إلى الشبان١

أدبُ العلم وعلمُ الأدبِ
شرفُ النفسِ ونفسُ الشرفِ
بهما يَبلغُ أعلى الرتبِ
كلُّ رامٍ منهما في هدفِ

•••

أيها السابح في بحر الفنونْ
غائصًا في لُجِّها الملتطمِ
أنتَ واللَّهِ على رغم المنون
ذو وجودٍ قاتلٍ للعدمِ
قرنُك الحاضر من أرقى القرون
خضع السيفُ به للقلمِ
فإذا شئتَ بلوغَ الأربِ
فاغترفْ من بحره وارتشفِ
فالمعالي أُودعتْ في الكتبِ
كاللآلي أودعت في الصَّدَفِ
أنتَ يا جاهلُ من قبلِ المماتِ
ميِّتٌ يمرحُ ما بين البيوت٢
أوما تعلمُ في هذي الحياة
أن ربَّ العلم حيٌّ لا يموت
إذ قضى للعلم ربُّ الكائناتِ
بالعُلا فهْوَ زِمام الملكوت
وعلى الجهلِ قضى بالعَطبِ
فهْوَ في الناسِ دليلُ التلفِ
فافتكرْ إن شئتَ علمَ السببِ
هل يكونُ النور مثل السَّدَفِ٣

•••

يا رعى اللَّه زمانًا لو يدوم
كان للدَّهر كأيام الصِّبا
أشرقتْ فيه من العلم النُّجوم
ظنَّ كلُّ الناسِ أن لنْ تغرُبا
زمنٌ قد ضحكت فيه العلوم
ونراها اليومَ تبكي العَرَبا
حيثُ منهمْ فقدتْ خيرَ أبٍ
واغتدتْ من يُتمها في شظفِ٤
يا عهودَ العِلمِ ما شئتِ اندبي
يا عيونَ المجد ما شئت اذرفي

•••

هل أتاكَ الدهرُ، فيما قد أتى،
بحديثِ العُربِ في الأندلسِ؟
حيثُ بالعَزمِ أماطوا العنَتَا
وبنورِ العِلم ليلَ الهوَسِ٥
فاسألنَّ الغربَ عما ثَبُتا
في رُبوعٍ خلَّفوها دُرُسِ؟
هل ترى ثمَّةَ من لم يجبِ
عن معاليهم ولم يعترفِ؟
آهِ لو يرْجِع ماضي الحُقُبِ
آه لو عاد زمان الشرف!

•••

سل رُبا بغدادَ عما قد مضى
لبني العباس في تلك الديارْ
واسألنَّ الشامَ عما قد أضا
للمعاويين فيها من فخارْ
كم ترى للمجدِ سيفًا منتضى
كم ترى للعلم فيها من مَنارْ!
عجبي يا قومُ كلَّ العجبِ
هذه الآثارَ لم لا نقتفي؟!
آهِ من رقدتنا وا حَربي
آهِ من غفلتنا وا أسفي!٦

•••

يا أُباةَ الضَّيمِ من عُليا نزارْ
أينَ منكم ذهبتْ تلك الطِّباعْ؟
كنتمُ كالسيفِ مشحوذَ الغِرار
والذي حلَّ حِماكم لن يُراع٧
كم إلى العلمِ أقمتم من مَنار
بعقولٍ هي أسنى من شعاع
قطَفتْ أبواعُكم عن كثبِ
كلَّ مجد شاهقِ المقتطفِ٨
تلك واللَّهِ مزايا العرب
أورِثُوها خلفًا عن سلفِ

•••

أنتِ يا شمسُ على كرِّ السنين
قد تقلبتِ طلوعًا في الورَى
حدثينا بحديثِ الأولين
فلقد شاهدتِ تلك الأعصرا
أفكانوا مثلنَا مختلفين
لا يُغيثون إذا خطبٌ عرَا؟٩
إننا يا شمس في مُضطربٍ
قد ألفناهُ فلم نأتِلفِ
إن بقينا هكذا فاحتجبي
عن بني الغبراءِ أو فانكسفي

•••

يا بني يعرُبَ ما هذا المنامْ
أوَما أسفرَ صبحُ النُّوَّمِ؟!
أينَ من كان بِكم يرعى الذِّمامْ
ويلبِّي دعوةَ المهتَضمِ؟١٠
أفلا يلذعُكم مني الملامْ
فلقد ألفظُ جمرًا من فمي؟!
خارجًا عن نَفَسي كاللهب
محرقًا مهجة قلبي الدنفِ
أنا لولا فيضُ دمعي السَّكِبِ
لتحرَّقتُ بنارِ الأسفِ

•••

يا شبابَ القومِ لولاكمُ لما
ساغَ لي العذبُ وما إن لذَّ لي
إنني أبصرُ منكم أنجمًا
لامعاتٍ في ظلامِ الأملِ
فاصبروا اليومَ على حرِّ الظَّما
كي تنالوا الرِّيَّ في المستقبلِ
واتعبوا اليومَ فعُقبى التعبِ
راحة مُشبعَةٌ بالترفِ
لتقونا أسوأ المنقلب
إذ بناءُ القوم هاري الجُرُفِ

•••

يا شبابَ القومِ هُبُّوا للبرازْ
فبكم يَبسم ثغرُ الوطنِ
وارفلوا إما بثوبِ الإعتزاز
أو بثوبٍ هو ثوبُ الكفَن
وأعدُّوا العلمَ لا السيفَ الجُراز
إنه عُدةُ هذا الزمن١١
بسواه العزُّ لم يكتسبِ
وهو المُنصِفُ للمنتصفِ
إنه واللَّهِ لا عن كذبِ
شرفُ النفسِ ونفسُ الشرف
١  هذه القصيدة أنشدت يوم افتتاح المنتدى الأدبي الذي أسسه شبان العرب في الآستانة، وقد طلبوا إلى الرصافي أن ينظم لهم قصيدة تُنشد في يوم الافتتاح المذكور، فنظم لهم هذه القصيدة.
٢  يمرح: يتبختر ويختال فرحًا ونشاطًا، والجملة صفة الميت، والغرض من وصفه بها بيان الفرق بينه وبين الميت الحقيقي، كما يدل عليه قوله: من قبل الممات، أي: أنت ميت مجازًا قبل أن تموت حقيقة.
٣  السدف بفتحتين: الظلمة، ويجوز أن يكون بضم ففتح، على أن يكون جمع سدفة كظلمة، وزنًا ومعنى.
٤  الشظف: بالتحريك، ضيق العيش ويبسه وشدته.
٥  العنت: مصدر عنت إذا فسد، أو وقع في أمر شاق، أو لقي الشدة وهلك. والهوس: بفتحتين طرف من الجنون وخفة العقل.
٦  وا حربي: وا، حرف ندبة للتوجع أو التفجع، والحرب بفتحتين: الهلاك، يقال: وا حربا ووا حربي توجعًا أو تأسفًا وكذلك وا أسفي ووا أسفا.
٧  الغرار: بالكسر حد السيف، ومشحوذ الغرار: أي ماضي الحد.
٨  الكثب: بفتحتين، القرب، يقال: رماه من كثب، وعن كثب؛ أي من قرب وتمكن.
٩  عرا: يعرو؛ أي عرض وألم. والخطب هنا: الأمر المكروه.
١٠  المهتضم: بصيغة المفعول، المظلوم.
١١  الجراز بالضم: صفة للسيف، ومعناه القاطع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤