في إيلياء

إلى فاضلَيْها: النشاشيبي والسكاكيني

أرى الأيام ظامئة وليست
بغير دم الأنام تريد ريَّا
ولو لم تنوِ حربًا ما تبدَّى
بها شكل الأهلة خنجَريَّا
ودلَّ على تقلبها انقلاب
لِجرم الأرض حين غدا كُريَّا
وأصلدت الحقيقةُ في الليالي
فلما يقتدحْ زندًا ورَيَّا١
نفضتُ يديَّ من أبناء دهرٍ
أهانوا الشهم واحترموا الزريَّا
وقلَّ حياؤهم حتى رأينا
ظنينَ القوم يتَّهم البريا
وساد الجاهلون فلستُ أدري
أُعزِّي العلم أم أبكي الدُريَّا؟!
لهمْ عينٌ تراعي السرَّ يقظى
وقلبٌ ظلَّ في عمَهٍ كريَّا
تقلَّدت السيوف رُعاة معْز
وكانت قبل تحتمل الهِريَّا٢
فجرد منهم الرعديدُ عضبًا
وهزَّ أخو الجبانة سمهريَّا٣
وكم ترِب تجَسَّس للأعادي
فأصبَحَ من تجسُّسه ثرِيَّا!
وساعٍ كان يسرَحُ بالمواشي
فأمطى من سِعايته شريَّا!
وإن لساسة الدنيا لقلبًا
قَسيًّا في السياسة مَرْمرِيَّا
قد اتخذوا الحسام لهم لسانًا
فقالوا البطْلَ واختلقوا الفَريَّا
وكيف تُساس مملكةٌ بعدل
إذا ما الحكم أصبح عسكريَّا؟

•••

ألا ما بالُ دمعي ليس يرقا؟!
كأنَّ بمقلتي عِرقًا صريَّا
إذا ذُكرَ العراق بكيتُ شجْوًا
بدمعٍ طَمَّ سائله القَريَّا
وَلَمَّا سِرْتُ في جبلٍ وسهلٍ
وكابدتُ السمائم والعريَّا
نزلت بإيلياء على كرامٍ
وخِيمُ العيش عاد بهم مرِيَّا
فكدتُ بقربهم أنسَى بلادي
وأسلو الطفَّ ثمَّةَ والغريَّا
ولم أرَ كالنشاشيبيِّ ندْبًا
إلى العلياء مبتدِرًا جريَّا
فتًى سعت المفاخرُ وهي عَطشى
إلى آدابه فأصبن رِيَّا
تجدَّد في العلاء فكان بِدعًا
فعاش بمصرِه رجلًا طَريَّا
وأحرز في الورى شرفًا رفيعًا
وصيتًا في العلا إسكندريَّا
ولم أرَ سيدًا كأبي سريٍّ
ولا مثلَ ابنه ولدًا سَرِيَّا
هما متشابهان فعبقريٌّ
من الآباء أنجب عبقريَّا
أبٌ في المجد أروعُ أحْوَذيٌّ
نمَى للمجد أروعَ أحوذيَّا٤
إلى الشهم السكاكينيِّ أُهدي
ثناءً لا يزالُ به حَرِيَّا
فتًى غرس المكارمَ ثم منها
جنى ثمر العُلا غضًّا طرِيَّا
يعافُ مَعاشه إلا شريفًا
ويأبى المجدَ إلَّا جوهريَّا
١  أصله: لم يور.
٢  الهريا: العصي، وهو جمع هراوة.
٣  العضب: السيف القاطع. والسمهري: الرمح الصلب الشديد.
٤  الأحوذي: الجاد في أمره، والحسن السياقة للأمور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤