ميت الأحياء وحي الأموات

تيقَّظْ فما أنت بالخالدِ
ولا حادث الدهر بالراقدِ
فخلِّد بسعيك مجدًا يدومُ
دوام النجوم بلا جاحد
وأَبْقِ لك الذكر بالصالحات
وخلِّ النزوع إلى الفاسد١
وردْ ما يناديك عنه الصدورُ
ألا دَرَّ درُّك من وارد!٢
وسر بين قومك في سيرةٍ
تميت الحقود من الحاقد
فإن فتَى الدهر مَنْ يدَّعي
فتأتي أعاديه بالشاهد
ولا تكُ مُرمًى بداءِ السكون
فتصبح كالحجر الجامد
وكن رجلًا في العلا حُوَّلًا
تفنَّن في سيره الراشد٣
إذا اطَّردتْ حركات الحياة
ومرَّت على نسَقٍ واحد
ولم تتنوَّع أفانينها
ودامت بوجهٍ لها بارد
ولم تتجدَّد لها شَملَةٌ
من السعي في الشرف الخالد
فما هي إلا حياة السَّوامِ
تجول من العيش في نافدِ٤

•••

وما يُرتجَى من حياة امرئٍ
كماءٍ على سَبخة راكد٥
وليس له في غضون الحياة
سوى النفَس النازل الصاعد
يَغضُّ على الجهل أجفانه
ويرْضى من العيش بالكاسد
فذاك هو الميتُ في قومهِ
وإن كان في المجلس الحاشد
وما المرءُ إلا فَتًى يغتدِي
إلى العلم في شَركٍ صائد
سعى للمعارف فاحتازها
وصاد الأنيسَ مع الآبد٦
وطالع أوجه أقمارها
بعينِ بصيرٍ لها ناقد
فأبدى الحقائق من طَيِّها
وألقى القُيود على الشارد
إذا هو أصبح نادَى: البدارَ
وشمَّر للسعي عن ساعد
فكان المجلِّيَ في شأوه
بعزمٍ يشقُ على الحاسد
وإن بات بات على يَقْظَةٍ
بِطَرفٍ لنجم العُلا راصد
وأحدثَ مجدًا طريفًا له
وأَضْربَ عن مجده التالد
وما الحمقُ إلا هو الاتكا
لُ على شرَفٍ جاءَ من والد
فذاك هو الحيُّ حيُّ الفخار
وإن لحدَتْهُ يد اللاحد
١  النزوع: المَيل.
٢  الصدور عن الأمر: الرجوع عنه. در درك: أي أكثر خيرك، وأصل معنى الدر: اللبن.
٣  الحول: هو الشديد الاحتيال.
٤  السوام: الحيوانات السائمة.
٥  السبخة: الأرض ذات النز والملح.
٦  الآبد: النافر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤