أدرنة١

أدِرْنَةُ مَهلًا فإن الظُّبا
سترعَى لكِ العهدَ والمَوثِقَا
وداعًا لمغناك زاهى الرُبا
ودَاعًا ولكن إلى المُلتقى

•••

عَزاءً لمسجدك الجامع
أفارقَ محرابُهُ المِنبرا؟!
وهل في مُصلاهُ من راكع
يجيب المؤذن إن كبَّرا؟
فيا لَسقوطك من فاجعٍ
به فَجعَ الدهرُ أُمَّ القرى
وقبرَ النبوة في يثْرِبا
ومَثوَى ضجيعيه مَثوَى التُقى
ومن في البقيع ومَنْ في قُبا
ومن شهدوا الفَتْح والخندقا

•••

رُويدًا أدرنة لا تجزعي
وإنْ قد أمضَّكِ هذا الأذى
إذا أنتِ بالسيف لم ترجَعي
فلا حبَّذَا العيش لا حَبَّذا
ألا أنتِ «ألزاسُنا» فاسمَعي
ونحن الفرنسيس مِن بعْد ذا
سلام على قُطرِك المُجتبى
سلام على أفُقِك المُنْتقى
أَيُمْسِي لِشرْك العِدا مَلعَبًا
وكان لتوحيدنا مَعْبقا؟

•••

لقد حلَّ فيها لواءٌ مُريبْ
حلولَ الحقارة بين الجَلال
فظلَّتْ بأدمعها والنحيب
تنوحُ على نجمها والهلال
أَنَنْسى أدرنةَ عما قريب؟!
إذن لا بلغنا العُلا والكمال
فسوف على الرغم من أوْرُبا
نقومُ لها فَيْلَقًا فَيلقا
فتُبكي هزاهزُنا المَغْربا
وتُضحك أسيافُنا المَشْرِقا٢

•••

أرى الدهر أنهض كل العدا
على حينَ قد قعدَ المسلمون
فكم جرَّعونا كئوس الردَى
ونحن على كيدهم صابرون
أيحسنُ يا قومُ أن نقعدَا
وقد آن أن يَنهض القاعدون؟!
فَسيلُ المصائب غَطَّى الزُّبا
وَغيم النوائب قد طبقا
وأوشكتِ الأرض أن تقلَبا
وصبح القيامةِ أن يَفلِقا

•••

دع الغربَ يَنعم في بالهِ
وإن لقيَ الشرقُ منه الكروب
ولا تسألنْهُ بأفعالهِ
فعهد التمدُّن عهد كذوب
فنحن اغتررنا بأقوالهِ
ولكننا بعد هذي الحروب
سنأبى عليه أشدَّ الإبا
فإما الفَناء وإما البقا
ونركبُ من عزمنا مَركبا
ونرقَى وإنْ صَعُب المرتقَى

•••

لقد آنَ يا قومُ تركُ الونى
وترك الشِّقاق وترك الدَّدِ٣
إلى كم نكابد هذا العَنا
ونخبِطُ في جهلنا الأسود؟!
وبالعلم من قبلُ نِلنا المنى
وفزنا من العيش بالأرغدِ
ولكنما العلمُ قد غرَّبا
فلا عيش إلا إذا شرَّقا
فهبُّوا إليه هبوب الصَّبا
عسى أن يَسحَّ ويَغْدَودِقا
١  هذه القصيدة قالها الرصافي لما سقطت «أدرنة»، وأخذها البلغار، وذلك في الحروب البلقانية العثمانية.
٢  هزاهزنا: أي وقائعنا وحروبنا.
٣  الدد: اللهو واللعب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤