جاكارتا

١

كان لكاث وسونيه مكانهما الخاص على الشاطئ؛ خلف بعض جذوع الأشجار الضخمة. لم يكن الدافع وراء اختيارهما هذا المكان هو الاحتماء فحسب من الرياح العاتية التي كانت تهبُّ على المكان بين الحين والآخر — لا سيما في ظل اصطحابهما ابنة كاث الرضيعة معهما — وإنما أرادتا أيضًا التواري عن أنظار مجموعة من السيدات اعتدن ارتياد الشاطئ كل يوم، وهي المجموعة التي أطلقت عليها كاث وسونيه اسم «سيدات مونيكا».

كانت كل سيدة من أولئك السيدات لديها طفلان أو ثلاثة أو أربعة أطفال، وكانت تقودهن جميعًا سيدة تُدعَى مونيكا، وهي من أطلقت كاث وسونيه اسمها على المجموعة بالكامل. عندما رأت مونيكا كاث وسونيه والطفلة الرضيعة للمرة الأولى، سارت في اتجاههما على الشاطئ، وقدَّمت نفسها لهما، ودعتهما للانضمام إلى باقي المجموعة.

فتبعتاها، وهما تحملان حقيبة الطفلة بصعوبة بينهما. ماذا غيرُ هذا كان بوسعهما فعله؟ ولذا منذ ذلك الحين وهما تتواريان عن الأنظار خلف جذوع الأشجار.

احتوى تَجمُّع «سيدات مونيكا» على مظلات للشاطئ، ومناشف، وحقائب للحفاضات، وسلال تنزُّه لحمل الأغراض، وحيتان وأطواف قابلة للنفخ، وألعاب للأطفال، وغسول، وملابس إضافية، وقبعات واقية من الشمس، وأوانٍ حافظة للحرارة لاصطحاب القهوة، وأطباق وأكواب ورقية، وزجاجات حافظة للحرارة يضعن فيها مصاصات مثلجة منزلية الصُّنع من عصير الفواكه.

أما السيدات أنفسهن، فكنَّ إما حوامل بالفعل أو يَبدين كذلك لعدم رشاقتهن. كن يمشين بصعوبة نحو حافة المياه، ويصحن بأسماء أطفالهن ليسترعين انتباههم وهم في الماء على ألواح التزلج أو الحيتان القابلة للنفخ، أو بعد أن يسقطوا من فوقها.

«أين قبعتك؟ أين كرتك؟ لقد قضيت وقتًا طويلًا على هذا الطوف. كفاك، فلْتدَعْ ساندي تلعب به قليلًا.»

حتى عندما كنَّ يتحدَّثن معًا، انبغى عليهن رفع أصواتهن لتعلو فوق صيحات الأطفال وصرخاتهم.

«يمكنكِ شراء اللحم المفروم بسعر رخيص مثل الهامبورجر إذا ذهبتِ إلى وودوردز.»

«لقد جرَّبت مرهم الزنك، لكنه لم يُجدِ نفعًا.»

«أصيب الآن بخُرَّاج في أربية ساقه.»

«لا يمكنكِ استخدام مسحوق الخبز، ينبغي لك استخدام صودا الخبز.»

لم تكن أولئك السيدات أكبر سنًّا بكثير من كاث وسونيه، لكنهن وصلن إلى مرحلة من الحياة كانت كاث وسونيه تخشيانها؛ فقد حوَّلن الشاطئ بالكامل إلى مسرح لحياتهن. تلك الأعباء، والأعداد الكبيرة من الأطفال، والزيادة في الوزن نتيجة الحمل والولادة، وسيطرتهن، كلها أشياء بإمكانها القضاء على متعة المياه المتلألئة، والخليج الصغير الرائع بما فيه من أشجار القطلب ذات الأفرع الحمراء، وأشجار الأرز التي تنمو متعرِّجة من بين الصخور العالية. ازداد شعور كاث بالتهديد الذي تمثِّله أولئك السيدات بوجه خاص؛ نظرًا لأنها صارت أمًّا الآن؛ فقد اعتادت عند إرضاع طفلتها قراءة كتاب ما، أو تدخين سيجارة في بعض الأحيان؛ كي لا تشعر بالانحدار الذي توحي به هذه الوظيفة الحيوانية. وكانت ترضعها بدافع تقليص حجم رحمها وتسطيح بطنها، وليس فقط لتزويد ابنتها — نويل — بالأجسام المضادة الثمينة التي يحتوي عليها لبن الأم.

اصطحبت كاث وسونيه إلى الشاطئ أوانيَ القهوة الخاصة بهما، والمناشف الإضافية التي لُفَّت فيها نويل لحمايتها، إلى جانب السجائر والكتب. كان مع سونيه كتاب لهوارد فاست؛ إذ كان زوجها قد أخبرها أنها إذا كانت ستقرأ الأدب الروائي، فهذا هو الكاتب الذي عليها أن تقرأ له. أما كاث، فكانت تقرأ قصصًا قصيرة لكاثرين مانسفيلد وديفيد هربرت لورانس. اعتادت سونيه وضع الكتاب الذي تقرؤه جانبًا، والتقاط أي كتاب من كتب كاث التي لا تقرؤها في ذلك الحين، وكانت تقصر قراءتها على قصة قصيرة واحدة فقط، ثم تعود إلى هوارد فاست.

وعند شعورهما بالجوع، كانت إحداهما تصعد إلى المنزل مسرعةً على درجات خشبية موجودة على مسافة من الشاطئ لتحضر الطعام؛ إذ كانت المنازل تحيط بهذا الخليج الصغير فوق الصخور التي تظللها أشجار الصنوبر والأرز. كانت جميعها أكواخًا صيفية في السابق يعود تاريخها إلى ما قبل تشييد جسر ليونز جيت، عندما كان الناس يجيئون من فانكوفر عبر المياه لقضاء إجازاتهم، وكان بعض الأكواخ — مثل كوخَي كاث وسونيه — لا يزال بدائيًّا إلى حدٍّ بعيد وزهيد الإيجار، بينما كان البعض الآخر — مثل كوخ مونيكا — أكثر تطورًا. لكن ما من أحد نوى البقاء في هذا المكان؛ إذ خطط الجميع للانتقال إلى منزل مناسب، فيما عدا سونيه وزوجها اللذين كانت خططهما أكثر غموضًا من خطط الآخرين.

لم يكن يربط بين هذه المنازل أعلى الخليج سوى طريق هلالي الشكل غير ممهد، وكان يتصل كلا طرفيه بطريق مارين درايف، وكان هذا الطريق — الذي اتخذ شكل نصف الدائرة — محاطًا بأعداد وفيرة من الأشجار الطويلة وشجيرات السرخس الصغيرة وشجيرات التوت، والعديد من المسارات المتقاطعة التي يمكن اجتيازها كطرق مختصرة للوصول إلى المتجر الموجود على طريق مارين درايف. وفي المتجر، اعتادت كاث وسونيه ابتياع البطاطس المقلية للغداء، وكانت كاث هي التي تقوم بهذه الجولة عادةً؛ لأنها كانت تستمتع بالسير تحت الأشجار، الأمر الذي لم يَعُد بإمكانها فعله مع اصطحابها عربة الطفلة.

عند مجيئها للعيش في هذا المكان للمرة الأولى قبل ولادة نويل، كانت تسير بين الأشجار كلَّ يومٍ تقريبًا دون أن تفكِّر في حريتها قط. وفي إحدى المرات، التقت بسونيه. كانت كلتاهما تعملان في مكتبة فانكوفر العامة قبل ذلك الحين بفترة، لكنهما لم تعملا في القسم نفسه، ولم تتحدثا معًا قط. وكانت كاث قد استقالت من العمل في الشهر السادس من الحمل وفق الإجراءات المتبعة في هذه الأحوال؛ خشية أن يزعج مظهرها العملاء، بينما استقالت سونيه بسبب فضيحة.

كانت فضيحة، أو على الأقل قصة تناقلتها الصحف وجاءت أحداثها على النحو التالي: ذهب زوج سونيه — واسمه كوتر وكان يعمل صحفيًّا في مجلة لم تسمع عنها كاث من قبل — في رحلة إلى الصين الشيوعية، فأشير إليه في المجلة بأنه كاتب يساري. وظهرت صورة سونيه بجوار صورته، بالإضافة إلى معلومات عن عملها في المكتبة. وكانت هناك مخاوف من احتمال استغلالها هذه الوظيفة للترويج للكتب الشيوعية والتأثير على الأطفال الذين يترددون على المكتبة، الأمر الذي يدفعهم ليصيروا شيوعيين. لم يَقُل أحد إنها فعلت ذلك، وإنما قيل فقط إن ثمة خطرًا من احتمال حدوث ذلك. لم تكن، أيضًا، زيارة أحدٍ من كندا للصين بالأمر المخالف للقانون، لكن اتضح بعد ذلك أن سونيه وكوتر أمريكيان، ما جعل سلوكهما أكثر إثارةً للقلق، وزاد من احتمالية وجود أهداف له.

قالت كاث لكِنت زوجها عندما رأت صورة سونيه في المجلة: «أعرف هذه الفتاة. على الأقل، أعرف أنني رأيتها من قبل. يبدو عليها دائمًا الخجل، وستشعر بالإحراج حيال هذا الأمر.»

قال كِنت: «كلا، لن تفعل؛ فهذا النوع من الناس يحب الشعور بالاضطهاد؛ فهذا ما يعيشون من أجله.»

نُقِل عن رئيسة أمناء المكتبة أنها قالت إن سونيه لا علاقة لها باختيار الكتب أو التأثير على رواد المكتبة من صغار السن؛ فهي تقضي معظم وقتها في كتابة القوائم على الآلة الكاتبة.

وفي إحدى المرات، بعد تعرُّف كاث على سونيه، وتحدثهما معًا، وقضائهما نحو نصف ساعة يتحدثان في الطريق، قالت لها سونيه أمرًا مضحكًا؛ فهي تجهل استخدام الآلة الكاتبة.

لم تُطرد سونيه من المكتبة، لكنها استقالت على أي حال؛ فقد رأت أن هذا هو التصرف الصائب؛ لأنها وكوتر كانا يترقبان بعض التغييرات في حياتهما مستقبلًا.

وتساءلت كاث عما إذا كان أحد هذه التغييرات هو انتظارهما طفلًا، فبدا لها أنه بعد الانتهاء من الدراسة تستمر الحياة كسلسلة من الاختبارات المتتابعة التي ينبغي للمرء اجتيازها، وأول هذه الاختبارات هو الزواج؛ فإذا بلغ المرء خمسة وعشرين عامًا ولم يتزوج، فقد فشل في هذا الاختبار بكافة المعايير (كانت كاث توقِّع دومًا باسم «السيدة كِنت مايبيري» مع شعورها بالارتياح وبعض الابتهاج)، وبعد ذلك، تأتي مرحلة التفكير في أول طفل. الانتظار مدة عام قبل الحمل فكرة جيدة، والانتظار عامين قرار صائب وإن لم يكن ضروريًّا، أما الانتظار ثلاثة أعوام، فسيجعل الناس يبدءون في التساؤل. وبعد ذلك، يكون التفكير في الطفل الثاني، ثم تسير أمور الحياة على نحو أكثر إبهامًا، ويصبح من الصعب على المرء، عندما يصل إلى أيٍّ من هذه المراحل، التيقن من أنها هي المراحل التي كان يسعى لبلوغها.

لم تكن سونيه من النوع الذي يُفصح لصديقاته عما تبذله من محاولات للحمل، ومنذ متى تحاول ذلك، وما الأساليب التي تتبعها في هذه المساعي. لم تتحدَّث قط عن الجنس على هذا النحو، أو عن دورتها الشهرية أو أي سلوك آخر لجسدها، مع أنها سرعان ما أخبرت كاث بأمور يعتبرها أغلب الناس أكثر إثارة للاشمئزاز. تمتعت سونيه، كذلك، بجسم رشيق جميل؛ فقد أرادت أن تكون راقصة باليه، لكنها صارت أطول مما ينبغي، ولم تتوقف عن الندم على ذلك حتى التقت بكوتر الذي قال لها: «يا إلهي! فتاة برجوازية أخرى تريد التحول إلى بجعة محتضرة.» كان وجهها عريضًا، هادئًا، ورديًّا. لم تضع قط أي مستحضرات تجميل، فقد كان كوتر ضدها. وكان شعرها أشقر كثيفًا ترفعه لأعلى بالدبابيس وتشبكه حول بعضه. كانت كاث تراها جميلة المحيا، ويجمع مظهرها بين الملائكية والذكاء.

بينما كانت كاث وسونيه تتناولان البطاطس المقلية على الشاطئ ذات مرة، تناقشتا حول شخصيات القصص التي تقرآنها. كيف لم تقع امرأة قط في حب ستانلي بِرنل؟ ما خطبه؟ كان كالصبي في حبه المندفع، ونهمه على المائدة، واعتداده بذاته. أما جوناثان تروت … فكم كان حريًّا بليندا، زوجة ستانلي، الزواج من جوناثان تروت الذي يعوم بخفة في الماء، في حين ينثر ستانلي الماء هنا وهناك من حوله ويُصدِر أصواتًا معبِّرة عن سخطه. يقول جوناثان: «مرحبًا يا فراشتي الملائكية» بصوته العميق الرقيق، ويتَّسم بشخصية ساخرة وبارعة وضجرة تتذكر دائمًا قِصر الحياة. أما ستانلي، فسريعًا ما ينهار عالمه الهش ليكشف عن شعوره بالخزي.

انزعجت كاث من شيء ما لم تستطع التصريح به أو التفكير فيه. هل ثمة تشابه بين كِنت وستانلي؟

في أحد الأيام نشب خلاف مزعج وغير متوقع بين كاث وسونيه بشأن قصة لديفيد هربرت لورانس بعنوان «الثعلب».

في نهاية هذه القصة، جلس الحبيبان (جندي وامرأة تُدعَى مارش) على جرفٍ مطلٍّ على المحيط الأطلنطي يتطلعان لمنزلهما المستقبلي في كندا. كانا سيتركان إنجلترا لبدء حياة جديدة في مكان آخر. كانا ملتزمَيْن بعلاقتهما، لكنهما لم ينعما بسعادة حقيقية … أو بالأحرى لم يحدث ذلك بعد.

عرف الجندي أنهما لن ينعما بهذه السعادة إلا عندما تُسلِّم له المرأة حياتها على نحو لم تفعله بعد. كانت مارش لا تزال تقاومه، وتتمسك باستقلالها عنه، فتجعل علاقتهما بائسة على نحو مبهم من خلال ما تبذله من جهد للتمسك بروح وعقلية المرأة بداخلها. لا بد أن تتوقف مارش عن ذلك، لا بد أن تتوقف عن التفكير وتتوقف عن الرغبة وتدع وعيها ينغمر في وعيه، مثلما يتحرك القصب تحت سطح الماء. فيدعو الجندي حبيبته للنظر إلى أسفل لرؤية القصب الذي يتحرك تحت سطح الماء، فهو حي، لكنه لا يبرز أبدًا على السطح. هكذا ينبغي أن تعيش طبيعتها الأنثوية داخل طبيعته الذكورية؛ عندئذٍ، ستشعر هي بالسعادة، ويشعر هو بالقوة والرضا؛ ومن ثم، سينعمان بزواج حقيقي.

قالت كاث إنها تعتبر هذا غباءً.

وبدأت في توضيح وجهة نظرها: «إنه يتحدَّث عن الجنس، أليس كذلك؟»

فأجابت سونيه: «ليس ذلك فحسب، وإنما عن حياتهما بالكامل.»

«نعم، لكنه يعني الجنس. والجنس سيجعلها تحمل؛ أعني إن اتخذت الأمور مسارها المعتاد؛ وبذلك، ستصبح مارش أمًّا، وربما ستنجب أكثر من طفل، وسينبغي لها رعايتهم. كيف يمكنكِ فعل ذلك وعقلك منغمر تحت سطح الماء؟»

فقالت سونيه بلهجة متعالية بعض الشيء: «هذا تفسير حرفي للغاية.»

فردَّت كاث: «أمامك خيار من اثنين؛ إما أن يكون لك أفكارك الخاصة وتتخذي قرارات بنفسك، أو لا. على سبيل المثال، إذا التقط الطفل الرضيع شفرة حلاقة، فماذا ستفعلين؟ هل ستقولين لنفسك إن عليكِ الانغمار تحت السطح حتى يصل زوجكِ إلى المنزل ويتخذ القرار — أو بالأحرى قراركما — بشأن ما يحدث؟»

قالت سونيه: «إنكِ تبالغين.»

احتدَّت لهجتهما، وصارت كاث منفعلة ومتهكمة، وسونيه جادة وعنيدة.

قالت كاث: «لم يرغب لورانس في الإنجاب، وإنما شعر بالغيرة من أطفال فريدا الذين أنجبتهم من زواجها السابق.»

نظرت سونيه ما بين ركبتيها، وسمحت للرمال بأن تنسل بين أصابعها.

وقالت لكاث: «أعتقد أن الإنجاب أمر جميل، إذا كان باستطاعة المرأة فعله.»

تعرف كاث أن ثمة خطأً في جدالها. لماذا شعرت بهذا الغضب والانفعال الشديدَيْن؟ لماذا تحوَّلت للحديث عن الرضع والأطفال؟ هل لأن لديها طفلةً، وسونيه ليس لديها أطفال؟ هل ما قالته عن لورانس وفريدا كان بسبب اعتقادها أن قصتهما تشبه قصة حياة كوتر وسونيه؟

عندما يتناقش المرء عن الأطفال، وضرورة عناية المرأة بأطفالها، يكون حديثه واضحًا ولا يمكن لأحد لومه، لكن عندما فعلت كاث ذلك، كانت تحاول إخفاء شيء ما؛ فلم تستطع تحمُّل ذلك الجزء من القصة الذي يتحدث عن القصب والماء، وشعرت أنها تختنق باحتجاجات عديدة غير متسقة. لقد كانت تفكر في نفسها، وليس في أي أطفال. إنها المرأة التي ينتقدها لورانس، ولا يمكنها التصريح بذلك بوضوح؛ لأن ذلك قد يجعل سونيه تشك — بل يجعل كاث نفسها تشك — في افتقار كاث لشيء ما في حياتها، لا سيما أن سونيه قد قالت من قبل أثناء محادثة أخرى مزعجة: «سعادتي تعتمد على كوتر.»

«سعادتي تعتمد على كوتر.»

صدم هذا التصريح كاث؛ فما كانت لتقول ذلك عن كِنت أبدًا. لم تُرِد أن ينطبق ذلك عليها.

لكنها لم تُرِد أن تعتقد سونيه أنها امرأة فشلت في حبها؛ امرأة لم تتعرض لكمد الحب، أو لم يُعرَض عليها.

٢

تذكَّر كِنت اسم المدينة التي تقع في أوريجون وانتقل إليها كوتر وسونيه، أو بالأحرى التي انتقلت إليها سونيه في نهاية فصل الصيف. كانت قد ذهبت إلى هذه المدينة لرعاية والدة كوتر عندما رحل كوتر إلى الشرق الأقصى في جولة صحفية أخرى. كانت هناك مشكلة حقيقية أو متخيَّلة بشأن عودة كوتر إلى الولايات المتحدة بعد رحلته إلى الصين. وعندما عاد في المرة التالية، خطَّط مع سونيه للالتقاء في كندا، وربما نقل والدته أيضًا إلى هناك.

لكن من المستبعد أن تكون سونيه مقيمة في المدينة الآن، وإن كان ثمة احتمال ضئيل في إقامة الأم هناك؛ لذا، قال كِنت لديبورا إنه ما من فائدة من التوقف للتحقق من ذلك، لكن ديبورا رأت أنه يجدر بهما التوقف. واستفسرا من مكتب البريد عن الاتجاهات التي سيسلكانها.

خرج كِنت وديبورا بسيارتهما من المدينة عبر الكثبان الرملية، وتولَّت ديبورا القيادة، مثلما فعلت أغلب الوقت أثناء هذه الرحلة الطويلة بطيئة الإيقاع؛ فقد زارا نويل، ابنة كِنت التي كانت تعيش في تورونتو، وابنيه من زوجته الثانية بات — كان أحدهما يعيش في مونتريال والآخر في ماريلاند — وأقاما مع بعض أصدقاء كِنت وبات القدامى الذين يعيشون الآن في مجمع سكني محاط ببوابات في أريزونا، ومع والدَي ديبورا — اللذين كانا قريبين في السن من كِنت — في سانتا باربارا. أما الآن، فهما متوجهان إلى الساحل الغربي حيث تقع فانكوفر، لكن بتمهُّل كي لا ترهق الرحلة كِنت.

غطت الحشائش الكثبان الرملية؛ فبدت كالتلال العادية، عدا المناطق التي برزت منها أجزاء رملية ليبدو المنظر الطبيعي ثريًّا وأشبه بالبنى الضخمة التي يشيدها الأطفال بالرمال.

وقع في نهاية الطريق المنزل الذي أُرشدا إلى البحث عنه. ما كان يمكن أن يختلط عليهما الأمر؛ فكانت هناك لافتة تحمل عبارة «مدرسة باسيفيك للرقص»، واسم سونيه، وتحته لافتة أخرى تحمل عبارة «للبيع». كانت هناك امرأة عجوز تجزُّ الشجيرات في الحديقة باستخدام مقص جَزٍّ حملته في يديها.

إذن، لا تزال والدة كوتر على قيد الحياة، لكن كِنت تذكَّر بعد ذلك أن والدة كوتر ضريرة؛ ولهذا، كان من الواجب أن ينتقل أحدٌ للعيش معها بعد وفاة والد كوتر.

ماذا كانت تفعل إذن بمقص الجزِّ إذا كانت ضريرة؟

وقع كِنت في الخطأ نفسه الذي اعتاد الوقوع فيه، وهو عدم إدراك عدد السنوات — أو بالأحرى العقود — التي مرَّت عليه، وعدم إدراك مدى كبر والدة كوتر إن كانت على قيد الحياة إلى الآن، ومدى كبر سونيه، بل وكبره هو نفسه. كانت المرأة التي تجزُّ الشجيرات هي سونيه، وفي البداية لم تتعرَّف عليه هي الأخرى. انحنت أمامه لغرز المقص في الأرض، ومسحت يديها في البنطلون الجينز الذي كانت ترتديه. شعر بتيبس حركاتها في مفاصل جسمه. كان شعرها أبيض وخفيفًا يتطاير مع نسيم المحيط الذي وصل إلى المكان عبر الكثبان. ذهب بعض اللحم الذي كان يكسو عظامها في السابق. لقد كانت سونيه دومًا صغيرة النهدين، لكنها لم تكن نحيلة الخصر. كانت أشبه بأبناء الشمال بما اتسمت به من وجه وظهر عريضَيْن، لكن اسمها لم يرجع إلى هذه الأصول. تذكَّر كِنت القصة وراء تسميتها سونيه؛ كان حبُّ والدتها لأفلام سونيا هيني. لكن الفتاة غيَّرت نطق اسمها بنفسها ليصير سونيه، وسخرت من تفاهة والدتها. اعتاد الشباب جميعًا في هذا الجيل السخرية من آبائهم لسبب ما.

لم يستطع كِنت رؤية وجهها جيدًا في أشعة الشمس الساطعة، لكنه رأى بعض البقع البيضاء الفضية اللامعة حيث أصيبت على الأرجح بسرطان في الجلد، وتم استئصاله.

قالت سونيه: «كِنت! يا لسخرية القدر! اعتقدتُك شخصًا جاء لشراء منزلي. هل هذه نويل؟»

وقعت سونيه في الخطأ بدورها.

كانت ديبورا في الواقع أصغر من نويل بعام واحد، لكن ما من شيء فيها أوحى بأنها تلعب دور الزوجة المدللة صغيرة السن. كان كِنت قد التقى بها بعد العملية الأولى التي خضع لها. كانت أخصائية علاج طبيعي لم يسبق لها الزواج، وكان هو أرمل. رآها امرأة هادئة رصينة، لا تهتم بالموضة وتحتقر التهكم — كان شعرها مضفرًا في جديلة مرسلة للخلف على ظهرها. عرَّفت كِنت على اليوجا، بالإضافة إلى التمرينات الموصوفة له طبيًّا، وأقنعته الآن بتناول الفيتامينات والجنسنج أيضًا. كانت كَيِّسة وغير فضولية لدرجة تكاد تصل إلى حدِّ اللامبالاة. لعل امرأة من جيلها رأت أنه أمر مسلم به أن الجميع لديهم ماضٍ غير قابل للتفسير وزاخر بالشخصيات المختلفة.

دعتهما سونيه إلى المنزل، فقالت ديبورا إنها ستتركهما معًا، وإنها ترغب في البحث عن أحد متاجر الأطعمة الصحية (أخبرتها سونيه بمكان أحدها)، والتنزه على الشاطئ.

أول شيء لاحظه كِنت في المنزل أنه بارد، بالرغم من أن اليوم كان صيفيًّا والشمس مشرقة. لكن المنازل في الساحل الشمالي الغربي المطل على المحيط الهادئ نادرًا ما تكون دافئة مثلما تبدو. فما إن يبتعد المرء عن الشمس حتى يشعر على الفور بالرطوبة. ولا ريب أن الضباب وصقيع الشتاء الممطر قد دخلا هذا المنزل فترة طويلة من الزمن دون أدنى مقاومة من أصحابه. كان منزلًا خشبيًّا كبيرًا من طابق واحد، متداعيًا لكنه لم يخلُ من مباهج الزينة؛ فقد احتوى على شرفة ونوافذ ناتئة من السقف. كان هناك الكثير من المنازل المشابهة لهذا المنزل في غرب فانكوفر حيث لا يزال كِنت يعيش، لكن معظمها بِيع كمبانٍ متهدمة.

خلت الغرفتان الأماميتان الكبيرتان اللتان لم يفصل بينهما باب من أيِّ أثاث، فيما عدا بيانو منتصبًا في مكانه. تحوَّلت الأرضية إلى اللون الرمادي في المنتصف لكثرة احتكاك الأحذية بها، بينما كانت الأركان مكسوة بمشمع داكن. امتد درابزين بطول أحد الجدران، وفي المقابل كانت هناك مرآة يكسوها التراب رأى فيها كِنت انعكاس مرور شخصين نحيلين أشيبين يسيران معًا. قالت سونيه إنها تحاول بيع المكان — الأمر الذي كان بإمكان كِنت ملاحظته من اللافتة — وبما أن هذا المكان كان مخصصًا لتدريبات الرقص، فقد فكرت أنه من الأفضل تركه على هذا الحال.

أضافت سونيه: «ربما يستطيع أحد تحويله إلى مكان جميل.» روت لكِنت أنها قد افتتحت المدرسة في عام ١٩٦٠، تقريبًا بعد وصول الأنباء بوفاة كوتر بفترة قصيرة. كانت ديليا، والدة كوتر، عازفة بيانو. وظلت تعزف حتى قاربت التسعين عامًا، وفقدت تركيزها (قالت سونيه: «معذرةً، فالمرء يفقد اهتمامه بما حوله مع التقدم في السن»)؛ ولذا لزم على سونيه إيداعها في إحدى دور المسنين حيث تذهب إليها كل يوم لإطعامها، مع أن ديليا لم تَعُد تتعرف عليها. حاولت سونيه الاستعانة بآخرين للعزف على البيانو، لكنها لم تنجح. هذا فضلًا عن أنها وصلت إلى مرحلة لم تَعُد تشرح للطلاب فيها الخطوات عمليًّا، وإنما تخبرهم بها شفهيًّا فقط. ومن ثم، رأت أنه قد حان الوقت للتقاعد عن هذا العمل.

اتَّسمت دومًا سونيه بالرزانة وعدم الإفراط في الحديث. وفي الواقع، لم تكن ودودة إلى حدٍّ بعيد، أو هكذا ظن كِنت. لكنها الآن لا تكفُّ عن الثرثرة سريعًا شأنها شأن كل مَن يعانون الوحدة طويلًا.

«سارت الأمور على ما يرام عند بدء العمل في المدرسة؛ فقد كانت كل الفتيات الصغيرات متحمسات وقتها للباليه، ثم اختفى كل ذلك فيما بعد؛ فالباليه فن منهجي للغاية كما تعلم. لكنه لم يختفِ بشكل كامل، ثم في الثمانينيات انتقلت عائلات شابة إلى هنا. كانوا أثرياء على ما يبدو. مِن أين أتوا بكل هذه الأموال؟ وكان من الممكن تحقيق النجاح مجددًا، لكنني لم أستطِع إدارة الأمور جيدًا.»

أوضحت السبب بأنها ربما فقدت الحماس للمدرسة، أو لم تَعُد هناك حاجة إليها بعد وفاة حماتها.

قالت: «لقد كنا دائمًا صديقتين حميمتين.»

بدا المطبخ كحجرة ضخمة أخرى لم تملأها الخزانات والأدوات المنزلية على نحو ملائم. كانت الأرضية تكتسي ببلاط رمادي وأسود؛ أو لعله أبيض وأسود، وتحوَّل لون البلاط الأبيض إلى الرمادي نتيجة لمياه التنظيف المتسخة. اجتازا معًا رواقًا تصطفُّ على جانبيه أرفف تصل في ارتفاعها إلى السقف مكدَّسةً بالكتب، والمجلات الممزقة، وربما الصحف أيضًا. فاحت من المكان رائحة ورق عتيق للغاية، وكسا الأرضية في هذا الرواق حصير من ألياف السيزال. ومن الرواق دخلا شرفة جانبية حيث تمكَّنا أخيرًا من الجلوس. اشتمل المكان على أريكة وكراسي من الخيزران الأصلي التي كانت ستساوي مبلغًا من المال، لو لم تكن متداعية. كانت هناك أيضًا ستائر من الخيزران — ليست في أفضل حالاتها — مرفوعة لأعلى أو منسدلة حتى المنتصف، وفي الخارج ضغطت على النوافذ شجيرات لزم جزُّها. لم يعرف كِنت الكثير من أسماء النباتات، لكنه عرف أن هذه الشجيرات من النوع الذي ينمو في التربة الرملية. اتسمت هذه الشجيرات بأوراقها القوية اللامعة؛ إذ بدت وكأنها نُقِعت في الزيت.

وعند مرورهما بالمطبخ، لاحظ أن سونيه قد وضعت غلاية على النار لإعداد الشاي. ألقت سونيه بجسمها الآن على أحد الكراسي، كما لو كانت سعيدة هي الأخرى بالجلوس أخيرًا. رفعت يديها المتسختين ذات المفاصل الإصبعية الكبيرة.

وقالت: «سأنظفهما سريعًا. لم أسألكَ إن كنتَ ترغب في احتساء الشاي. يمكنني إعداد القهوة أيضًا. أو لا هذا ولا ذاك؛ ما رأيك في بعض الجِن المخلوط بماء التونك لكلينا؟ ما المانع في ذلك؟ تبدو لي فكرة جيدة.»

رنَّ جرس الهاتف؛ وكان جرسًا قديمًا عاليًا مزعجًا، بدا وكأنه صادر من الردهة بالخارج، لكن سونيه عادت مسرعة إلى المطبخ للرد عليه.

تحدَّثتْ بعض الوقت، ثم توقَّفت لإنزال الغلاية عن النار عندما أصدرت صوت صفير. سمعها كِنت تقول: «لديَّ زائر الآن»، وتمنى ألا تكون قد أجَّلت موعدًا مع شخص يرغب في معاينة المنزل. لهجتها العصبية الجريئة جعلته يعتقد أن هذه لم تكن مكالمة ودية، فربما تتعلق بأمور مالية؛ ولذا لم يحاول سماع المزيد.

ذكَّرته الكتب والصحف المتكدسة في رواق الردهة بالمنزل الذي عاشت فيه سونيه مع كوتر أعلى الشاطئ. في الواقع، الإحساس العام بعدم الراحة والإهمال ذكَّره بذلك المنزل، وبغرفة المعيشة فيه التي كانت تدفئها مدفأة حجرية منتصبة في أحد الجوانب. وبالرغم من اشتعال النيران في تلك المدفأة — في المرة الوحيدة التي ذهب فيها إلى هناك — تناثر الرماد القديم منها، بالإضافة إلى قطع من قشر البرتقال المحروق وبعض القمامة. امتلأ المكان بالكتب والكتيبات التي تناثرت هنا وهناك. وبدلًا من الأريكة، كان هناك سرير خفيف نقَّال؛ وكان على الزائر الجلوس وقدماه متلامستان مع الأرض — مع عدم إسناد ظهره — أو الرجوع إلى الخلف والاستناد إلى الحائط مع رفع قدميه عن الأرض وتشبيكهما أسفله. هكذا جلست كاث وسونيه في تلك المرة؛ ولم تشاركا على الإطلاق في الحديث الدائر. جلس كِنت على مقعد بعد أن أزاح عنه كتابًا ذا غلاف باهت اللون يحمل عنوان «الحرب الأهلية في فرنسا». تساءل كِنت: هل هذا هو ما يطلقون عليه الآن الثورة الفرنسية؟ ثم وقعت عيناه على اسم المؤلف؛ كارل ماركس. وحتى قبل أن يرى الاسم، شعر بالعدائية والإرهاب الفكري يغشيان الغرفة. كان شعورًا مماثلًا لما ينتاب المرء في غرفة مليئة بآيات من الإنجيل، وصور للمسيح على ظهر أحد الحمير، أو سائرًا عند بحر الجليل؛ الشعور بالإرهاب الفكري ذاته. لم يدفعه إلى هذا الشعور الكتب والصحف فحسب، وإنما الفوضى التي رآها عند المدفأة، والبساط الذي انمحى الرسم من عليه، والستائر خيشية النسيج. كان ثمة خطأ في قميص كِنت وربطة عنقه. شكَّ في ذلك من النظرة التي رمقتهما بها كاث، لكن بما أنه ارتداهما بالفعل، فما كان ليغيِّرهما على أي حال. أما كاث، فكانت ترتدي واحدًا من قمصانه القديمة وسروالًا من الجينز تغلقه فوق السحاب بمجموعة من دبابيس المشبك بدلًا من الزر. رأى كِنت أن ملابس زوجته لا تليق بالذهاب إلى دعوة على العشاء، لكنه استنتج أن هذه الملابس هي الوحيدة التي كان بوسعها ارتداؤها.

كان ذلك قبل ولادة نويل مباشرة.

أعدَّ كوتر وجبة العشاء؛ كانت وجبة رائعة من الكاري، وشرب الجميع الجعة. كان كوتر في الثلاثينيات من عمره؛ أي أكبر من سونيه وكاث وكِنت. كان طويل القامة، ضيق الكتفين، بارز الجبين، أصلع الجبهة، وذا سوالف نحيلة وشعثاء، كذلك كان يتحدث بنبرة واثقة سريعة وهادئة.

حضر العشاء أيضًا زوجان أكبر سنًّا؛ امرأة بثديين متدليين وشعر أقرب للشيب مرفوع لأعلى من الخلف، ورجل قصير منتصب القامة غير مهندم الثياب، وإن كانت به لمحة من الرقي في أسلوبه، وصوته الحاد، وحديثه الدقيق، واعتياده تشبيك أصابعه على هيئة مربع منتظم. كان هناك أيضًا شاب أصهب بعينين دامعتين منتفختين، وبشرة مبقعة. كان طالبًا غير متفرغ يعول نفسه بالعمل سائقًا لشاحنة تلقي بالصحف للصبية الذين يعملون على توصيلها بعد ذلك. كان من الواضح أنه قد بدأ لتوه هذه الوظيفة، وأخذ الرجل الأكبر سنًّا — الذي كان على معرفة به — يضايقه بتذكيره بخزي توصيل مثل هذه الصحيفة؛ تلك الأداة المستخدمة من الطبقات الرأسمالية، والناطقة باسم عِلية القوم.

وبالرغم من أن ذلك قد قيل على سبيل المزاح إلى حدٍّ ما، فإن كِنت لم يستطع منع نفسه من التعليق، ورأى أن باستطاعته الإدلاء بدلوه ومقاطعتهما مثلما سيفعل فيما بعد أيضًا. فقال إنه لا يجد عيبًا في تلك الصحيفة.

كان الحضور يتوقعون منه مثل هذا القول. كان الرجل الأكبر سنًّا قد عرف قبل ذاك أن كِنت يعمل صيدلانيًّا في إحدى سلاسل الصيدليات. وسأل الشاب كِنت على نحو يوحي بأن الآخرين سيعتبرون ذلك مزحة: «هل تعمل في الإدارة؟» لكن كِنت لم يعتبرها كذلك، وقال إنه تمنَّى أن يعمل في الإدارة.

قُدِّم الكاري، وتناول الجميع الطعام، وشربوا المزيد من الجعة، وزوِّدت النار بالحطب، وأظلمت السماء الربيعية، وتلألأت أضواء حي بوينت جراي على الجانب الآخر من خليج بورارد. وأخذ كِنت على عاتقه مسئولية الدفاع عن الرأسمالية، والحرب الكورية، والأسلحة النووية، وجون فوستر دالاس، وإعدام جوليوس وإيثيل روزينبيرج، وأي شيء آخر وجَّهه الآخرون إليه. هزأ من فكرة إقناع الشركات الأمريكية للأمهات الأفريقيات بشراء اللبن الصناعي وعدم إرضاع أطفالهن طبيعيًّا، ووحشية شرطة الخيَّالة الكندية الملكية مع الهنود، وفوق كل ذلك هزأ من احتمالية أن يكون هاتف كوتر مراقبًا. اقتبس حديثه من صحيفة «تايم»، ولم يخفِ عليهم هذه الحقيقة، بل صرح بها أمامهم.

أخذ الشاب الجالس بينهم يضرب ركبتيه بيديه، ويهز رأسه من جانب إلى آخر، واصطنع ضحكة متشككة.

«لا أصدق هذا الرجل. هل تصدِّقونه؟ لا أستطيع تصديقه.»

عمل كوتر على تحريك النقاش، وحاول كبح جماح أي غضب؛ فكان يرى نفسه رجلًا عقلانيًّا. أما الرجل الأكبر سنًّا، فقد غيَّر دفة المناقشة إلى موضوعات أكاديمية، والمرأة ذات الثديين المتدليين قاطعت الحديث بين الحين والآخر بنبرة مهذَّبة خبيثة.

«لماذا تُسرِع على هذا النحو للدفاع عن السلطة كلما أطلَّت برأسها اللطيف على حديثنا؟»

لم يعرف كِنت الإجابة عن هذا السؤال. لم يعرف ما كان يدفعه لفعل ذلك. لم يكن حتى يأخذ هؤلاء الأشخاص على محمل الجد كأعداء له؛ فقد كانوا يعيشون على هامش الحياة الواقعية، يلقون بالخطب على الآخرين بعنف ظنًّا منهم أنهم ذوو أهمية، شأنهم شأن أي متعصبين آخرين. افتقروا إلى الصلابة، مقارنةً بالأشخاص الذين عمل معهم كِنت؛ ففي عمله، كان للأخطاء أهمية، والمسئولية أمر دائم، وما كان هناك وقت للتفكير فيما إذا كانت سلاسل الصيدليات فكرة سيئة أو في التشكيك في شركات الأدوية. كان ذلك هو العالم الواقعي الذي كان كِنت يخوضه كل يوم حاملًا على عاتقه عبء المستقبل وعبء كاث. لقد قَبِل ذلك، بل وكان فخورًا به أيضًا، وما كان ليعتذر عنه أمام غرفة مليئة بالمتذمرين.

قال لهم: «إن الحياة تتحسَّن بالرغم مما تقولونه. ليس عليكم سوى النظر حولكم لتروا ذلك.»

لم يختلف رأيه الآن عن رأيه آنذاك عندما كان شابًّا. رأى أنه ربما كان طائشًا، لكنه لم يكن مخطئًا. وتساءل عن نتيجة كل هذا الغضب الذي ملأ تلك الغرفة، وكل تلك الطاقة الجارحة.

انتهت سونيه من التحدث عبر الهاتف، ودعته للانتقال إلى المطبخ. قالت له: «سوف ألغي الشاي بكل تأكيد، وأُعِدُّ لنا بعضًا من الجِن المخلوط بماء التونيك.»

عندما أحضرت الشراب، سألها كم مرَّ من الوقت على وفاة كوتر؟ وأجابته بأنه قد مرَّ ما يزيد عن ثلاثين عامًا؛ فالتقط نفسًا عميقًا، وهز رأسه. هل مضى حقًّا كل هذا الوقت؟

قالت سونيه: «لقد مات سريعًا للغاية بسبب بعوضة استوائية. حدث ذلك في جاكارتا، ودُفِن قبل حتى أن أعلم بمرضه. هل تعلم أن جاكارتا كانت تُدعَى في الماضي باتافيا؟»

فأجابها كِنت: «ربما أكون قد سمعت هذا من قبل.»

قالت له: «إنني أتذكَّر منزلك. كانت غرفة المعيشة أشبه بالشرفة؛ شغلت الواجهة الأمامية بالكامل، كما كان الحال في منزلنا. كانت هناك ستائر مصنوعة من قماش الظلة، وكانت لها أشرطة خضراء وبنية اللون. أحبَّت كاث مرور الضوء عبر هذه الأشرطة، وكانت تقول إنه أشبه بضوء الغابات. أما أنت، فكنت تطلق على المنزل اسم «الكوخ العظيم». في كل مرة تذكره فيها تصفه بهذه الصفة.»

قال كِنت: «كان مشيدًا على أعمدة مثبتة في الأسمنت، وكانت قد أوشكت على البلى حينها. من العجيب أنه لم ينهَرْ.»

قالت سونيه: «اعتدتَ أنت وكاث الذهاب لمعاينة المنازل؛ ففي يوم عطلتك، تذهبان إلى تقسيمات الأراضي المخصصة للبناء، مصطحبين نويل معكما في عربة الأطفال. كنتما تعاينان كل المنازل الجديدة. تعلم كيف كان حال هذه المناطق آنذاك بكل تأكيد؛ لم تكن هناك أي أرصفة للمشاة؛ لأنه من المفترض في تلك الأيام أن الناس لم يعودوا يسيرون على أقدامهم. هذا فضلًا عن قطع كل الأشجار، والتصاق المنازل بعضها ببعض كما لو كان كلٌّ منها يحدق في الآخر عبر النوافذ الضخمة التي تُظهر ما بداخلها.»

فسألها كِنت: «هل كان من الممكن لشخص في مستهل حياته أن يتحمَّل تكلفة شيء غير هذا؟»

«أعلم، أعلم. لكنك كنتَ تسأل كاث: «أيها تفضلين؟» ولم تكن كاث تجيب مطلقًا. وفي النهاية، كنتَ تغضب وتسألها أي المنازل تفضل في أي مكان، فتجيب: «الكوخ العظيم».»

لم يتذكر كِنت ذلك، لكنه افترض حدوثه بالفعل؛ فقد كان ذلك — على أي حال — ما حكته كاث لسونيه.

٣

أقام كوتر وسونيه حفل وداع قبل أن يغادر كوتر إلى الفلبين أو إندونيسيا أو أيًّا ما كان المكان الذي كان متوجهًا إليه. وكانت سونيه ذاهبة أيضًا إلى أوريجون للبقاء مع والدة كوتر. دُعي إلى الحفل كلُّ مَن كانوا يعيشون على الشاطئ؛ كان ذلك هو التصرف الوحيد المعقول، بما أن الحفل كان سيُقام خارج المنزل. دُعي، كذلك، بعض الأشخاص الذين عاش معهم كوتر وسونيه في أحد المنازل الشيوعية في السابق — قبل انتقالهم إلى الشاطئ — بالإضافة إلى صحفيين كان كوتر على معرفة بهم، وأشخاص عملت معهم سونيه في المكتبة.

قالت كاث: «الجميع مدعوون.» فسألها كِنت بابتهاج: «مزيد من مناصري اليسار؟» فأجابته بأنها لا تعرف؛ كل ما تعرفه أن الجميع مدعوون.

استأجرت مونيكا جليسة الأطفال التي اعتادت الاستعانة بها، ورتبت إحضار جميع الأطفال إلى منزلها على أن يتشارك الآباء في التكلفة. أحضرت كاث نويل إلى منزل مونيكا في عربة الأطفال الخاصة بها مع بدء حلول الليل. أخبرت جليسة الأطفال بأنها ستعود لاصطحاب نويل قبل انتصاف الليل، وهو الوقت الذي ستستيقظ فيه نويل على الأرجح للحصول على رضعتها. كان بإمكانها إحضار زجاجة اللبن الإضافية التي أعدَّتها في المنزل، لكنها لم تفعل، فلم تكن موقنة مما سيكون عليه حال الحفل، ورأت أنها قد تفضِّل اغتنام أي فرصة للمغادرة.

لم تكن كاث قد تحدَّثت مع سونيه عن العشاء الذي أُقيم في منزل سونيه وتعارك فيه كِنت مع جميع الحضور. كانت تلك هي المرة الأولى التي تلتقي فيها سونيه بكِنت، وكل ما قالته فيما بعد إنه وسيم للغاية. فشعرت كاث بأن الوسامة بديلُ ترضيةٍ تافه.

جلست ذلك المساء — أثناء العشاء في منزل سونيه — ظهرها إلى الحائط، محتضنة وسادة على بطنها؛ فقد كانت معتادة على احتضان وسادة حيث اعتاد الجنين ركل بطنها. كانت الوسادة باهتة اللون مغطاة بالأتربة، شأنها شأن كل شيء آخر في منزل سونيه (الذي استأجرته هي وكوتر مؤثثًا). كان مرسومًا عليها أوراق أشجار، وأزهار زرقاء تحوَّل لونها إلى الفضي. ثبَّتت كاث عينيها على هذه الرسوم، بينما كان الحضور يثيرون حفيظة كِنت — لكنه لم يدرك حتى ذلك. تحدَّث الشاب معه بغضب مفتعل كغضب ابنٍ يتحدث مع والده، في حين تحدث كوتر بصبر نافد كأستاذ مع طالب لديه. أما الرجل العجوز، فقد كان مستمتعًا بشدة، بينما فاض شعور المرأة بالاشمئزاز منه أخلاقيًّا، كما لو كانت تُحمِّل كِنت شخصيًّا مسئولية قنبلة هيروشيما، وحرق الفتيات الآسيويات أحياءً في المصانع المغلقة، وكل الأكاذيب الكريهة والنفاق المتبجِّح. لكنَّ كِنت كان هو من يجلب كل ذلك على نفسه، كما رأت كاث. لقد خشيت من حدوث ذلك عندما رأت القميص وربطة العنق اللذين ارتداهما كِنت، وقررت هي ارتداء الجينز بدلًا من تنورة الحمل الأنيقة الخاصة بها. لكن بوصولها إلى هناك لم يكن من مفر ولزم تحمل العواقب. وما كان منها سوى الضغط بالوسادة على هذا النحو أو ذاك والنظر إلى البريق الفضي لرسوماتها.

كان الجميع في الغرفة على يقين حاسم وثقة شديدة بكل شيء يفعلونه. حتى عندما توقفوا لحظات لالتقاط أنفاسهم، كان ذلك لاجتذاب قدر هائل من القوة الخالصة واليقين الصرف.

الوحيدة التي لم تشاركهم هذا كانت سونيه؛ فلم تنطق ببنت شفة، لكنها اعتمدت على كوتر؛ كان هو يقينها. نهضت من جلستها لتقديم المزيد من الكاري، وتحدَّثت مرة واحدة أثناء إحدى فترات الصمت الغاضبة القصيرة.

«يبدو أنه لا أحد يرغب في جوز الهند.»

فقالت السيدة الأكبر سنًّا: «يا إلهي! هل ستلعبين الآن يا سونيه دور المضيفة اللبقة، مثل إحدى شخصيات فيرجينيا وولف؟»

لذا، يبدو أن ثمة اعتراضًا على فيرجينيا وولف أيضًا. كانت هناك أمور كثيرة لم تفهمها كاث، لكنها على الأقل عرفت أن هذه الأشياء موجودة؛ مع أنها لم تكن مستعدة للتصريح بأنها هراء.

بيد أنها — مع ذلك — تمنَّت لو يأتيها المخاض في ذلك الوقت؛ فإذا ما اندفعت الآن وأغرقت الأرضية أمام الجميع بماء الولادة، فلعلهم يتوقفون عن العراك.

بعد انتهاء الأمسية، لم يَبدُ على كِنت الانزعاج بشأن ما حدث؛ وكان من أسباب ذلك اعتقاده بأنه قد انتصر عليهم؛ إذ قال لكاث: «جميعهم مناصرون لليسار، ولا بد أن يكون ذلك هو أسلوبهم في الحديث؛ فهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنهم فعله.»

تمنَّت كاث من كل قلبها عدم التحدث عن السياسة مجددًا، فغيَّرت الموضوع. قالت له إن الزوجين الأكبر سنًّا عاشا مع سونيه وكوتر في المنزل الشيوعي، وإنه كان هناك زوجان آخران معهما لكنهما كانا قد غادرا المنزل في ذلك الوقت. وكان هناك تبادل منظم بين الأفراد في المعاشرة الجنسية؛ وذات مرة، اتخذ الرجل العجوز عشيقة من خارج المنزل، بينما خضعت زوجه لهذا التبادل أيضًا.

فسألها كِنت: «أتعنين أن هناك من الشباب من يرضى بمعاشرة تلك المرأة العجوز؟ إنها في الخمسين من عمرها!»

فأجابته كاث: «كوتر يبلغ ثمانية وثلاثين عامًا.»

قال كِنت: «وليكن. هذا مثير للاشمئزاز.»

وبالمثل أيضًا، وجدت كاث هذه الفكرة المتعلقة بالمعاشرة الجنسية المشروطة والإلزامية أمرًا مثيرًا ومقززًا في الوقت نفسه؛ ففكرة أن تمنح نفسك، طواعية ودون أن يقع عليك أي لوم، لأي شخص يحين دوره في القائمة أشبه بالدعارة المقدسة؛ حيث تمثل الشهوة الجنسية واجبك. ومنحها التفكير في هذا الأمر شعورًا بالإثارة البذيئة الفاحشة.

لكنه لم يُثِر سونيه؛ فهي لم تخُضْ تجربة الإشباع الجنسي. سألها كوتر إن كانت قد شعرت به عندما عادت إليه، لكنها أجابته بالنفي. فشعر بالإحباط، وشعرت هي أيضًا به من أجله. وأوضح لها أنها شديدة الاستئثار والتعلق بفكرة الملكية الجنسية، وكانت تعلم أنه على حق.

قالت لكاث: «أعلم أنه يعتقد أنني لو كنت أحبه بما يكفي لشعرت بالإشباع، لكنني أحبه بالفعل … أتعذَّب بلوعة حبه.»

بالرغم من كل الأفكار المثيرة التي وردت على ذهن كاث، رأت أنها لا تستطيع مضاجعة أي رجل آخر على الإطلاق سوى كِنت؛ فالجنس في نظرها أشبه بجهاز اخترعاه بينهما، ومحاولة ممارسته مع شخص آخر يعني تغيير «دوائره»، الأمر الذي سيسفر عن «انفجار» حياتها بالكامل أمام عينيها. لكنها، مع ذلك، ما كانت لتقول إنها تحب كِنت وتتعذب بلوعة حبه.

•••

أثناء سير كاث على الشاطئ من منزل مونيكا إلى منزل سونيه، رأت أشخاصًا في انتظار الحفل، وقد تجمعوا معًا في مجموعات صغيرة أو جلسوا على جذوع الأشجار ليشاهدوا اللحظات الأخيرة لمغيب الشمس، ويشربوا الجعة. كان كوتر ورجل آخر معه يغسلان إحدى الصفائح المستعملة ليصنعا فيها شراب البَنْش المُسكِر. وكانت آنسة كامبو، رئيسة أمناء المكتبة، تجلس وحدها على أحد جذوع الأشجار. لوَّحت لها كاث بيديها في حماس، لكنها لم تذهب للجلوس معها. فإذا انضم المرء لشخص ما في تلك المرحلة من الحفل، فسيقع في الشَّرَك ويظل مع هذا الشخص وحدهما. الخيار الأمثل في هذه الأحوال هو الانضمام إلى مجموعة تضم ثلاثة أو أربعة أشخاص، حتى وإن كانت المحادثة بينهم — التي بدت حيوية عن بعد — مخيبة تمامًا للآمال. لكنها لم تستطع فعل ذلك بعد أن لوَّحت للآنسة كامبو؛ فكان عليها التوجه نحو أي مكان. فمضت في طريقها، ومرَّت بكِنت الذي كان يتحدث مع زوج مونيكا عن الوقت الذي استغرقه نشر أحد جذوع الأشجار على الشاطئ. صعدت، بعد ذلك، درجات سلم منزل سونيه لتدخل إلى المطبخ.

كانت سونيه منشغلة بتقليب وعاء ضخم من صلصة الفلفل الحار، في حين أخذت المرأة الأكبر سنًّا — التي عاشت معها في المنزل الشيوعي — تعد شرائح خبز الجودار والسلامي والجبن على أحد أطباق التقديم. كانت تلك المرأة ترتدي في الحفل الملابس نفسها التي ارتدتها في عشاء الكاري؛ تنورة فضفاضة وسترة باهتة اللون ضيقة، بدا منها تدلي ثدييها حتى خصرها. اعتقدت كاث أن لذلك علاقة بالماركسية؛ إذ كان كوتر يفضِّل ألا تخرج سونيه مرتدية حمَّالة الصدر، وكذلك الجوارب، وعدم التزين بأحمر الشفاه. وتعلق الأمر أيضًا بالعلاقات الجنسية المتحررة التي تخلو من الغيرة، والاشتهاء المتَّقد الذي لا يقف عائقًا أمامه وصول المرأة الخمسين من عمرها.

كان بالمطبخ أيضًا فتاة — كانت تعمل في المكتبة — تقطع الطماطم والفلفل الأخضر، في حين جلست امرأة لم تعرفها كاث على كرسي المطبخ، تدخن السجائر.

قالت فتاة المكتبة لكاث: «هل أسأنا لكِ في شيء؛ نحن العاملين جميعًا في المكتبة؟ سمعنا أنك أنجبت فتاة جميلة، ولم تحضريها لنا كي نراها. أين هي الآن؟»

أجابت كاث: «نائمة على ما أرجو.»

كانت تلك الفتاة تُدعَى لورين، لكن سونيه وكاث عند تذكُّرهما أيام عملهما في المكتبة أطلقتا عليها اسم ديبي رينولدز؛ إذ كانت مفعمة بالحيوية.

قالت لكاث: «يا لسوء الحظ!»

رمقت السيدة ذات الثديين المتدليين تلك الفتاة وكاث بنظرة نفور عميقة.

فتحت كاث زجاجة جعة وأعطتها لسونيه التي قالت: «شكرًا لكِ، لقد انصبَّ كل تركيزي على صلصة الفلفل الحار ونسيت أنه بإمكاني احتساء بعض الشراب.» شعرت سونيه بالقلق؛ لأنها لم تكن تجيد الطبخ بقدر ما كان كوتر يجيده.

علَّقت فتاة المكتبة على ذلك قائلةً لكاث: «أحسنتِ صنعًا بعدم شرب هذه الجعة؛ فهي مضرة بالرضاعة.»

فقالت السيدة التي تجلس على كرسي المطبخ: «لقد كنت أفرط في شرب الجعة أثناء الرضاعة، وأظن أنها يوصَى بها للمرأة المرضعة. فأنتِ تتخلصين من أغلبها مع البول على أي حال.»

خُطَّت عينا تلك المرأة بالكحل الأسود الذي امتد حتى الأطراف، بينما تزيَّن جفناها بالظل الأزرق المائل إلى الأرجواني حتى حاجبيها الأسودين المشذبين. أما باقي وجهها، فكان شاحبًا للغاية — أو زُيِّن ليبدو شاحبًا — وكذلك شفتاها الورديتان الشاحبتان اللتان كانتا أقرب إلى البياض. سبق لكاث رؤية أوجه كهذه من قبل، لكن في المجلات فقط.

قالت سونيه: «هذه إيمي. إيمي، هذه كاث. آسفة لعدم تعريف كلٍّ منكما بالأخرى.»

قالت المرأة الأكبر سنًّا: «سونيه، أنتِ دائمًا آسفة.»

التقطت إيمي قطعة من الجبن الذي قُطِّع لتوِّه، وتناولتها.

كانت إيمي عشيقة زوج السيدة الأكبر سنًّا. شعرت كاث فجأة بأنها ترغب في التعرف عليها ومصادقتها، مثلما تاقت من قبل لمصادقة سونيه.

•••

أسدل الليل ستائره على الأمسية، وباتت مجموعات الناس الموجودة على الشاطئ أقل وضوحًا؛ وصاروا على الأرجح يتحركون معًا. وعند حافة المياه، خلعت السيدات أحذيتهن، ونزعن جواربهن — هذا إن كن يرتدينها في الأساس — ولمسن الماء بأطراف أصابع أقدامهن. توقفت الأغلبية عن شرب الجعة، وصاروا يشربون البَنْش المُسكِر الذي تغيرت طبيعته بالفعل بحلول هذا الوقت؛ إذ كان أغلبه في البداية من الرم وعصير الأناناس، لكن الآن أضيفت إليه أنواع أخرى من عصير الفواكه والمياه الغازية والفودكا والنبيذ.

تشجَّعت السيدات لخلع ما هو أكثر من أحذيتهن، فركض بعضهن إلى المياه بمعظم ملابسهن، ثم أخذن يخلعنها ويلقينها للأخريات على الشاطئ، في حين خلعت أخريات ملابسهن حيثما وقفن على الشاطئ، مشجِّعات إحداهن الأخرى بأن السماء أكثر ظلمة من أن يراهن أحد. بيد أنه، في الواقع، كان من الممكن رؤية أجسام عارية تندفع في المياه المظلمة فتنثرها حولها وتركض وتسقط فيها. جلبت مونيكا كومة كبيرة من المناشف من منزلها، ونادت الجميع للفِّ أنفسهن بها عند خروجهن من الماء كي لا يُصَبن ببرد يودي بحياتهن.

ارتفع القمر في السماء بين الأشجار المظلمة على قمة الصخور، وبدا ضخمًا ومهيبًا وأخَّاذًا إلى حدٍّ جعل البعض يصيح مذهولًا: ما هذا؟ حتى عندما صعد لأعلى في السماء، وتضاءل إلى حجم أكثر اعتيادًا، التفت الناس إليه من حين لآخر واصفين إياه ﺑ «قمر الحصاد» أو متسائلين «هل رأيتموه عندما صعد للمرة الأولى؟»

«لقد ظننته، في الواقع، منطادًا ضخمًا.»

«لم أستطع تخيُّل ما هو. ما ظننت أن القمر يمكن أن يكون بهذا الحجم أبدًا.»

وقفت كاث بالقرب من المياه، متبادلةً أطراف الحديث مع الرجل الذي كانت زوجته وعشيقته في مطبخ سونيه منذ قليل. كانت زوجته تسبح الآن في البحر، بعيدًا بعض الشيء عن النساء الصاخبات ومَن ينثرن المياه. وقال لها الرجل إنه كان قسًّا في الماضي.

قال مازحًا: ««بحر الإيمان كان ممتلئًا أيضًا من قبل. انبسط حول شواطئ الأرض كطوق برَّاق يحيط بها»، كنتُ حينها متزوجًا من امرأة مختلفة تمامًا.»

تنهَّد، فظنَّت كاث أنه يحاول تذكُّر بقية المقطع الشعري.

فقالت: «لكني لا أسمع الآن سوى صخب صوته المتراجع في حزن نحو أطراف العالم الموحشة والصخور المكشوفة.» ثم توقفت لأنها شعرت بأنه سيكون تجاوزًا منها أن تواصل إلقاء القصيدة حتى البيت: «أيها الحب! فلتجعلنا صادقين.»

سبحت زوجته نحوهما، وجرَّت نفسها لأعلى حين وصلت المياه إلى ركبتيها. تأرجح ثدياها من جانب لآخر، وقذفا قطرات من الماء حولها أثناء خروجها من الماء.

فتح زوجها ذراعيه، وقال مُرحِّبًا بها بود: «الإلهة أوروبا!»

قالت كاث بجرأة: «هذا يجعل منك زيوس.» رغبت في تلك اللحظة أن يقبِّلها رجل كهذا، رجل تعرفه بالكاد، ولا تهتم به على الإطلاق. وقد قبَّلها بالفعل محرِّكًا لسانه داخل فمها بنعومة.

قال لها: «تخيلي قارة مسماة على اسم بقرة.» وقفت زوجته على مقربة منهما تتنفس الصعداء بعدما بذلته من جهد في السباحة. اقتربت منهما للغاية حتى إن كاث خشيت من ملامسة جسدها العاري لها.

أشعل شخص ما نارًا، وخرجت السيدات من الماء، ولففن أنفسهن بالبطاطين والمناشف، أو انحنين خلف جذوع الأشجار لارتداء الملابس.

وشُغِّلَت الموسيقى أيضًا في الحفل. وكان جيران مونيكا يملكون رصيفًا ومرفأً للمراكب، ولما أُحضِر مشغل الموسيقى إلى المكان، شرع الناس في الرقص على الرصيف، وبصعوبة أكبر على الرمال، بل وحاول البعض أيضًا التمايل ببعض الخطوات الراقصة على جذوع الأشجار قبل أن يتعثروا ويسقطوا أو يقفزوا من عليها. أما السيدات اللاتي ارتدين ملابسهن مجددًا أو لم يخلعنها من الأساس — أولئك اللاتي لم يطقن البقاء في مكان واحد؛ مثل كاث — فقد ذهبن للتمشية على حافة المياه (لم يَعُد أحد يسبح في الماء الآن، ونسي الجميع أمر السباحة تمامًا)، وسرن في طريق مختلف بسبب الموسيقى؛ متأرجحات بخيلاء ومرح، ثم بغطرسة وقحة، كجميلات الأفلام السينمائية.

لم تَزَل الآنسة كامبو جالسة في نفس المكان مبتسمةً.

جلست الفتاة التي أطلقت عليها كاث وسونيه اسم ديبي رينولدز على الرمال وأسندت ظهرها على أحد جذوع الأشجار، وبكت. ابتسمت لكاث وقالت لها: «لا تظني أنني حزينة.»

كان زوجها لاعب كرة قدم سابقًا بإحدى الفرق الجامعية، ويدير الآن ورشة سمكرة سيارات. عندما كان يدخل إلى المكتبة لاصطحاب زوجته، بدا دومًا كلاعب كرة قدم تقليدي متغطرس ومتعالٍ على كل من حوله، لكنه في الحفل شوهد جاثيًا على ركبتيه بجانبها لما رآها باكية وأخذ يعبث بشعرها.

قال: «إنها بخير. هذا ما يئول إليه حالها دومًا في مثل هذه الحفلات، أليس كذلك يا حبيبتي؟»

فقالت: «بلى، هذا صحيح.»

رأت كاث سونيه تتجول حول الضيوف المحيطين بدائرة النار المشتعلة، وتوزِّع حلوى الخطمى عليهم. تمكَّن البعض من وضعها في أعواد وشيها؛ في حين أخذ آخرون يتقاذفونها فيما بينهم وفقدوها في الرمال.

قالت كاث لها: «ديبي رينولدز تبكي، لكنها على ما يرام. إنها سعيدة.»

فضحكتا، واحتضنت إحداهما الأخرى، فسحقتا كيس الخطمى فيما بينهما.

قالت سونيه: «يا إلهي، كم سأفتقدك! سأفتقد صداقتنا.»

قالت كاث: «نعم، نعم.» وأخذت كلٌّ منهما قطعة خطمى باردة وأكلتاها وهما تضحكان وتتبادلان نظرة تملؤها مشاعر الود والحزن على الفراق.

قالت كاث: «هذا لتتذكريني. أنتِ أعز صديقة لي حقًّا.»

فقالت سونيه: «وأنتِ كذلك، صديقتي المخلصة. يقول كوتر إنه يرغب في مضاجعة إيمي الليلة.»

قالت لها كاث: «لا تسمحي له بذلك. لا تسمحي له إذا كان ذلك سيغضبك.»

فقالت سونيه بشجاعة: «ليست المسألة مسألة سماح.» ثم صاحت: «مَن يرغب في صلصة الفلفل الحار؟ يقدم كوتر الأطباق هناك. صلصة فلفل حار؟ صلصة فلفل حار؟»

أنزل كوتر قِدر الصلصة على درجات السلم ووضعه في الرمال.

أخذ يقول على نحو أبوي: «احذروا من القِدر! احذروا من القِدر، إنه ساخن!»

جلس القرفصاء ليقدم الصلصة للناس. لم يتدثر آنذاك إلا بمنشفة ترفرف من نسيم المياه لتكشف عن جسده. جلست إيمي بجواره تناوله الصحون.

مدَّت كاث يديها أمام كوتر كما لو كانت تُمسِك بصحن.

وقالت له: «رجاءً يا سيدي! ألا أستحق صحنًا؟»

فقفز كوتر ناهضًا، وترك المغرفة من يده ليضع يديه الاثنتين على رأسها.

«باركك الرب يا ابنتي، الأخير يجب أن يكون في المقدمة.» وقبَّل عنقها المنحني.

تأوَّهت إيمي كما لو كانت هي التي مَنحت القبلة أو تلقَّتها.

رفعت كاث رأسها، ونظرت خلف كوتر.

وقالت: «أود التزين بهذا النوع من أحمر الشفاه.»

فقالت لها إيمي: «فلتأتي معي.» ووضعت الصحون من يدها لتمسك بكاث بخفة من خصرها، وسارت بها إلى درجات السلم.

وقالت: «فلنصعد إلى البيت؛ سأزين وجهك بالكامل لا شفتيك فحسب.»

في دورة المياه الضيقة خلف غرفة نوم كوتر وسونيه، أخرجت إيمي عبوات صغيرة وأقلام زينة من حقيبتها، ولم تجد مكانًا لوضعها عليه سوى مقعد المرحاض. جلست كاث على حافة حوض الاستحمام، ووجهها يكاد يلامس بطن إيمي. وضعت إيمي مسحوقَ تجميل سائلًا على وجنتَي كاث، وفوق جفنَيْها ظلًّا ملونًا، ثم وضعت البودرة على وجهها بالفرشاة. مشطت حاجبَي كاث ولمَّعتهما، ثم وضعت ثلاث طبقات منفصلة من الماسكرا على رموشها لإبرازها. حددت شفتيها ولوَّنتهما، ثم مسحتهما ولوَّنتهما مجددًا. رفعت رأس كاث بين يديها، وأمالته ناحية الضوء.

طرق شخص ما الباب، ثم هزَّه.

فصاحت إيمي: «انتظر! ما بالك؟ ألا تستطيع الذهاب لقضاء حاجتك خلف أحد جذوع الأشجار؟»

لم تسمح لكاث بالنظر في المرآة حتى انتهت.

قالت لها: «لا تبتسمي؛ فسيفسد ذلك المظهر.»

فغرت كاث فمها، وحدَّقت متجهمةً في انعكاس صورتها في المرآة. بدت شفتاها كبتلات الزنابق الممتلئة. جذبتها إيمي بعيدًا عن المرآة، وقالت لها: «لم أعنِ ذلك. يُستحسَن ألا تنظري لنفسك على الإطلاق، لا تنظري في المرآة على أي حال، فستبدين جميلة.»

صاحت بعد ذلك في الشخص الجديد — أو لعله نفس الشخص — الذي أخذ يطرق الباب بقوة: «تمالَكْ نفسك قليلًا! سنخرج حالًا.» لملمت أدواتها في الحقيبة، وزجَّت بها تحت حوض الاستحمام، وقالت لكاث: «هيا أيتها الفاتنة!»

•••

رقصت إيمي وكاث على الرصيف، وهما تضحكان وتتحدى إحداهما الأخرى. حاول الرجال إقحام أنفسهم بينهما، لكنهما تمكنتا من عدم السماح بذلك لفترة من الوقت، ثم استسلمتا وانفصلت إحداهما عن الأخرى، بتعبير وجه جازع، ولوَّحتا بذراعيهما — كالطيور التي تهبط على الأرض — عندما ابتعدت كلٌّ منهما عن الأخرى بصحبة رفيق آخر.

رقصت كاث مع رجل لم تتذكر رؤيتها له من قبل أثناء الأمسية. بدا في نفس عمر كوتر تقريبًا. كان طويلًا بخصر غير نحيف مترهل، وشعر مجعد خفيف، وهالات سوداء حول عينيه.

قالت له كاث: «ربما أقع؛ أشعر بدوار، وقد أقع من فوق الرصيف.»

فقال لها: «سوف أمسك بكِ.»

قالت: «أشعر بالدوار، لكنني لست مخمورة.»

فابتسم، وجال بخاطرها أن هذا ما يقوله دومًا المخمورون.

فقالت له: «حقًّا، لست مخمورة.» وقد كان ذلك صحيحًا؛ إذ لم تُنهِ زجاجة جعة واحدة بالكامل، ولم تمسَّ البَنْش المُسكِر أيضًا.

قالت: «إلا إذا كنتُ قد سكرت عن طريق البشرة؛ بالتناضح.»

لم يردَّ عليها. جذبها إليه، ثم حرَّرها ناظرًا إلى عينيها.

اتسم الجنس الذي مارسته كاث مع كِنت بالقوة والتوق، لكنه كان صامتًا في الوقت نفسه؛ فلم يعمد أحدهما إلى إغراء الآخر، وإنما مارسا العلاقة الحميمية — أو ما اعتبراها حميمية — مباشرةً دون مقدمات، ولم يغيرا من هذا الموقف قط. فإذا كان المرء ملتزمًا بمضاجعة شخص واحد فقط طوال حياته، فلا حاجة لإضفاء تميز على أي شيء؛ فالأمر مميز بالفعل. كانا يتبادلان النظر وهما عاريان في الماضي، لكن أعينهما لم تتلاقَ في هذه الآونة إلا مصادفةً.

ما افتقرت إليه كاث مع زوجها تفعله الآن راقصةً مع رفيقها المجهول: يتقدمان للأمام، ويتراجعان، ويدوران، ويتفلت كلٌّ من الآخر، ويستعرض أحدهما أمام الآخر، وينظر كلٌّ منهما في عينَي الآخر. فضحت عيناهما أن هذا الرقص لن يعني شيئًا البتة مقارنةً بما يمكنهما فعله إذا اختارا اللقاء الجسدي.

بيد أن كل ذلك لم يكن سوى هزلٍ؛ بمجرد أن يتلامسا، يفلت كلٌّ منهما من الآخر مجددًا. يقتربان، فيفغران فمهما، وتداعب الألسنة الشفاه، ثم يتراجعان متظاهرين بالاستمتاع.

كانت كاث ترتدي سترة قصيرة الأكمام من الصوف المصقول تناسب الرضاعة؛ نظرًا لفتحة رقبتها الواسعة مثلثة الشكل، والأزرار الأمامية حتى طرفها السفلي.

في المرة التالية التي اقتربت فيها من شريكها في الرقص، رفع ذراعه كما لو كان يحمي نفسه، وحرَّك ظهر كفِّه، ومعصمه وساعِده العاريين على ثدييها المشدودين تحت الصوف المثير. أدى ذلك إلى ترنحهما، وكاد يوقفهما عن الرقص، لكنهما واصلا رقصتهما، وقد أُنهِكت كاث وأخذت تتعثر في خطواتها.

سمعت أحدًا ينادي اسمها.

«السيدة مايبيري. السيدة مايبيري.»

كانت جليسة الأطفال؛ نادتها وهي تقف في منتصف درجات سلم منزل مونيكا.

«إنها طفلتك. لقد استيقظت. هل يمكنك المجيء لإرضاعها؟»

توقَّفت كاث عن الرقص. تلمَّست طريقها بترنح بين الراقصين الآخرين. قفزت من على الرصيف بعيدًا عن الأضواء، وتعثَّرت في الرمال. علمت أن شريكها في الرقص خلفها مباشرة؛ فقد سمعته يقفز خلفها. كانت مستعدة للسماح له بتقبيلها، لكنه أمسك بفخذيها، وأدارهما تجاهه، وجثا على ركبتيه، وقبَّل ما بين ساقيها عبر السروال القطني الذي كانت ترتديه، ونهض بعد ذلك برشاقة غريبة على رجل في ضخامته، واستدار كلٌّ منهما مبتعدًا عن الآخر في نفس اللحظة. أسرعت كاث نحو الضوء، وصعدت درجات سلم منزل مونيكا. أخذت تلهث، وتصعد بصعوبة مستندة إلى الدرابزين، كما لو كانت امرأة مسنَّة.

كانت جليسة الأطفال في المطبخ.

قالت لها: «وصل زوجك لتوِّه ومعه زجاجة الرضاعة. لم أكن أعرف ترتيبكما، وإلا كنت قد وفَّرت على نفسي عناء الصياح.»

توجَّهت كاث إلى غرفة معيشة مونيكا. كان الضوء الوحيد في المكان هو القادم من الردهة والمطبخ، لكنها تمكَّنت من ملاحظة أنها كانت غرفة معيشة حقيقية، وليست شرفة مُعدَّلة مثل غرفة المعيشة في منزلها ومنزل سونيه. احتوت الغرفة على مائدة قهوة دنماركية عصرية، وأثاث منجد، وستائر أنيقة.

كان كِنت جالسًا على كرسي بذراعين، يطعم نويل من زجاجة الرضاعة الإضافية.

قال لها: «مرحبًا» بصوت خفيض، مع أن نويل كانت تمص اللبن بقوة تدلُّ على أنها أبعد ما يكون عن النوم.

فردَّت كاث التحية، وجلست على الأريكة.

قال لها: «رأيت أنها ستكون فكرة جيدة، أن أحضر زجاجة الرضاعة، تحسبًا لشربك الخمر.»

فقالت كاث: «لم أشرب … خمرًا.» ورفعت يدها إلى ثدييها للتحقق من امتلائهما باللبن، لكن ملمس الصوف جعلها تشعر بالإثارة وأيقظ رغبتها على نحو حال دون استمرارها في الضغط عليهما.

قال كِنت: «حسنًا، يمكنك إرضاعها الآن، إن أردتِ.»

جلست على حافة الأريكة، ومالت إلى الأمام، متلهفةً لسؤاله إذا كان قد حضر إلى المنزل من الناحية الأمامية أم الخلفية؟ أي مرورًا بالطريق أم الشاطئ؟ إذا كان قد مرَّ على الشاطئ، فلا ريب أنه رآها وهي ترقص. بيد أنه كان هناك أناس كثيرون يرقصون على الرصيف؛ ولذا ربما لم يلحظ الراقصين الفرديين.

لكن جليسة الأطفال رأتها، ولعل كِنت سمعها وهي تنادي اسمها؛ ومن ثم نظر إلى حيث وجَّهت جليسة الأطفال النداء.

هذا إن كان قد مرَّ بالشاطئ. أما إذا كان قد مرَّ بالطريق، ودخل المنزل عبر الردهة، وليس المطبخ، فلعله لم يَرَ الراقصين على الإطلاق.

سألته كاث: «هل سمعتها وهي تنادي عليَّ؟ هل هذا ما جعلك تذهب إلى المنزل وتحضر الزجاجة؟»

فأجابها: «كنت قد فكرت في الحضور بالفعل. كان وقت الرضاعة قد حان.» ورفع الزجاجة ليرى مقدار اللبن الذي تناولته نويل.

وقال: «جائعة.»

فقالت كاث: «نعم.»

«إنها فرصتك الآن لإرضاعها، إذا كنتِ ترغبين في السُّكر.»

«هل هذا ما أنت عليه؟ مخمور؟»

«لقد نلتُ نصيبي. فلتذهبي أنتِ، إن أردتِ، واستمتعي بوقتك.»

رأت كاث أن ثقته في نفسه يشوبها الحزن والادعاء. لا بد أنه قد رآها وهي ترقص، وإلا لسألها: «ماذا فعلتِ في وجهك؟»

قالت له: «سأنتظرك.»

فقطَّب جبينه وهو ينظر للطفلة ويميل الزجاجة لأعلى في فمها.

وقال: «أوشكتُ على الانتهاء. حسنًا، كما تشائين.»

قالت كاث: «أحتاج فقط للذهاب إلى دورة المياه.» وهناك، مثلما توقَّعت أن يكون الحال في منزل مونيكا، كان هناك الكثير من المناديل الورقية. فتحت صنبور الماء الساخن، وأخذت تبلل المناديل وتدعك بها وجهها مرارًا وتكرارًا، مع التخلص بين الحين والآخر من لفائف المناديل الورقية الملطخة باللونين الأسود والأرجواني في المرحاض.

٤

في منتصف الكأس الثانية، وبينما تحدَّث كِنت عن الأسعار الصاعقة، بل والفادحة، للعقارات في هذه الأيام في غرب فانكوفر، قالت له سونيه: «إن لديَّ نظرية في هذا الشأن.»

قال كِنت: «تلك المنازل التي اعتدنا العيش فيها، لقد بيعت من زمن طويل بسعر زهيد مقارنةً بالأسعار الآن. لا أعلم كم من المال يمكن الحصول عليه في مقابلها الآن؛ مقابل العقار نفسه، لكي يتم هدمه وبناء مبنًى كبير مكانه.»

تُرى ماذا كانت نظريتها؟ هل كانت عن أسعار العقارات؟

كلا، لقد كانت عن كوتر. فكانت تعتقد أنه لم يَمُت.

قالت: «ظننته مات في البداية، ولم يخطر ببالي قط الشك في موته. ولكن فجأة استيقظت من حالة اللاوعي التي انتابتني؛ فليس من الضروري أن يكون الخبر صحيحًا. ليس ضروريًّا على الإطلاق.»

قالت: «فلننظر إلى الظروف المحيطة بوفاته.» فقد راسلها طبيب من جاكارتا — قال مَن راسلها إنه طبيب — ليخبرها في خطابه أن كوتر توفي، وذكر سبب وفاته مستخدمًا المصطلح الطبي للحالة؛ لكنها لا تستطيع تذكُّره الآن. كان مرضًا مُعْديًا على أي حال. لكن أنَّى لها أن تعرف إن كان هذا الرجل طبيبًا بحق؟ حتى وإن سلَّمت جدلًا بأنه طبيب، فكيف لها أن تعرف إن كان يصدقها القول؟ لم يكن من الصعب على كوتر التعرف على أحد الأطباء، ومصادقته؛ فكان كوتر يصادق كافة صنوف البشر.

«أو ربما يكون قد دفع له مالًا أيضًا؛ فهذا احتمال ليس بالمستبعد.»

سألها كِنت: «ولِمَ يفعل ذلك؟»

«لن يكون أول طبيب يفعل شيئًا من هذا القبيل. ربما كان بحاجة للمال للإبقاء على استمرار العمل في عيادة تخدم الفقراء، ما أدرانا؟ وربما يكون قد أراد المال لنفسه؛ فالأطباء ليسوا ملائكة.»

قال كِنت: «لا، أقصد كوتر. ما الذي يدفعه لفعل ذلك؟ وهل كان يملك أي أموال؟»

«كلا، لم يكن يملك أي أموال، لكن … لا أعلم. ليس هذا سوى افتراض، على أي حال. أقصد مسألة المال. وكما تعلم، فقد كنتُ هنا أرعى والدته. كان يهتم بوالدته حقًّا، ويعلم أنني ما كنت لأتخلى عنها؛ لذا، فقد كان الأمر على ما يرام في نظره.»

استطردت قائلةً: «وقد كان على ما يرام بالفعل؛ فقد كنتُ أحب ديليا، ولم أشعر بأن رعايتي لها عبء على عاتقي. لعلني كنت أكثر ملاءمة لرعايتها عن الزواج من كوتر. والغريب في الأمر أن ديليا رأت ذلك أيضًا. أقصد بخصوص كوتر؛ فقد كانت لديها نفس الشكوك، ولم تذكرها لي قط، وأنا أيضًا لم أصارحها بشكوكي؛ فكلانا رأى أن ذلك سيكسر قلب الأخرى. لكن ذات مساء قبل رحيلها بفترة بسيطة، كنت أقرأ لها قصة بوليسية تدور أحداثها في هونج كونج، فإذا بها تقول لي: «لعل هذا هو المكان الذي يوجد فيه كوتر؛ هونج كونج.»

قالت لي إنها ترجو ألا تكون قد أزعجتني بهذا الحديث. فصارحتُها بأفكاري، وضحكت. كلانا ضحك. لعلك تتوقع من أم عجوز أن يغلبها الأسى والحزن بهروب ابنها الوحيد وهجرانه لها، لكن هذا لم يحدث. لعل هذا ليس حال كبار السن، أو بالأحرى الطاعنين في السن؛ فهم يتوقفون عن الشعور بالأسى والحزن؛ لا ريب أنهم يكتشفون أنه ما من شيء يستحق حزنهم.

علم أنني كنت سأرعاها، وإن لم يكن يعلم على الأرجح إلى متى سيدوم ذلك. كنت أتمنى أن أطلعك على خطاب الطبيب، لكنني تخلصت منه. كان ذلك غباءً شديدًا مني، لكنني كنت مشتتة الفكر آنذاك. لم أتصور حينها كيف كنت سأواصل حياتي. لم أفكر في متابعة الأمر والبحث عن مؤهلات هذا الطبيب أو طلب شهادة وفاة منه أو أي شيء من هذا القبيل. لم أفكر في كل ذلك إلا لاحقًا، وحينذاك لم يَعُد معي العنوان. لم أستطع مراسلة السفارة الأمريكية؛ لأنها آخر مكان قد يكون لكوتر علاقة به. ولم يكن كذلك مواطنًا كنديًّا. لعله كان لديه اسم آخر أيضًا؛ هوية مزيفة يمكنه الاختفاء وراءها، وأوراق مزيفة أيضًا. فقد كان يُلمِّح كثيرًا لأمور من هذا القبيل، وكان ذلك جزءًا من سحره وجاذبيته، في نظري.»

قال كِنت: «ربما كان ذلك من قبيل إضفاء الأهمية على نفسه، ألا تعتقدين ذلك؟»

فأجابته سونيه: «بلى، بالطبع.»

«ألم يكن هناك أي تأمين؟»

«لا تكن سخيفًا!»

«لو كان هناك تأمين، لكشفت شركة التأمين عن الحقيقة.»

ردَّت سونيه: «نعم، لكنه لم يكن هناك تأمين؛ ولذا فهذا ما أنوي فعله بنفسي.»

قالت له إن هذا من الأمور التي لم تذكرها لحماتها قط؛ فقد قررت أنها بعد أن صارت وحدها، سوف تذهب للبحث عن كوتر، أو بالأحرى اكتشاف الحقيقة.

وسألته: «أعتقد أنك ترى هذا نوعًا من التوهم؟»

ظنَّ كِنت — وقد صدمه قولها — أنها فقدت عقلها. في كل زيارة قام بها أثناء هذه الرحلة، مرَّ بلحظة من خيبة الأمل الشديدة؛ فالشخص الذي كان يتحدث معه، ومن سعى للقائه، لن يمنحه أيًّا مما كان يسعى إليه. وصديقه القديم الذي زاره في أريزونا كان مهووسًا بالمخاطر التي تفرضها الحياة، بالرغم من مسكنه باهظ الثمن في مجتمع مؤمَّن. وزوجة صديقه العجوز، التي تجاوزت السبعين من عمرها، رغبت في أن تريه صورًا لها مع صديقة عجوز أخرى ترتديان فيها ملابس رقص كفتيات مراقص منطقة كلوندايك، استعدادًا لعرضٍ موسيقيٍّ أقامتاه. وأطفاله الناضجون انشغل كلٌّ منهم بحياته. كان ذلك طبيعيًّا، وليس مفاجئًا بالنسبة إليه. ما فاجأه هو أن هذه الحياة التي كان ابناه وابنته يعيشونها بدت منغلقة الآن، ومتوقعة إلى حدٍّ ما. حتى التغييرات، التي كانت تطرأ عليها وكان بإمكانه توقعها أو قيل له إنها ستحدث — أوشكت نويل، مثلًا، على ترك زوجها الثاني — لم تكن مثيرة للاهتمام. لم يعترف قط بذلك لديبورا — بل ولنفسه أيضًا — لكن هذا هو ما حدث. والآن سونيه، التي لم تَرُق له بشكل خاص وكان يحذر منها، لكنه كنَّ لها الاحترام كشخصية غامضة، تحوَّلت إلى امرأة عجوز ثرثارة أصابها الجنون.

لقد كان لديه سبب لزيارتها، لكنهما لم يقتربا منه بسبب كل هذا الحديث المضطرب عن كوتر.

قال لها: «حسنًا، كي أكون صريحًا معكِ؛ لا يبدو ذلك بالفعل المتعقل. هذا كي أصارحك القول.»

فقالت سونيه ببهجة: «يبدو كمطاردة إوزة برية.»

«ثمة احتمال أن يكون متوفًّى الآن على أي حال.»

«صحيح.»

«وربما يكون قد انتقل للعيش في أي مكان آخر. هذا إن صحَّت نظريتك.»

«صحيح.»

«لذا، فإن الأمل الوحيد هو أنه إذا كان قد توفي حقًّا، وكانت نظريتك خاطئة، فسوف تعرفين ذلك، ولن تحرزي بذلك أي تقدم مقارنةً بحالك الآن.»

«لا، أظن أنني سأفعل.»

«يمكنكِ فعل ذلك ببقائك هنا وإرسالك بعض الخطابات.»

قالت سونيه إنها لا تتفق معه في ذلك؛ فهي لا تستطيع اللجوء لقنوات التواصل الرسمية في هذا الشأن.

«لا مفر من أن يصير المرء معروفًا في الشوارع.»

تعني في شوارع جاكارتا؛ حيث من المفترض أن تبدأ رحلة بحثها؛ ففي أماكن كجاكارتا، لا ينغلق الناس على أنفسهم، وإنما يعيشون في الشوارع، ويعرف عنهم الكثيرون — كأصحاب المحلات — أشياء كثيرة. هناك دومًا من يعرف شيئًا عن أي شخص، وتُتناقل الأخبار؛ ولذا سوف تطرح سونيه الأسئلة، وسينتشر الخبر بوجودها في المكان. وشخص مثل كوتر لا يمكن أن يُنسى بسهولة، فثمة من يتذكره بالتأكيد، حتى بعد مرور كل هذا الوقت. وستكون هناك معلومات من أي نوع عنه. قد يكون بعضها باهظ الثمن، ولكن لن يكون جميعها صحيحًا.

فكَّر كِنت أن يسألها عن المال الذي ستنفق منه في رحلتها. هل ورثت أي أموال من والديها؟ فقد تذكَّر أنهما قد حرماها من المال عند زواجها. ربما اعتقدت أنها ستحصل على مبلغ كبير من المال مقابل هذا المنزل. احتمال مستبعد، لكنها قد تكون على حق.

حتى وإن كان الأمر كذلك، فسوف تنفق المال كله في غضون شهرين، وسينتشر الخبر بأنها موجودة في المكان بالفعل.

كل ما قاله لها: «لقد تغيَّرت هذه المدن كثيرًا.»

فقالت له: «لا يعني ذلك أنني سأستبعد قنوات التواصل المعتادة؛ فلسوف أسعى للتأكد من كل ما يمكنني الوصول إليه؛ السفارة، سجلات الدفن، السجل الطبي — هذا إن وُجد. والواقع أنني كتبت خطابات بالفعل، لكنك لا تحظى في هذه الأحوال إلا بمراوغات. ولا بد من المواجهة الشخصية. يجب أن تذهب إلى هناك، تُوجَد في المكان، تتجول، وتزعج الآخرين، وتكتشف نقاط ضعفهم، وتكون على استعداد لأن تكون راشيًا إذا اضطررت إلى ذلك. إنني لا أتوهَّم أن الأمر سيكون سهلًا.

على سبيل المثال، أتوقع أن تكون الحرارة هناك مهلكة. لا يبدو أن موقع هذه المدينة — جاكارتا — جيد، كما أنها مليئة بالمستنقعات والوهاد. لست غبية. سوف أحصل على التطعيمات اللازمة، وأتخذ كل الاحتياطات، وسوف آخذ معي الفيتامينات التي أتناولها. وبما أن الهولنديين هم من أسسوا جاكارتا، فلن يكون هناك أي نقص في شراب الجِن؛ إنها الهند الشرقية الهولندية، وليست بالمدينة العتيقة؛ فقد شُيدت في العقد الأول من القرن السابع عشر على ما أعتقد. انتظر لحظة؛ لدي كل … سوف أريك … لدي …»

وضعت كأسها — وقد صارت فارغة منذ فترة — ونهضت مسرعةً، وبعد خطوتين تعلَّقت قدمها في البساط الممزق المصنوع من السيزال، وترنحت فجأة للأمام، لكنها استعادت توازنها بالإمساك بإطار الباب، ولم تقع. قالت: «عليَّ التخلص من هذا البساط.» ثم أسرعت إلى داخل المنزل.

سمع كِنت صوت صراعها مع بعض الأدراج المستعصية على الفتح، ثم صوت سقوط كومة من الأوراق. وأثناء كل ذلك، كانت تتحدث معه بتلك النبرة المطمئنة شبه الجنونية لشخص يسعى جاهدًا لعدم فقد اهتمام مَن يتحدث معه. لم يتبين حديثها، أو بالأحرى لم يحاول ذلك؛ فقد استغل الفرصة لابتلاع حبة دواء، الأمر الذي كان يفكر في فعله على مدار نصف الساعة الماضية. كانت حبة صغيرة لم تتطلب احتساء شراب معها — إذ كانت كأسه فارغة أيضًا — وكان يستطيع على الأرجح وضعها في فمه دون أن تلاحظ سونيه. لكن شيئًا كالخجل أو معتقد يفتقر إلى المنطقية منعه من المحاولة. لم يكن يمانع معرفة ديبورا دائمًا بحالته الصحية، وكان لا بد من معرفة أبنائه بها بالطبع أيضًا، لكن ثمة مانعًا يحول دون كشفه عن هذه الحالة أمام من هم في نفس سنِّه.

أخذ الحبة في التوقيت المناسب؛ إذ خيَّم عليه تدريجيًّا شعور بالإغماء وحرارة مزعجة وتعب عام، وتبدَّى تدهور الحالة في صورة قطرات عرق على صدغيه. ولبضع دقائق، شعر بأن حالته تزداد سوءًا، لكن بالتنفس الهادئ المنظم والتحريك العفوي لأطرافه، تغلَّب على هذه الحالة. وأثناء ذلك، ظهرت سونيه مجددًا ممسكةً بمجموعة من الأوراق؛ كانت خرائط وأوراقًا مطبوعة نسختها بالتأكيد من كتب المكتبة. بعضها انزلق من يديها عند جلوسها، وتناثر على بساط السيزال.

قالت: «يطلقون عليها الآن باتافيا القديمة. تخطيطها منظم هندسيًّا تنظيمًا دقيقًا على نحو هولندي حقًّا. ثمة ضاحية هناك تُدعَى فيلتفريدن، وهي كلمة هولندية تعني «الرضا التام». ألن يكون من المثير للضحك أن أعثر عليه هناك؟ وهناك كنيسة برتغالية قديمة شُيدت في أواخر العقد الأول من القرن السابع عشر. إنها دولة إسلامية، بالطبع، وبها أكبر مسجد في جنوب شرق آسيا. رسا القبطان كوك فيها لإصلاح سفنه، وأشاد بأحواض بناء السفن وإصلاحها أيما إشادة، لكنه ذكر أن الخنادق الموجودة في المستنقعات كانت قذرة. لعلها لا تزال كذلك على الأرجح. لم يَبدُ كوتر قويًّا قط، لكنه كان يعتني بنفسه أكثر مما قد يبدو لك. فما كان ليتجول حول المستنقعات الموبوءة بالملاريا أو يشتري مشروبات من الباعة الجائلين في الشوارع. أتوقع بالطبع أن يكون قد تأقلم تمامًا مع الحياة هناك، إذا كان لا يزال حيًّا. لا أعلم ما يمكنني توقعه. يمكنني أن أتخيله قد صار شبيهًا بأبناء البلد، أو مسترخيًا بجوار حمام سباحة يتناول الفاكهة، وامرأة سمراء قصيرة القامة قائمة على خدمته. أو ربما يتجول مستجديًا المال للفقراء.»

في الواقع، ثمة شيء تذكَّره كِنت. في ليلة حفل الشاطئ، توجه إليه كوتر — وهو لا يرتدي شيئًا سوى منشفة لا تستر جسده على نحو كافٍ — وسأله عما كان يعلمه عن الأمراض الاستوائية؛ بصفته صيدلانيًّا.

لكن ذلك لم يبدُ غريبًا؛ فأي شخص سيذهب إلى حيث كان كوتر ذاهبًا كان سيفعل نفس الشيء.

قال لسونيه: «أنتِ تفكرين في الهند.»

استقرت حالته الآن، وأعادت حبَّة الدواء بعض الثبات لوظائف جسمه الداخلية، وأوقفت ما بدا وكأنه حالة إعياء شديدة.

فقالت له سونيه: «أتعرف ما السبب الآخر الذي يجعلني أعتقد أنه لم يَمُت؟ إنني لا أحلم به. فأنا أحلم بالموتى. أحلم دومًا بحماتي.»

قال كِنت: «أنا لا أحلم.»

ردَّت سونيه: «الجميع يحلمون. أنت فقط لا تتذكر.»

فهزَّ رأسه.

لم تَمُت كاث. كانت تعيش في أونتاريو بضاحية هاليبورتون التي لا تبعد كثيرًا عن تورونتو.

سأل كِنت نويلَ عندما زارها: «هل تعلم والدتك بوجودي هنا؟» وأجابته: «نعم، أظن ذلك. بالتأكيد تعلم.»

لكنه لم يطرق بابها. وعندما سألته ديبورا عما إذا كان يرغب في تغيير مسارهما لرؤيتها، قال لها: «لا داعي لتغيير مسار رحلتنا؛ فالأمر لا يستحق.»

عاشت كاث وحدها على ضفاف بحيرة صغيرة، والرجل الذي عاشت معه فترة طويلة من الزمن وشيَّد هذا المنزل، توفي، لكن نويل قالت إن لديها أصدقاء، وإنها على ما يرام.

عندما ذكرت سونيه اسم كاث في وقت سابق من المحادثة، انتابه شعور بالدفء وكذلك الخطر — في الوقت نفسه — بأنهما لا تزالان على اتصال فيما بينهما، فكان يخشى سماع شيء لا يرغب في معرفته، وراوده في الوقت نفسه أمل أحمق في أن تخبر سونيه كاث كيف بدا في حالة جيدة (وكان كذلك — من وجهة نظره — نظرًا لثبات وزنه إلى حدٍّ ما وسمرة بشرته التي اكتسبها في جنوب غرب البلاد)، وأنه سعيد في زواجه. ربما تكون نويل قد قالت لها شيئًا كهذا، لكن حديث سونيه معها سيكون ذا أهمية أكبر من حديث نويل. انتظر من سونيه التحدث عن كاث مجددًا.

لكنها لم تفعل. وإنما تحدثت طوال الوقت عن كوتر، والحماقات، وجاكارتا.

•••

كان الاضطراب الآن خارجيًّا؛ خارج النوافذ — وليس بداخل كِنت — حيث اشتدت الرياح التي كانت تهز أغصان الأشجار طوال لقائهما وبدأت تعصف بها الآن. ولم تكن تلك الأغصان الطويلة الضخمة لتميل أمام أي رياح؛ فقد كانت أفرعها جامدة وأوراقها ثابتة إلى درجة أنها يجب أن تُهَز من الجذور. وفي هذا الوقت من اليوم، انعكست أشعة الشمس على الأوراق الخضراء زيتية المظهر، ولأن الشمس ما زالت مشرقة، لم تصاحب الرياح أي سحب؛ ما عنى أن السماء لن تمطر.

قالت سونيه: «هل ترغب في كأس أخرى، وسأقلل لك الجِن؟»

أجابها بالنفي. فما كان بوسعه ذلك، بعد تناول حبة الدواء.

مضت كل الأحداث سريعًا، فيما عدا الأوقات التي حدث فيها كل شيء بإيقاع بطيء للغاية. ففي رحلتهما بالسيارة، طال وقت انتظار كِنت وصول ديبورا إلى المدينة التالية بصفتها سائق السيارة. ثم ماذا؟ لا شيء. لكن بين الفينة والأخرى، حانت لحظات شعر فيها أن كل شيء يحمل له رسالة تود إخباره بشيء ما؛ الشجيرات المهتزة، والضوء الباهر. حدث كل شيء بسرعة البرق مما سلبه القدرة على التركيز. وفي مثل هذه المواقف، عندما ترغب في تلخيص هذه الأشياء، تمر جميعها أمام عينيك على نحو سريع في مشهد مشوش، كأنك تراها من فوق إحدى ألعاب الملاهي السريعة، فتتخذ فكرة خاطئة بلا شك عنها، مثل احتمالية أن يكون شخص ميت على قيد الحياة في جاكارتا.

لكنك عندما تعلم أن شخصًا ما على قيد الحياة، وأن بإمكانك الذهاب إليه لزيارته في منزله، فإنك تضيع الفرصة من يديك.

ما الذي يمنعه من ذلك؟ هل يخشى أن يرى امرأة غريبة لا يمكنه أن يصدق أنه كان متزوجًا منها يومًا ما؟ أم أنه لا يراها غريبة على الإطلاق، لكنها خرجت من حياته دون أي سبب؟

قال كِنت: «لقد هربا كلاهما.»

تركت سونيه الأوراق الموضوعة على حجرها تنزلق على الأرض لتستقر هناك مع بقية الأوراق.

استطرد كِنت حديثه: «كوتر وكاث.»

فقالت له: «يحدث ذلك كل يوم تقريبًا. كل يوم تقريبًا في هذا الوقت من العام، تهب هذه الرياح في ساعة متأخرة من فترة بعد الظهيرة.»

انعكس الضوء على البقع الموجودة بوجهها أثناء تحدثها، كما لو كانت انعكاسات مرآة.

قالت سونيه: «لقد مر وقت طويل على خروج زوجتك للتسوق. هذا سخف، ولكن لا يبدو الشباب مهمين في نظري؛ فإن اختفوا تمامًا من على وجه الأرض، فلن يهم.»

قال كِنت: «بل على العكس، نحن من تتحدثين عنهم.»

بسبب الحبة التي تناولها، أضحت أفكاره أشبه بالآثار الطويلة التي تخلفها الطائرات في خطوط من الدخان الأبيض في السماء. فجالت بخاطره فكرة تتعلق باستمرار بقائه حيث يجلس مستمعًا إلى حديث سونيه عن جاكارتا، والرياح تعصف بالكثبان الرملية.

إنها فكرة تتعلق بعدم ضرورة المواصلة، والعودة إلى الديار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١