقف السيارة فخرجت منه إحدى ذراعيه. أما رأسه، فقد ارتطم بالتأكيد بالنافذة والباب المجاورين لمقعد السائق، وانغرز أحد الإطارين الأماميين لعمق أكبر في قاع النهر من الإطار الآخر، ما عنى أن السيارة كانت مائلة على أحد جانبيها، مثل ميلها من الخلف للأمام. ولا بد أن النافذة كانت مفتوحة ويبرز منها رأس الجثة ليكون ذلك وضع باقي الجسم. لم يتمكن الصبية من رؤية ذلك، لكنهم تصوروا وجه السيد ويلينس كما يعرفونه؛ وجهًا مربعًا ضخمًا ارتسم عليه عادةً نوع من العبوس المتكلف الذي لم يُخِف أحدًا قط بحق. أما شعره المجعد الخفيف، فكان مائلًا للون الأحمر أو النحاسي في الجزء العلوي منه، وكان يصففه على نحو مائل فوق جبهته، وكان لون حاجبيه أغمق من شعره، كما كانا كثيفين ومجعدَي الشعر كما لو كانا يرقانتين ملتصقتين أعلى عينيه. كان وجهًا قبيحًا بالفعل في نظر الصبية، شأنه شأن الكثير من وجوه البالغين الآخرين، ولم يخشوا رؤيته غارقًا، لكن كل ما تمكنوا من رؤيته هما تلك الذراع واليد الشاحبتين. واستطاعوا رؤية اليد بوضوح ما إن اعتادوا النظر عبر الماء، كانت تطفو هناك مترنحة كالريشة، وإن بدت كعجينة متصلبة. ومع اعتيادهم على رؤيتها، صار مظهرها عاديًّا؛ فبدت الأظافر كالوجوه الصغيرة الجميلة التي ترتسم عليها نظرة ترحيب عادية مدركة، تبرأ من الظروف المفروضة عليها.

قال الصبية في ذهول: «يا للهول!» قالوها بقوة وبنبرة تدل على احترام عميق، بل وامتنان أيضًا. «يا للهول!»

•••

كانت تلك هي المرة الأولى التي يخرجون فيها ذلك العام. عبروا الجسر الذي يعلو نهر بيريجرن — وهو جسر من حارة واحدة ومقطعين — والذي يُعرف محليًّا باسم «بوابة جهنم» أو «شرك الموت»، مع أن الخطر الحقيقي كان في المنعطف الحاد في الطرف الجنوبي من الطريق أكثر من الجسر نفسه.

كان هناك ممرٌّ مستوٍ للمشاة، لكنهم لم يستخدموه، أو بالأحرى لم يتذكروا قط استخدامهم له؛ فربما كانوا يفعلون ذلك قبل ذلك الحين بسنوات، عندما كانوا صغارًا يُحمَلون على الأيدي. لكن ذلك العهد قد ولى في نظرهم؛ وكانوا يرفضون الإقرار به حتى وإن عُرِضت عليهم أدلة مشيرة إليه في صور التُقِطت لهم أو أُجبِروا على الاستماع إلى هذه الأدلة في إحدى المحادثات العائلية.

أما الآن، فقد صاروا يسيرون بمحاذاة الرصيف الحديدي الممتد على الجانب الآخر من الجسر المقابل لممر المشاة. بلغ عرض ذلك الرصيف ثماني بوصات، وبلغ ارتفاعه قدمًا أو نحو ذلك فوق أرضية الجسر. دفع نهر بيريجرن ثلوج الشتاء وجليده — الذي ذاب بحلول ذلك الوقت — نحو بحيرة هورون. وأصبحت المياه محصورة بالكاد بين ضفتيه بعد الفيضان السنوي الذي حوَّل المسطحات المترسبة بجانبه إلى بحيرة، واقتلع الأشجار الصغيرة من جذورها، وأطاح بأي قارب أو كوخ مرَّ عليه. وبسبب الرواسب الفيضانية التي أتت من الحقول وعكَّرت صفو المياه بالوحل، وضوء الشمس الباهت المنعكس على صفحة النهر، بدت المياه كبودنج الباترسكوتش الذي يغلي على النار، لكنك إذا نزلت فيها، فسوف تجمد الدم في عروقك وتقذف بك في البحيرة، هذا إذا لم تهشم رأسك على الدعامات الخشبية أولًا.

أطلقت السيارات نفيرها — تحذيرًا أو توبيخًا للصبية الثلاثة — لكنهم لم يلقوا لها بالًا، وواصلوا سيرهم صفًّا واحدًا بهدوء كالسائرين نيامًا. ثم في الطرف الشمالي للجسر، سلكوا طريقًا مختصرًا وصولًا إلى الأراضي المسطحة، مع محاولة تحديد أماكن المسارات التي يتذكرونها من العام السابق. لم يمر وقت طويل على الفيضان، ما صعَّب اتباع هذه المسارات، فكان عليهم شقُّ طريقهم فيها بين الأغصان المقطوعة، والقفز بين أكوام الحشائش الملتصقة بفعل الوحل، وكان أولئك الصبية يقفزون أحيانًا بلا مبالاة، فيهبطون في الوحل أو برك المياه التي خلَّفها الفيضان. وعندما كانت أرجلهم تبتل، كانوا لا يبالون بعد ذلك بموطئها. أخذوا يخوضون في الوحل، وينثرون المياه بإنزال أرجلهم في البرك، ما جعل المياه تصل إلى أعلى أحذيتهم الطويلة الرقبة المصنوعة من المطاط. كانت الرياح دافئة؛ فمزقت السحب مكونة أشكالًا تشبه خيوط الصوف القديم، وكانت طيور النورس والغربان تتشاجر وينقضُّ بعضها على بعض فوق النهر. حامت الصقور الجارحة أيضًا فوقهم مراقِبةً إياهم من أعلى؛ وطيور أبو الحناء أيضًا عادت لتوها، وطيور الشحرور ذات الأجنحة الحمراء انطلقت في أزواج، عاكسةً ألوانًا براقة كأنها غُمِست في طلاء ما.

«ليتنا أحضرنا بندقية الصيد عيار ٢٢.»

«ليتنا أحضرنا بندقية الصيد عيار ١٢.»

لقد كانوا أكبر من أن يرفعوا العصي الخشبية ويقلدوا صوت إطلاق الرصاص؛ فكانوا يتحدثون بنبرة آسفة اعتيادية، كما لو كانت هذه الأسلحة متوفرة لديهم بالفعل.

تسلقوا الضفاف الشمالية وصولًا إلى مكان مغطى بالرمال المكشوفة التي من المفترض أن تضع فيها السلاحف بيضها. لكن الأوان كان مبكرًا على ذلك، كما أن هذه القصة الخاصة ببيض السلاحف يرجع تاريخها إلى سنوات عديدة سابقة، ولم يَرَها أيٌّ من هؤلاء الصبية قط من قبل. لكنهم مع ذلك ركلوا الرمال وداسوا عليها؛ تحسبًا لاكتشاف أيٍّ من هذا البيض. تلفَّتوا، بعد ذلك، حولهم بحثًا عن المكان الذي عثر فيه أحدهم العام الماضي — برفقة صبي آخر — على جزء من هيكل عظمي لبقرة جرفه الفيضان من مخلفات أحد المجازر، فكان من المعتاد كل عام أن يجرف النهر عددًا كبيرًا من الأشياء المدهشة أو التافهة، العجيبة أو العادية، ويرسِّبها في مكان آخر. ومن الأمثلة على ذلك لفائف من الأسلاك، أو سلَّم نقَّال سليم، أو مجرفة منثنية، أو إناءُ صنعِ الفشار. وقد عثر الصبيان على عظم البقرة معلَّقًا في أحد فروع شجرة سُمَّاق — الأمر الذي بدا ملائمًا؛ لأن كل هذه الأفرع اللينة بدت مشابهة لقرون الأبقار أو الغزلان، وكان لبعضها أطراف مخروطية صدئة اللون.

أخذوا يتجوَّلون في المكان بعض الوقت، فأشار سيسي فيرنس إلى فرع الشجرة الذي عُثر على العظم عليه بالضبط، لكنهم لم يعثروا على أي شيء.

كان سيسي فيرنس ورالف ديلر هما من اكتشفا العظم، وعند سؤالهما عن مكانه الآن، قال سيسي فيرنس: «لقد أخذه رالف معه.» علم الصبيَّان، اللذان كانا مع سيسي الآن — وهما جيمي بوكس وباد سولتر — السبب وراء صدق سيسي في حديثه، فما كان بوسعه اصطحاب أي شيء معه إلى المنزل، إلا إذا كان بحجم يسمح له بإخفائه من والده.

تبادلوا أطراف الحديث، بعد ذلك، عن الأشياء الأكثر نفعًا التي يمكن العثور عليها أو عُثر عليها بالفعل في السنوات الماضية؛ فألواح الأسياج الخشبية يمكن استخدامها في صُنع الأطواف؛ وقطع الأخشاب المتناثرة يمكن جمعها لتصميم كوخ أو قارب، وإذا حالفك الحظ، فستعثر على بعض أشراك فئران المسك المفكَّكة. يمكنك حينئذٍ بدء مشروعك الخاص؛ فيمكنك جمع ما يكفي من الأخشاب لصنع ألواح لشد الجلود، وسرقة السكاكين لنزع هذه الجلود من على الفئران. كذلك تحدث الصبية عن الاستيلاء على حظيرة فارغة يعرفونها في الزقاق المظلم الموجود خلف ما كان يُستخدَم في السابق كإسطبل للخيول. كانت تلك الحظيرة مغلقة بالقفل، لكن يمكن الدخول إليها عبر النافذة بعد إزالة الألواح الخشبية عنها في الليل ووضعها ثانيةً مع بزوغ الفجر. يمكن كذلك اصطحاب كشاف كهربائي لاستخدامه هناك. لا، ليس كشافًا كهربائيًّا، وإنما قنديل. يمكن بذلك نزع الجلود عن فئران المسك، وشدها، وبيعها مقابل الكثير من المال.

عاش الصبية في تصور هذا المشروع كأنه واقع، لدرجة جعلتهم يبدءون في القلق بشأن ترك أي جلود ذات قيمة في الحظيرة طوال اليوم، وكان على أحدهم مراقبة المكان، بينما يخرج الآخرون للبحث عن الأشراك (لم يذكر أحد المدرسة).

هكذا كانت طبيعة حديث أولئك الصبية عند ابتعادهم عن البلدة؛ كانوا يتحدثون كما لو كانوا أفرادًا مستقلين، أو شبه مستقلين، وكأنهم لا يذهبون إلى المدرسة، أو يعيشون مع أسرهم، أو يعانون من أي صور للمهانة والذل بسبب سنهم الصغيرة. كانوا يتحدثون كذلك كما لو كان الريف والمنشآت التي تخص أشخاصًا آخرين ستوفِّر لهم ما يحتاجون إليه لتنفيذ مشروعاتهم ومغامراتهم، مع أقل قدر ممكن من المخاطرة والجهد من جانبهم.

من الملامح الأخرى للتغير في حديثهم خارج البلدة أنهم كانوا يتخلَّون جزئيًّا عن استخدام الأسماء؛ فلم ينادِ بعضهم بعضًا بأسمائهم الحقيقية كثيرًا على أي حال، ولا حتى بألقاب أسرهم، مثل باد. لكن كان لأغلب الأشخاص في المدرسة أسماء أخرى، ارتبط بعض هذه الأسماء بمظهر الشخص أو طريقة حديثه، مثل الجاحظ أو المتلعثم، والبعض الآخر — مثل مغتصب الدجاجات وذي المؤخرة المتقرحة — ارتبط بأحداث حقيقية أو متخيَّلة في حياة مَن تُطلَق عليهم هذه الأسماء، أو حياة إخوانهم أو آبائهم أو أعمامهم وأخوالهم، وتكون الأسماء في هذه الحالة قد تداولتها الألسنة على مدار عقود من الزمان. كانت هذه الأسماء هي التي يتخلَّون عنها عند خروجهم إلى الأحراش أو ضفاف النهر. وعند الحاجة للفت بعضهم نظر بعض، كانوا يصيحون: «يا صاح!» حتى استخدام الأسماء البذيئة والفاحشة التي من المفترض أنها لم تتردد إطلاقًا على مسامع الكبار كان سيفسد تلك الحالة التي كانت تنتابهم في تلك الأوقات؛ حالة التسليم بمظهرهم، وعاداتهم، وأسرهم، وتاريخهم الشخصي بالكامل.

ومع ذلك، فقد كانوا لا يعتبرون أنفسهم أصدقاء، ولا يتخذ بعضهم من بعض أخلاء مقربين أو أخلاء مقربين بدلاء، أو يستبدلونهم كما تفعل الفتيات؛ فأي صبي من بين عشرة صبية على الأقل يمكن استبداله بأيٍّ من أولئك الثلاثة، ويتقبَّله الآخرون على النحو نفسه بالضبط. تراوحت أعمار هؤلاء الصبية بين التاسعة والثانية عشرة؛ أي أكبر من أن يُقيَّدوا باللعب في الأفنية والأحياء السكنية، وأصغر من الاشتغال بأي وظيفة، بما في ذلك كنس الأرصفة أمام المتاجر أو توصيل طلبات البقالة بالدراجات. عاش أغلبهم في الطرف الشمالي من البلدة، ما عنى أنه كان من المتوقع اشتغالهم بهذا النوع من الوظائف بمجرد وصولهم إلى السن المناسبة، وعدم إرسالهم إلى كلية آبلبي أو كلية كندا العليا. ولم يعش أيٌّ منهم في كوخ، وما كان لهم أقرباء في السجن. كانت هناك اختلافات بارزة أيضًا بين طبيعة حياتهم في المنزل وما هو متوقع منهم في الحياة، لكن هذه الاختلافات سرعان ما كانت تتلاشى بابتعادهم عن سجن المقاطعة وصومعة الغلال التي تعمل بالآلات، وأبراج الكنيسة، وأجراس ساعة قاعة المحكمة.

•••

أسرع الصبية الثلاثة في خطاهم في طريق عودتهم إلى منازلهم، هرولوا، لكن دون ركض. لم يقفزوا، أو يتسكَّعوا، أو يرشُّوا المياه. لقد نسوا كل ذلك، وكذلك الأصوات التي كانوا يصدرونها من صياح وعواء. وأي شيء جرفته مياه الفيضان لاحظوه، لكنهم تجاوزوه دون اكتراث. لقد ساروا، في الواقع، كما يفعل الكبار، بسرعة ثابتة قليلًا، وباتباع أكثر السبل عقلانية؛ فقد شغلهم أين سيذهبون وماذا ستكون خطوتهم التالية. كانت ثمة صورة تلوح أمام أعينهم وتحول بينهم وبين العالم؛ الأمر الذي يبدو عليه الكبار أغلب الوقت. إنها صورة البِركة والسيارة والذراع واليد. فكروا أنهم عند وصولهم إلى بقعة معينة، سيبدءون في الصياح، سيدخلون البلدة وهم يصرخون معلنين عما لديهم من أنباء، وسيتسمَّر الجميع في أماكنهم ليستوعبوا ما حدث.

عبروا الجسر بطريقتهم المعتادة؛ على الرصيف الحديدي، لكن لم تراودهم أي مشاعر مخاطرة أو شجاعة أو عدم اكتراث، ولربما أيضًا ساروا على الممشى.

وبدلًا من الطريق ذي المنعطف الحاد الذي يمكن الوصول منه إلى المرفأ والميدان، صعدوا ضفة النهر مباشرةً متبعين طريقًا قريبًا من مرائب السكك الحديدية. دقت أجراس الساعة معلنة انقضاء ربع ساعة بعد الساعة الثانية عشرة.

•••

كان ذلك موعد عودة الناس إلى منازلهم لتناول وجبة الغداء، ومَن كانوا يعملون في المكاتب كانوا يحصلون على إجازة بقية اليوم، أما من يعملون في المتاجر، فكانوا يحصلون على ساعة الراحة الاعتيادية؛ إذ كانت المتاجر تظل مفتوحة حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة مساء السبت.

كان أغلب الناس في طريقهم إلى منازلهم لتناول وجبة ساخنة مشبعة من شرائح اللحم أو السجق أو اللحم البقري المسلوق أو اللحم المملح، إلى جانب بعض البطاطس بالتأكيد، سواء المهروسة أو المقلية؛ وبعض الخضراوات الجذرية المخزنة من الشتاء أو الملفوف أو البصل بالكريمة (وبعض الزوجات، الأيسر حالًا أو الأقل مهارة، كن يفتحن علبة من البازلاء أو الفاصوليا البيضاء)، هذا إلى جانب الخبز وكيك المافن والأطعمة المحفوظة والفطائر. حتى أولئك الذين لا يملكون منزلًا في البلدة يرجعون إليه في هذه الساعة، أو من كان لديهم سبب ما يجعلهم لا يرغبون في العودة إليه؛ كانوا يتناولون نفس نوع الطعام تقريبًا في مطعم ديوك أوف كمبرلاند أو فندق ميرشانتس هوتيل، أو يحصلون عليه مقابل قدر أقل من المال وهم جالسون خلف النوافذ الضبابية لحانة شيرفيلز ديري بار.

كان أغلب من يسيرون عائدين إلى منازلهم لتناول هذه الوجبة من الرجال، أما السيدات، فكنَّ بالمنزل بالفعل — فقد كنَّ هناك على الدوام — لكن ثمَّة سيدات، ممَّن كنَّ في منتصف العمر وعملن أيضًا في المتاجر أو المكاتب لسبب ما ليس بأيديهن حيلة بشأنه — كوفاة أزواجهن أو مرضهم أو عدم تزوُّجهن في الأساس — كن صديقات أمهات هؤلاء الصبية؛ ومن ثم، اعتدن إلقاء التحية عليهم، حتى لو كانوا يسيرون على الجانب الآخر من الطريق على نحو معين يوحي بالمرح والاستمتاع يُذكر الصبية بأن هؤلاء السيدات يعلمن كل شيء عن شئون أسرهم أو مرحلة طفولتهم البعيدة (وأكثر مَن تأثَّر سلبًا بهذا الأمر هو باد سولتر الذي اعتادت هؤلاء السيدات مناداته باسم بادي؛ وتعني «يا رفيق»).

أما الرجال، فلم يتجشَّموا عناء إلقاء التحية على الصبية بالاسم، حتى وإن كانوا يعرفونهم حق المعرفة؛ فكانوا يُطلقون عليهم «الأولاد» أو «الصغار» أو أحيانًا «السادة».

«صباح الخير يا سادة.»

«هل أنتم في طريقكم إلى المنزل الآن يا أولاد؟»

«ما المصيبة التي تدبرونها هذا الصباح أيها الصغار؟»

انطوت كل تحية من هذه التحيات على درجة من المزاح، لكن ثمة اختلافات بينها؛ فمَن أطلقوا عليهم وصف «الصغار»، كانوا ينعمون بحالة مزاجية أفضل ممن أطلقوا عليهم وصف «الأولاد» — أو رغبوا في أن يبدوا بهذه الحالة؛ فتعبير «الأولاد» يدل على أن الصبية سيتعرَّضون بعد قوله إلى تأنيب وتوبيخ بسبب أي إساءة اقترفوها، سواءٌ أكانت مبهمة أم محددة، وتعبير «الصغار» يوحي بأن المتحدث مرَّ من قبل بهذه المرحلة من صغر السن، أما «السادة»، فقد كانت استخفافًا وسخريةً صريحة منهم، لكنها لا تفتح المجال أمام أي توبيخ؛ لأن من قال هذا الوصف شخص لا يمكن إزعاجه.

وعند الرد على هذه التحيات، كان الصبية بالكاد يرفعون أعينهم للنظر إلى حقيبة يد السيدة أو إلى عنق الرجل، ويقولون بوضوح: «مرحبًا»؛ لأنهم قد يجلبون على أنفسهم المتاعب إذا لم يردُّوا. وتمثَّلت إجاباتهم عن الأسئلة السابقة في «نعم يا سيدي»، و«كلا يا سيدي»، و«لا شيء»، ولم يختلف هذا الحال في ذلك اليوم، فتسبَّبت الأصوات المتحدِّثة إليهم في بعض الانتباه والارتباك من جانبهم، وأجابوا أصحابها بتحفظهم المعتاد.

كان عليهم الانفصال عند وصولهم إلى ناصية معينة، وكان سيسي فيرنس الأكثر قلقًا دومًا بشأن الرجوع إلى المنزل؛ فسبقهم وهو يودِّعهم قائلًا: «أراكم بعد الغداء.»

وردَّ عليه باد سولتر: «نعم، وسنذهب إلى وسط المدينة حينئذٍ.»

عنى ذلك، كما فهموا جميعًا: «قسم البوليس بوسط المدينة»؛ فبدون استشارة بعضهم بعضًا، بدا الأمر وكأنهم قد وضعوا خطة جديدة للإبلاغ عما رأوه بأسلوب أكثر وعيًا، لكنهم لم يصرِّحوا بوضوح عن عدم الإفصاح عن أي شيء في المنزل، فما كان من سبب مقنع يحول دون إفصاح باد سولتر أو جيمي بوكس عما شاهداه في المنزل.

أما سيسي فيرنس، فلم يخبر أحدًا في المنزل بأي شيء من قبل قط.

•••

لقد كان سيسي فيرنس ابنًا وحيدًا، وكان والداه أكبر سنًّا من آباء الصبية الآخرين وأمهاتهم، أو هكذا بدا عليهما بسبب حياتهما البائسة معًا. عندما ترك سيسي الصبية الآخرين، أخذ يهرول كعادته عند وصوله إلى المنطقة التي يقع فيها منزله. لم يكن السبب وراء ذلك هو تلهُّفه للعودة إلى المنزل، أو اعتقاده بأنه من الممكن أن يفعل شيئًا أفضل عند وصوله، ولكن ربما كان السبب هو رغبته في جعل الوقت يمر سريعًا؛ لأن اقترابه من المنزل كان يملؤه بالخوف.

وجد سيسي والدته في المطبخ عند وصوله. هذا أمر جيد. لقد نهضتْ من السرير، وإن كانت لا تزال ترتدي إزار النوم. لم يكن والده في المنزل، وهذا أمر جيد أيضًا؛ لقد كان يعمل في صومعة الغلال التي تعمل بالآلات، ولا يعمل بعد ظهيرة أيام السبت؛ لذا، فإن عدم وجوده في المنزل بحلول ذلك الوقت كان معناه على الأرجح أنه قد ذهب مباشرة إلى كمبرلاند، ما عنى بدوره أنهم لن يضطرا للتعامل معه حتى وقت متأخر من اليوم.

كان والد سيسي يُدعَى سيسي فيرنس أيضًا، وقد كان اسمًا مشهورًا ومحبوبًا بوجه عام في والي. وعندما يروي أحدٌ قصة تدور أحداثها حول شخص بهذا الاسم — حتى بعد مرور ثلاثين أو أربعين عامًا من ذلك الحين — كان سيسلِّم بأن الجميع سيعرفون أنه يتحدث عن الأب، وليس الابن. وإذا كان المستمع وافدًا جديدًا نسبيًّا على المدينة، وعقَّب على الحديث قائلًا: «لا يبدو أنك تتحدث عن سيسي»، فكان يُقال له إن سيسي الابن ليس هو المقصود من الحديث.

«ليس هو، إننا نتحدث عن والده.»

تحدَّث الناس عن المرة التي ذهب فيها سيسي فيرنس إلى المستشفى — أو بالأحرى تم نقله إلى هناك — لإصابته بالالتهاب الرئوي أو داء آخر ميئوس منه. فلفَّته الممرضات في مناشف وملاءات مبللة لمعالجة الحمى التي كان يعاني منها، وأخذ جسده يتعرَّق مع انخفاض درجة حرارته حتى استحالت جميع المناشف والملاءات إلى اللون البني. لقد كان لون النيكوتين الذي يمتلئ به جسده. لم تَرَ الممرضات شيئًا كهذا من قبل. شعر سيسي بالغبطة؛ إذ ادَّعى أنه اعتاد شرب السجائر والكحوليات منذ أن كان في العاشرة من عمره.

تحدَّث الناس، كذلك، عن المرة التي ذهب فيها إلى الكنيسة. من الصعب تصوُّر السبب وراء فعله ذلك، لكنها كانت كنيسة معمدانية، وكانت زوجته تتبع هذا المذهب؛ لذا، ربما فعل ذلك لإرضائها؛ وإن كان ذلك أصعب في التصور. وقد كانت الكنيسة تقدم القربان المقدس في يوم الأحد الذي ذهب فيه، وفي الكنائس المعمدانية، يقدم الخبز، لكن بدلًا من النبيذ يقدم عصير العنب. وعند تقديم العصير لسيسي فيرنس، صاح بصوت عالٍ: «ما هذا؟ إن كان هذا دم الحمل، فقد كان بلا ريب مصابًا بفقر الدم.»

أُعِدَّت وجبة الظهيرة في مطبخ آل فيرنس؛ فوضِعت شرائح الخبز على المائدة، وفُتِحت علبة من مكعبات الشمندر، وقُليت بعض شرائح السجق الإيطالي، قبل البيض، مع أنه من المفترض قليها بعده، وأُبقيت أعلى الموقد للحفاظ عليها دافئة. وكانت والدة سيسي قد بدأت حينذاك في قلي البيض. انحنت السيدة على الموقد وهي تمسك بملعقة البيض في إحدى يديها، بينما ضغطت باليد الأخرى على معدتها لشعورها بألم فيها.

فأمسك سيسي الملعقة من يدها، وخفض درجة حرارة الموقد الكهربائي العالية للغاية، وأبعد المقلاة عن الشعلة حتى تنخفض درجة حرارتها، وذلك لمنع بياض البيض من أن يجمد أو يحترق من الجوانب. لم يكن قد وصل في الوقت المناسب لتنظيف المقلاة من الدهن القديم ووضع بعض الدهن الجديد فيها، فلم تكن أمه تزيل الدهن القديم قط، وإنما تتركه في المقلاة لاستخدامه في وجبة بعد أخرى، وتضع القليل من الدهن الجديد عند الضرورة.

عندما صارت درجة الحرارة مناسبة من وجهة نظر سيسي، وضع المقلاة على الموقد وأخذ يلملم جوانب بياض البيض المتشعبة صانعًا منها دوائر مرتبة، وعثر على ملعقة نظيفة وضع بها بعض الدهن الساخن على الصفار لطهيه. أحبَّ هو ووالدته البيض بهذا الشكل، لكنها لم تتمكن عادةً من طهيه على النحو الصحيح. أما والده، فأحبَّ تناول البيض مقليًّا من الجانبين فيتم قلبه وتسويته كفطائر البان كيك، ويفضِّله شديد النضج حتى يصير كجلد الأحذية، وأسود اللون لامتلائه بالفلفل الأسود. وكان بوسع سيسي طهي البيض كما يفضِّله والده أيضًا.

لم يعرف أيٌّ من الصبية الآخرين مدى براعة سيسي في المطبخ، كما لم يعرف أيٌّ منهم أيضًا المكان الذي كان يختبئ فيه خارج المنزل في الزاوية المظلمة الموجودة بجوار نافذة غرفة الطعام خلف شجرة البرباريس اليابانية.

جلست والدته على الكرسي بالقرب من النافذة، في حين انتهى هو من إعداد البيض. أخذت تراقب الطريق من النافذة؛ فلم يَفُت الأوان بعدُ على وصول والده للمنزل لتناول الطعام. وربما لم يَسْكَر بعد، لكن سلوكه لم يعتمد دومًا على مدى سكره؛ فإن دخل إلى المطبخ الآن، فسيطلب من سيسي على الأرجح إعداد بعض البيض له أيضًا، ثم سيسأله عن مئزر المطبخ الخاص به، ويقول له إنه سيصير زوجة بارعة في المستقبل. هكذا يكون سلوكه عندما يكون في حالة مزاجية جيدة، أما إذا كان في حالة مزاجية أخرى، فسيحدق في سيسي على نحو معين يعكس تعبيرًا تهديديًّا عبثيًّا ومبالغًا فيه، ويقول له إنه يجدر به الاحتراس.

«تظن نفسك غلامًا ذكيًّا، أليس كذلك؟ حسنًا، لن أقول لك سوى أنه يجدر بك الاحتراس.»

وإذا نظر إليه سيسي — أو ربما أيضًا إذا لم يفعل — أو إذا أسقط ملعقة البيض أو وضعها على نحو جعلها تصدر صوتًا — أو حتى إذا توخَّى الحذر الشديد لعدم إسقاط أي شيء وإصدار أي ضوضاء — كان والده يكشِّر عن أنيابه ويزمجر كالكلب. قد يرى البعض مظهره مضحكًا — بل إنه كذلك بالفعل — لكنه يكون جادًّا حين يفعل ذلك؛ فبعد دقيقة، يكون الطعام والأطباق على الأرض، والكراسي أو المائدة مقلوبة، وقد يطارد سيسي أيضًا في أرجاء الغرفة وهو يصيح موضِّحًا كيف سينال منه هذه المرة، ويسوي وجهه على الموقد الساخن، ويسأله عن رأيه فيما سيحدث له. وأي شخص يراه سيظن أنه مجنون. بيد أنه إذا طُرق الباب في تلك اللحظات — ليعلن مثلًا عن حضور أحد أصدقائه لاصطحابه إلى الخارج — كان وجهه يعود إلى طبيعته في الحال، ويفتح الباب، وينادي صديقه باسمه بصوت مازح.

«سأكون معك في لحظات. كنت سأدعوك للدخول، لكن زوجتي ترمي الأطباق في أرجاء المنزل كعادتها.»

لم يكن يعتقد أن أحدًا سيصدِّق ذلك، لكنه كان يقول مثل هذه الأشياء ليحوِّل ما كان يحدث في منزله إلى مزحة.

سألت الأم سيسي عما إذا كان الطقس يزداد دفئًا وأين ذهب ذلك الصباح.

فأجابها: «نعم، إنه يزداد دفئًا، وقد ذهبت إلى الأراضي المسطحة بجوار النهر.»

فقالت له إنها بإمكانها شم رائحة الريح به.

واستطردت: «أتعلَمُ ماذا سأفعل بعد تناولنا الطعام مباشرةً؟ سآخذ زجاجة مياه ساخنة وأعود إلى السرير؛ لعلي أستعيد بعضًا من عافيتي، وأشعر بأنني أفعل شيئًا ذا قيمة.»

كان هذا ما تقوله عادةً، لكنها كانت تصرِّح به دومًا كما لو كان فكرة طرأت لها فجأة، مجرد قرار مفعم بالأمل.

•••

كان لباد سولتر أختان أكبر منه لا تفعلان شيئًا نافعًا في الحياة إلا إذا أجبرتهما والدتهما على ذلك؛ فلم تَقصُرا ما تفعلانه من تصفيف الشعر، وطلاء الأظافر، وتنظيف الأحذية، ووضع مساحيق الزينة، بل وكل ما يتعلق بملابسهما أيضًا، على غرف نومهما أو دورة المياه، وإنما كانتا تلقيان بالأمشاط وأدوات عقص الشعر وبودرة الوجه وطلاء الأظافر وملمِّع الأحذية بجميع أرجاء المنزل، وتملآن كذلك كل مساند الكراسي بالفساتين والبلوزات المكوية، هذا إلى جانب تجفيف السترات على المناشف على كل بقعة فارغة على الأرض (ثم تصرخان في وجه مَن يخطو بالقرب منها). اعتادتا، أيضًا، تأمُّل نفسيهما في العديد من المرايا — مرآة حامل المعاطف، ومرآة بوفيه غرفة الطعام، والمرآة المعلقة بجوار باب المطبخ التي يمتلئ الرف الموجود أسفلها دومًا بالدبابيس المشبكية، ودبابيس الشعر، والعملات المعدنية، والأزرار، وما تبقَّى من أقلام الرصاص. وأحيانًا، كانت تقف إحداهما أمام إحدى هذه المرايا عشرين دقيقة كاملة أو نحو ذلك لتتأمل نفسها من عدة زوايا، وتفحص أسنانها، وتجذب شعرها للخلف ثم تنفضه للأمام، ثم تسير مبتعدةً عن المرآة وقد بدا عليها الرضا بمظهرها، أو على الأقل الانتهاء مما كانت تفعله، لكنها ما إن تصل إلى الغرفة المجاورة وتمر بمرآة أخرى حتى تبدأ في تكرار كل ما فعلته مجددًا كما لو كانت قد بدَّلت رأسها برأس جديد.

وفي اللحظة التي دخل فيها باد إلى المنزل، كانت أخته الكبرى — المفترض أنها جميلة — تنزع الدبابيس من شعرها أمام مرآة المطبخ، وقد لفَّته على شكل تموجات لامعة كالحلازين. أما أخته الأخرى، فكانت تهرس البطاطس؛ بأمر من والدتها، وكان أخوه، الذي يبلغ من العمر خمسة أعوام، يجلس في مكانه على المائدة، ويقرع بالشوكة والسكين بقوة لأعلى وأسفل، وهو يصيح: «أرغب في بعض الخدمة … أرغب في بعض الخدمة.»

تعلم الفتى الصغير هذه العبارة من والده الذي كان يرددها أحيانًا على سبيل الدعابة.

مرَّ باد بجوار كرسي أخيه وقال هامسًا: «انظر! إنها تضيف قطع البطاطس الكبيرة على صحن البطاطس المهروسة ثانيةً.»

كان باد قد أقنع أخوه في السابق أن قطع البطاطس الكبيرة من الإضافات الموجودة في خزانة المطبخ وتوضَع في البطاطس المهروسة، شأنها شأن الزبيب الذي يوضَع في حلوى الأرز باللبن.

فتوقَّف الأخ الأصغر عن الغناء، وبدأ في التذمر.

«لن أتناول هذه البطاطس إذا وضعت فيها القطع الكبيرة. يا أمي! لن أتناول البطاطس إذا وضعت فيها القطع الكبيرة.»

فقالت له الأم التي أخذت تقلي شرائح التفاح وحلقات البصل مع شرائح اللحم: «يا إلهي! كفاك سخفًا! توقف عن التذمر كالطفل الصغير.»

فقالت الأخت الكبرى: «باد هو السبب؛ لقد أخبره بأنها تضع القطع الكبيرة في البطاطس. إنه يقول له ذلك دومًا، ولا يفلح إلا في ذلك.»

وعقَّبت دوريس — الأخت التي كانت تهرس البطاطس — بقولها: «إن باد يستحق تهشيم وجهه.» لم تقتصر مثل هذه العبارات دومًا على كونها تهديدًا فحسب، وإنما أصابت دوريس باد ذات مرة بندبة في وجنته بأحد أظافرها.

تحرَّك باد نحو خزانة الأطباق حيث استقرَّت أعلاها فطيرة راوند تُرِكت لتبرد. التقط شوكة، وبحرص شديد أخذ يفحصها سرًّا، والبخار يتصاعد منها حاملًا رائحة القرفة الشهية. حاول فتح أحد الشقوق الموجودة أعلاها ليتمكن من تذوق الحشو، فرأى الأخ الأصغر ما كان باد يحاول فعله، لكن خوفه الشديد منعه من أن يفتح فاه. كان أخوه مدلَّلًا، وتُدافع عنه الأختان دومًا؛ لكن باد كان الشخص الوحيد الذي يحترمه الأخ الأصغر في المنزل.

فكرَّر ما كان يقوله لكن بصوت خفيض رصين: «أرغب في بعض الخدمة.»

تحرَّكت دوريس نحو خزانة الأطباق لتحضر وعاءً للبطاطس المهروسة، فتحرك باد على نحو أهوج، وهبطت قطعة من الطبقة الخارجية للفطيرة نحو الداخل.

فقالت دوريس: «والآن، إنه يفسد الفطيرة. يا أمي! باد يفسد الفطيرة.»

قال باد: «فلتغلقي هذا الفم اللعين!»

فقالت الأم بحدة توحي بالتمرس والهدوء إلى حدٍّ ما: «ابتعد عن الفطيرة. وتوقفوا عن السباب. كفوا عن اللغو وتصرفات الصغار!»

•••

جلس جيمي بوكس على مائدة مزدحمة لتناول وجبة الغداء، كان يعيش مع والده ووالدته وأختيه البالغتين من العمر أربعة وستة أعوام في منزل جدتهم الذي سكنته أيضًا الجدة وأختها ماري وخاله الأعزب. امتلك والده ورشة لإصلاح الدراجات في السقيفة الموجودة خلف المنزل، وعملت والدته في متجر هونيكرز متعدد الأقسام.

وقد كان والده أعرج بسبب إصابته بفيروس شلل الأطفال الذي هاجمه في الثانية والعشرين من عمره، ما جعله يسير منحنيًا للأمام ومتكئًا على عكاز. لكن ذلك لم يَبدُ واضحًا أثناء عمله في الورشة؛ لأن طبيعة العمل تطلَّبت منه في الغالب الانحناء للأمام؛ بيد أنه عند سيره في الشارع، كان يبدو غريبًا للغاية، لكن ما من أحد أهانه أو قلَّد حركاته متهكِّمًا. فقد كان في السابق لاعب هوكي وبيسبول بارزًا في البلدة، وحتى الآن ظل محتفظًا ببعض من رونق الماضي وبطولاته؛ مما جعل الناس ينظرون إلى حالته الحالية بعقلانية على أنها مجرد مرحلة يمر بها (وإن كانت نهائية). وقد ساعد والد جيمي في تكوين هذه النظرة لدى الناس بإطلاقه النكات دومًا ونبرة حديثه التفاؤلية، منكِرًا الألم الذي بدا واضحًا في عينيه الغائرتين وأرَّق جفنيه في كثير من الليالي. هذا فضلًا عن عدم تغييره أسلوبه في الحديث عند عودته إلى المنزل، على عكس والد سيسي فيرنس.

لكن هذا المنزل لم يكن منزله بالطبع؛ فقد تزوجته زوجته بعد إصابته بالعرج، لكنهما كانا مخطوبين قبل ذلك الحين، وبدا من الطبيعي أن ينتقلا بعد الزواج إلى منزل والدتها كي تتمكن الجدة من رعاية الأحفاد أثناء خروج الأم لعملها. وبدا من الطبيعي أيضًا لوالدة الزوجة أن ترعى أسرة أخرى، ولأختها ماري أن تنتقل للعيش معهم في نفس المنزل بعد فقدان بصرها، وأن يظل ابنها فريد — الذي اتسم بخجله الشديد — معها في المنزل إلى أن يجد مكانًا آخر يستريح فيه أكثر من هذا المنزل. كانت عائلة تتقبل شتى صور الأعباء بأقل قدر ممكن من التذمر. وفي الواقع، ما من أحد في ذلك المنزل تحدَّث من قبل عن إعاقة والد جيمي أو فقدان أخت الجدة ماري لنظرها كأعباء أو مشكلات تفوق مشكلة خجل فريد مثلًا. وما كانت العلل والشدائد بالأمور المُلاحَظة بينهم، أو البارزة بمقارنتها بنقائضها.

ساد في تلك العائلة اعتقاد بأن جدة جيمي طباخة ماهرة؛ ولعل ذلك كان حقيقيًّا في وقت من الأوقات، لكن في الآونة الأخيرة كان هناك تراجع في هذه البراعة؛ فحرصت الجدة على الاقتصاد عند إعداد الطعام على نحو لم تَعُد العائلة بحاجة إليه آنذاك؛ فقد كانت والدة جيمي وخاله يحصلان على رواتب جيدة، وأخت جدته ماري كانت تحصل على معاش، وكان العمل يسير على نحو جيد أيضًا في ورشة الدراجات؛ ومع ذلك، كانت الجدة تستخدم بيضة واحدة، بدلًا من ثلاث بيضات، وتضيف إلى رغيف اللحم كوبَ شوفان إضافيًّا، وتحاول تعويض الأمر بطهي صوص ورسيسترشير جيد أو رش الكثير من جوز الطيب على الكاسترد. لكن ما من أحد تذمَّر، بل مدحها الجميع. فكاد ذلك المنزل يخلو من أي نوع من الشكوى على الإطلاق. واعتاد الجميع أيضًا الاعتذار بعضهم لبعض، حتى الفتاتان الصغيرتان كانتا تعتذران إحداهما للأخرى إذا اصطدمتا خطأً. مرَّر الجميع الطعام للآخرين، ورضي كلٌّ منهم بما قُدِّم له، وتبادلوا عبارات الشكر على المائدة كما لو كان هناك ضيوف معهم كل يوم. هكذا سارت الحياة في ذلك المنزل المكتظ بالسكان الذي تكوَّمت فيه الملابس على كل حامل، وتعلَّقت المعاطف على درابزين السلم، وأُعِدت الأسِرَّة النقَّالة دومًا في غرفة الطعام لجيمي وخاله فريد. هذا فضلًا عن اختفاء البوفيه تحت أكوام من الملابس في انتظار كيِّها أو إصلاحها. ولم يكن أحد يُحدِث ضوضاء بصعوده أو نزوله السلم، أو يغلق الأبواب بقوة، أو يرفع صوت المذياع، أو يتفوَّه بأي كلمة سيئة.

لكن هل يفسر ذلك عدم إفصاح جيمي عما حدث ذلك اليوم عند تناوله الغداء مع عائلته؟ في الواقع، لم يفصح أيٌّ من الصبية الثلاثة عما حدث. ومن اليسير فهم السبب في حالة سيسي؛ فما كان والده ليتقبَّل أبدًا ادعاء جيمي هذا الاكتشاف الخطير، وكان سيتهمه بلا شك بالكذب. ووالدته أيضًا — التي كانت تحكم على كل شيء من منظور تأثيره على والده — كانت سترى — وستكون صائبة في ذلك — أنه حتى ذهاب سيسي إلى قسم الشرطة للإبلاغ عن الحادث سيتسبب في مشكلات في المنزل؛ ومن ثم، كانت ستطلب منه عدم الإفصاح عما رآه. لكن الصبيَّين الآخرين كانا يعيشان في أسرتين تتسمان بالعقلانية إلى حد بعيد، وبوسعهما الإفصاح؛ ففي منزل جيمي، كانت القصة ستسفر عن ذعر وبعض الاستنكار، لكن أسرته كانت ستقر في النهاية أن ما حدث لم يكن لجيمي يد فيه.

أما باد، فكانت أختاه ستتهمانه بالجنون، وربما تحرِّفان الأمر ليبدو أن اكتشافه لجثة رجل ما أمرٌ يليق به وبعاداته الكريهة؛ بيد أن والده كان عقلانيًّا وصبورًا واعتاد سماع الكثير من الهراء العجيب في عمله بوصفه وكيل شحن في محطة القطار؛ ومن ثم، كان سيُسكت أختيه، وبعد التحدث معه بجدية بعض الوقت للتأكد من أنه لا يكذب ولا يبالغ، كان سيتصل بالشرطة.

لكن ما حالَ دون تحدُّث الصبية الثلاثة هو أن منازلهم بدت ممتلئة للغاية، وثمة أمور كثيرة تحدث فيها. ولا يُستثنَى من ذلك منزل سيسي؛ فحتى في ظل غياب والده، يسود المنزل دومًا شعور بالتهديد وذكرى وجوده وما يصاحبه من اهتياج.

•••

«هل أبلغتهم؟»

«هل فعلت أنت؟»

«لم أبلغهم أنا أيضًا.»

سار الثلاثة في وسط البلدة على غير هدًى حتى وصلوا إلى شارع شيبكا، ليجدوا أنفسهم يمرون بمنزل مبني من الجص ومكون من طابق واحد حيث كان يعيش السيد ويلينس وزوجته. لم يتعرَّفوا عليه إلا بعد وصولهم أمامه مباشرةً. كان للمنزل نافذة بارزة صغيرة على كل جانب من جانبَي الباب الأمامي، وكانت آخر درجة في السلم من أعلى تكفي لمقعدين اعتاد السيد ويلينس وزوجته وضعهما عليها في ليالي الصيف، لكنها خلت منهما آنذاك. كان هناك أيضًا جزء ملحق بأحد جوانب المنزل ذو سطح مستوٍ، وله باب آخر يطل على الشارع وممشًى منفصل يؤدي إليه، وثمة لافتة بجوار الباب مكتوب عليها: «دكتور ويلينس، أخصائي بصريات». لم يكن أيٌّ من الصبية الثلاثة قد زار تلك العيادة من قبل، لكن أخت جدة جيمي — ماري — كانت تتردد عليها بانتظام للحصول على قطرات العين الخاصة بها، وجدَّته أيضًا حصلت على نظارتها من هذه العيادة، وكذا فعلت والدة باد سولتر.

كان الجص الذي بُني به المنزل من اللون الطوبي، وكانت أُطر النوافذ والأبواب مطلية باللون البني، ولم تكن النوافذ الواقية من العواصف قد أُزيلت بعد، كما هو الحال في معظم منازل البلدة، ولم يكن هناك أي شيء مميز في ذلك المنزل على الإطلاق، لكنَّ فناءه الأمامي اشتهر بزهوره؛ فقد ذاع صيت السيدة ويلينس لبراعتها في أعمال البستنة؛ إذ لم تكن تزرع الزهور في صفوف طويلة مجاورة لحديقة الخضراوات، مثلما فعلت جدة جيمي ووالدة باد، وإنما كانت تزرعها في أحواض مستديرة وهلالية الشكل، وفي كافة أرجاء الحديقة، وفي دوائر تحت الأشجار. وكان من المنتظر أن تملأ هذه الحديقة في غضون أسابيع قليلة أزهارُ النرجس البري، لكن في ذلك الوقت، لم يكن شيء قد أزهر بعدُ في المكان سوى شجيرة زيتون كادت تصل إلى الإفريز في أحد أركان المنزل، وكانت تنثر أوراقها الصفراء في الهواء مثلما تنثر النافورة مياهها.

اهتزت أوراق الشجيرة، لكن ليس بفعل الرياح، وإنما لمرور شخص خرج من المنزل بجانبها. كان منحنيَ الظهر ويرتدي ملابس بنية اللون. لقد كانت السيدة ويلينس في ملابس البستنة القديمة الخاصة بها. كانت سيدة قصيرة ممتلئة الجسم ترتدي بنطالًا فضفاضًا، وسترة ممزقة، وقبعة ذات حافة، وكانت واسعة على رأسها فنزلت إلى عينيها حتى كادت تخفيهما، لعلها كانت تخص زوجها، وحملت في يديها مجزًّا.

تقدموا ببطء للأمام؛ فما كان أمامهم خيار سوى ذلك أو الهرب. ولعلهم اعتقدوا أنها لن تلاحظهم، وأنهم سيقفون دون حراك كأنهم أعمدة، لكنها كانت قد رأتهم بالفعل؛ وكان هذا سبب خروجها مسرعةً من المنزل.

قالت لهم السيدة ويلينس: «لقد رأيتكم تحدقون في شجيرة الزيتون في حديقتي. هل تريدون الحصول على بعضٍ من أزهارها لتصطحبوها معكم إلى المنزل؟»

لكنهم لم يحدقوا في الشجيرة، وإنما في المشهد بالكامل؛ فالمنزل كان كعادته، واللافتة معلقة بجوار باب العيادة، والستائر تسمح بدخول الضوء إلى المكان. لم يكن هناك أي شيء يستحق التأمل أو ينذر بسوء، أو يدل على أن السيد ويلينس لم يكن موجودًا بالداخل أو أن سيارته ليست في الجراج خلف العيادة، وإنما في بِركة جوتلَنْد. والسيدة ويلينس أيضًا خرجت للعمل في حديقتها كما هو متوقع في ذلك الوقت من العام بعد ذوبان الجليد. نادت عليهم بصوتها المألوف الذي صار خشنًا بسبب السجائر، بنبرة مباغتة وتحدٍّ، لكنه خلا في الوقت نفسه من العدائية. كان صوتًا يسهل التعرف عليه من على بعد.

قالت لهم: «انتظروا، سوف أحضر لكم بعضًا منها.»

أخذت تقطف بعض الأفرع ذات اللون الأصفر الزاهي منتقيةً إياها ببراعة، وعندما حصلت على كل ما تريده، تقدَّمت نحو الصبية خلف ستار من الأزهار.

وقالت لهم: «تفضَّلوا، خذوها إلى المنزل لأمهاتكم. إن رؤية هذه الزهور تدخل السرور دومًا إلى النفس؛ فهي أول ما يُزهر في الربيع.» وقسَّمت الأفرع بينهم، وهي تقول: «نقسِّمها إلى ثلاثة أقسام، مثل بلاد الغال قديمًا. لا ريب أنكم تعلمون ما أعني إذا كنتم تدرسون اللغة اللاتينية.»

فردَّ عليها جيمي، الذي كان أكثر تأهبًا للتحدث مع السيدات مقارنةً برفيقيه بسبب طبيعة حياته في المنزل: «لم نلتحق بالمدرسة الثانوية بعد.»

فقالت له: «حقًّا؟ حسنًا، في انتظاركم أشياء كثيرة لتطَّلعوا إليها. اطلبوا من أمهاتكم وضع هذه الأزهار في ماء فاتر. بل لا تقولوا لهن شيئًا؛ فأنا موقنة أنهن يعلمن ذلك بالفعل. لقد أعطيتكم أغصانًا لم يكتمل نضجها بعد؛ ولذلك ستظل مزهرة فترة طويلة.»

شكرها الصبية؛ جيمي في البداية، ثم تبعه الآخران، وساروا تجاه وسط البلدة وأذرعهم محملة بالأغصان. لم تكن لديهم أي نية للرجوع والعودة بها إلى المنزل، وإنما اعتمدوا على جهل السيدة ويلينس بأماكن منازلهم. وبعد أن ابتعدوا بعض الشيء عنها، اختلسوا النظر وراءهم ليروا ما إذا كانت تراقبهم.

لم تكن تراقبهم، كما أن المنزل الكبير القريب من الرصيف حجب الرؤية بينهم وبينها على أي حال.

منحتهم الأزهار شيئًا ليفكروا فيه؛ فكروا في الإحراج من حملها، وفي مشكلة التخلص منها، ولولا ذلك، لفكروا في السيد ويلينس وزوجته، وانشغال الزوجة في الحديقة بينما زوجها غارق في سيارته. هل كانت تعلم مكانه أم لا؟ بدا الأمر وكأنها لا تعلم. هل كانت تعلم حتى باختفائه؟ لقد تصرَّفت كأن كل شيء على ما يرام. وعندما كانوا واقفين أمامها، بدا لهم أن تلك هي الحقيقة بالفعل؛ فشعروا بأن ما يعلمونه وما رأوه يزوي وينهزم أمام جهل الزوجة به.

مرت بهم فتاتان تقودان دراجتيهما عند ناصية الشارع. كانت إحداهما دوريس، شقيقة باد، وعند رؤية الصبية، أخذتا في الصياح عاليًا.

«يا لها من أزهار جميلة! تُرى أين حفل الزفاف؟ كم تبدُن جميلات يا وصيفات العروس!»

فصاح باد بأفظع ما اهتدى إليه من كلمات.

«انظري، الدماء تُغرق مؤخرتك.»

بالطبع، لم تكن هناك أي دماء، لكن هذا ما حدث ذات مرة أثناء عودتها من المدرسة عندما بللت الدماء تنورتها، ورآها الجميع. كان موقفًا لن يُمحَى من ذاكرتها إلى الأبد.

كان باد موقنًا من أنها ستشي به في المنزل، لكنها لم تفعل؛ فخِزيُها من ذلك الحادث كان هائلًا على نحو حال دون ذكرها أي شيء عنه، حتى وإن كان الغرض هو إيقاعه في المتاعب.

•••

أدرك الصبية حينذاك أن عليهم التخلص من الأزهار على الفور؛ فما كان منهم إلا أن ألقَوْا بها تحت إحدى السيارات المتوقِّفة بجانب الطريق، ونفضوا عن ملابسهم أي بتلات متساقطة عليها أثناء توجههم نحو الميدان.

كانت أيام السبت لا تزال مهمة آنذاك؛ إذ كان يحضر أهل الريف إلى البلدة خلالها. كانت السيارات قد توقفت بالفعل حول الميدان وفي الشوارع الجانبية. وشباب الريف من الجنسين — والأطفال الأصغر منهم سنًّا من سكان البلدة والريف — يتوجهون للسينما لحضور الحفلة النهارية.

وجب على الصبية الثلاثة المرور بمتجر هونيكرز في المربع السكني الأول. وهناك، رأى جيمي والدته وقد بدت واضحة للجميع في إحدى واجهات المتجر. كانت قد عادت للعمل حينذاك، وأخذت تضع القبعة على رأس تمثال العرض، وتضبط البرقع الشبكي، ثم كتفَي الفستان. كانت امرأة قصيرة؛ لذا لزم عليها الوقوف على أطراف أصابعها لفعل ذلك على نحو صحيح. خلعت حذاءها لتسير على السجادة المفروشة على أرضية الواجهة. وكان من الممكن رؤية كعبَيْها الممتلئَيْن المتوردَيْن عبر الجوارب التي كانت ترتديها. وعندما بسطت جسمها واقفة على أطراف أصابعها، كان من الممكن رؤية باطن ركبتَيْها عبر فتحة التنورة الخلفية. وأعلى ذلك كانت مؤخرتها العريضة، والمتناسقة في الوقت نفسه مع قوامها، ثم حافة ملابسها الداخلية أو المشد. كان بوسع جيمي سماع تذمرها الخافت في رأسه، وشم رائحة جواربها التي كانت تخلعها فور وصولها المنزل للحفاظ عليها من البِلَى. الجوارب والملابس الداخلية — حتى الملابس الداخلية الحريمي النظيفة — كانت لها رائحة باهتة من نوع خاص، جذابة ومثيرة للاشمئزاز في الوقت نفسه.

تمنَّى جيمي أمرين حينذاك؛ الأمر الأول هو ألا يكون رفيقاه قد لاحظا أمه (لكنهما لاحظاها بالفعل؛ بيد أن فكرة تأنُّق الأم كل يوم وخروجها للحياة العامة في البلدة كان أمرًا غريبًا للغاية بالنسبة إليهما، ما حال دون تعليقهما عليه، فتجاهلاه فحسب). والأمر الثاني هو ألا تستدير والدته وتراه؛ فإن فعلت ذلك، كانت ستطرق على زجاج الواجهة، وتلقي التحية عليه؛ فقد كانت تتخلَّص عند ذهابها إلى العمل من التحفظ الصامت والدماثة المتأنية التي سادت المنزل، ويتحول لطفها وكرمها مع الآخرين من إذعان إلى حيوية وجرأة. واعتاد جيمي أن يسعد بهذا الجانب المرح من شخصيتها، كما كان يسعد بمتجر هونيكرز وما به من مناضد بيع ضخمة مصنوعة من الزجاج والخشب اللامع، ومرايا كبيرة أعلى السلم حيث تمكَّن من رؤية نفسه وهو يصعد إلى قسم الملابس الحريمي بالطابق الثاني.

كانت والدته تقول عند رؤيته: «ها قد جاء شيطاني الصغير»، وتلقي له أحيانًا بعشرة سنتات. ولم يتمكن قط من البقاء معها أكثر من دقائق معدودة؛ إذ من المحتمل أن يكون السيد هونيكر وزوجته يراقبان ما يحدث.

«شيطاني الصغير.»

كلمات أسعده سماعها في السابق، شأنها شأن رنين السنتات، لكنها صارت مصدر خجل له الآن عليه إخفاؤه.

فقد أصبحت ماضيًا منسيًّا.

وفي المربع السكني التالي، كان عليهم المرور بمطعم ديوك أوف كمبرلاند، لكن سيسي لم يكن قلقًا؛ لأن عدم حضور والده إلى المنزل في موعد الغداء يعني أنه سيظل في ذلك المطعم عدة ساعات تالية، لكن كلمة «كمبرلاند» كان لها دومًا وقع ثقيل في نفسه؛ حتى قبل أن يعرف معناها، كانت تنزل عليه كالحِمْل الثقيل المُقبِض للصدر، مثل الثقل الذي يرتطم بقاع المياه المظلمة.

وبين مطعم كمبرلاند ومبنى البلدية زقاق غير ممهد، وخلف هذا المبنى كان قسم الشرطة. دخل الصبية الزقاق، وسرعان ما سمعوا ضوضاء عالية غير تلك الصادرة من الشارع. لم تكن هذه الضوضاء صادرة من المطعم الذي كُتِمت الأصوات داخله؛ إذ لم يحتوِ البار إلا على نوافذ صغيرة عالية، مثل المراحيض العامة، وإنما كانت صادرة عن قسم الشرطة، الذي فُتِح بابه في ظل اعتدال الطقس، وفاحت منه رائحة السيجار وتبغ الغليون التي كان من الممكن شمُّها من الزقاق في الخارج. ولم يكن رجال الشرطة وحدهم الجالسين بالداخل، لا سيما في فترات بعد الظهيرة أيام السبت، مع تشغيل المدفأة في فصل الشتاء والمروحة في الصيف، وترك الباب مفتوحًا للسماح للهواء العليل بالدخول في أيام الطقس المعتدل مثل ذلك اليوم. فكان من المتوقع وجود كولونيل بوكس بالداخل، بل إن الصبية تمكنوا في الواقع من سماع صوت حشرجة أنفاسه الطويلة التي كانت تلي ضحكته المشوبة بآثار الربو الذي كان يعاني منه. كان الكولونيل بوكس أحد أقارب جيمي، لكن ثمة برودًا ساد في العائلة تجاهه بسبب عدم موافقته على زواج والد جيمي. وكان يتحدث مع جيمي — عندما يتعرَّف عليه — بنبرة ساخرة مندهشة. وقد أوصت والدة جيمي الفتى قائلةً: «إذا قدَّم لك ربع دولار أو أي شيء من هذا القبيل، فأخبره أنك لست بحاجة إليه.» لكن الكولونيل بوكس لم يعرض عليه أي أموال قط.

كان السيد بولوك، الذي عمل في الصيدلية قبل تقاعده، بالداخل أيضًا على الأرجح، وكذلك السيد فيرجس سولي، الذي لم يكن غبيًّا، لكن مظهره أوحى بذلك بسبب تعرُّضه للغازات في الحرب العالمية الأولى. قضى هؤلاء الرجال وآخرون يومهم بالكامل في لعب الورق، والتدخين، ورواية القصص، وشرب القهوة على نفقة البلدة (كما كان والد باد يقول)، وأي أحد يرغب في تقديم شكوى أو بلاغ ما، كان عليه فعل ذلك على مرأًى — وربما أيضًا على مسمع — منهم جميعًا.

لقد وقعوا في الفخ.

وصل الصبية الثلاثة بالكاد أمام الباب الأمامي، لم يلاحظهم أحد، وهناك سمعوا كولونيل بوكس يقول: «إنني لم أمت بعد.» مُكرِّرًا العبارة الأخيرة لقصة ما يرويها؛ فبدءوا في السير ببطء بعيدًا عن المكان، وقد طأطئوا رءوسهم وأخذوا يركلون الحصى بالطريق. وعند الوصول إلى زاوية المبنى، أسرعوا في خطاهم، وعند مدخل مرحاض الرجال العام، وجدوا خطًّا من القيء الحديث المتكتل على الحائط، وعددًا من الزجاجات الفارغة على الأرض. لزم عليهم السير بين صناديق القمامة والنوافذ العالية — التي كشفت المكان بالكامل — لمكتب أمين سجلات البلدية، ليخرجوا من الطريق المليء بالحصى عائدين إلى الميدان.

قال سيسي لرفيقَيْه: «معي نقود.» أشعرهم الإفصاح عن امتلاكه المال بالراحة، وخشخش سيسي بالعملات المعدنية في جيبه. لقد كانت الأموال التي منحته إياها والدته بعد غسيله الأطباق وذهابه لها في غرفة النوم الأمامية ليخبرها بأنه سيخرج. قالت له: «خذ خمسين سنتًا من على منضدة الزينة.» امتلكت والدته بعض المال أحيانًا، مع أنه لم يَرَ والده يمنحها أي أموال قط، وعندما كانت تقول له «خذ» كذا، أو تعطيه بعض العملات المعدنية، كان سيسي يدرك أنها خجلة من حياتهم وخجلة من أجله، ومنه. وفي تلك اللحظات، كان يكره رؤيتها (وإن كان يسعد برؤية المال)، لا سيما عندما كانت تقول له إنه فتًى صالح ويجب ألا يظن أبدًا أنها لا تشعر بالامتنان له لكل ما يفعله.

سلك الصبية الثلاثة الطريق المؤدي إلى المرفأ. وبجوار محطة بنزين باكيت، كان هناك كشك تبيع فيه السيدة باكيت الهوت دوج والآيس كريم والحلوى والسجائر. وقد رفضت في السابق بيع السجائر لهم، حتى بعد أن قال لها جيمي إنه يشتريها لخاله فريد. لكنها لم تتحامل عليهم بسبب هذه المحاولة. كانت امرأة كندية من أصل فرنسي، جميلة وممتلئة القوام.

اشتروا بعض حلوى عرق السوس الأسود والأحمر، واعتزموا شراء الآيس كريم لاحقًا، عندما يخفُّ شعورهم بالامتلاء بسبب وجبة الغداء. توجهوا نحو مقعدَي سيارة قديمَيْن موضوعَيْن بجوار السور تحت شجرة تظلل المكان في فصل الصيف، وتشاركوا معًا حلوى عرق السوس.

جلس كابتن تيرفيت على المقعد الآخر.

عمل كابتن تيرفيت قبطانًا حقيقيًّا لأعوام عديدة على متن القوارب في البحيرة، أما الآن، فقد حصل على وظيفة مسئول أمن خاص؛ إذ كان يوقف السيارات للسماح للأطفال بعبور الطريق أمام المدرسة، ويحميهم من الانزلاق بالشوارع الجانبية في الشتاء. كان ينفخ في صافرة يحملها في إحدى يديه، في حين يرفع يده الأخرى الضخمة التي بدت كيد المهرج وهي مغطاة بالقفاز الأبيض. كان لا يزال طويلًا مشدود البنية وعريض المنكبين، بالرغم من كبر سنِّه وشعره الأبيض. وامتثلت السيارات لأوامره، وكذلك الأطفال.

وفي الليل، كان يتفقَّد أبواب جميع المتاجر ليتأكد من غلقها بالأقفال، ومن خلوها من أي أحد يحاول سرقتها، أما نهارًا، فكان ينام عادةً في الأماكن العامة؛ ففي الطقس السيئ، ينام في المكتبة، وعندما تتحسن الأحوال الجوية، كان ينتقي أي مقعد في الهواء الطلق. لم يقضِ الكثير من الوقت في قسم الشرطة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ضعف سمعه الذي حال دون متابعته للمحادثات التي كانت تجري هناك إلا إذا ارتدى السماعة الخاصة به، التي كرهها شأنه شأن كل ضعاف السمع؛ هذا فضلًا عن اعتياده العزلة، بالتأكيد أثناء عمله قبطانًا وتحديقه في الخلاء من فوق قوارب البحيرة.

أغمض الكابتن عينيه ومال برأسه للخلف كي يسمح لأشعة الشمس بالتدفق على وجهه، وعندما ذهب الصبية للتحدث معه (اتُّخِذ هذا القرار دون أي مشاورة، ولم يتبادلوا سوى نظرة واحدة توحي بالإذعان والتردد) كان عليهم إيقاظه من غفوته. استغرق وجهه لحظة ليدرك المكان والزمان والأشخاص من حوله، ثم أخرج ساعة كبيرة عتيقة من جيبه، كما لو كان اعتاد على سؤال الأطفال له دومًا عن الساعة، لكنهم بدءوا في التحدث معه وقد بدا على ملامحهم الارتباك وبعض الخجل. قالوا له: «السيد ويلينس في بركة جوتلَنْد»، و«لقد رأينا السيارة»، و«لقد غرق.» فحينها وجب على الكابتن رفع يده والتلويح لهم ليصمتوا، بينما بحث بيده الأخرى في جيب بنطاله ليخرج سماعة أذنه. أومأ برأسه بجدية وعلى نحو تشجيعي، كما لو كان يقول لهم «مهلًا، مهلًا»، بينما كان يضع السماعة في أذنه. ثم، رفع كلتا يديه ليطلب منهم الانتظار حتى يختبر تشغيلها. وفي النهاية، أومأ برأسه ثانيةً على نحو أكثر نشاطًا، وقال لهم «فلتتحدثوا الآن» بصوت حازم، وإن كان يمزح إلى حدٍّ ما بشأن هذا الحزم.

كان سيسي — الأكثر هدوءًا بين رفيقيه، في حين كان جيمي الأكثر أدبًا، وباد الأكثر ثرثرةً — هو الذي غيَّر مجرى الحديث تمامًا.

فقال للكابتن: «سحَّاب بنطالك مفتوح.»

ثم صاحوا جميعًا بمرح، وفروا سريعًا.

•••

لم يختفِ مرحهم في الحال، لكنه لم يكن بالشيء الذي يمكنهم مشاركته مع الآخرين أو التحدث عنه؛ لذا، لزم عليهم الافتراق.

عاد سيسي إلى منزله ليعمل على تجهيز مكان اختبائه. كانت الأرضية المغطاة بالورق المقوى التي غطاها الثلج في فصل الشتاء قد صارت مبتلة الآن وبحاجة لاستبدالها. أما جيمي، فقفز إلى علية المرأب حيث اكتشف مؤخرًا صندوقًا به مجلات دوك سافيدج قديمة تخص خاله فريد. عاد باد أيضًا إلى المنزل حيث لم يجد سوى والدته التي أخذت تلمِّع أرضية غرفة الطعام بالشمع، فتصفَّح بعض الكتب الهزلية مدة ساعة أو نحو ذلك، ثم باح لها بسره. اعتقد باد أن والدته ليست لها أي خبرة أو سلطة خارج المنزل، وأنها لن تتخذ أي قرار بشأن ما يجب فعله إلا بعد اتصالها بوالده، لكن ما أدهشه هو أنها اتصلت على الفور بالشرطة، ثم بوالده. وذهب شخص ما لإحضار سيسي وجيمي.

توجَّهت إحدى سيارات الشرطة إلى جوتلَنْد متبعة طريق البلدة الرئيسي، وتأكَّد الخبر. ومن ثم، ذهب أحد رجال الشرطة وقس الكنيسة الأنجليكية للسيدة ويلينس.

ورد في التقارير أنها قالت لهما: «لم أرغب في إزعاجكم؛ كنت سأمهله حتى حلول الظلام.»

وأخبرتهما أن السيد ويلينس قد قاد سيارته متوجهًا إلى الريف ظهيرة اليوم السابق لإيصال بعض قطرات العين إلى رجل ضرير مسن. وأضافت أنه كان يتعطل أحيانًا في طريق عودته بسبب زيارته لبعض الناس أو تعطُّل السيارة في الطريق.

سألها الشرطي إن كان مكتئبًا أو أي شيء من هذا القبيل.

فأجاب القس: «كلا بالتأكيد. لقد كان يلعب دورًا رئيسيًّا في جوقة المنشدين بالكنيسة.»

وقالت السيدة ويلينس: «لم يعرف الاكتئاب قط.»

كوَّن الناس انطباعًا عن الصبية الثلاثة الذين عادوا إلى منازلهم، وتناولوا الغداء، ولم ينبسوا ببنت شفة عما رأوه، ثم اشتروا حلوى عرق السوس، فأطلقوا عليهم اسمًا مستعارًا، وهو «الميت»، وظل هذا الاسم ملازمًا لهم. حمله جيمي وباد إلى أن غادرا البلدة، أما سيسي، الذي تزوج وهو في سن صغيرة وعمل في صومعة الغلال، فشهد انتقال الاسم إلى ابنيه. وبحلول ذلك الوقت، لم يَعُد أحد يفكر فيما يرمز إليه الاسم.

أما إهانتهم للكابتن تيرفيت، فظلت سرًّا.

توقع كلٌّ منهم أي نوع من التذكير بما حدث من جانب الكابتن — كنظرة توحي بالاحتقار أو الإدانة — في المرة التالية التي مروا فيها تحت ذراعه المرفوعة ليعبروا الطريق إلى المدرسة، لكنه رفع يده المغطاة بالقفاز الأبيض، تلك اليد النبيلة الأشبه بأيدي المهرجين، برزانته الخيِّرة المعتادة، ليعلن عن سماحه لهم بعبور الطريق.

(٢) سكتة قلبية

«التهاب كبيبات الكلى»، هكذا كتبت إنيد في مفكرتها. كانت تلك أول حالة تراها مصابة بهذا المرض. في الواقع، كانت كُلْيَتَا السيدة كوين تعانيان تلفًا شديدًا، وما من شيء يمكن فعله حيال ذلك. أصيبت الكليتان بالجفاف، وصارتا كتلتين صلبتين وحبيبيتين لا فائدة منهما، كما أصبح بولها شحيحًا ولونه غير صافٍ، وكانت رائحة أنفاسها وبشرتها نفَّاذة ومنذرة بالسوء. وانبعثت منها أيضًا رائحة أخرى أقل حدة، تشبه رائحة الفواكه العطنة، رأت إنيد أنها مرتبطة بالبقع ذات اللون البني الباهت الموجودة على جسدها. ارتعشت ساقاها بفعل تشنجات الألم المفاجئ، وصارت بشرتها معرَّضة للحكَّة العنيفة، ما جعل إنيد تدعكها بالثلج الذي كانت تلفُّه في المناشف، وتضغط به على البقع المصابة.

سألت أخت زوج السيدة كوين: «كيف يُصاب المرء بهذا المرض؟» كانت تُدعَى السيدة أوليف جرين (ويعني الاسم بالعربية «الزيتون الأخضر») (لم يخطر ببالها قط ما سيبدو عليه اسمها إلا بعد أن تزوجت وصار الجميع يسخرون منها فجأة، على حد قولها). عاشت في مزرعة تبعد بضعة أميال عن الطريق السريع، وكانت تعرج على منزل السيدة كوين كل بضعة أيام لتأخذ الملاءات والمناشف وملابس النوم إلى منزلها لتغسلها، وكانت تغسل ملابس الأطفال أيضًا، ثم تعيد كل شيء بعد كيِّه وطيِّه. كانت تكوي أشرطة ملابس النوم أيضًا. شعرت إنيد بالامتنان لها؛ إذ عملت قبل ذلك بوظائف أجبرتها على غسل الملابس بنفسها، أو فعل ما هو أسوأ من ذلك، وهو أن تحملها إلى والدتها التي كانت تدفع المال مقابل تنظيفها في البلدة. لم ترغب إنيد في الرد بوقاحة على سؤال السيدة جرين، لكنها استشفَّت ما سيئول إليه الحوار بعد ذلك، فأجابت: «يصعب تحديد ذلك بالضبط.»

فردَّت السيدة جرين عليها: «السبب وراء سؤالي هو أننا نسمع أمورًا كثيرة؛ فأي سيدة يمكن أن تتعاطى بعض الحبوب أحيانًا، مثل تلك التي تؤخذ عند تأخُّر الدورة الشهرية. وإذا التزمت بإرشادات الطبيب عند تعاطيها، وكان الغرض منها حسنًا، فلا بأس. لكن السيدات يأخذن أحيانًا أعدادًا كبيرة من هذه الحبوب ولأغراض سيئة، فتتعرض الكلى للتلف في أجسامهن. أليس كذلك؟»

فقالت إنيد: «لم يسبق لي التعامل مع حالة كهذه من قبل.»

كانت السيدة جرين امرأة طويلة وبدينة، وشأنها شأن أخيها روبرت — زوج السيدة كوين — كان وجهها مستديرًا متجعدًا ولكنه مقبول، وأنفها أفطس، وكانت والدة إنيد تشبِّه الشخص الذي يمتلك هذه الملامح بالبطاطس الأيرلندية. لكن خلف ذلك التعبير البشوش الذي ارتسم على وجه روبرت، توارى الارتياب والتحفُّظ. وخلف وجه السيدة جرين، توارى التوق، وإن لم تعلم إنيد إلى أي شيء تتوق السيدة جرين، لكنها سعت إلى معرفة المزيد في أي محادثة بسيطة. لعلها كانت تتوق لمعرفة المزيد من الأخبار عن شيء ما مهم، أو بالأحرى عن حدث مهم.

وبالطبع، كان هناك حدث مهم على وشك الحدوث؛ حدث جلل على الأقل في هذه الأسرة؛ فقد كانت السيدة كوين على وشك الموت وهي في سن السابعة والعشرين (وهي السن التي توقعتها لنفسها، وإن كانت إنيد قد توقعت أن تزيد عن ذلك ببضعة أعوام، لكن عندما يستمر المرض حتى هذه السن، يصير من الصعب التكهن بالعمر الذي سيصل إليه المريض). فعندما ستتوقف كليتاها عن العمل تمامًا، سيتوقف كذلك القلب، وتموت. قال الطبيب لإنيد: «ستظلين تراعينها حتى فصل الصيف، لكنك ستحظين على الأرجح بإجازة قبل انتهاء الفصل.»

وفي إحدى المرات، قالت السيدة جرين لإنيد: «قابلها روبرت عند ذهابه إلى الشمال. كان قد انتقل إلى هناك وحده حيث عمل في الغابات. وكانت تعمل في أحد الفنادق. لست متأكدة من طبيعة عملها، ربما عاملة تنظيف للغرف، لكنها لم تنشأ في ذلك المكان؛ وإنما تقول إنها نشأت في ملجأ للأيتام في مونتريال. أمر لا ذنب لها فيه. وقد تتوقعين تحدُّثها الفرنسية لهذا السبب، لكنها إن كانت تتحدثها فعلًا، فهي تُبقي الأمر سرًّا عن الآخرين.»

فردَّت إنيد: «حياة مثيرة.»

«قوليها ثانية!»

كرَّرت إنيد قولها: «حياة مثيرة.» لم تستطع إنيد أحيانًا كبح جماح نفسها؛ فكانت تطلق النكات في مواقف يصعب أن تؤثِّر فيها هذه النكات على مَن أمامها. وفي ذلك الموقف، رفعت إنيد حاجبَيْها على نحو تشجيعي، وابتسمت السيدة جرين بالفعل.

لكن هل جرح ذلك مشاعر السيدة جرين؟ لقد تشابهت ابتسامتها مع ابتسامة روبرت عند محاولته تجنب استهزاء الآخرين به عندما كان في المدرسة الثانوية.

قالت لها السيدة جرين: «لم يكن لروبرت رفيقة من قبل.»

كانت إنيد في نفس الفصل مع روبرت، لكنها لم تخبر السيدة جرين بذلك. وقد أشعرها ذلك ببعض الإحراج؛ لأن روبرت كان أحد الصبية — أو بالأحرى أهمهم — الذي تعمَّدت هي وصديقاتها مضايقته وإزعاجه؛ فكنَّ يضايقنه بملاحقته في الشارع وسبِّه، فيبتئس وتنتفخ شرايين عنقه، فيقلن: «روبرت يعاني من الحمى القرمزية؛ يجب الحجر عليه صحيًّا.» وكن — إنيد وجوان ماكوليف، وماريان ديني — يتظاهرن أيضًا بأن إحداهن مفتونة به، ويقلن له: «إنها تريد التحدث معك يا روبرت. لم لا تطلب الخروج معها؟ يمكنك، على الأقل، مهاتفتها. إنها تتحرق شوقًا للتحدث معك.»

في الواقع، لم تتوقع الفتيات أن يستجيب روبرت لتلك المناشدات من جانبهن، لكنهن كن سيمرحن حقًّا إن فعل؛ فكان سيُنبَذ في الحال، ويُذاع الخبر في جميع أنحاء المدرسة. لماذا؟ لماذا كنَّ يعاملنه على هذا النحو وتحدوهن رغبة شديدة في إذلاله؟ الجواب ببساطة هو: لأنه كان بإمكانهن فعل ذلك.

من المحال أن يكون روبرت قد نسي ذلك، لكنه مع ذلك تعامل مع إنيد كأنه لم يعرفها من قبل؛ مجرد ممرضة لزوجته أتت إلى منزله من أي مكان؛ وتعاملت هي معه على هذا الأساس.

اتَّسمت الأمور دومًا بالتنظيم على نحو غير اعتيادي لإعفاء إنيد من بذل أي جهد إضافي؛ فكان روبرت ينام ويتناول الطعام في منزل السيدة جرين، في حين كان من الممكن أيضًا انتقال الفتاتين الصغيرتين إلى هناك، لكن كان لا بد من نقلهما إلى مدرسة أخرى في هذه الحالة. ولم يكن قد بقي على انتهاء الدراسة سوى قرابة الشهر، قبل أن تغلق المدارس أبوابها لحلول فصل الصيف.

واعتاد روبرت المجيء إلى المنزل في المساء للتحدث مع طفلتَيْه.

فيسألهما: «هل كنتما فتاتين مطيعتين؟»

وكانت إنيد تقول لهما: «فلْتُريا والدكما ما فعلتماه بالمكعبات»، أو «لتُرياه ما فعلتماه في كتاب التلوين.»

كانت إنيد هي التي أحضرت كل تلك المكعبات وأقلام الألوان، وكتب التلوين؛ إذ اتصلت بوالدتها هاتفيًّا، وطلبت منها البحث في الصناديق القديمة عما يمكن للأطفال اللعب به. وفعلت أمها ذلك بالفعل، وجلبت لها كذلك كتابًا قديمًا يحتوي على صور مقصوصة من كتب أخرى كانت قد حصلت عليه من شخص ما. وضمَّ ذلك الكتاب صورًا للأميرتين إليزابيث ومارجريت روز، والكثير من الأزياء الخاصة بهما. ولم تتمكن إنيد من إجبار الفتاتين على شكرها إلا بعد أن وضعت تلك الأشياء فوق رفٍّ عالٍ، وقالت لهما إنها ستظل هناك بالأعلى إلا أن يشكراها عليها. بلغت لويس وسيلفي من العمر سبعة وستة أعوام، لكنهما كانتا جامحتَيْن كالقطط البرية الصغيرة.

لم يسأل روبرت عن مصدر تلك الألعاب. لكنه كان يطلب من ابنتيه أن يُحسِنا التصرف، ويسأل إنيد عما إذا كان هناك أي شيء تريده من البلدة. وذات مرة، قالت له إنيد إنها قد استبدلت مصباح الإضاءة الموجود في مدخل القبو، وطلبت منه إحضار بعض المصابيح احتياطيًّا.

فقال لها: «كان بوسعي أن أفعل ذلك.»

فقالت إنيد: «ليست لديَّ أي مشكلة في تغيير مصابيح الإضاءة أو الصمامات الكهربائية أو دقِّ المسامير؛ فقد مرَّت فترة طويلة على حياتي مع والدتي في المنزل دون أي رجل معنا.» كانت إنيد تحاول ممازحته بود، لكنها لم تنجح في ذلك.

ففي نهاية الحوار، كان روبرت يسأل عن حال زوجته، وإنيد ترد عليه بأن ضغط الدم منخفض قليلًا، أو أنها قد تناولت طعامها وتركت بعضًا من بيض الأومليت للعشاء، أو أن أكياس الثلج ساعدت في التخفيف من الحكَّة بجلدها وتحسُّن نومها. وفي تلك المرة، قال لها روبرت إنه يجدر به عدم الدخول إليها إن كانت نائمة.

فأثنته إنيد عن ذلك، موضحةً له أن رؤية الزوج تنفع أي امرأة أكثر من الغفو قليلًا، وأخذت الطفلتين إلى غرفتهما لتمنح الرجل وزوجته بعض الخصوصية، لكن روبرت لم يبقَ معها في أي مرة أكثر من بضع دقائق قليلة. وعند عودة إنيد إلى الطابق السفلي ودخولها الغرفة الأمامية — التي صارت الآن غرفة المريضة — لتجهيز المريضة للنوم في المساء، وجدت السيدة كوين مستلقية على السرير وقد أسندت ظهرها على الوسائد، وقد بدا عليها الانفعال وإن لم تكن مستاءة.

قالت لها السيدة كوين: «لم يطل بقاؤه، أليس كذلك؟ إنه يضحكني. هاهاها، كيف حالك؟ هاهاها، سأرحل. لعله يسأل نفسه: لماذا لا نخرجها من المنزل ونلقيها بين روث الحيوانات؟ لماذا لا نتخلص منها بالخارج كالقطة النافقة؟ أليس كذلك؟»

أجابتها إنيد وهي تحضر وعاء المياه والمناشف والكحول الطبي وبودرة الأطفال: «لا أظن ذلك.»

ردَّت السيدة كوين بشيء من القسوة: «لا أظن ذلك»، ثم استسلمت سريعًا لخلع إنيد رداء النوم الخاص بها عنها، وإبعاد شعرها عن وجهها، ووضع المنشفة تحت فخذيها. اعتادت إنيد احتجاج الناس عند تعرية أجسادهم، حتى عندما يكونون طاعنين في السن أو يعانون من مرض شديد، ولزم عليها أحيانًا مضايقتهم ليعودوا إلى رشدهم؛ فتقول للمريضة: «هل تعتقدين أنني لم أَرَ عورة أحد من قبل؟ لقد رأيت الكثير، وصار الأمر مملًّا للغاية بعد فترة؛ فنحن إما رجال أو نساء.» لكن السيدة كوين لم تتسم بالحياء؛ إذ كانت تباعد بين ساقيها وترفع جسمها قليلًا لتسهِّل الأمر على إنيد. اتسمت بنية جسمها العظمية بصغرها ورقَّتها، والتي صار شكلها غريبًا الآن في ظل تورم بطنها وأطرافها، وانكماش ثدييها ليصيرا كالكيسين الضئيلين بحلمتين جافتين مثل حبات العنب المجفف.

قالت السيدة كوين: «جسد متورم كالخنازير، فيما عدا ثديَيَّ اللذين كانا دومًا بلا قيمة. لم أتمتع يومًا بثديين كبيرين مثلك. ألم تَمَلِّي من رؤيتي؟ ألن يسعدك موتي؟»

فأجابتها إنيد: «إذا كان هذا هو شعوري، فما كنت لأوجد هنا الآن.»

قالت السيدة كوين: «فلتذهب إلى الجحيم. هذا ما ستقولونه جميعًا. فلتذهب إلى الجحيم. لم تَعُد لي أي فائدة لروبرت الآن، أليس كذلك؟ لم تعد لي أي فائدة لأي رجل. إنه يخرج من هنا كل ليلة ويذهب لاصطياد النساء، أليس كذلك؟»

«إنه يذهب إلى منزل أخته، على حد علمي.»

«على حد علمك؛ لكنك لا تعلمين الكثير.»

اعتقدت إنيد أنها تعلم ما كان وراء ذلك الحقد والعداوة والتأهب للتشاجر؛ ألا وهو بحث السيدة كوين عن عدو للتعارك معه. يشعر المرضى بالاستياء من الأصحاء، وينطبق ذلك أحيانًا على الأزواج والزوجات، بل وعلى الأمهات والأبناء أيضًا. وكان ذلك الاستياء من الزوج والأبناء في حالة السيدة كوين؛ ففي صبيحة أحد أيام السبت، نادت إنيد على لويس وسيلفي اللتين كانتا تلعبان تحت الشرفة لتَريا والدتهما بعد أن تجمَّلت. كانت السيدة كوين قد حصلت على حمَّامها الصباحي لتوِّها، وارتدت رداء النوم النظيف، وصُفِف شعرها الناعم الخفيف الأشقر وعُقد إلى الخلف بشريط أزرق (كانت إنيد تصطحب معها عددًا من هذه الأشرطة عند ذهابها لتمريض سيدات مريضات، بالإضافة إلى زجاجة كولونيا وقطعة من الصابون المعطر). بدت السيدة كوين جميلةً بالفعل — أو على الأقل كانت كذلك فيما مضى، بما تتمتع به من جبهة عريضة، وعظام وجنتين واسعتين (كادت تبرز من الجلد الآن، وصارت تشبه مقابض الأبواب الخزفية)، وعينين كبيرتين تميلان للون الأخضر، وأسنان ناصعة البياض تشبه أسنان الأطفال، وذقن صغير بارز.

دخلت الطفلتان الغرفة طوعًا، لكن دون تحمُّس.

قالت السيدة كوين: «أبعديهما عن سريري؛ فهما متسختان.»

وردَّت إنيد: «إنهما تريدان رؤيتك فحسب.»

فقالت السيدة كوين: «حسنًا، وقد فعلتا. الآن، يمكنهما المغادرة.»

لم يبدُ أن هذا السلوك قد فاجأ الطفلتين أو أحبطهما، فما كان منهما إلا أن نظرتا لإنيد التي قالت لهما: «حسنًا، إن أمَّكما بحاجة لنيل قسط من الراحة الآن.» فخرجتا من الغرفة راكضتَيْن ودخلتا إلى المطبخ وأغلقتا الباب بعنف وراءهما.

قالت السيدة كوين: «ألا يمكنكِ نهيهما عن فعل ذلك؟ في كل مرة تصفعان فيها الباب على هذا النحو أشعر كما لو أن قالبًا من الطوب قد أُلقي على صدري.»

بدا الأمر وكأن ابنتيها طفلتان يتيمتان مشاكستان تفرضان نفسيهما عليها في زيارة غير محدَّدة المدة، لكن هكذا حال بعض الناس إلى أن يرضوا بفكرة الموت، بل إلى أن يلقَوا حتفهم في بعض الأحيان؛ فمن هم أكثر رفقًا من السيدة كوين يمكن أن يقولوا إنهم يعلمون مدى كراهية أشقائهم وشقيقاتهم وأزواجهم وأبنائهم لهم دومًا، ومدى الإحباط الذي تسببوا فيه للآخرين، والذي تسبب فيه الآخرون لهم، ومدى السعادة التي سيشعر بها هؤلاء الآخرون بعد رحيلهم. وقد يقولون ذلك في نهاية حياة اتسمت بالسكينة والنفع وسط عائلات مُحِبة حيث لا يكون هناك أي تفسير لمثل هذه النوبات. وتمرُّ هذه النوبات عادةً، لكن غالبًا، أيضًا، في الأسابيع، أو حتى الأيام، الأخيرة قبل الوفاة، يجول في خاطر المريض نزاعات أو إهانات قديمة، أو يتذمر بشأن عقاب غير عادل وقع عليه قبل سبعين عامًا. وفي إحدى المرات، طلبت سيدة من إنيد أن تحضر لها طبقًا خزفيًّا من الخزانة، وظنت إنيد أنها ترغب في الاستمتاع برؤية هذا الطبق الجميل للمرة الأخيرة قبل وفاتها، لكنها اكتشفت أنها أرادت استخدام آخر ما تبقَّى لها من قوة مدهشة في تكسير ذلك الطبق في عمود السرير.

وقالت: «بذلك تأكدتُ أن أختي لن تحصل عليه أبدًا.»

علاوةً على ذلك، يشير المرضى عادةً إلى أن الناس كانوا يزورونهم للتشفي فيهم، وأن الطبيب هو المسئول عن معاناتهم، بل إنهم كرهوا رؤية إنيد نفسها، وما تمتعت به من قوة وتحمُّل لقلة النوم ويدين صبورتين وحيوية وطاقة لا تنقطع تسري في جسدها على نحو رائع. وقد اعتادت إنيد على ذلك، وكان بوسعها تفهُّم المحنة التي يمر بها هؤلاء المرضى؛ محنة الاحتضار، بل ومحنة حياتهم أيضًا التي طغت على تفكيرهم في تلك اللحظات.

لكنها كانت في حيرة من أمرها في حالة السيدة كوين.

ولم يكن السبب في ذلك هو أنها لم تستطع توفير الراحة لها، وإنما أنها لم ترغب في ذلك. فلم تستطع إنيد التغلب على كراهيتها لتلك الشابة البائسة المحكوم عليها بالهلاك. لقد كرهت ذلك الجسد الذي وجب عليها غسله ووضع البودرة عليه وتهدئته بالثلج وفركه بالكحول الطبي. وقد أدركت الآن ما كان يعنيه الناس عند قولهم لها إنهم كرهوا المرض والأجسام المريضة؛ وتفهمت السيدات اللاتي تساءلن كيف يمكنها تحمُّل ذلك، وأنهن لا يمكن أن يعملن بمهنة التمريض أبدًا. لقد كرهت ذلك الجسم بالتحديد، وكل علامات المرض التي تتضح عليه من رائحة وتغيُّر للألوان، وحلمتين صغيرتين ذواتي مظهر مؤذٍ، وأسنان مثيرة للشفقة تشبه أسنان ابن مقرض. ورأت موقفها هذا علامةً على تعمُّد عدم أمانتها في أداء عملها؛ فهي لم تَقُل سوءًا عن السيدة جرين في تقصي الحقائق الكريهة للأحداث التي يصعب السيطرة عليها. وبالرغم من كونها ممرضة تتمتع بقدر أكبر من المعرفة، وبالرغم من أنه من مهام وظيفتها — وبالتأكيد طبيعتها — أن تتسم بالرفق، فإنها لم تعلم لماذا كان يحدث ذلك معها. لقد ذكَّرتها السيدة كوين إلى حدٍّ ما بالفتيات اللاتي عرفتهن في المدرسة الثانوية؛ أولئك الفتيات اللاتي ارتدين ملابس رخيصة، وبدا عليهن المرض والمستقبل البائس، وأظهرن رضًا مخزيًا بحالهنَّ، ومكثن في المدرسة عامًا واحدًا أو اثنين، ثم حملن، وتزوج أغلبهن. وقد مرَّضت إنيد بعضًا منهن في السنوات الأخيرة عند إنجاب أطفالهن في المنزل، واكتشفت فقدانهن لثقتهن بأنفسهن، وتحوُّل نزعتهن الجريئة إلى حلم، بل وخنوع أيضًا. شعرت بالأسى حيالهن، حتى عند تذكُّرها مدى تصميمهن على الحصول على ما حصلن عليه بالفعل.

أما السيدة كوين، فكانت أكثر عنادًا؛ فقد تتعرَّض لانكسارات عدة، لكن لا يتبقى دومًا بداخلها سوى الأذى وحِدَّة الطباع، وحالتها المتدهورة.

والأسوأ من حقيقة شعور إنيد بذلك الاشمئزاز هو أن السيدة كوين كانت تعلم به. وما من صبر أو لطف أو ابتهاج يمكن أن تعبِّر عنه إنيد حَالَ دون معرفة السيدة كوين لهذه المشاعر. وشعرت السيدة كوين بالانتصار لمعرفتها ذلك.

«فلتذهب إلى الجحيم.»

•••

عندما كانت إنيد في العشرين من عمرها، وأوشكت على الانتهاء من تدريبها لتصبح ممرضة، كان والدها يُحتضر في مستشفى والي. حينذاك، قال لها والدها: «لا أوافق على عملك في هذه الوظيفة. لا أريدك أن تعملي في مكان كهذا.»

فمالت إنيد عليه وسألته عن المكان الذي يظن أنه موجود فيه. وقالت له: «هذا ليس سوى مستشفى والي.»

فقال لها والدها بصوت هادئ وعقلاني كعادته دائمًا (إذ كان وكيل عقارات وتأمين): «أعلم ما أتحدث عنه. والآن، عِدِيني ألا تفعلي ذلك.»

فسألته إنيد: «أعدك بماذا؟»

فأجاب والدها: «بألا تمارسي هذا العمل.» ولم تستطع الحصول على توضيح أكثر من ذلك منه. ثم زمَّ شفتَيْه كما لو أن أسئلتها تصيبه بالاشمئزاز. وقال لها فقط: «عِدِيني.»

فسألت إنيد والدتها: «لِمَ كُلُّ ذلك؟» وردَّت عليها: «هيا! عِدِيه. ما الفارق الذي سيُحدِثه ذلك؟»

رأت إنيد ما قالته والدتها صادمًا، لكنها لم تعلِّق عليه؛ فكانت تلك عادة والدتها في النظر للعديد من الأمور.

وقالت لها: «لن أقدِّم أي وعود بشيء لا أفهمه؛ ولعلني لن أَعِد على الأرجح بأي شيء على الإطلاق، لكن إذا كانت لديك أي فكرة عما يتحدث عنه، فينبغي لك إخباري به.»

فردَّت والدتها: «الأمر يتعلَّق بفكرة طرأت عليه الآن، وهي أن التمريض يجعل المرأة فظَّة.»

فقالت إنيد: «فظَّة!»

أوضحت لها والدتها أن الجزء الذي يعترض عليه والدها في مهنة التمريض هو اعتياد الممرضات على أجسام الرجال. ورأى والدها — بل قرَّر — أن هذا الاعتياد يغيِّر الفتاة، ويغيِّر أيضًا من نظرة الرجال لها، ويضيع الفرص الجيدة المتاحة أمامها، ويتيح لها العديد من الفرص الأخرى السيئة؛ فبعض الرجال سيفقدون اهتمامهم بها، والبعض الآخر سيهتمون بها على النحو الخاطئ.

قالت والدتها: «أعتقد أن الأمر كله يتعلق برغبته في تزويجك.»

وردَّت إنيد: «أمرٌ مؤسف إن كان يقصد ذلك.»

لكنها وعدته في النهاية، وقالت لها والدتها: «حسنًا، أتمنى أن يكون ذلك قد أسعدكِ.» لم تَقُل: «قد أسعده»، وإنما «أسعدكِ». يبدو أن والدتها قد عرفت قبل إنيد كم يكون هذا الوعد جذَّابًا؛ ذلك الوعد الذي يمنحه المرء لشخص على فراش الموت، ذلك النوع من إنكار الذات، والتضحية الكاملة. وكلما زاد الوعد عبثًا، كان ذلك أفضل. كان هذا ما أذعنت له، ليس لحبها لوالدها، وإنما (كما أشارت والدتها) لما فيه من إثارة؛ وعدٌ على عكس التوقعات يشي بنبل أخلاق تام.

قالت لها والدتها: «لو كان قد طلب منك الامتناع عن شيء لا تهتمين به بشكل أو بآخر، لاعترضتِ على ذلك. إذا طلب منك، مثلًا، الامتناع عن وضع أحمر الشفاه، فما كنتِ ستلبِّين طلبه.»

أنصتت إنيد لهذا الحديث بصبر.

فسألتها والدتها بحِدَّة: «هل استخرتِ الله قبل اتخاذ هذا القرار؟»

فردت إنيد بالإيجاب.

تركت مدرسة التمريض؛ وبقيت في المنزل وانشغلت بأمور أخرى؛ فقد كان هناك ما يكفي من المال لتجنيبها الحاجة للعمل. وفي الواقع، لم تكن والدتها راضية عن التحاقها بمدرسة التمريض من البداية؛ إذ رأت أنها مهنة الفتيات الفقيرات اللاتي لا يستطيع آباؤهن التكفل بهن أو إرسالهن إلى الجامعة. لكن إنيد لم تذكِّر والدتها بهذا التناقض، فانشغلت بطلاء سور المنزل، وحماية شجيرات الورود استعدادًا لفصل الشتاء بضمِّ فروعها معًا حتى لا تجرفها الرياح. وتعلَّمت الخبز، ولعب الورق، فحلَّت محل والدها في الألعاب الأسبوعية التي كان يلعبها والدها ووالدتها مع جيرانهما، السيد ويلينس وزوجته. وما لبثت أن صارت لاعبة ماهرة للغاية، كما وصفها السيد ويلينس. واعتاد أن يجلب لها الشوكولاتة أو زهرة وردية معه ليعوِّض عدم كفاءته كشريك لها في اللعب.

اعتادت إنيد أيضًا الذهاب للتزلُّج في مساء أيام الشتاء، ومارست لعبة تنس الريشة.

لم تفتقر قط إلى الأصدقاء، ولا يزال هذا حالها إلى الآن. معظم من كانوا معها في العام الأخير بالمدرسة الثانوية أوشكوا على الانتهاء من الدراسة الجامعية الآن، أو صاروا يعملون بالفعل في أماكن بعيدة في مهن مثل التدريس أو التمريض أو المحاسبة القانونية، لكنها مع ذلك أقامت صداقات مع أشخاص آخرين ممن لم يُنهوا دراستهم الثانوية ليعملوا في المصارف أو المتاجر أو المكاتب، أو ليعملوا بالسباكة أو صناعة القبعات. والفتيات من هذه الفئة كن يسقطن كالذباب — مثلما كن يقُلْن بعضهن عن بعض — في شَرَك الزوجية. عملت إنيد أيضًا على تنظيم الحفلات التي تقام للعروس لتقديم الهدايا لها وتنظيم حفلات الشاي السابقة للزفاف لرؤية جهاز العروس. وفي غضون بضعة أعوام، ستحتفل مع أولئك الفتيات بتعميد أبنائهن، ومن المتوقع أن تكون أمًّا في العماد لهؤلاء الأطفال الذين سيُطلقون عليها لقب الخالة عندما يكبرون. وقد كانت هي نفسها ابنة روحية لسيدات من عمر والدتها أو أكبر سنًّا، وكانت هي الشابة الوحيدة التي لديها وقت لنادي الكتب وجمعية البستنة؛ لذا، انزلقت إنيد بسرعة ويسر وهي لا تزال شابة في هذا الدور المحوري والمنعزل في الوقت نفسه.

لكن، في الواقع، كان هذا دورها دومًا؛ ففي المدرسة الثانوية، كانت دومًا أمينة الفصل أو الداعية إلى الأحداث الاجتماعية. وكانت محبوبة للغاية وتتسم بالحيوية وحسن المظهر والجمال، لكنها كانت منعزلة قليلًا. فقد كان لها أصدقاء من الشباب، لكنها لم تحظَ يومًا بحبيب. وبدا أنها لم تختَرْ ذلك، لكنها لم تقلق حياله أيضًا؛ فقد انشغلت بطموحها؛ وهو أن تكون مبشِّرة دينية — كان ذلك في إحدى المراحل المحرجة في حياتها — ثم ممرضة. لم تفكِّر يومًا في التمريض كشيء تفعله إلى أن تتزوج، وإنما كانت تطمح في أن تكون جيدة وأن تبرع فيما تفعله، وليس بالضرورة أن تكون زوجة وتعيش حياة تقليدية معتادة.

وفي احتفالات العام الجديد، كانت تذهب للرقص في قاعة مبنى البلدية، وكان الرجل الذي يرقص معها في الغالب ويرافقها إلى المنزل ويتمنى لها ليلة سعيدة هو مدير مصنع الألبان. وهو رجل في الأربعينيات من عمره، لم يتزوج قط في حياته، وكان راقصًا ماهرًا، وصديقًا أبويًّا للفتيات اللاتي لا يجدن رفقاء لهن في الغالب، وما من امرأة أخذته على محمل الجد قط.

قالت لها والدتها ذات مرة: «ربما ينبغي لك الحصول على دورة تدريبية في إدارة الأعمال، أو ما رأيك في الالتحاق بالجامعة؟»

كانت والدتها تفكر في المكان الذي قد يتسم فيه الرجال بقدر أكبر من حسن التقدير.

فأجابتها إنيد: «لقد كبرتُ على ذلك.»

فضحكت والدتها وقالت: «هذا يثبت صغر سنك.» بدا عليها الارتياح لاكتشافها أن ابنتها لديها فكرة حمقاء طبيعية لمن في مثل سنها، وهي أنها تظن أن الحادية والعشرين تبعد كثيرًا عن الثامنة عشرة.

قالت إنيد: «لن أخرج مع شباب تخرَّجوا لتوهم في المدرسة الثانوية. أعني ما أقوله. لماذا ترغبين في التخلص مني على أي حال؟ فأنا على ما يرام هنا.» بدت والدتها أيضًا سعيدة ومطمئنة بهذا العبوس والحدة من جانب إنيد، لكنها تنهدت بعد لحظات، وقالت لها: «سيدهشك انقضاء سنوات العمر سريعًا.»

وفي شهر أغسطس، كان هناك العديد من حالات الإصابة بالحصبة وبضع حالات شلل الأطفال في الوقت نفسه. وسألها الطبيب، الذي كان يتابع حالة والدها ولاحظ كفاءتها في المستشفى، عما إذا كانت ترغب في مساعدته بعض الوقت في تمريض الناس في منازلهم، وقالت له إنها ستفكر في الأمر.

قالت لها والدتها: «هل تعنين الصلاة لهم؟» فارتسم على وجه إنيد تعبير عنيد ومتحفظ كما لو كانت تنوي لقاء حبيبها.

وقالت لوالدتها في اليوم التالي: «ذلك الوعد الذي قطعته على نفسي لوالدي كان يتعلَّق بالعمل في المستشفيات، أليس كذلك؟»

وأجابتها والدتها بأن هذا ما فهمته.

واستطردت إنيد: «ويتعلق أيضًا بالتخرج في مدرسة التمريض وبأن أصير ممرضة مسجَّلة؟»

فصدَّقت والدتها على كلامها.

لذا، إذا كان هناك أشخاص بحاجة لتمريضهم في المنزل، ولا يستطيعون تحمُّل نفقة الذهاب إلى المستشفى أو لا يرغبون في ذلك، وإذا ذهبت إليهم إنيد في منازلهم لتمريضهم، ليس كممرضة مسجَّلة وإنما كممرضة ممارسة — كما يطلقون عليها — فلن تنقض بذلك عهدها مع والدها، أليس كذلك؟ وبما أن معظم من سيحتاجون لرعايتها سيكونون من الأطفال أو السيدات اللائي لديهن أطفال أو الأشخاص الطاعنين في السن الذين يُحتضرون، فلن تكون عرضة لخطر التحول إلى امرأة فظة، أليس كذلك؟

فقالت والدتها: «إذا كان الرجال الذين سترينهم لن ينهضوا من أسِرَّتهم ثانيةً، فمعك حق فيما تقولين.»

لكنها لم تستطع منع نفسها من إضافة أن معنى ما كانت تفعله إنيد هو أنها قررت التخلي عن فكرة الحصول على وظيفة محترمة في أحد المستشفيات لتقبل بوظيفة بائسة قاصمة للظهر في منازل بدائية تملؤها التعاسة والبؤس مقابل مبلغ زهيد لا يُذكَر من المال. وأوضحت لها أيضًا أنها قد تضطر لضخ المياه بنفسها من آبار ملوثة، وكسر الثلج في أحواض الماء في الشتاء، ومطاردة الذباب في الصيف، واستخدام دورة مياه خارج المنزل. هذا فضلًا عن استخدام ألواح تنظيف الملابس ومصابيح زيت الفحم بدلًا من غسالات الملابس والكهرباء، ومحاولة رعاية المرضى في ظل هذه الظروف والتكيُّف مع أعمال المنزل والأطفال المشاكسين المساكين في الوقت نفسه.

وأضافت: «لكن إذا كان هذا هو هدفك في الحياة، فأرى أنني كلما جعلتُ الأمر يبدو أكثر سوءًا، يزداد تصميمكِ على خوضه، لكنني سأطلب منك أن تعديني ببعض الأشياء أيضًا، وهي أن تغلي الماء الذي ستشربينه، وألا تتزوجي من مزارع.»

فقالت لها إنيد: «يا لها من أفكار مجنونة!»

كان ذلك قبل ستة عشر عامًا. أثناء الأعوام الأولى من تلك الفترة، ازداد الناس فقرًا، ومن ثم، زاد عدد من لا يمكنهم تحمل تكاليف دخول المستشفى، والمنازل التي عملت فيها إنيد تدهور حالها عادةً حتى وصلت إلى الحالة التي وصفَتْها والدتها، ولزم عليها غسل الملاءات والحفاضات بيديها في بعض المنازل حيث كانت الغسالة معطلة ولا يمكن إصلاحها، أو قُطعت الكهرباء عنها، أو لم تكن هناك كهرباء في الأساس. لم تعمل إنيد بدون أجر؛ لأنها بذلك ستظلم السيدات الأخريات اللاتي يعملن بنفس المهنة ولم يتمتعن بالخيارات التي تتمتع هي بها، لكنها كانت تعيد معظم تلك الأموال للأسرة في صورة أحذية ومعاطف شتوية للأطفال، وزيارات لطبيب الأسنان، وألعاب للكريسماس.

وكانت والدتها تجمع من أصدقائها أَسِرَّة الأطفال القديمة، وكراسي الأطفال العالية، والبطاطين، بالإضافة إلى الملاءات المهترئة التي كانت تمزِّقها بنفسها وتحيكها لتصنع منها حفاضات للأطفال. وكان الجميع يخبرها بأنها فخورة بلا شك بإنيد، وكانت تجيبهم بأنها كذلك بالتأكيد.

ثم تضيف: «لكن كوني أمًّا لقديسة مثلها يتطلَّب مني قدرًا هائلًا من الجهد في بعض الأحيان.»

•••

تلا ذلك الحرب، وما شهدته تلك الفترة من نقص شديد في الأطباء والممرضين، وصارت إنيد موضع ترحيب أكثر من ذي قبل، وظلت كذلك لفترة من الوقت بعد الحرب مع تزايد عدد المواليد. لكن الآن في ظل ما شهدته المستشفيات من توسعات وما شهده العديد من المزارع من رخاء، بدا أن مسئولياتها بدأت تضمحل لتقتصر على من يعانون من أمراض غريبة أو ميئوس منها، أو من أمراض نفسية لا يمكن علاجها، ولم تَعُد المستشفيات تقبل بوجودهم فيها.

•••

وفي صيف ذلك العام، كانت الأمطار الغزيرة تهطل كل بضعة أيام، ثم تشرق الشمس ليصير الجو قائظًا فتفقد الحشائش وأوراق الأشجار المبللة لمعانها. وكان الصباح يغمره الضباب بالقرب من النهر، وحتى عند انقشاعه تتعذَّر الرؤية من على أي بعد في أي اتجاه بسبب الأمطار الغزيرة وكثافة الهواء. وتعلَّقت القطوف بالأشجار الكثيفة والشجيرات؛ من عناقيد عنب برية ونباتات الكرمية المتسلقة، ومحاصيل ذرة وشعير وقمح وقش. نما كل شيء قبل الأوان، كما قال الناس؛ فكان القش جاهزًا لحصده في شهر يونيو، وتعجل روبرت لإدخاله الحظيرة قبل أن تُفسده الأمطار.

كان يتأخر في عودته للمنزل في المساء؛ إذ اضطر للعمل حتى آخر خيط من الضوء في السماء. وفي إحدى الليالي، دخل المنزل ليجده غارقًا في الظلام، خلا شمعة واحدة تحترق على مائدة المطبخ.

هرعت إنيد لفتح الباب الشبكي.

فسألها روبرت: «هل انقطع التيار الكهربي؟»

فطلبت منه إنيد أن يخفض صوته، ثم همست له بأنها سمحت للطفلتين بالنوم في الطابق السفلي لشدة الحرارة في الغرف بالطابق العلوي، فسحبت الكراسي لتقرب بعضها من بعض وتصنع منها أَسِرَّة لهما، ووضعت عليها الألحفة والوسائد. وبالطبع، لزم عليها إطفاء الأنوار حتى تتمكن الفتاتان من النوم. وقد عثرت على شمعة في أحد الأدراج، وهذا كل ما كانت بحاجة إليه للكتابة على ضوئها في مذكرتها.

وأضافت: «ستتذكران دومًا النوم هنا؛ فنحن نتذكر دائمًا الأوقات التي نمنا فيها في مكان مختلف ونحن صغار.»

أنزل روبرت من يده صندوقًا احتوى على مروحة سقف لغرفة المريضة؛ كان قد ذهب إلى والي لشرائها، واشترى أيضًا جريدة ناولها لإنيد.

وقال لها: «ظننت أنكِ قد ترغبين في معرفة ما يجري من أحداث في العالم.»

فتحت إنيد الصحيفة بجانب مذكرتها على المائدة، وكانت هناك صورة لكلبَيْن يلعبان في نافورة.

فقالت: «تذكر الجريدة أن موجة حارة تضرب البلاد. أليس من الجيد معرفة ذلك؟»

انشغل روبرت برفع المروحة بعناية من الصندوق.

قالت إنيد: «هذا رائع! وبالرغم من انخفاض الحرارة في الغرفة، فسوف تُشعِرها هذه المروحة بالراحة غدًا.»

وردَّ عليها روبرت: «سأستيقظ مبكرًا لتركيبها.» ثم سأل عن حال زوجته ذلك اليوم.

فقالت له إنيد إن الآلام في ساقيها بدأت تقل، والحبوب الجديدة التي قدمها لها الطبيب تمنحها فيما يبدو بعض الراحة.

وأضافت: «المشكلة الوحيدة أنها تجعلها تنام مبكرًا؛ ومن ثم، يصعب عليك رؤيتها.»

وردَّ روبرت: «الراحة أفضل لها.»

ذكَّرت هذه المحادثةُ الهامسة إنيد بمحادثاتهما معًا في المدرسة الثانوية، عندما كانا في السنة الأخيرة بالمدرسة، وتوقفت عن مضايقته أو التحرش به أو أيًّا كان اسم ما تفعله. جلس روبرت خلفها طوال ذلك العام، واعتادا التحدث معًا عادةً باقتضاب ولغرض محدد دومًا، وكانت الأسئلة المتداولة بينهما من قبيل: «هل معك ممحاة للحبر؟ كيف تنطق كلمة «تجريم»؟ أين يقع البحر التيراني؟» وكانت إنيد غالبًا هي التي تبدأ الحديث بعد أن تستدير نحوه قليلًا، وتتمكن من الشعور بمدى قربه، وإن لم تكن تراه. كانت ترغب بالفعل في اقتراض الممحاة، أو بحاجة للمعلومة، لكنها أرادت أيضًا توثيق أواصر الصلة بينهما. هذا فضلًا عن رغبتها في إصلاح ما فعلته في الماضي؛ إذ شعرت بالخزي من الأسلوب الذي عاملته هي وصديقاتها به. ولم يكن الاعتذار ليجدي، وإنما سيتسبب في إحراجه مجددًا، ولم يكن يشعر بالارتياح إلا عندما كان يجلس خلفها ويعلم أنها لا تستطيع النظر في وجهه. وإن تقابلا في الشارع، كان يشيح بوجهه بعيدًا إلى أن يلتقيا، ثم يهمس لها بتحية خافتة، في حين تصيح هي: «مرحبًا روبرت» بصوت عالٍ، لتسمع صدى الأصوات المعذبة القديمة التي أرادت محوها.

لكنه عندما كان يربِّت بإصبعه على كتفها للفت انتباهها، أو عندما يميل عليها حتى يكاد يلمس، أو ربما — لم تكن متأكدة — يلمس بالفعل شعرها الذي اتسم دومًا بجموحه حتى عند قصه قصيرًا، كانت تشعر بأنه قد سامحها بالفعل. وبصورة ما، كانت تشعر بالفخر، وبعودتها إلى الجدية والاحترام.

أين بالضبط يقع البحر التيراني؟

تساءلت إنيد عما إذا كان يتذكر أيًّا من هذه الأمور الآن.

فصلت إنيد الصفحات الأمامية والخلفية للصحيفة بعضها عن بعض. رأت خبرًا عن مارجريت ترومان في زيارة لإنجلترا، وتنحني — في الصورة — محيية العائلة الملكية. ومن الأخبار الأخرى، محاولة الأطباء علاج الملك من داء بورغر باستخدام فيتامين ﻫ.

قدَّمت إنيد الصفحات الأمامية من الصحيفة لروبرت، وهي تقول: «سوف أحل الكلمات المتقاطعة. أحبُّ حلها؛ إذ تمنحني الراحة في نهاية اليوم.»

جلس روبرت، وشرع في قراءة الصحيفة، وسألته إنيد إن كان يرغب في احتساء كوب من الشاي، فطلب منها، بالطبع، ألا تكلِّف نفسها عناء إعداده؛ بيد أنها أعدَّته على الفور، مدركةً أن هذا الرد قد يعني «نعم» في لغة أهل الريف.

نظرت إنيد إلى مربع الكلمات المتقاطعة، وقالت: «رقم ١ أفقيًّا؛ اسم رئيس للولايات المتحدة، الاسم الأول قديس شهير والثاني عاصمة الولايات المتحدة. يا إلهي. كم أنا محظوظة الليلة! جورج واشنطن.»

وقالت له: «هل ترى مدى حمق هذه الأشياء؟» ثم نهضت وصبَّت الشاي.

لو كان يتذكر الماضي، فهل كان يكنُّ لها أي ضغينة لهذا السبب؟ لعل ودَّها المرح في السنة الأخيرة بالمدرسة لم يكن مرغوبًا فيه، بسبب أنها كانت أعلى منه شأنًا في نظره، وبسبب تعليقاتها الساخرة السابقة منه.

عندما رأته للمرة الأولى في هذا المنزل، لم تَرَ أنه تغيَّر كثيرًا؛ فقد كان صبيًّا طويلًا وقوي البنية ومستدير الوجه، وهكذا حاله أيضًا كرجل. واعتاد دومًا قص شعره قصيرًا للغاية؛ لذلك لم يكن هناك فارق كبير حال عدم وجود سوى القليل منه الآن، وتحوُّله من اللون البني الفاتح إلى البني المائل للرمادي. وحلَّت سفعة شمس دائمة محلَّ تورُّد وجهه. وأي شيء كان يزعجه وينعكس على وجهه كان على الأرجح نفس ما كان يزعجه في الماضي؛ وهو أن يشغل مساحة في العالم، ويمتلك اسمًا ينادي عليه الناس به، ويصبح شخصًا جديرًا بأن يتعرَّف عليه الآخرون.

أخذت تتذكر جلوسهما معًا في فصل المدرسة الثانوية الذي كان صغيرًا آنذاك، وتحوَّل فيه الطلاب في خمس سنوات من أطفال مستخفِّين بالدراسة وخاليِّ البال، غير مكترثين بأي شيء، إلى أفراد مطيعين ووقورين وناضجين يدرسون حساب المثلثات ويتعلمون اللغة اللاتينية. أي حياة ظنوا أنهم مقبلون عليها؟ أي شخصيات ظنوا أنهم سيتحولون إليها؟

تذكَّرت الغلاف الناعم ذا اللون الأخضر الداكن لكتاب يحمل اسم «تاريخ النهضة والإصلاح». كان مستعملًا، ربما للمرة العاشرة؛ فما من أحد يشتري كتابًا دراسيًّا جديدًا. وفي الداخل، كُتِبت جميع أسماء مالكيه السابقين، بعضهم ربات بيوت في منتصف العمر وآخرون تجار بأنحاء البلدة. ما كان من الممكن تصور قراءة أولئك الأشخاص لهذه الموضوعات، أو وضع خط تحت «مرسوم نانت» بالحبر الأحمر، وكتابة «ملاحظة» في الهامش.

«مرسوم نانت»؛ إن عدم فائدة وغرابة هذه الأشياء التي تحتوي عليها هذه الكتب ورءوس الطلاب، ورأسها عندما كانت في المدرسة الثانوية، ورأس روبرت أيضًا، جعلاها تفكر وتتعجب. لم تتعجب من أنهما أرادا أن يحققا شيئًا لكنهما فشلا في تحقيقه عندما كبرا، لم يكن الأمر كذلك قط؛ فما كان روبرت يتخيل أي شيء سوى العمل في الزراعة بمزرعته الجميلة، وقد كان ابنًا وحيدًا. إنيد أيضًا انتهت بها الحال فاعلةً ما كانت تريده بالتأكيد. لا يمكن القول إنهما أخطآ اختيار طريق حياتهما أو اختاراه ضد رغبتهما أو لم يدركا ما كان أمامهما من خيارات؛ كل ما هنالك هو أنهما لم يدركا أن الوقت سيمر تاركًا إياهما أقل — وليس أكثر — مما كانا عليه.

قالت: «غذاء أهل منطقة الأمازون.» وكررت: «غذاء أهل منطقة الأمازون؟»

فقال روبرت: «المنيهوت؟»

عدت إنيد عدد الخانات المشيرة لعدد حروف الكلمة المطلوبة، وقالت: «خمسة حروف، خمسة.»

فقال: «كسافا؟»

«كسافا؟ إنها فعلًا خمس حروف، كسافا.»

•••

ازداد تَقلُّب السيدة كوين يوميًّا بشأن طعامها؛ فأحيانًا تطلب خبزًا محمصًا أو موزًا باللبن. وفي يوم ما، طلبت بسكويتًا بزبدة الفول السوداني. أعدَّت إنيد كل هذه الأشياء؛ فكان بإمكان الطفلتين تناولها على أي حال. وعند تقديمها للسيدة كوين، ما كانت تتحمل رؤيتها أو رائحتها، حتى الجيلي كان له رائحة لم تستطع تحملها.

وفي فترة ما، كرهت السيدة كوين الضوضاء؛ فلم تكن تسمح حتى بتشغيل المروحة. وفي فترة أخرى، كانت ترغب في تشغيل الراديو، وضبطه على المحطة التي تذيع طلبات أعياد الميلاد والزواج، وتتصل بالناس لطرح بعض الأسئلة عليهم، ومَن يُجِب إجابة صحيحة، يفُزْ برحلة إلى شلالات نياجرا، أو بملء خزان الوقود الخاص بسيارته، أو بمقدار كبير من مشتريات البقالة، أو تذاكر إلى السينما.

قالت السيدة كوين: «كل هذا مرتب له، كل ما في الأمر أنهم يتظاهرون بالاتصال بأناس موجودين في الغرفة المجاورة بالمحطة، وقد لُقِّنوا بالفعل الإجابات الصحيحة. لقد كان لي معارف يعملون في الإذاعة، وما أقوله حقيقي.»

في مثل هذه الأيام، كان نبضها سريعًا، وكانت تتحدث بسرعة هائلة وبصوت خافت ولاهث. سألت إنيد في إحدى المرات: «ما نوع سيارة والدتك؟»

فأجابتها: «لونها أحمر داكن.»

فسألتها السيدة كوين: «ما طرازها؟»

فأجابتها إنيد أنها لا تعلم، وهي الحقيقة؛ فقد كانت تعلم طرازها من قبل، لكنها نسيت.

«هل كانت جديدة عند شرائها لها؟»

فقالت إنيد: «نعم، لكن ذلك كان منذ ثلاثة أو أربعة أعوام مضت.»

«وتعيش في ذلك المنزل الصخري الكبير المجاور لآل ويلينس، أليس كذلك؟»

أجابتها بالإيجاب.

«كم عدد الغرف به؟ ست عشرة غرفة؟»

«غرف كثيرة.»

«هل ذهبتِ إلى جنازة السيد ويلينس عند وفاته غرقًا؟»

فأجابت إنيد بالنفي: «لا أحب الجنازات.»

«كان من المفترض أن أذهب إليها، فلم يكن المرض قد اشتدَّ عليَّ آنذاك، وكنت سأذهب مع آل هيرفي في سيارتهم على الطريق السريع؛ لقد عرضوا عليَّ توصيلي، لكن والدة السيدة هيرفي وأختها أرادتا الذهاب أيضًا، ولم يَعُد هناك مكان لي في السيارة في المقعد الخلفي، ثم ذهب كلايف وأوليف في الشاحنة، وكان بإمكاني حشر نفسي معهما في المقعد الأمامي، لكنهما لم يفكرا قط في دعوتي. هل تعتقدين أنه انتحر؟»

تذكَّرتْ إنيد السيد ويلينس وهو يعطيها وردة، كما تذكَّرت ودَّه معها وخفَّة ظلِّه، ما جعلها تشعر بألم في أعصاب أسنانها وكأنها تناولت قدرًا كبيرًا من السكر.

«لا أعلم، لا أظن ذلك.»

«هل كانت علاقته جيدة بزوجته؟»

«كانت علاقتهما طيبة جدًّا على حد علمي.»

قالت السيدة كوين: «حقًّا؟» وأضافت: «طيبة» وهي تحاول تقليد لهجة إنيد المتحفظة ببطء.

•••

نامت إنيد على الأريكة في غرفة السيدة كوين، التي هدأت عنها الحكَّة المؤلمة حتى كادت تختفي، وكذا حاجتها للتبول. نامت معظم ساعات الليل، وإن كانت تصاب بنوبات من صعوبة التنفس. وما أرَّق جفنَي إنيد مشكلة تتعلق بها شخصيًّا؛ فقد صارت ترى أحلامًا كريهة لم تشبه أيًّا من الأحلام التي كانت تراها من قبل، كانت تظن في السابق أن الحلم السيئ يكون على شاكلة الوجود في منزل لا تعرفه، حيث تتغير الغرف باستمرار، وتُكلَّف هي فيه دائمًا بأعمال أكثر مما يمكنها تنفيذه، بالإضافة إلى أعمال غير مُنجَزة ظنت أنها انتهت منها؛ وهكذا يتشتَّت انتباهها في الحلم بين عدد لا حصر له من المواقف. وبعد ذلك أخذت تراودها، بالطبع، ما ظنته أحلامًا رومانسية، حيث يطوِّقها رجل ما بذراعيه وربما يقبِّلها أيضًا. قد يكون هذا الرجل غريبًا أو شخصًا تعرفه، وكان أحيانًا رجلًا من المضحك تصورها معه في هذا الوضع. جعلتها هذه الأحلام كثيرة التأمل، وربما حزينة قليلًا، لكنها شعرت بالراحة إلى حدٍّ ما لعلمها أن بإمكانها التفكير في هذه المشاعر. قد تكون أحلامًا محرجة، لكن لا وجه للمقارنة على الإطلاق بينها وبين الأحلام التي صارت تراودها الآن؛ إذ أصبحت تحلم بإقامتها — أو محاولتها إقامة — علاقات جنسية مع أكثر الأشخاص حرمةً واستبعادًا (مع الحيلولة أحيانًا دون فعل ذلك بسبب المتطفلين أو حدوث تغيرات في الظروف المحيطة)؛ فكانت تحلم بإقامة هذه العلاقات مع أطفال رضَّع ممتلئي الأجسام يحاولون التملص منها، أو مرضى تلفُّهم الضمادات، بل وأمها أيضًا. سيطرت عليها في تلك الأحلام شهوة جنسية عارمة كادت تفتك بها، وكانت تلبيها بغلظة وأسلوب عملي خبيث؛ فتقول لنفسها: «نعم، هذا سيفي بالغرض، إن لم يتوفر ما هو أفضل.» وقد كان افتقارها إلى العاطفة وحرمانها الواقعي هما ما يدفعان شهوتها الجنسية. كانت تستيقظ من هذه الأحلام غير نادمة، وجسمها مبلل بالعرق ومنهك، وتظل مستلقية كالجثة الهامدة إلى أن تستعيد نفسها وتتملكها مشاعر الخزي والاستنكار. كانت قطرات العرق تبرد على بشرتها، وهي مستلقية في مكانها مرتعدةً في الليل الدافئ، وقد سيطرت عليها مشاعر الاشمئزاز والمهانة. وما كانت تجرؤ على العودة للنوم مجددًا. اعتادت الظلام، والأشكال المستطيلة الطويلة للنوافذ التي تنسدل عليها الستائر الشفافة لينعكس عليها ضوء خافت، وصرير تنفُّس المرأة المريضة الذي كان يعلو ويحتد، ثم يكاد يختفي بعد ذلك.

هل كانت هذه الأحلام من الأمور التي يمكنها الإفصاح عنها في طقس الاعتراف، لو أنها كانت كاثوليكية؟ فكرت إنيد في ذلك، ورأت أنها لا يمكنها الإفصاح عن هذه الأحلام حتى في صلاة سرية بينها وبين ربها. لم تَعُد تصلي كثيرًا، فيما عدا المناسبات الرسمية، وفكرة أن تعترف للرب بما تمر به بدت مهينة وعديمة الفائدة تمامًا؛ فبالتأكيد سيشعر الرب بالإهانة. هي نفسها تشعر بالإهانة مما يدور في عقلها؛ فدينها عقلاني ويفيض أملًا، وما من مجال فيه لهذا النوع من الهراء، المتمثل في غزو الشيطان لأحلامها. كانت هذه القذارة التي تراودها موجودة بداخلها، ولا حاجة لتضخيم الأمر وإضفاء الأهمية عليه؛ فلا قيمة له البتة، وما هو إلا قاذورات ذهنية لا أكثر.

في المرج الصغير الممتد بين المنزل وضفة النهر، كانت ثمة أبقار تمكنت إنيد من سماع أصواتها ليلًا وهي تتحرك بعضها بجوار بعض وتجتر الطعام. وأخذت تفكر في أشكالها الضخمة الرقيقة وكأنها تتهادى على عزف سيمفوني وسط نباتات الهندباء والحشائش المزهرة. وقالت لنفسها: يا لها من حياة جميلة تعيشها تلك الأبقار!

حياة تنتهي، بالطبع، في المجزر؛ نهاية كارثية.

لكن ذلك ينطبق على الجميع. يتملكنا الشر عند نومنا، وينتظرنا الألم والانحلال، وأهوال وحشية أسوأ مما يمكن لأي عقل تصوُّره. متع الفراش، وأنفاس الأبقار، وأشكال النجوم في سماء الليل؛ كلها أمور كانت تطرأ على ذهن إنيد في لحظة، وها هي تعيش حياتها مدَّعيةً عدم حدوث أيٍّ من ذلك، ساعيةً لتخفيف آلام الآخرين، ومحاوِلةً أن تكون فتاة طيبة أو ملاك رحمة، مثلما اعتادت أمُّها وصفها — مع تراجع جانب السخرية في هذا الوصف بمرور الوقت — وكذا المرضى والأطباء.

لكن كم عدد من رأوها فتاة حمقاء على الدوام؟ لعل مَن عملت على خدمتهم أكنُّوا لها سرًّا مشاعر الازدراء، مع تفكيرهم في أنهم لن يسلكوا سلوكها أبدًا؛ فلن يكونوا بهذا القدر من الحماقة مطلقًا.

تذكَّرت إنيد حينذاك كلمات من كتاب الصلوات: «العُصاة الأشقياء»، وتردَّد صدى الكلمات في رأسها.

«يرد الرب التائبين.»

ومن ثم، نهضتْ وذهبتْ للعمل؛ فهذه أفضل وسيلة للتوبة نظرًا لحالها. أخذتْ تعمل بهدوء شديد ودون كلل طوال الليل. غسلت الأكواب الزجاجية الغائمة والأطباق المتسخة المحفوظة في الخزائن، بالإضافة إلى تنظيم المكان الذي افتقر لأي نوع من النظام؛ إذ تناثرت فناجين الشاي بين الكاتشاب والمسطردة، ووضِعت أوراق المناديل فوق دلو العسل، وخلت الأرفف من أي مشمع؛ أو حتى جرائد. والسكر البني صار صلبًا كالحجر في كيسه. كان من المفهوم تدهور الأحوال في المنزل على مدار الشهور القليلة الماضية، لكن يبدو أن المكان لم يشهد أي رعاية أو تنظيم من قبل على الإطلاق؛ هذا فضلًا عن تحول الستائر الشفافة إلى اللون الرمادي بسبب ما تراكم عليها من دخان، والأوساخ الزلقة كست زجاج النوافذ، ونما العفن على بواقي المربى التي تُركت داخل البرطمان، ولم يتغير قط الماء كريه الرائحة الذي كان يحوي باقة قديمة من الزهور. بالرغم من كل ذلك، كان المنزل لا يزال في حالة جيدة، ويمكن تجديده بالتنظيف والطلاء.

لكن ما الذي يمكن فعله في الطلاء البني القبيح الذي طُليت به أرضية الغرفة الأمامية من فترة ليست ببعيدة على نحو يفتقر للإتقان؟

عندما سنحت لإنيد الفرصة في وقت لاحق من اليوم، أزالت الأعشاب الضارة من أحواض الزهور الخاصة بوالدة روبرت، وأخرجت نباتات القرطب منها، وانتشلت الحشائش التي غطَّت النباتات المعمرة بكثافة.

علَّمت الطفلتين أيضًا كيف تمسكان بالملعقة على النحو الصحيح، وعلَّمتهما تلاوة صلاة المائدة:
نشكرك أيها المسيح إلهنا،
لأنك ملأتنا من خيراتك الأرضية …

علَّمتهما أيضًا غسل أسنانهما وتلاوة الصلاة بعد ذلك.

«اللهم بارك في أمي وأبي وإنيد والعمة أوليف والعم كلايف والأميرة إليزابيث والأميرة مارجريت روز»، ثم تضيف كلٌّ منهما اسم الأخرى. اعتادتا فعل ذلك فترة طويلة إلى أن سألت سيلفي ذات مرة: «ما الذي يعنيه ذلك؟»

فقالت إنيد: «ما الذي يعنيه ماذا؟»

«ماذا تعني عبارة: «اللهم بارك»؟»

•••

أعدَّت إنيد شراب البيض دون إضافة أي نكهات إليه — حتى الفانيليا — وأطعمت السيدة كوين إياه بالملعقة. أعطتها قدرًا قليلًا من هذا الشراب الغني في كل ملعقة، وتمكنت السيدة من بلع هذه الكميات الصغيرة. وعندما كانت لا تستطيع ذلك، كانت إنيد تقدم لها جعة زنجبيل فاترة بدون أي نكهة.

صارت السيدة كوين في هذه الفترة تكره ضوء الشمس، وأي ضوء آخر، قدر كرهها للضوضاء، واستلزم ذلك من إنيد تعليق ألحفة سميكة على النوافذ، حتى عندما تكون الستائر منسدلة عليها. ومع إيقاف تشغيل المروحة تلبيةً لرغبة السيدة كوين، صارت الغرفة حارة للغاية، وتقطَّر العرق من جبين إنيد عند ميلها على السرير للعناية بالمريضة التي باتت تنتابها نوبات من الارتجاف، وافتقدت القدرة على الشعور بالدفء.

قال الطبيب: «إنها تُحتضر؛ لا ريب أن ما يبقيها على قيد الحياة حتى الآن هو مخفوق الحليب الذي تعطينه لها.»

فردت إنيد: «تقصد شراب البيض.» كما لو كان التصحيح سيُحدث فرقًا.

وصلت السيدة كوين إلى درجة من الإنهاك والضعف حالت دون تحدُّثها في أغلب الأحيان، وكانت تدخل أحيانًا في غيبوبة يَضعُف فيها تنفُّسها وتفقد نبضها، ولو كان يراعيها شخص أقل خبرة من إنيد لاعتبرها قد فارقت الحياة. لكنها كانت تستعيد نشاطها في أحيان أخرى، وتحدوها رغبة في تشغيل الراديو، ثم إطفائه. ومع ذلك، ظلت تعي مَن هي جيدًا، ومَن هي إنيد، وكانت تبدو أحيانًا وكأنها تراقب إنيد بنظرة تأملية أو فضولية. شحب وجهها وشفتاها منذ أمد بعيد، لكن لون عينيها الأخضر بدا أكثر وضوحًا مما كان؛ كان أخضر فاتحًا ضبابيًّا في الماضي. حاولت إنيد الاستجابة للنظرة التي رمقتها بها السيدة كوين؛ فسألتها:

«هل تودين أن أُحضر لك قسًّا كاثوليكيًّا ليتحدث معك؟»

فارتسمت نظرة على وجه السيدة كوين كما لو كانت ترغب في البصاق.

«هل أبدو كاثوليكية في نظرك؟»

فقالت إنيد: «ماذا عن قس بروتستانتي؟» كانت تعلم أن هذا هو السؤال الذي ينبغي لها طرحه، لكن الأسلوب الذي طرحته به لم يكن صحيحًا؛ إذ اتسم بالبرود وبعض الخبث.

لكن لم يكن هذا ما أرادته السيدة كوين، فأصدرت صوتًا يدل على الاستهجان. كانت لا تزال تتمتع بقدر من الطاقة، وشعرت إنيد بأنها تدَّخرها لغرض ما. سألتها على نحو تعمدت فيه إظهار الشفقة والتشجيع: «هل ترغبين في التحدث مع طفلتَيْكِ؟ أهذا ما ترغبين فيه؟»

«كلا.»

«ماذا عن زوجك؟ سيصل بعض قليل.»

لم تكن إنيد متأكدة من ذلك؛ إذ كان روبرت يصل إلى المنزل متأخرًا في بعض الليالي بعد أن تكون السيدة كوين قد أخذت آخر جرعة من حبات الدواء وخلدت إلى النوم. وكان يجلس مع إنيد، ويُحضِر لها دومًا الصحيفة. سألها ذات مرة عما كانت تكتبه في مفكرتَيْها — بعد أن لاحظ أن لديها مفكرتين — وأجابته؛ فقالت له إن إحدى المفكرتين تخص الطبيب؛ إذ تسجِّل فيها قياس ضغط الدم والنبض ودرجة حرارة الجسم، بالإضافة إلى ما تناولته المريضة من طعام، وما تقيأته، وما أخرجه جسدها من فضلات، وما حصلت عليه من أدوية، وبعض الملاحظات العامة التي تلخص حالتها. أما المفكرة الأخرى، فكانت تخصها؛ فتكتب فيها العديد من الأمور المشابهة، وإن لم يكن بالضبط؛ إذ كانت تضيف بعض التفاصيل المتعلقة بالطقس، وما يدور من أحداث بوجه عام. هذا بالإضافة إلى بعض الأمور التي ترغب في تذكرها فيما بعد.

وقالت له: «دوَّنت، على سبيل المثال، في أحد الأيام، شيئًا قالته لويس. كانت لويس وسيلفي قد دخلتا إلى هنا أثناء وجود السيدة جرين التي أخذت تتحدث عن شجيرات التوت التي نمت بطول الممر وامتدت عبر الطريق. فقالت لويس: «كما كانت في قصة «الأميرة النائمة».» لأنني كنت قد رويت لهما هذه القصة. فدوَّنتُ ملاحظة عما قالته في المفكرة.»

قال روبرت: «سوف أتولى أمر هذه الشجيرات وأشذِّبها.»

شعرت إنيد بأنه سعد بما قالته لويس وبتدوينها لذلك في مفكرتها، لكنه ما كان من الممكن أن يفصح عن ذلك.

وفي إحدى الليالي، أخبرها بأنه سيغيب بضعة أيام لحضور مزاد للماشية، وأنه سأل الطبيب عن رأيه في ذلك، فلم يمانع.

وصل روبرت إلى المنزل في تلك الليلة قبل أن تحصل السيدة كوين على آخر جرعة من حبات الدواء، وافترضت إنيد أنه أراد بذلك رؤية زوجته قبل أن يبتعد لتلك الفترة عن المنزل؛ فأخبرته بأن يدخل إلى غرفة السيدة كوين مباشرةً، ففعل، وأغلق الباب خلفه. التقطت إنيد الصحيفة، وفكَّرت في الصعود إلى الطابق العلوي لقراءتها، لكنها فكَّرت في أن الطفلتين ربما لم تناما بعد؛ وستناديان عليها متحجِّجتين بأي عذر. فكَّرت أيضًا في الخروج إلى شرفة المنزل الأمامية، لكنها تذكَّرت البعوض الذي يملؤها في ذلك الوقت من اليوم، لا سيما بعد الأمطار التي هطلت بعد ظهر ذلك اليوم تحديدًا.

خشيت إنيد من سماعها بعض الكلام الخاص بين روبرت وزوجته، أو ربما بداية شجار بينهما؛ ومن ثم سيكون عليها مواجهته عند خروجه من الغرفة. فكانت السيدة كوين تنوي الإفصاح عن مكنون دواخلها. كانت إنيد موقنة من ذلك، وقبل أن تقرِّر إلى أين ستذهب لقراءة الصحيفة، سمعت بالفعل شيئًا مما كان يدور بالداخل. لم يكن تبادلًا للاتهامات، أو غزلًا (إن كان ذلك ممكنًا)، بل ولم يكن نحيبًا أيضًا، وهي الأشياء التي توقعت حدوثها إلى حدٍّ ما، وإنما كانت ضحكة. سمعت إنيد ضحكة واهنة من السيدة كوين؛ ضحكة امتلأت بالسخرية والتشفي كعادتها، لكنَّ ثمة شيئًا آخر شاب هذه الضحكة، شيئًا لم تسمعه إنيد من قبل قط في حياتها؛ إنها الخسة المتعمدة. لم تتحرك، مع أنه كان ينبغي لها ذلك، وظلت جالسة على المائدة دون حراك، تحدق في باب الغرفة الذي خرج منه روبرت بعد لحظات. لم يتجنب عينيها، أو ربما هي التي لم تتجنب عينيه، فما كان بوسعها ذلك، لكنها مع ذلك لم تكن موقنة من رؤيته لها؛ فقد وقعت عيناه عليها فحسب، ثم غادر. بدا وكأنه قد أمسك بسلك كهربائي، ويطلب الصفح — ممن؟ — لتعرُّض جسده لهذه الكارثة الحمقاء.

وفي اليوم التالي، دبَّت الحياة من جديد في جسد السيدة كوين، على نحو مخادع وغير طبيعي سبق لإنيد مشاهدته بضع مرات لدى مرضى آخرين. أرادت السيدة كوين النهوض لتجلس مستندة إلى الوسائد خلفها، وأرادت أيضًا تشغيل المروحة.

قالت لها إنيد: «يا لها من فكرة جيدة!»

سألتها السيدة كوين: «ألا أخبرك بشيء سيصعب عليكِ تصديقه؟»

فأجابتها إنيد: «يخبرني الناس بالكثير من الأمور.» وردَّت السيدة كوين: «كلها أكاذيب بالتأكيد. أراهنك على ذلك. هل تعرفين أن السيد ويلينس كان موجودًا في هذه الغرفة؟»

(٣) خطأ

جلست السيدة كوين على الكرسي الهزَّاز ليفحص السيد ويلينس عينيها. اقترب السيد ويلينس منها من الأمام مع تقريبه جهاز الفحص من عينيها، ولم يسمع أيٌّ منهما روبرت عند دخوله المنزل؛ لأنه كان من المفترض أن يعمل بتقطيع الخشب بالقرب من النهر، لكنه عاد خلسة من المطبخ دون أن يُحدِث أي صوت. لا بد أنه قد رأى سيارة السيد ويلينس بالخارج قبل أن يفعل ذلك، وعند دخوله، فتح باب الغرفة ببطء إلى أن رأى السيد ويلينس راكعًا على ركبتيه وممسكًا بجهاز الفحص أمام عيني السيدة كوين، بينما أسند يده الأخرى على ساقها ليحافظ على توازنه. كان قد أمسك بساقها ليحفظ توازنه، فارتفعت تنورتها، وبذلك تعرَّت ساقها. لكن هذا ما حدث، ولم يكن بوسعها فعل أي شيء حياله، فكان عليها التركيز على الحفاظ على ثباتها.

دخل روبرت الغرفة دون أن يسمعه أيٌّ منهما، وقفز ليهبط فوق السيد ويلينس على حين غرة. لم يستطع السيد ويلينس النهوض أو الاستدارة، بل سقط قبل أن يدرك شيئًا. أخذ روبرت يضرب رأسه في الأرضية إلى أن فقد وعيه، وقفزت السيدة كوين بسرعة شديدة جعلت الكرسي يسقط خلفها، كما سقط أيضًا صندوق السيد ويلينس الذي احتفظ فيه بأجهزة فحص العين التي تطايرت منه عند سقوطه. لكمه روبرت بعنف، وربما ضرب رِجل المدفأة أثناء ذلك أيضًا، لكن السيدة كوين لم تكن متأكدة من ذلك، وفكَّرت أن الدور سيكون عليها بعد ذلك، لكنها لم تستطع الالتفاف حولهما للهروب من الغرفة، ورأت بعد ذلك أن روبرت لم يكن يسعى وراءها؛ فقد أُنهِكت قواه، وأعاد الكرسي إلى موضعه، وجلس عليه، فتوجَّهت هي نحو السيد ويلينس، وأدارت جسده الذي كان ثقيلًا للغاية لتجعل وجهه مواجهًا لها. لم تكن عيناه مفتوحتين، ولم تكونا مغلقتين تمامًا أيضًا، وثمة سائل يخرج من فمه. لم تكن هناك أي جروح في وجهه أو كدمات يمكن رؤيتها، ربما لم تكن قد ظهرت بعد. ما خرج من فمه لم يكن يشبه الدم، وإنما كان سائلًا ورديًّا يشبه تمامًا الزبد الذي يتصاعد إلى السطح عند غلي الفراولة لصنع المربى. كان ورديًّا فاتحًا. لطَّخ السائل وجهه من الجانب الذي أسقطه عليه روبرت. وعندما أدارته السيدة كوين، أصدر صوتًا كالقرقرة، ثم استلقى دون حراك كالصخرة.

قفز روبرت عن كرسيه فجأة؛ فظل الكرسي يهتز، وشرع في التقاط كل الأشياء التي تناثرت في أرجاء المكان ووضعها في مكانها بصندوق السيد ويلينس، واستغرق وقتًا طويلًا لوضع كل شيء في مكانه الصحيح؛ إذ كان الصندوق من نوع خاص مبطن بقماش مخملي أحمر اللون، ومقسم إلى أماكن مخصصة لكل أداة من الأدوات التي استخدمها السيد ويلينس؛ ومن ثم، إذا لم يتم وضعها على النحو الصحيح، فما كان يمكن إغلاق الصندوق. وضعها روبرت كلها على نحو سمح بإغلاق غطاء الصندوق، ثم عاد للجلوس على الكرسي، وبدأ يضرب ركبتيه بقوة.

كان على المائدة مفرش عديم الفائدة؛ كان أحد الهدايا التذكارية التي جلبها والدا روبرت معهما من رحلتهما إلى الشمال لرؤية «توائم ديون الخمسة». التقطت السيدة كوين هذا المفرش من على المائدة ولفَّته حول رأس السيد ويلينس لامتصاص السائل الوردي الذي كان ينزف منه، وليتوقفا كذلك عن النظر إليه.

ظلَّ روبرت يضرب بيديه الكبيرتين المسطحتين على ركبتيه، فقالت له زوجته: «يجدر بنا دفنه في أي مكان يا روبرت.»

فما كان منه إلا أن نظر إليها وكأنما يتعجَّب من قولها.

فقالت له إنه بإمكانهما دفنه في القبو حيث الأرضية الترابية.

وردَّ روبرت عليها: «نعم، لكن أين سندفن سيارته؟»

فأجابته بأنه من الممكن وضعها في الحظيرة وتغطيتها بالقش.

فقال لها إن الحظيرة يتردد عليها أناس كثيرون.

ثم بادرتها فكرة التخلص منه في النهر. تخيَّلته — كصورة مرسومة أمامها — وهو جالس في سيارته تحت الماء. لم يَقُل روبرت أي شيء في البداية، فذهبت إلى المطبخ وأحضرت بعض الماء ونظَّفت السيد ويلينس بحيث لا تسيل أي قطرات من السائل الذي خرج من فمه على أي شيء. وكانت المادة اللزجة قد توقفت عن النزول من فمه. أخرجت مفاتيحه من جيبه، وشعرت بملمس ساقه، التي لا تزال دافئة، عبر قماش بنطاله.

ثم قالت لروبرت: «هيا، تحرك!»

فأخذ المفاتيح.

رفعا معًا السيد ويلينس؛ فأمسكت هي بساقه، في حين أمسك روبرت برأسه؛ وكان ثقيلًا للغاية. وأثناء حمل السيدة كوين له، اصطدمت إحدى فردتَي حذائه بها لتضربها بين ساقيها، وأخذت تفكر: لا يزال شيطانًا عجوزًا؛ حتى بعد أن مات تتحرش بها قدمه العجوز. لم يَعْنِ ذلك أنها سمحت له بفعل أي شيء من هذا القبيل، لكنه كان دائمًا متأهبًا لفعل ذلك إن استطاع، مثل إمساكه بساقها من تحت تنورتها بينما كان يمسك بجهاز الفحص أمام عينها، ولم تستطع إيقافه، فدخل عليهما روبرت خلسة، وأساء فهم ما يحدث.

حملا معًا السيد ويلينس فوق عتبة الباب، مرورًا بالمطبخ، ثم الشرفة الأمامية، ثم نزولًا به على درجات سلم الشرفة. لم يعرقلهما أي شيء في الطريق، لكن اليوم كان عاصفًا؛ فعصفت الرياح بالمفرش الذي لفَّت به السيدة كوين وجه السيد ويلينس.

ومن حسن حظهما أن فناء المنزل لم يكن من الممكن رؤيته من الطريق. ما كان مكشوفًا فقط من المنزل هو قمة السقف، والنافذة الموجودة بالطابق العلوي؛ ومن ثم، لم يكن من الممكن رؤية سيارة السيد ويلينس.

فكَّر روبرت في باقي الخطة، وهي أن يأخذا السيد ويلينس إلى بحيرة جوتلَنْد، حيث المياه العميقة والطريق الموصل إليها، ما سيجعل الأمر يبدو وكأن السيد ويلينس قد قاد سيارته من الطريق الرئيسي، ثم ضلَّ طريقه. لعله انعطف إلى الطريق الموصل إلى البركة، وكان الظلام قد حلَّ، فسقط في الماء قبل أن يدرك المكان الذي وصل إليه. سيبدو الأمر كأنه قد أخطأ.

وهذا ما فعله السيد ويلينس بالتأكيد؛ لقد أخطأ.

لكن المشكلة تمثَّلت في أنه لزم عليهما قيادة السيارة إلى خارج الممر، ثم على الطريق وصولًا إلى المنعطف المؤدي إلى بحيرة جوتلَنْد. لكنه ما من أحد كان يعيش هناك، وكان الطريق مسدودًا بعد هذا المنعطف؛ لذا، كان عليه فقط الدعاء بألا يراه أحد طوال هذا الطريق البالغ طوله قرابة النصف ميل. وبعد ذلك، كان على روبرت وضع السيد ويلينس في مقعد السائق، ودفع السيارة لإنزالها في الماء. تطلَّب الأمر جهدًا كبيرًا، لكن روبرت كان شابًّا قويًّا؛ ولولا هذه القوة، ما وقعت هذه الفوضى في المقام الأول.

واجه روبرت بعض الصعوبة في تشغيل السيارة؛ إذ لم تسبق له قيادة سيارة مثلها من قبل، لكنه أدارها في النهاية، واستدار بها ليقودها إلى نهاية الممر، عندما تحركت جثة السيد ويلينس لتميل عليه. كان روبرت قد وضع فوق رأس القتيل قبعته التي كانت موضوعة على مقعد السيارة.

لماذا خلع السيد ويلينس القبعة قبل دخوله المنزل؟ ليس من باب التهذيب فحسب، وإنما لكي يتمكن من الإمساك بها على نحو أيسر وتقبيلها، هذا إن كان بإمكانه وصف ما كان يفعله بالتقبيل؛ إذ كان يتهجم عليها، حاملًا الصندوق في إحدى يديه، بينما يمسك بها باليد الأخرى فيمص فمها — على نحو مقزز — بفمه العجوز الذي يتقاطر منه اللعاب. يمص ويمضغ شفتيها ولسانها، ويدفع نفسه نحوها، وحافة الصندوق تضرب مؤخرتها وتوكزها. أصابها ما كان يفعله بالدهشة الشديدة، لكنه أمسك بها بقوة حالت دون تخلصها منه. كان حيوانًا عجوزًا قذرًا؛ يتهجم عليها ويمص شفتيها ويتقاطر اللعاب على وجهها ويوكزها في مؤخرتها ويؤلمها؛ كل ذلك في آنٍ واحد.

أحضرت السيدة كوين المفرش الذي لفَّت به وجه القتيل، والذي عصفت به الرياح ليستقر فوق سور المنزل، وأخذت تفتش بدقة عن أي آثار للدماء على درجات السلم أو أي أوساخ أخرى بالشرفة الأمامية أو المطبخ، لكن كل ما وجدته كان في الغرفة الأمامية والبعض أيضًا على حذائها؛ فدعكت ما كان موجودًا على الأرض وعلى حذائها الذي خلعته. وإلى أن انتهت من كل ذلك، لم تكن قد لاحظت بعد وجود بقعة أسفل بلوزتها. تساءلت من أين جاءت هذه البقعة؟ وفي اللحظة ذاتها سمعت صوت جلبة جعلها تتسمر في مكانها. كان صوت سيارة؛ سيارة لا تعرفها تتقدم نحو المنزل من آخر الممر.

ألقت نظرة عبر الستارة الشفافة، وتأكدت من الأمر. كانت سيارة تبدو جديدة وذات لون أخضر داكن. كانت بلوزتها ملطخة، وحذاؤها مخلوعًا، والأرضية مبللة، فتراجعت للخلف بحيث لا يمكن لأحد رؤيتها، لكن تفكيرها لم يهدِها إلى أين يمكنها الاختباء. توقفت السيارة، وفُتِح بابها، لكن المحرك لم يتوقف. سمعت بعد ذلك صوت إغلاق الباب، ثم استدارت السيارة وسمعت صوت عودتها نحو أول الممر. وسمعت أيضًا صوت لويس وسيلفي بشرفة المنزل الأمامية.

لقد كانت سيارة صديق معلمة الفتاتين. كان يصطحب المعلمة بعد ظهيرة كل يوم جمعة، وكان ذلك يوم جمعة؛ فطلبت منه المعلمة توصيل الفتاتين إلى المنزل؛ إذ إنهما أصغر الأطفال سنًّا، ومنزلهما أبعد من الأطفال الآخرين، وبدت الأمطار وشيكة في السماء.

أمطرت السماء بالفعل. بدأ ذلك مع عودة روبرت، وسيره إلى المنزل على ضفة النهر؛ فقالت له زوجته إن ذلك أمر جيد؛ إذ سيخفي الوحل الآثار التي خلَّفتها قدماه عند دفعه السيارة في الماء. فقال لها إنه خلع حذاءه وعمل بقدميه المغطاتين بالجوارب فقط. فاستحسنت السيدة كوين ما فعله، وقالت له إنه عاد يُعمِل عقله مرة أخرى.

بدلًا من محاولة نقع المفرش التذكاري والبلوزة التي كانت ترتديها في الماء لإزالة ما بهما من بقع، قررت أن تحرقهما في الفرن؛ الأمر الذي جعل رائحة كريهة للغاية تنبعث منه، وأصابتها تلك الرائحة بالغثيان. وكانت تلك بداية مرضها. هذا بالإضافة إلى الطلاء. فبعد أن نظفت الأرضية، ظلت تلاحظ مكان البقعة؛ حسب ظنها، فأحضرت الطلاء البني المتبقي من طلاء السلم الذي استخدمه روبرت، وطلت به الأرضية بأكملها. تسبب ذلك في تقيُّئِها، وانحناء ظهرها، واستنشاقها الطلاء. وكانت تلك بداية شعورها بآلام الظهر أيضًا.

وبعد انتهائها من طلاء الأرضية، كادت تقرِّر عدم الدخول إلى الغرفة الأمامية بعد ذلك، لكنها فكرت في أحد الأيام أنه من الأفضل وضع مفرش آخر على المائدة لكي تبدو الأمور طبيعية على نحو أكبر؛ فقد كانت موقنة بأنها إن لم تفعل ذلك، فسوف تُقحم شقيقةُ زوجها نفسها في الأمر، وتبدأ في طرح الأسئلة عن المفرش الذي جلبه والداها معهما عند عودتهما من زيارة التوائم الخمسة، لكنها إن وضعت مفرشًا جديدًا على المائدة، فسوف تتحجج بأنها رغبت في بعض التغيير، لكن عدم وجود أي مفرش على الإطلاق سيثير الشكوك.

ومن ثم، أحضرت السيدة كوين مفرشًا كانت والدة روبرت قد طرَّزته بأشكال من سلال الزهور، وجلبته إلى الغرفة، لكنها ظلت تشم الرائحة التي طغت على المكان. استقرَّ على المائدة أيضًا الصندوق ذو اللون الأحمر الداكن الذي يحتوي على أدوات السيد ويلينس ويحمل اسمه عليه. لقد ظل في ذلك المكان طوال الوقت، حتى إنها لم تتذكر أنها وضعته في هذا المكان، ولم تَرَ روبرت كذلك يضعه هناك؛ فقد نسيته تمامًا.

فأخذت الصندوق، وخبأته في مكان ما، ثم غيَّرت هذا المكان. ولم تخبر أحدًا قط بمكان إخفائها له، ولم تكن تنوي فعل ذلك قط. كانت ستحطمه بالكامل، لكن كيف يمكنك تحطيم كل هذه الأدوات الموجودة بداخله؟ أدوات الفحص. «هل تسمحين لي يا سيدتي بفحص عينيكِ؟ اجلسي هنا فقط واسترخي وأغمضي إحدى عينيكِ وافتحي الأخرى جيدًا.» كانت هذه هي اللعبة التي يكررها السيد ويلينس في كل مرة، وكان من المفترض ألا تشك في أي شيء. وعندما كان يُخرِج إحدى هذه الأدوات لفحص عينها، كان يطلب منها أن تصبر حتى ينتهي ولا تحثه على العجلة. ذلك العجوز القذر اللاهث كان يتسلل بأصابعه ليتحسس جسدها ويلتقط أنفاسه بصعوبة، وكان من المفترض ألا تنبس ببنت شفة حتى ينتهي من عمله، ويعيد أداة الفحص إلى صندوقه، وحينئذٍ كان عليها أن تقول له: «والآن يا سيد ويلينس، بكم أدين لك لهذا اليوم؟»

كانت هذه إشارة له لكي يطرحها أرضًا ويضاجعها كذكر الماعز العجوز؛ يطارحها الغرام على تلك الأرضية العارية ويكاد يمزقها إربًا. وكان له ذكر طويل مثير.

كيف كنتِ تحبين ذلك؟

وبعد ذلك، نشرت الصحف خبر العثور على السيد ويلينس غارقًا في البحيرة.

وقيل إن رأسه تهشم إثر اصطدامه بعجلة القيادة. وقيل أيضًا إنه كان على قيد الحياة عند نزول السيارة في الماء. يا له من أمر مضحك!

(٤) أكاذيب

ظلت إنيد مستيقظة طوال الليل، بل إنها حتى لم تحاول النوم. لم تستطع الاستلقاء على الأريكة في غرفة السيدة كوين؛ فجلست في المطبخ عدة ساعات. وكان مجرد تحركها من مكانها مجهودًا عليها، حتى عند إعدادها فنجانًا من الشاي أو ذهابها إلى دورة المياه؛ فتحريك جسدها كان يشوِّش في عقلها المعلومات التي حاولت ترتيبها والاعتياد عليها. لم تخلع ملابسها، أو تفك شعرها، وعندما غسلت أسنانها، بدت وكأنها تفعل شيئًا مرهقًا وغير معتاد. تسلل ضوء القمر من نافذة المطبخ — إذ كانت تجلس في الظلام — وشاهدت بقعة من الضوء تتحرك أثناء الليل على مشمع المائدة حتى اختفت. اندهشت من اختفائها ثم من استيقاظ الطيور، وبدء يوم جديد. فبدا الليل طويلًا، ثم بدا قصيرًا جدًّا؛ وذلك لأنها لم تتوصَّل إلى قرار بعد.

نهضت من مكانها بصعوبة، وفتحت الباب، وجلست في الشرفة الأمامية مع بزوغ أول ضوء للشمس. حتى هذه الحركة البسيطة تسبَّبت في تشويش أفكارها، ولزم عليها فرزها مجددًا وتصنيفها إلى قسمين؛ القسم الأول يتمثل فيما حدث — أو بالأحرى ما قيل لها إنه حدث — والقسم الثاني يتمثل في التصرف حيال هذا الأمر، وهذا ما لم تتوصل إلى قرار بشأنه بعد.

كانت الأبقار قد نُقِلت من المرج الصغير الممتد بين المنزل وضفة النهر؛ ومن ثم، كان بإمكان إنيد فتح البوابة إن أرادت والسير في هذا الاتجاه. كانت تعرف أنه ينبغي لها العودة، بدلًا من فعل ذلك، وتفقُّد أحوال السيدة كوين، لكنها وجدت نفسها تفتح مزلاج البوابة.

لم تلتهم الأبقار كل الأعشاب التي كانت مبللة، والتي أخذت تحتك بجوارب إنيد. كان الطريق خاليًا في ظل الأشجار المصطفَّة على ضفة النهر — أشجار الصفصاف الكبيرة — التي تعلَّقت بها ثمار العنب البري كأذرع قردة كثيفة الشعر. أخذت الشبورة تتصاعد حتى صار من الصعب رؤية النهر؛ وكان ينبغي — لرؤيته — تثبيت العينين نحوه والتركيز لتظهر مساحة من الماء، وكأنها قدر من الماء في إناء. لا ريب أنه كان هناك تيار متحرك، لكنها لم تستطع العثور عليه.

رأت إنيد بعد ذلك حركة، لم تكن في الماء، وإنما كانت صادرة عن زورق مربوط في أحد الأغصان؛ كان زورق تجديف قديمًا وبسيطًا تم رفعه قليلًا ثم تركه يسقط متدليًا نحو الماء. وعندما عثرت عليه إنيد، ظلت تشاهده كما لو كان يخبرها بشيء ما. وكان هذا ما يحدث بالفعل؛ فقد قال لها شيئًا حاسمًا برفق:

«أنتِ تعلمين. أنتِ تعلمين.»

•••

عندما استيقظت الطفلتان، وجدتا إنيد في حالة معنوية مرتفعة، وقد اغتسلت لتوها وارتدت ملابسها وتركت شعرها منسدلًا. كانت قد أعدَّت الجيلي الممتلئ بالفواكه الذي سيكون جاهزًا لتتناوله الطفلتان في الظهيرة، وأخذت تمزج مخيض اللبن لإعداد الكعك المُحلَّى الذي يمكن خبزه قبل أن تشتد حرارة الجو على نحو يصبح معه استخدام الفرن صعبًا.

سألت إنيد الطفلتين: «هل ذلك الزورق يخص والدكما؟ الزورق الموجود عند النهر.»

فأجابت لويس بالإيجاب، ثم قالت: «لكننا ممنوعتان من اللعب فيه. لكنكِ إذا ذهبتِ معنا، فسيمكننا فعل ذلك.» أدركت الفتاتان على الفور لمحة من الامتيازات التي ستنالانها ذلك اليوم، واحتمالات الاستمتاع بالإجازة، والمزيج غير المعتاد من التراخي والتحمس الذي اتسم به سلوك إنيد.

قالت إنيد: «سنقرر ذلك لاحقًا.» أرادت أن تجعل ذلك اليوم يومًا مميزًا للطفلتين، بغض النظر عن الحقيقة التي تيقنت منها إلى حدٍّ بعيد بالفعل؛ وهي أن هذا اليوم سيكون الأخير في حياة والدتهما. أرادت إنيد أن تخلِّف ذكرى من شأنها التعويض عما سيحدث في وقت لاحق من ذلك اليوم، وتجعلهما يتذكرانِها ويتذكران تأثيرها في حياتهما فيما بعد.

تعسَّر العثور على نبض السيدة كوين ذلك الصباح، ولم تكن قادرة — فيما بدا — على رفع رأسها أو فتح عينيها. تغيَّرت حالتها تغيرًا هائلًا مقارنة بالبارحة، لكن ذلك لم يدهش إنيد؛ فقد كانت تعرف أن هذه الطاقة الهائلة المفاجئة، والاندفاع في الحديث على هذا النحو الفظ، ما هو إلا صحوة الموت. أمسكت بملعقة من الماء ووضعتها على شفتَي السيدة كوين، فارتشفت منه القليل، وأصدرت صوتًا كالمواء الذي كان بالطبع آخر تعبير لها عن كل شكواها. لم تتصل إنيد بالطبيب؛ لأن موعد زيارته المحدد كان في وقت لاحق من ذلك اليوم، على الأرجح بعد الظهيرة.

رجَّت إنيد بعضًا من رغوات الصابون في برطمان، وثنت قطعة من السلك، ثم قطعة أخرى، لتصنع عصيًّا لصنع الفقاقيع. علَّمت الفتاتين كيف تصنعان الفقاقيع، وأخذت تنفخها بثبات وعناية حتى تصل إلى أكبر حجم ممكن، ثم تهزها لتحررها برفق من السلك. أخذت الفتاتان تلاحقان الفقاقيع بأنحاء الفناء، وجعلتاها تطير إلى أن تمسك بها الرياح وتعلِّقها في الأشجار أو على إفريز الشرفة الأمامية. وبدا أن ما جعلهما على قيد الحياة آنذاك هو صيحات الإعجاب وصرخات الفرحة التي تنبع من داخلهما. لم تضع إنيد قيودًا على ما قد يصدر منهما من ضوضاء، وعند نفاد رغوات الصابون، أعدَّت المزيد.

اتصل الطبيب بها هاتفيًّا أثناء تقديمها الغداء للطفلتين. قدَّمت لهما الجيلي، وطَبَقًا من الكعك المحلَّى المنثور عليه السكر الملون، وكوبين من شراب الشوكولاتة باللبن. قال لها الطبيب إنه مشغول مع حالة لطفل سقط من على شجرة ولن يستطيع على الأرجح المغادرة قبل موعد العشاء. فقالت له إنيد بهدوء: «أظن أنها تُحتضر.»

فقال لها الطبيب: «حسنًا، فلتحاولي منحها الراحة قدر الإمكان؛ أنت تعلمين مثلي بالضبط كيفية فعل ذلك.»

لم تتصل إنيد بالسيدة جرين؛ فكانت تعلم أن روبرت ما كان ليصل من المزاد في ذلك الحين، وتعتقد أن السيدة كوين — هذا إن كانت ستحظى بأي لحظات من الوعي — لن ترغب في رؤية شقيقة زوجها أو سماع صوتها في الغرفة، ولن ترغب على الأرجح أيضًا في رؤية ابنتيها. وما من فائدة في جعل الفتاتين تريان والدتهما وتتذكران هذه اللحظة فيما بعد.

لم تكلِّف إنيد نفسها عناء محاولة قياس ضغط الدم للسيدة كوين بعد ذلك، أو درجة حرارتها، وما كان منها سوى أن أخذت تمسح بالإسفنجة على وجهها وذراعيها وتقدم لها الماء الذي لم تعد تلاحظه، وقامت بتشغيل المروحة التي اعترضت السيدة كوين على صوتها عادةً، وبدا أن هناك تغيرًا في الرائحة المتصاعدة من جسد المريضة؛ إذ فقد حدة رائحة النشادر به، وتحول إلى رائحة الموت المعتادة.

خرجت إنيد، وجلست على درجات السلم. خلعت حذاءها والجوارب، ومددت ساقيها في الشمس. بدأت الطفلتان في إزعاجها بحذر؛ فسألتاها إن كانت ستصحبهما إلى النهر، أو تسمح لهما بالجلوس في الزورق، أو التجديف إذا عثرتا على المجدافين، لكنها كانت تدرك أنه لا ينبغي الابتعاد بهذا القدر عن المريضة، لكنها عرضت عليهما إحضار حمام سباحة، بل اثنين؛ فجلبت حوضين من أحواض غسل الملابس، ووضعتهما على الحشائش، وملأتهما بالمياه من مضخة الصهريج، فخلعت الفتاتان ملابسهما ما عدا الداخلية واستلقتا في الماء متظاهرتين بأنهما الأميرة إليزابيث والأميرة مارجريت روز.

سألتهما إنيد وهي تجلس على الحشائش وقد أمالت رأسها إلى لخلف وأغمضت عينيها: «هل تعتقدان أن الشخص الذي ارتكب خطأً شنيعًا ينبغي عقابه؟»

فأجابت لويس على الفور: «نعم، يجب أن يجلَد بالسوط.»

وسألت سيلفي: «مَن فعل ذلك؟»

فأجابت إنيد: «لا أحد على وجه التحديد، لكن ما رأيكما إذا كان الخطأ شنيعًا، لكن ما من أحد يعلم أن هذا الشخص هو مَن ارتكبه؟ فهل يجب عليه الاعتراف بجرمه والتعرض للعقاب؟»

قالت سيلفي: «كنت سأعلم أنه ارتكبه.»

وقالت لها لويس: «لا، لن تعلمي؛ فأنَّى لكِ هذا؟»

«كنت سأراه.»

«لن تفعلي.»

سألتهما إنيد: «أتعلمان لماذا أعتقد أنه ينبغي أن يُعاقَب؟ لأنه يشعر بأنه شخص سيئ شرير بينه وبين نفسه، حتى إذا لم يَرَه أحد، ولم يعرف أحد قط بالأمر. إذا ارتكب الإنسان خطأ شنيعًا ولم يُعاقَب عليه، فسيتفاقم هذا الشعور لديه، بقدر أكبر بكثير مما إذا كان قد عوقِب.»

قالت سيلفي: «سرقت لويس مشطًا أخضر.»

فقالت لويس: «كلا لم أفعل.»

قالت إنيد: «أريدك أن تتذكري ذلك.»

فقالت لويس: «لقد كان ملقًى على جانب الطريق.»

تردَّدت إنيد على غرفة التمريض كل نصف ساعة أو نحو ذلك لمسح وجه السيدة كوين ويديها بقطعة قماش مبللة. لم تتحدث معها أو تمس يديها مطلقًا إلا بقطعة القماش. لم يسبق أن ابتعدت عن شخص يُحتضر على هذا النحو من قبل. وعندما فتحت الباب نحو الساعة الخامسة والنصف، علمت أنه لم يَعُد هناك أي روح حيَّة في الغرفة. كانت الملاءة قد سُحِبت من مكانها، وكان رأس السيدة كوين متدليًا بجانب السرير، الأمر الذي لم تسجِّله إنيد أو تذكره لأي أحد؛ فأعادت الجسد لوضعه على السرير، ونظَّفته، ونظَّمت السرير قبل حضور الطبيب. وكانت الطفلتان لا تزالان تلعبان في الفناء.

•••

«٥ يوليو: أمطار في الصباح الباكر. لويس وسيلفي تلعبان تحت الشرفة. فتح المروحة وإغلاقها، شكوى من الضوضاء. نصف فنجان من شراب البيض، ملعقة في المرة. ضغط الدم مرتفع، النبض سريع، لا توجد شكوى من أي ألم. هدأت الأمطار قليلًا. قياس معامل التنفس في المساء. نفد القش.»

«٦ يوليو: يوم حار للغاية. إغلاق النوافذ. محاولة فتح المروحة، لكنها رفضت. مسح بالإسفنجة كثيرًا على جسدها. قياس معامل التنفس في المساء. البدء في جزِّ القمح غدًا. كل شيء سابق لأوانه بأسبوع أو اثنين بسبب الحرارة والأمطار.»

«٧ يوليو: استمرار الحرارة. رفض تناول شراب البيض. جعة زنجبيل بالملعقة. ضعيفة للغاية. أمطار غزيرة الليلة الماضية، رياح. قياس معامل التنفس. تعذَّر الجَزُّ، ملأت الحبوب بعض الأماكن.»

«٨ يوليو: رفض شراب البيض. جعة زنجبيل. قيء في الصباح. أكثر انتباهًا. قياس معامل التنفس. الذهاب إلى مزاد الماشية مدة يومين. الطبيب موافق.»

«٩ يوليو: انزعاج شديد. حديث مفزع.»

«١٠ يوليو: وفاة المريضة السيدة كوين (جانيت) زوجة روبرت اليوم في حوالي الساعة ٥ مساءً. سكتة قلبية نتيجة لليوريميا (التهاب كبيبات الكلى).»

•••

لم تنتظر إنيد من قبل حتى موعد جنازة المرضى الذين تكفَّلت بمهمة تمريضهم في منزلهم. فكانت ترى أنه من الأفضل مغادرة المنزل في أسرع وقت ممكن في حدود اللياقة؛ فوجودها لن يفيد أحدًا؛ لأنها ستذكر الجميع بالوقت السابق للوفاة مباشرةً، الذي قد يكون كئيبًا ومليئًا بالكوارث الصحية، وسيتم تهميشه الآن والتغطية عليه بمراسم الدفن واستضافة الزوار والورود والكعك.

علاوةً على ذلك، تتولى عادةً في هذه الظروف سيدة من العائلة مسئولية المنزل بالكامل، ما يجعل إنيد فجأة في موقف الضيف غير المرغوب فيه.

وفي الواقع، وصلت السيدة جرين إلى منزل آل كوين قبل الحانوتي، ولم يكن روبرت قد عاد بعدُ، في حين كان الطبيب في المطبخ يحتسي فنجانًا من الشاي ويتحدث مع إنيد عن حالة أخرى يمكن أن تتولى رعايتها بما أنها قد أنهت مهمتها في هذا المنزل. تجنَّبت إنيد منحَه جوابًا قاطعًا؛ إذ قالت له إنها كانت تفكر في الحصول على إجازة من العمل بعض الوقت. أما الطفلتان، فكانتا بالدور العلوي؛ وقد قيل لهما إن والدتهما قد ذهبت إلى الجنة، الأمر الذي وضع النهاية لهذا اليوم النادر والحافل في حياتيهما.

ظلت السيدة جرين متحفظة إلى أن غادر الطبيب. وقفت بجوار النافذة وشاهدته وهو يدير سيارته وينطلق بها مغادرًا، ثم قالت: «لعله لا ينبغي لي قول ذلك الآن، لكنني سأفعل. أنا سعيدة بأن ذلك حدث الآن، وليس في وقت لاحق بعد انتهاء فصل الصيف، وعودة الفتاتين للمدرسة؛ فالوقت متاح أمامي الآن لأجعلهما تعتادان على العيش في منزلنا، وعلى فكرة المدرسة الجديدة التي ستلتحقان بها. روبرت، أيضًا، سيعتاد الأمر.»

كانت تلك المرة الأولى التي تدرك فيها إنيد أن السيدة جرين عزمت على أخذ الطفلتين للعيش معها، وليس فقط للإقامة في منزلها فترة من الوقت. كانت السيدة جرين متشوقة لهذا الانتقال، وتتطلع إليه على الأرجح منذ فترة. ومن المرجح أيضًا أن تكون قد أعدَّت غرفتَي الطفلتين وابتاعت الأقمشة لتفصيل ملابس جديدة لهما؛ فقد كانت تملك منزلًا كبيرًا وليس لديها أطفال.

استطردت السيدة جرين مع إنيد قائلةً: «لا بد أنكِ ترغبين في مغادرة هذا المنزل أنتِ أيضًا.» فما دام هناك امرأة أخرى في المنزل، فسيبدو المنزل منافسًا لمنزلها، الأمر الذي قد يصعِّب على أخيها رؤية ضرورة انتقال الفتاتين إلى الأبد. «سوف يحتجزك روبرت هنا عندما يحضر.»

فقالت إنيد إن والدتها ستحضر لاصطحابها.

وردَّت السيدة جرين: «نعم، لقد نسيت والدتك وسيارتها الصغيرة السريعة.»

ابتهجت السيدة جرين، وأخذت تفتح في أبواب الخزائن، وتتحقق من الأكواب الزجاجية وفناجين الشاي لترى ما إذا كانت نظيفة لمراسم الجنازة أم لا.

وقالت: «يبدو أن ثمة شخصًا انشغل بتنظيفها من قبل.» شعرت السيدة جرين آنذاك بالراحة الشديدة تجاه إنيد، وصارت مستعدة لمنحها بعض عبارات الإطراء.

انتظر السيد جرين بالخارج في الشاحنة، مع كلب الأسرة واسمه جنرال. نادت السيدة جرين على لويس وسيلفي الموجودتين بالدور العلوي واللتين نزلتا تركضان على السلم وتحملان بعض الملابس في أكياس ورقية بنية اللون. ركضتا عبر المطبخ، وصَفَقَتا الباب بقوة خلفهما دون أن يلاحظا وجود إنيد.

قالت السيدة جرين: «هذا شيء لا بد أن يتغير.» مشيرةً إلى صفق الباب. وسمعت إنيد الطفلتين وهما تحييان جنرال الذي أخذ في المقابل ينبح متحمسًا لرؤيتهما.

•••

وبعد يومين، عادت إنيد إلى المنزل وهي تقود سيارة والدتها بنفسها. وصلت في وقت متأخر من فترة بعد الظهيرة بعد انتهاء مراسم الجنازة. لم تكن هناك سيارات بالخارج، ما عنى أن كل السيدات اللاتي قدَّمن المساعدة في المطبخ قد عدن إلى منازلهن، وأخذن معهن الأشياء التي تخص كنيستهن من الكراسي الزائدة وفناجين الشاي وإبريق القهوة الكبير. وظهرت بالحشائش آثار سير السيارات وبعض الزهور المتساقطة المهشمة.

وجب عليها طرق الباب الآن، والانتظار حتى يسمح لها بالدخول.

سمعت خطوات روبرت المتثاقلة الثابتة، فألقت عليه التحية، بينما كان واقفًا أمامها بالجانب الآخر من الباب الشبكي، لكنها لم تنظر في وجهه. كان يرتدي قميصًا، لكنه لا يزال بسروال البذلة. فتح خطَّاف الباب.

قالت إنيد: «لم أكن متأكدة من وجود أحد هنا، وظننت أنك ربما ستكون في الحظيرة.»

فقال لها روبرت: «حضر الجميع وقدموا المساعدة في المهام اللازم أداؤها.»

كان بوسعها شم رائحة ويسكي تفوح منه أثناء تحدُّثه، لكنه لم يَبدُ مخمورًا.

قال لها: «ظننت أنكِ إحدى السيدات جاءت لأخذ شيء نسيَتْه.»

فقالت إنيد: «لم أنسَ أي شيء. كنت أتساءل فقط عن حال الفتاتين.»

«إنهما بخير، وموجودتان في منزل أوليف.»

لم يكن واضحًا ما إذا كان سيدعوها للدخول أم لا. كان الاندهاش هو ما أوقفه عن فعل ذلك، وليس العداء تجاهها. لم تتأهب إنيد لهذا الجزء الأول الغريب من المحادثة؛ ومن ثم، لم تنظر إليه، وإنما نظرت إلى السماء.

وقالت: «يمكنك الشعور بقِصَر المساء شيئًا فشيئًا، مع أنه لم يمرَّ شهر على أطول الأيام.»

قال روبرت: «هذا صحيح.» وفتح الباب وأفسح الطريق، فدخلت إنيد المنزل. رأت على المائدة فنجانًا دون طبق تحته. جلست في الجهة المقابلة للجهة التي جلس فيها روبرت على المائدة. ارتدت في ذلك اليوم ثوبًا من الكريب الحريري لونه أخضر داكن، وحذاءً من الجلد السويدي ليتلاءم معه. عندما ارتدت هذه الملابس في وقت مبكر من اليوم، فكَّرت أن هذه قد تكون المرة الأخيرة التي تتأنق فيها، وأن هذه الملابس قد تكون آخر ملابس ترتديها على الإطلاق. صفَّفت شعرها على هيئة ضفيرة فرنسية، ووضعت مسحوق تجميل على وجهها. بدا هذا الاهتمام بمظهرها وهذه الزينة تصرفًا أحمق، لكنه كان ضروريًّا لها؛ فهي لم تَنَم مدة ثلاث ليالٍ متتالية، لم تَذُق النوم دقيقة واحدة، كما أنها لم تستطع تناول الطعام، حتى لخداع والدتها.

قالت لها والدتها: «هل كان الأمر صعبًا إلى هذا الحد هذه المرة؟» كرهت والدتها التحدث عن المرض أو فراش الموت، وحقيقة أنها وصلت لهذه المرحلة التي تطرح فيها مثل هذا السؤال كانت تعني أن انزعاج إنيد كان واضحًا.

واصلت والدتها طرح الأسئلة: «هل السبب هو الطفلتان اللتان ارتبطتِ بهما؛ هاتان المشاكستان الصغيرتان المسكينتان؟»

أجابتها إنيد بأن كل ما في الأمر هو حاجتها للاستقرار والراحة بعد وفاة هذه الحالة التي استمرت في رعايتها وقتًا طويلًا، والحالة التي لا أمل فيها تسبِّب توترًا من نوع خاص. لم تخرج من منزل والدتها أثناء النهار، لكنها كانت تذهب للتمشية في الليل الذي تتأكد فيه من عدم الالتقاء بأحد أو الاضطرار إلى التحدث مع أحد. وفي إحدى المرات، وجدت نفسها تسير بجوار جدران سجن المقاطعة. كانت تعرف أن ثمة فناءً بالسجن خلف هذه الجدران كانت تُجرَى فيه عمليات الإعدام شنقًا قديمًا، لكنها لم تَعُد تُجرَى فيه منذ سنوات طوال، ولا بد أنها صارت تُجرَى الآن في أحد السجون المركزية الكبيرة، ذلك إذا كان عليهم إجراء أيٍّ منها على الإطلاق؛ فقد مرَّ وقت طويل منذ أن ارتكب أحد في هذا المجتمع أي جريمة على هذا القدر من الخطورة التي تؤدي إلى عقوبة الإعدام.

•••

بجلوس إنيد في الجهة المقابلة لروبرت على المائدة، في مواجهة باب غرفة السيدة كوين، كادت تنسى حُجَّتها والخطة التي أعدَّتها لذلك اليوم، لكنها شعرت بحقيبتها التي وضعتها على حِجرها والكاميرا الموجودة بداخلها، فذكَّرها ذلك بما جاءت من أجله.

قالت: «ثمة شيء أود أن أطلبه منك، وأظن أنه من الأفضل فعل ذلك الآن؛ لأنه لن تسنح لي فرصة أخرى.»

سألها روبرت: «ما هذا الشيء؟»

«أعلم أنَّكَ تملك زورق تجديف؛ لذا أردتُ أن أطلب منك أن تأخذني في جولة به إلى منتصف النهر حتى أتمكن من التقاط صورة هناك. أرغب في التقاط صورة لضفة النهر. المكان جميل هناك بما يحويه من أشجار الصفصاف الممتدة بطول الضفة.»

قال روبرت بشيء من عدم الاندهاش الحذر: «حسنًا.» وهو رد الفعل الذي يظهره أهل الريف عادةً تجاه عبث — بل ووقاحة — زوارهم.

هذا ما صارت عليه إنيد الآن … زائرة.

تمثَّلت خطتها في الانتظار حتى يصلا إلى منتصف النهر، ثم إخباره بأنها لا تستطيع السباحة. ستسأله، أولًا، عن مدى عمق الماء في ذلك المكان، وسيجيبها، بالتأكيد، أنه بعد كل هذه الأمطار التي شهدتها المنطقة، ربما يكون العمق قد وصل إلى سبعة أو ثمانية، بل وربما عشرة أقدام. وبعد ذلك، ستخبره بأنها لا تستطيع السباحة. ولن تكون هذه كذبة؛ فقد نشأت إنيد في والي على ضفاف البحيرة، ولعبت على الشاطئ كل صيف في طفولتها، وكانت فتاة قوية وماهرة في الألعاب، لكنها كانت تخاف الماء. ولم تُجْدِ معها نفعًا محاولات الإقناع أو الشرح أو الشعور بالخزي قط؛ ومن ثم، لم تتعلم السباحة.

حينئذٍ، لن يكون عليه سوى دفعها بأحد المجدافين ليطيح بها في الماء، ويدعها تغرق، ثم يترك القارب في الماء، ويسبح وصولًا إلى الشاطئ، ويغير ملابسه، ويقول إنه عائد من الحظيرة أو أنه كان يتمشى ووجد سيارة إنيد أمام المنزل، لكنه لم يجدها هي. وإن عُثِر على الكاميرا خاصتها، فسيضفي ذلك مزيدًا من المصداقية على ما يدَّعيه؛ فسيعتقد الناس أنها قد خرجت إلى النهر بالقارب لالتقاط صورة، ثم سقطت في الماء بطريقة أو بأخرى.

وعندما يدرك ما يتمتع به من فرص، ستفصح له عما تعرفه، وستسأله عن مدى صحته.

وإن لم يكن صحيحًا، فسيكرهها لطرحها هذا السؤال. وإن كان صحيحًا — وهذا ما تعتقده طوال الوقت — فسوف يكرهها أيضًا، لكن على نحو مختلف وأكثر خطورة، حتى وإن قالت له على الفور — وكانت تعني ما تقول؛ وهي تعنيه حقًّا — إنها لن تخبر أحدًا قط.

ستتحدث بهدوء شديد طوال الوقت، متذكرةً كيف ينتقل الصوت الصادر عند الماء في ليالي الصيف.

ستقول له إنها لن تخبر أحدًا، لكنه هو من سيفشي السر؛ فلا يمكنه العيش مع هذا السر.

«لا يمكنك العيش في هذا العالم متحملًا هذا العبء بداخلك. لن تستطع تحمل حياتك.»

إذا وصلَتْ إلى هذا الحد، ولم ينكر روبرت ما قالته له، أو يدفعها في النهر، فستعلم أنها قد فازت بالرهان. سيستغرق الأمر بعض الوقت من الحديث معًا، سيكون حديثًا صارمًا، لكن مع الإقناع، ستصل بروبرت إلى مرحلة يبدأ فيها التجديف بالقارب للعودة إلى الشاطئ.

وربما سيشعر روبرت بالضياع ويسألها: «ماذا ينبغي لي فعله؟» فتسير معه خطوة بخطوة، وتطلب منه أن يجدف عائدًا إلى الشاطئ أولًا.

وستكون تلك هي الخطوة الأولى في رحلة طويلة مرعبة. ستخبره بكل خطوة فيها، وستظل معه فيها بقدر ما يمكنها ذلك. ستطلب منه أن يربط الزورق، ويسير على ضفة النهر وعبر المرج، ثم يفتح البوابة. ستسير خلفه أو أمامه، أيهما سيكون أفضل له. وسيسيران بعد ذلك عبر الفناء، ثم الشرفة الأمامية، ومنها إلى المطبخ.

سيودِّع أحدهما الآخر، ويركب كلٌّ منهما سيارته، وستكون الوجهة التي سيذهب إليها أمرًا يخصه وحده. أما هي، فلن تتصل بقسم الشرطة في اليوم التالي. سوف تنتظر، وسيتصلون هم بها، وستذهب لرؤيته في السجن. ستذهب كل يوم، أو بقدر ما سيسمحون لها. ستجلس معه، وتتحدث إليه في السجن، وسترسل له الخطابات أيضًا. وإذا نُقِل إلى سجن آخر، فسوف تذهب إلى هناك؛ حتى وإن لم يُسمَح لها بزيارته سوى مرة واحدة في الشهر، سوف تظل بجواره، وستكون معه في المحكمة أيضًا. نعم، كل يوم من أيام محاكمته، ستجلس حيث يمكنه رؤيتها.

اعتقدت إنيد أنه لا يمكن أن يُصدِر أحد حكمًا بالإعدام كعقوبة لمثل هذه الجريمة التي تُعَد بشكل أو بآخر غير متعمدة، وهي بلا شك جريمة انفعال عاطفي. لكنَّ ثمة احتمالًا لحدوث ذلك، وهو الاحتمال الذي كان يُفيقها عندما كانت تشعر بأن هذه الصور من الإخلاص، أو هذه الرابطة التي تشبه الحب لكنها تتعدى حدود الحب، صارت غير لائقة.

والآن، فقد بدأ الأمر بطلبها منه اصطحابها إلى النهر، وتحجُّجها برغبتها في التقاط صورة هناك. نهضت هي وروبرت، وكانت تواجه باب غرفة التمريض التي عادت الآن الغرفة الأمامية للمنزل، وكان الباب مغلقًا.

نطقت بعبارة حمقاء: «هل أُنزِلت الألحفة من على النوافذ؟»

بدا على روبرت للحظة أنه لا يعلم ما تتحدث عنه، ثم قال: «الألحفة. نعم، أعتقد أن أوليف أنزلتها؛ فقد أقيمت مراسم الجنازة في هذه الغرفة.»

«لقد كنت أفكر فقط في أن الشمس كانت ستتسبب في بهتان ألوانها.»

فتح روبرت الباب، ودارت إنيد حول المائدة، ووقفا لينظرا معًا إلى الغرفة، فقال لها: «يمكنك الدخول إذا أردتِ. لا بأس من ذلك، تفضَّلي.»

نُقِل السرير بالطبع من الغرفة، وأزيح الأثاث في اتجاه الجدران، أما منتصف الغرفة — الذي وُضِعت فيه الكراسي لمراسم الجنازة — فكان فارغًا، وكذا المساحة بين النافذتين الشماليتين حيث وُضِع التابوت بالتأكيد. والمائدة، التي اعتادت إنيد استخدامها لوضع حوض الاغتسال والأقمشة والقطن الطبي والملاعق والأدوية، دُفعت الآن إلى أحد الأركان، ووضعت عليها باقة من زهور العائق. ولا تزال النافذتان الطويلتان تُدخِلان الكثير من ضوء النهار إلى الغرفة.

«أكاذيب» كانت تلك الكلمة التي تردَّدت على أذن إنيد في تلك اللحظة، دونًا عن كل الكلمات التي نطقت بها السيدة كوين في هذه الغرفة. «كلها أكاذيب بالتأكيد. أراهنك على ذلك.»

•••

هل يمكن لأحد اختلاق شيء بهذا القدر من الشر بهذه التفاصيل؟ الإجابة هي نعم. إن عقل الشخص المريض، أو بالأحرى المحتضر، يمكن أن يمتلئ بهذا النوع من الهراء، وينظمه بأكثر السبل إقناعًا. عقل إنيد نفسه، عندما كانت تنام في هذه الغرفة، امتلأ بأقذر التخيلات. مثل هذا النوع من الأكاذيب يمكن أن يظل كامنًا في أركان عقل الإنسان، يتعلق بها كالخفافيش، منتظرًا استغلال فرصة أي ظلام يحل على العقل ليظهر؛ لذا، لا محل لعبارة: «لا يمكن لأحد اختلاق ذلك»، فانظر إلى مدى الإتقان الذي يمكن أن تتسم به الأحلام، طبقات فوق طبقات من الأحلام، والجزء الذي يمكنك تذكُّره منها ووصفه بالكلمات ليس سوى الجزء الضئيل الذي يمكنك نزعه عن السطح.

عندما كانت إنيد في الرابعة أو الخامسة من عمرها، أخبرت والدتها أنها دخلت إلى مكتب أبيها، ورأته جالسًا خلف المكتب وامرأة تجلس على رجليه. وكل ما تمكنت من تذكُّره عن المرأة — آنذاك والآن — هو أنها كانت ترتدي قبعة مليئة بالورود الكبيرة وينسدل منها برقع شبكي (قبعة لا تتماشى مع الموضة حتى في ذلك الزمن البعيد)، وأن أزرار البلوزة أو الثوب الذي ترتديه كانت مفتوحة، وبرز منها أحد ثدييها العاريين ليستقر طرفه في فم أبيها. قصَّت إنيد ذلك على والدتها بثقة مذهلة في رؤيتها له بالفعل، وقالت لها: «كانت إحدى مقدمتيها الأماميتين في فم أبي.» لم تكن تعلم كلمة «ثدي» آنذاك، لكنها كانت تعلم أن ثمة اثنين منه في جسم المرأة.

ردت عليها والدتها: «والآن يا إنيد، ما هذا الذي تتحدثين عنه؟ ماذا تقصدين بالمقدمة الأمامية؟»

فأجابت إنيد: «إنها تشبه مخروط الآيس كريم.»

هكذا رأته إنيد بالضبط، وما زالت تراه بهذا الشكل إلى الآن؛ مخروطًا من البسكويت الملون؛ الجزء الممتلئ بآيس كريم الفانيليا مدفوع في صدر المرأة، والطرف الآخر في فم والدها.

وفي تلك اللحظة، فعلت والدتها شيئًا غير متوقع على الإطلاق؛ إذ فتحت أزرار ثوبها، وأبرزت شيئًا شاحب البشرة يتدلى من يدها، وسألتها: «مثل هذا؟»

فأجابت إنيد بالنفي، وقالت لها: «بل كمخروط الآيس كريم.»

فقالت والدتها: «إذن، فقد كان ذلك حلمًا، والأحلام تكون أحيانًا سخفًا محضًا. لا تخبري والدك بذلك؛ فالأمر سخيف للغاية.»

لم تصدق والدتها على الفور، لكن بعد عام أو نحو ذلك، رأت أن هذا التفسير لا بد أن يكون صائبًا؛ لأن مخروط الآيس كريم لا يظهر بهذا الشكل على صدور السيدات، كما أنه لا يكون بهذا الحجم الكبير أبدًا. وعندما كبرت إنيد، أدركت أن القبعة التي رأتها لا بد أنها كانت قد رأتها في صورة ما.

«أكاذيب.»

•••

لم تسأله بعد، لم تنبس ببنت شفة، لم يدفعها شيء لطرح السؤال؛ فلم يَحِن الوقت بعد. لقد سقطت سيارة السيد ويلينس في بحيرة جوتلَنْد، عمدًا أو دون قصد، ولا يزال الجميع يعتقدون ذلك. واعتقدت إنيد ذلك أيضًا، هذا ما كان روبرت يظنه. وطوال استمرار هذه الفكرة، فهذه الغرفة وهذا المنزل وحياتها بالكامل تمثل احتمالًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الاحتمال الذي تعايشت معه (أو ضخَّمته؛ أيًا كانت الطريقة التي تريد صياغة الأمر بها) على مدى الأيام القليلة الماضية. وصار هذا الاحتمال أقرب إليها، وكل ما كانت بحاجة لفعله هو التزام الهدوء والسماح له بالاقتراب. من خلال صمتها، أو مشاركتها في الصمت، ما النفع الذي قد يعود عليها وعلى الآخرين؟

كان ذلك ما يعلمه أغلب الناس؛ وهو شيء بسيط استغرق منها فهمه وقتًا طويلًا؛ وهذا ما كان يجعل العالم صالحًا للعيش فيه.

بدأت في النحيب، ليس حزنًا، وإنما شعورًا براحة بالغة لم تكن تعلم أنها تبحث عنها. نظرت في تلك اللحظة إلى وجه روبرت، ورأت أن عينيه قد احتقنتا بالدماء والبشرة حولهما قد تجعَّدت وجفَّت، كما لو كان يبكي بدوره.

قال لها: «كانت تعيسة الحظ في حياتها.»

استأذنت إنيد وذهبت لإحضار منديلها الذي كان في الحقيبة على المائدة. شعرت بالخجل في تلك اللحظة لتأنقها استعدادًا لهذا المصير المأساوي.

قالت لروبرت: «لا أعلم فيما كنت أفكر. لا يمكنني السير إلى النهر بهذا الحذاء.»

أغلق روبرت باب الحجرة الأمامية.

وقال لها: «إذا كنت ترغبين في الذهاب، فلا يزال بإمكاننا ذلك. هناك حذاء مطاطي طويل الرقبة سيلائم قدميك في مكان ما هنا.»

تمنَّت إنيد ألا يكون حذاءها؛ فحذاؤها سيكون صغيرًا جدًّا.

فتح روبرت صندوقًا في سقيفة الحطب الموجودة بجوار باب المطبخ من الخارج. لم تنظر إنيد في ذلك الصندوق من قبل قط؛ فقد اعتقدت أنه يحتوي على حطب، وهو ما لم تكن بحاجة إليه بالتأكيد في ذلك الصيف. أخرج روبرت عددًا من فِرد الأحذية المطاطية طويلة الرقبة، وبعض أحذية الثلج طويلة الرقبة أيضًا، محاوِلًا العثور على زوج كامل.

وأخيرًا قال لها: «يبدو أن هذا الحذاء قد يناسبك. لعله كان يخص والدتي، أو يخصني قبل أن تكبر قدماي.»

وأخرج شيئًا أشبه بقطعة من خيمة، ثم حقيبة مدرسية قديمة بحزام مقطوع.

قال: «لقد نسيتُ وجود كل هذه الأشياء هنا.» وسمح للأشياء بالسقوط مرة أخرى في الصندوق، وألقى بالأحذية عديمة الفائدة فوقها. أغلق الغطاء، وتنهَّد — على نحو جاد — تنهيدة خاصة شجيَّة.

منزل كهذا عاشت فيه أسرة واحدة فترة طويلة من الزمن، وأُهمِل على مدى عدة سنوات ماضية، لا بد أن يحتوي على الكثير من الصناديق والأدراج والأرفف والحقائب وأماكن الاحتفاظ بالأمتعة، كالسندرة، الممتلئة بأشياء كانت إنيد ستفرزها، فتحتفظ ببعضها وتصنفه، وتعيد استخدام البعض الآخر، وترسل البعض في صناديق إلى مقلب القمامة. عندما ستسنح لها هذه الفرصة، فلن تعترض عليها، وستحول هذا المنزل إلى مكان لا يخفى فيه شيء عليها، ويخضع كل شيء فيه للنظام الذي تضعه.

وضع روبرت الحذاء أمامها، في حين انحنت هي لفك إبزيم حذائها. شمَّت خلف رائحة الويسكي رائحة النَّفَس المريرة التي تفوح من المرء بعد ليلة عجز فيها عن النوم، وقضائه يومًا صعبًا وطويلًا؛ شمَّت كذلك رائحة عرق رجل كادح لم يُفد الاستحمام — أو على الأقل الطريقة التي يستحم بها — في إزالتها. لم تكن هناك رائحة تصدر عن جسد الإنسان — بما في ذلك رائحة المني — تجهلها إنيد، لكنَّ ثمة شيئًا جديدًا واجتياحيًّا بشأن رائحة جسد ليس لها سلطة عليه ولا ترعاه.

وكانت ترحِّب بهذه الرائحة.

قال لها: «جرِّبي ما إذا كنتِ تستطيعين السير به.»

تمكَّنت من السير بالحذاء. سارت أمامه إلى البوابة، فانحنى من خلف كتفها ليفتح البوابة. وانتظرت حتى فعل ذلك، ثم تنحَّت جانبًا لتدعه يتقدَّمها في السير؛ لأنه كان قد أحضر بلطة صغيرة من سقيفة الحطب لإزالة الأعشاب من طريقهما.

قال لها: «كان من المفترض أن تمهد الأبقار هذه الأرض، لكن هناك أشياء لا تأكلها الأبقار.»

فقالت له: «لم آتِ إلى هنا سوى مرة واحدة فقط. كان ذلك في الصباح الباكر لأحد الأيام.»

بدا الإحباط الذي شعرت به في تلك المرة طفوليًّا الآن في نظرها.

واصل روبرت جزَّ النباتات الضخمة كثيرة الشوك. وعكست الشمس خطًّا مستويًا من الضوء الترابي على كتلة الأشجار الموجودة أمامهما. كان الهواء صافيًا في بعض الأماكن، ثم باغتَتْهما سُحبٌ من الحشرات دقيقة الحجم التي تظهر بين الحين والآخر. كانت حشرات لا يتجاوز حجمها حجم ذرات التراب، وظلَّت تتحرك باستمرار، لكنها حافظت على بقائها معًا في شكل عمود أو سحابة. كيف تمكَّنت من فعل ذلك؟ وكيف اختارت بقعة دون غيرها لفعل ذلك؟ لا بد أن الطعام يلعب دورًا في ذلك، لكنها لم تثبت قط — فيما يبدو — في مكان واحد على نحو يمكنها من الحصول على ما يكفيها من طعام.

عندما وصلت إنيد بصحبة روبرت إلى مكان ما أسفل أوراق نباتات الصيف، حلَّ الغسق، وأوشك الليل على أن يسدل ستاره على السماء، ولزم الانتباه للخطوات لتجنب التعثر في الجذور التي برزت من الطريق، أو اصطدام الرأس بالنباتات المعترشة المتدلية، ذات السيقان التي أثارت متانتها دهشتهما. بدا الماء، بعد ذلك، لامعًا عبر الأغصان المظلمة، لكن بالقرب من الضفة الأخرى من النهر، كان الضوء لا يزال منعكسًا على الماء والأشجار. وعلى هذا الجانب — حيث كانا يتَّجهان نحو الضفة الآن عبر أشجار الصفصاف — كان لون الماء كالشاي، لكنه صافٍ في الوقت نفسه.

كان الزورق لا يزال في مكانه بين الظلال، مثلما رأته إنيد أول مرة.

قال روبرت: «المجدافان مخبَّآن.» وذهب بين أشجار الصفصاف لإحضارهما. وفي لحظة، لم تَعُد إنيد تراه. اقتربت من حافة الماء حيث غرز حذاؤها في الطين قليلًا، وأعاق حركتها. لو أنصتَتْ لتمكنَتْ من سماع صوت تحركات روبرت بين الأحراش، ولو ركزت على حركة القارب، تلك الحركة البسيطة الكتومة، لشعرت بأن كل شيء اتسم بالهدوء في تلك الأرجاء منذ زمن بعيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١