الصيف

جاء المصيف فجفَّتِ الأنداءُ
وشكت يبوستها به الأشياءُ
وتوقدت عند الهجيرة شمسه
فتَلمَّظت بلعابها الصحراء
وعلى الديار تراكمت من شمسه
مِلءَ الفضاء حرارة وضياء
فعلى مَن الشمسُ المنيرة أصبحت
غضبى تجيش بصدرها الشَّحناء؟١
مدَّت إلينا في الهجير أشعَّة
كالكهرباءة نارُها بيضاء
فحكت أشعَّتُها حِرابًا أشرعت
بِيضًا، فما بحديدها أصداءُ
حتى استجار الليلَ من لفحاتها
رَكبٌ سروا فَهدتْهمُ الجوزاء
انظر إلى الحسناء في رَأد الضحى
تمشي فتلفح وجهها الرمْضاء٢
وتمرُّ لاغبة وفوق جبينها
عَرَق ووجنة خدها حمراء٣
إن كان حرُّ الشمس لوَّح وجهها
فكذاك تُؤْذَى الضرَّة الوَرهاء٤

•••

إني لأغفر للمصيف ذنوبه
ولوَ انَّ غارةَ هيفه شعواء
فالصيف أرأف بالفقير من الشتا
ولذا تحب قدومَه الفقراء
قلَّت به الحاجاتُ فالفقراء في
أيامه والأغنياء سَواء
من كان أعوزه كساء منهم
فالصيف مِلحفة له وكساء
والأرض إن طلبوا الرقادَ وِطاؤهم
من دون منٍّ والسماء غطاء
ولئن يكنْ كَدِر النهار فليله
طَلق وفي وجه السماء صفاء
ولئن قسا عند الهجير فريحُه
هبَّت بحاشيتيه وهْي رُخاء
أضحى فطابت في ضُحاه ظلاله
وأتى الأصيل فطابت الأفياء
والصيف أحسن ما به لمُشاهد
صبح أغرُّ وليلة قمراء
وأجل ما يُرتاد فيه جُنينةٌ
ترِفُ الظلالُ بها ويجري الماء
فعليك فيه بسرحة في مَنبعٍ
تحنو عليك غصونها الخضراء٥
١  الشحناء: العداوة.
٢  رأد الضحى: وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء.
٣  لاغبة: متعبة.
٤  الورهاء: الحمقاء.
٥  السرحة: الشجرة الطويلة، أو التي لا شوك لها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤