الحياة المثالية

وهل هي ممكنة؟

كنت وأنا طالب بمدرسة الحقوق أُعد نفسي للجهاد والمساهمة في سبيل تحرير البلاد والنهوض بها. رسخ في نفسي هذا الاتجاه حتى صار (فيما أظن) عقيدة كان ولم يزل لها أثرها في حياتي السياسية والاجتماعية؛ فمن الوجهة السياسية اعتنقت المبدأ الذي يتفق مع هذا الاتجاه وهو مبدأ الجلاء، وانضويت تحت لواء الزعيمين اللذين رأيت فيهما المُثل العليا للوطنية الحقة، وفهمت الوطنية على أنها إخلاص للوطن، وسعي متواصل لتحقيق أهدافه واستمساك بحقوقه، وتغليب لمصالحه العليا على مصالح الإنسان الشخصية. ومن الوجهة الاجتماعية جعلتني هذه العقيدة أرى أن الوطنية تتطلب من الوطن أن يحيى حياة مثالية؛ لأن الحياة المثالية هي الأساس الوطيد للحياة الوطنية. فتاقت نفسي عندما تخرجت من مدرسة الحقوق وانتظمت في سلك الحياة العملية أن أنشد المثالية في حياتي الشخصية والعائلية والاجتماعية، وأن أَنشدها في الحياة السياسية أيضًا. ولم أكن أُخفي على نفسي أن الحياة المثالية ليست من اليسر ولا من السهولة بحيث تغري شابًّا مثلي في مقتبل العمر أن يسلك سبيلها، ولكن هكذا شاءت الأقدار أن أَنشدها لنفسي، ولست أدري مبلغ ما حققت منها، وإلى أي مدًى كنت مثاليًّا أو غير مثالي، وهل الحياة المثالية ممكنة أم لا، نافعة أم ضارة، وهل هي — بوجه خاص — ممكنة في الحياة السياسية أم لا، وهل أخطأت أم أصبت في نشداني لها؟

كل هذه أمور لست أستطيع بعد طول السنين أن أجيب عنها، وما فائدة البحث فيها الآن؟

لكن الذي يمكنني الإفضاء به أني اجتهدت أن آخذ من الحياة المثالية أقصى ما أستطيع، ويمكنني أن أقول إن نصيب الإنسان منها يتبع مبدئيًّا الوسط والبيئة التي يعيش فيها؛ فالمجتمع الذي يؤمن بها يساعد بداهة على أن يحياها المواطن الصالح، والمجتمع الذي لا يؤمن بها يخذلها ويباعد بين الإنسان وما ينشده منها. على أن الإرادة الشخصية لها دخْل في توجيه المواطن إليها، وهي على أي حال تحتاج إلى ذخيرة من الصبر، ومن الصوفية الوطنية، تجعل المرء غير مكترث لِما يلقاه من العقبات والمتاعب.

أوَليست الوطنية نضالًا في سبيل المُثل العليا؟ وهذا النضال يقتضي توطين النفس على احتمال الأذى في سبيل محبة الوطن؟ هكذا قالوا! فهل هي مجرد أقوال وخيالات وأحلام أم أقوال تؤيدها الأعمال؟ وكيف يمكننا أن نبثَّ روح الوطنية في نفوس الجيل إذا لم نكن مثاليين في وطنيتنا؟

على أي حال قد سعيت في أن أجعل لهذه الخيالات نصيبًا من الحقائق، ولست أدري هل حققت شيئًا منها أم كنت واهمًا في تفكيري ومسعاي؟

ومما رغَّبني في الحياة المثالية اعتقادي أنها من أقوم السبل إلى النهوض بالأمة وتحريرها من قيود النقص والضعف التي تتعثر فيها من الوجهة الوطنية والأخلاقية والاجتماعية، وهذا التحرير الوطني هو السبيل إلى التحرير السياسي. وليس من الميسور أن تُحرر الأمة من عيوبها ومواطن الضعف فيها بالقول والكتابة، بل يجب أن تكون القدوة الصالحة هي أولى السبل في هذا الجهاد، فعلى الإنسان أن يكون مواطنًا صالحًا ومواطنًا مثاليًّا قدر ما يستطيع؛ فإنه بذلك يقيم لبنة في صرح النهضة القومية. ولقد كنت قبل أن أتخرَّج من مدرسة الحقوق أنتقد الصفوة المتعلمة من الأمة في تقاعدها عن أداء واجباتها الوطنية، وأعربت عن هذا الشعور في مقالتي الأولى باللواء؛ ومن ثَمَّ أخذت نفسي بأن أنشد الجانب المستطاع من الحياة المثالية؛ إذ كيف أعد المآخذ على غيري دون أن آخذ نفسي بما يجب أن يفعلوه؟!

حقًّا إن طريق الحياة المثالية ليس معبَّدًا ولا مفروشًا بالأزهار والرياحين، بل هو طريق قد يكون شائكًا كثير المتاعب والعقبات، وربما جر على صاحبه بعض العنت والخذلان وجعله عرضة لكثير من صنوف العداوة وضروب التجهم والتنكر. ولكن على الإنسان أن يكون له هدف في الحياة، فإذا كان هذا الهدف شريفًا، فليتذرع بالشجاعة والإيمان والقناعة والإقدام؛ فإنه بالغٌ بفضل الله غايته أو نصفها أو ربعها أو القليل منها، ولكنه سائر على أي حال في الطريق القويم، والأمم لا تنهض إلا بهذا النوع من الحياة. إنها لا تنهض بالحياة النفعية الفردية، وإنما تنهض بالحياة الوطنية. إن الحياة النفعية تفيد صاحبها، ولكنها إذا اصطبغت بالأنانية وعمَّت المواطنين، كانت الأمة مجموعة من الأفراد المتخاذلين لا يُعتمد عليهم في النهوض بالوطن والبذل في سبيله ودفع الأذى عنه.

كان لي صديق في الدراسة ارتبطت وإياه برباط الود والإخلاص، تخرَّجنا معًا من مدرسة الحقوق، ومع طيبة أخلاقه واستقامته وحُسن سريرته؛ فإنه يرى خدمة البلاد بغير الطريقة التي كنت أَنشدها. كان قليل الثقة في المجتمع وفي المواطنين، ونظريته أن على الإنسان أن يكون قويمًا في ذاته ومسلكه فحسب، أما أن ينشد الحياة المثالية فإنه بذلك يعرِّض نفسه للأذى بغير نتيجة، وكانت تدور بيننا من حين لآخر مناقشات ومحاورات في مختلف الرأيين، وكان يحذِّرني دائمًا مغبة الحياة التي كنت أَنشدها، وكنت أخالفه في الرأي، وأقول له إن أمتنا لم تلقَ من بنيها الخدمات الصادقة الصحيحة، ولو هي وجدت منهم هذه الخدمات لكانت حالها خيرًا مما هي عليه، فإذا لم يجد من الطبقة المتعلمة المثقفة مثل هذه الخدمات فممن تنتظرها؟! أما هو فكان يقول لي: وهل يضحي الإنسان بنفسه في وسط لا يقدِّر التضحية بل يخذل صاحبها؟ وأين الوسط الذي يقدِّر الإخلاص والمُثل العليا؟

وكثيرًا ما كان يقول لي: إنك تعيش في جو من الأوهام، وستصدمك الحقائق العملية في الحياة، وسترى أن المجتمع لا يقدِّر المثاليين بل يقدِّر النفعيين والوصوليين بأكثر مما تتوهم أنه يقدِّر المثاليين وينصر أولئك بمقدار ما يخذل هؤلاء! وكنا نفترق مختلفين في الرأي والحجة دون أن يؤثر هذا الخلاف في صداقتنا، ولكلٍّ وجهة.

لست أدري على وجه التحقيق من كان منا على حق ومن كان منا مخطئًا — على الأقل في حق نفسه. كل هذا لم يصرفني عن التمسك برأيي، وقد يكون تمسُّكي بهذا الرأي أمرًا غير إرادي، ولكن هكذا اتجهت نفسي هذه الوجهة ولقد كان لها أثرها في مختلف مراحل حياتي.

اخترت المحاماة وآثرتها على الوظيفة متأثرًا بالنظرية المثالية.

اخترت المحاماة، ثم الصحافة، ثم عدت إلى المحاماة وبقيت فيها على تعاقب السنين؛ إذ رأيت أنها أقرب إلى أن أجد فيها الحياة المثالية لمن يريد أن يحياها، رأيت فيها المجال فسيحًا لأساهم بنصيبي في الكفاح الوطني، وكنت أرى في الوظائف مجالًا ضيِّقًا لهذا الكفاح. ومن هنا آثرت المحاماة على الوظائف، ورأيت في المحاماة أيضًا الحرية التي كنت أَنشدها، فلا يحد من عملي فيها رئيس أو رقيب. وكنت أتخير من القضايا ما أراه سليمًا، فأجد من حرية الاختيار ما لا أجده لو كنت موظفًا؛ فإن على الموظف مهما كان مستقل الرأي حي الضمير أن يعمل بما يؤمر به من الرؤساء ولو خالف ضميره في بعض المَواطن، والنظام الحكومي بل الاجتماعي يقتضي ذلك. حقًّا إن المناصب القضائية التي كانت تؤهلني لها إجازة الحقوق هي أبعد مناصب الدولة عن التأثر بأوامر الرؤساء وأكثرها استقلالًا، ولكني مع ذلك رأيتني في المحاماة أكثر حرية واستقلالًا وأقرب إلى ميدان الكفاح الوطني مما لو اخترت الوظيفة.

(١) أول مؤلفاتي: حقوق الشعب (سنة ١٩١٢)

اتجهت نفسي منذ سنة ١٩١٠ إلى الجمع بين المحاماة والتأليف، فقضيت أوقات فراغي من المحاماة سنة ١٩١١ وأنا بالزقازيق في تأليف أول كتاب لي وهو «حقوق الشعب»، وقد تم طبعه وظهوره في مارس سنة ١٩١٢.١ وعنوانه يدل على موضوعه ومعناه. ضمَّنته شرحًا للمبادئ الدستورية، ووضعته لتأييدها وتدريسها وتعميمها، عبَّرت فيه عن الحكام بأنهم «وكلاء الأمة»، وأهبت بالأمة أن تناضل عن كيانها بكل ما أوتيت من حول وقوة، وجعلت شعار الكتاب: «تبتدئ القوة حيث ينتهي الضعف.» وقلت في مقدمته تعريفًا بالغرض من تأليفه: «القوة والعلم، هذان العاملان هما الدعامتان اللتان تضمنان للأمم حياتها وحقوقها. جئت في هذا الكتاب أخاطب فئتين من الأمة كانوا دائمًا جنود الحرية في كل بلاد، وهما: رجال الغد، وجمهور الشعب. جئت أخاطب إخواني الشبان رجال الغد الذين أعدُّ نفسي واحدًا منهم وأعتقد أن عليهم واجبًا كبيرًا هم مدينون به نحو الله ونحو الأمة وهو واجب العمل لتحرير بلادنا؛ فكل شاب منا، سواءً كان لا يزال في مهد التعليم يتلقى العلوم ويتغذى بلبان المعارف في المدارس، أو دخل في معترك الحياة، كثيرًا ما يتساءل: «كيف أقوم بالواجب؟» ويطلق لنفسه عنان البحث للجواب على هذا السؤال؛ لأنه سؤال لا يكفي للجواب عنه تفكير لحظة واحدة أو يوم واحد، بل يحتاج إلى إطالة في البحث والتفكير، هذا السؤال الذي يجدُر بكل إنسان أن يجعله وِجهته في الحياة والذي يجب ألَّا نعدَّ الرجل رجلًا إلا إذا عرف كيف يجيب عنه قولًا وفكرًا وعملًا، هذا السؤال قد جعلت غرضي من وضع الكتاب أن أجيب عنه.» إلى أن قلت: «أردت في هذا الكتاب من جهةٍ أن أطرح بين يدي إخواني نموذجًا مختصرًا للعمل على أداء واجبهم نحو الأمة، ثم تخيَّرت من جهة أخرى في وضعه طريقة أغلب المؤلفين الغربيين الذين وضعوا الكُتب والمؤلفات لتعميم حقوق الشعب ونشر النظريات الدستورية. وقصدت من ذلك أن يكون هذا الكتاب كمجموعة دروس لمبادئ الحقوق العمومية وبسط العلاقات بين الشعوب والحكومات حتى لا يُحرم عامة القارئين من عرفان تلك المبادئ الضرورية لكل مجتمع يريد أن يكون حرًّا.»

وجعلت الكتاب في قالب محاورات واجتماعات بين فريق من الشباب وجمهرة من القرويين يدور فيها الحديث حول هذه المواضيع.

وقد أُعجب فريد بك بهذا الكتاب وهنأني بتأليفه وقال لي: «في البلاد صحافة وطنية، وينقصها التأليف الوطني، وقد سلكت هذا السبيل فاستمر فيه وفقك الله.» وقد عملت بنصيحته جهد المستطاع.

(٢) صلتي بفريد بك «في منفاه»

هاجر محمد فريد من مصر في تلك السنة (١٩١٢)، فاستمرت صلتي به في منفاه، وكنت أراسله وأُعرب له في رسائلي عن إخلاصي له وثباتي على عهده، وزرته في منفاه بالآستانة في أغسطس سنة ١٩١٢، وشعرت بغبطة كبيرة؛ إذ رأيته في صحة موفورة ونفسية مطمئنة. وقد سافر يوم ٢٠ أغسطس قاصدًا باريس فجنيف وودعته على المحطة مع من ودَّعوه من المصريين، وكانت هذه آخر مرة رأيته فيها، ثم بادلته المراسلة في منفاه، وجاءتني منه عدة رسائل تفيض عطفًا عليَّ وتقديرًا لي، فزادت صلتي به توثيقًا وتوكيدًا، منها رسالة بعث بها إليَّ في بطاقة بريد «كرت بوستال» من جنيف بتاريخ ٥ ديسمبر سنة ١٩١٢ قال فيها:

حضرة ولدنا الفاضل

سلامًا وتحية. وبعدُ، فأُخبر الأخ أني في غاية الصحة رغمًا عن البرد الشديد الذي نزل اليوم إلى ما تحت الصفر، وعن الثلج الشديد الذي كسا الأرض أول أمس حُلةً بيضاء نقية وغطى جميع الجبال المحيطة بنا، ثم أرجو تبليغ سلامي لحضرة الشقيق الأمين وباقي الإخوان، وفقكم الله وإيانا لخير العمل وعمل الخير.

محمد فريد
وأرسل إليَّ بتاريخ ٢١ ديسمبر سنة ١٩١٢ الكتاب الآتي من جنيف:

جنيف في ٢١ ديسمبر سنة ١٩١٢
أخي الصادق رفع الله مقامه

استلمت بيد السرور جوابك رقم ١٤ الجاري، وأثلج صدري ما به من العبارات الدالة على الصدق والإخلاص للوطن الأسيف. لديَّ الآن مسألة مهمة جدًّا أحب أن تهتم بها أنت والإخوان، وهي أننا كنا معتادين على مساعدة جريدة «إجيبت» التي تصدر بلوندرة بمائتَي جنيه سنويًّا دفعناها تمامًا في سنة ١٩١١ ودفعنا جزءًا منها في أوائل سنة ١٩١٢ وهو ٤٠ جنيه فقط، فقام مستر بلنت وإخوانه بمصروفها إلى آخر عدد ظهر منها (ووصلني صباح اليوم) بمساعدة بعض الطلبة بإنجلترا، واليوم كتب لي المستر بلنت بعدم إمكان اللجنة القيام بنشرها ما لم ندفع لها إعانة سنوية قدرها مائتا جنيه. وفي نظري أن بقاء هذه المجلة في عالم الوجود ضروري لنا الآن؛ خصوصًا وقد أصبحنا بلا لسان يعبِّر عن أفكارنا في مصر إلا «الشعب» وطبعًا هو قصير العمر ما دامت الوزارة الحالية موجودة.

فأرجوك التكلم في هذه المسألة مع الإخوان لجمع هذا المبلغ ولو على قسطين يُدفع الأول في شهر يناير والثاني في أبريل مثلًا؛ لأنه لا يصعب على الأمة التي تجود بمئات الآلاف من الجنيهات ألا تبخل بمائتي جنيه فقط لمثل هذا العمل المفيد. إني أشتغل الآن في وضع رسالة صغيرة بالفرنساوية أشرح فيها الأسباب التي أوصلت الدولة العَلِيَّة لهذه النقطة الخطرة وهذا المركز الحرج، وربما ظهرت هذه الرسالة في بحر يناير.

وفي الختام أُهديك أنت وجميع الإخوان مزيد سلامي ووافر تحيتي. دمت لأخيك أو والدك المخلص.

لم أرَ في الجرائد ذكرًا لعيد رأس السنة الهجرية، هل لم يحتفل به نادي المدارس العليا كالمعتاد؟

إذا أمكنك أن ترسل لي كتاب مصطفى الرافعي «حديث القمر» أكون لك من الشاكرين. عنواني الحالي: 7 bis Boulevard du Pont d’Arve, Genève.
محمد فريد
وقد شهدت في سنة ١٩١٣ وما بعدها انفضاض بعض أنصار الفقيد البارزين من حوله، وكأن وجوده في المنفى قد أنساهم عهده، وزاد في انصرافهم عنه غضب الخديو عليه، إلى غضب الاحتلال. وكنت أُفضي إليه في بعض رسائلي بألمي من تقاعس الكثيرين عن القيام بواجبهم الوطني، فأرسل إليَّ من الآستانة في مارس سنة ١٩١٣ خطابًا يحثني فيه على عدم اليأس وعدم التأثر للذين تخلَّفوا وتركوا الصفوف، ويرغِّب إليَّ وإلى الإخوان العمل في نشر الدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي لكي تستمر الحركة الوطنية في نموها ونشاطها، قال:

الآستانة في ٢٥ مارس سنة ١٩١٣
حضرة الأستاذ الفاضل والوطني المخلص

عزيزي، وصلني جوابك المؤرَّخ ٩ الجاري المرسَل إلى جنيف، وعلمت منه عدم وصول أعداد رسالتي إليك، وهذا غير مستغرب؛ فقد اتصل بي أن الطرد المرسل إليكم حُجز وصودر بجمرك الإسكندرية مع طردَين آخرَين مرسل أحدهما إلى ديمر الكتبي والآخر إلى السخاوي، ولم يفلت إلا الطرد المرسل إلى الأخ عبد الملك، ولا أدري إذا كانت أعداد المجلة وصلتك؛ إذ ربما تُحجز هي أيضًا.

هذا وقد ساءني ما جاء بجوابكم المذكور من العبارات التي تشفُّ عن اليأس من مستقبل الأمة بسبب ما ظهر من بعض أبنائها من الخور والضعف، تلك الحالة التي أدت إلى تلبية العموم لدعوة عميد أعداء البلاد، وما كنت لأنتظر هذا «الشبه اليأس» منك لِما أعهده فيك من قوة الإرادة وشدة الوطنية. فإذا كان الخوف من رجال السلطة حدَا بالكثيرين إلى عدم إظهار إحساسهم الوطني، فما يمنعهم من صرف همتهم إلى المشروعات الاقتصادية، كالنقابات وشركات التعاون المنزلي والمالي، وقد برهن ما أُسِّس منها عن نجاح عظيم وعلى استعداد الأمة للإقبال على مثل هذه المشروعات. هذا ميدان واسع للجميع، فادخلوا فيه بهمَّة ونشاط، فاستقلال مصر الاقتصادي مقدمة لاستقلالها السياسي.

على أني لم أزل أرى من الضروري تقوية لجنة الحزب الإدارية وتتميم أعضائها بانتخاب المخلصين وضمهم إليها وإتيان بعض الأعمال التي تبرهن على وجودها.

أرجوكم الاجتهاد في إدخال أعضاء عاملين في جمعية ترقِّي الإسلام وأن تكون أنت في مقدمة المشتركين (والاشتراك عشرون فرنكًا في السنة)؛ فإن هذه الجمعية سيكون لها مستقبل عظيم وأثر فعَّال في جميع جهات الإسلام لو وجدت أقل مساعدة.

وفي الختام أُهديكم أنت والإخوان مزيد السلام.

محمد فريد

(٣) كتابي عن التعاون (١٩١٤)

وقد عملت بنصيحته وضاعفت جهودي في خدمة الحركة التعاونية والحركة الاقتصادية، وصرفت سنة ١٩١٣ في وضع كتابي عن «التعاون» والمساهمة في تأليف بعض النقابات الزراعية ودراسة بعض الشئون الاقتصادية. فكتبت في «الشعب» سلسلة مقالات عن ميزان مصر الاقتصادي (أعداد ٢٣ سبتمبر وأول و٢ و٥ و١٠ و١٤ أكتوبر سنة ١٩١٣)، وعن الكماليات في مصر وخسارتها منها (عدد ٢٤ أكتوبر سنة ١٩١٣)، وعوائق الصناعة الوطنية (عدد ١٨ نوفمبر سنة ١٩١٣).

ولما علم الفقيد باشتغالي بوضع كتابي عن التعاون، أرسل إليَّ في ٢٢ أبريل سنة ١٩١٣ الخطاب الآتي:

الآستانة البلد في ٢٢ أبريل سنة ١٩١٣
حضرة عزيزي الفاضل عبد الرحمن أفندي الرافعي

وصلني عزيز خطابك الرقيم ٤ الجاري، وقد سرَّني اشتغالكم بهذا المؤلَّف الاقتصادي، كما سرَّني خبر انصراف همة أحمد بك لطفي لهذه الغاية المفيدة؛ خصوصًا وقد علمت من مطالعة الجرائد أن كتشنر سيشتغل بها استجلابًا للأمة نحوه ونحو الاحتلال، فيجب عليكم أن تسبقوه لهذا العمل؛ حتى لا تُغشَّ الأمة ولا تنصرف إليه. على أني لم أسمع من مدة بتشكيل نقابات جديدة أو شركات تعاون أو شيء آخر من هذا القبيل، مع أنكم لو قام كل فرد منكم بتأسيس جمعية اقتصادية في دائرته لبلغ عددها في وقت قليل العشرات بل المئات؛ ولذلك أرى أن اشتغالك بالتأليف لا يجب أن يمنعك من الاشتغال عمليًّا في تأسيس النقابات مع إخوانك، وما هذا بعزيز عليكم لو أردتم، ولعلَّني أسمع قريبًا بأخبار ما تؤسِّسونه من الشركات والجمعيات الجديدة.

سرَّني كذلك ما قررته اللجنة من عقد مؤتمر وطني بجنيف، وقد رأيت أن يكون في ٢٢ سبتمبر أي تاريخ انعقاد المؤتمر الأول. وإني أقترح عليك أن تكتب تقريرًا عن حالة النقابات بمصر وتاريخها وبعض إحصائيات عنها وعن أعمالها، لنُظهر للعالم شيئًا من أعمالنا العملية ونبرهن على أن حزبنا حزب تعمير لا حزب تخريب كما يتهمونه به.

إني بانتظار نتيجة أعمالك لصالح جمعية ترقِّي الإسلام.

ماذا تقصد عمله في الإجازة المقبلة؟ هل تحضر لأوروبا أو تنتظر انعقاد المؤتمر؟ إني أكون سعيدًا جدًّا لو رأيتك بين خطباء المؤتمر. وفقك الله لخدمة البلاد آمين.

سلامي لك ولجميع الإخوان، وبالأخص للأخ أمين حفظه الله لك ولنا.

المخلص: محمد فريد
وجاءني منه في يونيو سنة ١٩١٣ الخطاب الآتي:

جنيف في ٦ يونيو سنة ١٩١٣
ولدي المحترم الفاضل عبد الرحمن أفندي الرافعي

السلام عليكم ورحمة الله. وبعد، فقد وصلني جوابكم المؤرخ ١٠ الماضي من مدة. ولم يمنعني عن الرد عليه إلا الكسل من جهة، واشتغالي بمجلة ترقِّي الإسلام من جهة أخرى، فقد أصدرت العدد الثاني منها عقب عودتي من الآستانة. وأرسلت لك نسخة منها، لعلها وصلت ولم تصادرها حكومتنا الأبوية الرحيمة.

من ٧ مايو لم يصلني إلا جريدة أخرى مصرية، ولا أدري لذلك من سبب، مع أني كتبت للإدارة قبل سفري من الآستانة بعنواني الجديد، وها قد كتبت من عشرة أيام للإدارة مجددًا. فأرجوك التحرير لأخيك أمين بالتنبيه على من يلزم بإرسال النسخ المتأخرة جميعها ابتداءً من ٨ مايو وعدم قطع الشعب أو أي جريدة تقوم مقامه.٢ أرجوك أن ترسل لي نسخة من تقرير كتشنر بالعربية وأخرى بالفرنسية إن كان طُبِع بها؛ لأن وجوده بين يدي ضروري للكتابة والمناقشة.

كيف حال نادي المدارس؟ وهل سكتت عنه الحكومة؟ وما هي الحالة العمومية بالإجمال؟ أرجوك أن تكتبها مطولًا، وأن يكون الجواب «مسوكرًا».

بلِّغ سلامي لجميع الإخوان وبالأخص للأخ وفيق، وأخبره بأني في اشتياق زائد لجواباته وأخباره. هل أؤمل أن أراكم في هذه السنة بأوروبا، ومَن مِن الإخوان عزم على السفر في هذا الصيف إلى ربوع سويسرة؟

محمد فريد
وفي يونيو سنة ١٩١٤ أهديته كتابي عن التعاون، فجاءني منه الخطاب الآتي:

جنيف في ٢٣ يوليو سنة ١٩١٤
حضرة ولدنا الفاضل عبد الرحمن بك الرافعي حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله. وبعد، فقد وصلني كتابكم في تاريخ النقابات ومستقبلها في مصر، وقرأته من أوله لآخره، فألفيته أحسن كتاب أُخرج للأمة المصرية في هذه العام. فشكرًا على هذه الخدمة الوطنية التي لا تُقدر. وفقكم الله للاستمرار في هذا الطريق المفيد، وأفاد البلاد بآرائكم. والأمل الآن أن كل النقابات التي تؤسَّس تنشأ حرة بحيث يسقط قانون الحكومة من نفسه أو تضطر هي لتعديله.

مؤتمر الشبيبة ينعقد بعد باكر، والمنظور أن سيكون شاملًا لمندوبين عن جميع الجمعيات؛ فقد حضر للآن مندوبو لندرة وبرلين وباريس وبلجيكا والآستانة، وسنجمع أعماله ونرسلها للشعب؛ علَّه يوفق وتساعده الظروف السياسية على نشرها كلها أو بعضها.

أؤمل أن أكون بالآستانة حوالي ٢٠ أغسطس لأحضر عيد الفطر بها، فلعلي أراك بها بخير وصحة وعافية. والسلام عليكم ورحمة الله.

محمد فريد

وقد نشبت الحرب العالمية الأولى في أغسطس سنة ١٩١٤، وانقطعت المواصلات بين مصر وأوروبا، فلم يُتَح لي أن أرى فريدًا على شدة رغبتي في أن أسعد برؤيته، وانقضت أعوام الحرب، ثم أُعلنت الهدنة في نوفمبر سنة ١٩١٨ وقامت الثورة في مصر.

وترقبت أن تعود الفرصة فتُتاح لي لكي أسافر إلى حيث ألتقي بإمامي في الوطنية، ولكن الموت عاجله في نوفمبر سنة ١٩١٩ وحال بيني وبين أن أراه، وغاب عني شخصه ولكن لم تغِب عني قط ذكراه، ولن تغيب ما دمت حيًّا.

(٤) اعتقالي ١٩١٥-١٩١٦

شبت الحرب العالمية الأولى في يوليو-أغسطس سنة ١٩١٤، وأعلنت السلطة العسكرية البريطانية الأحكام العرفية في مصر ابتداءً من ٢ نوفمبر من تلك السنة على أثر دخول تركيا الحرب ضد الحلفاء.

وفي ديسمبر سنة ١٩١٤ وقع الانقلاب المشئوم الذي أُعلنت فيه الحماية البريطانية الباطلة على مصر، وخُلع الخديو عباس حلمي الثاني، وعُيِّن الأمير حسين كامل سلطانًا.

وقد احتجبت جريدة «الشعب» — وكان يتولى رئاسة تحريرها المرحوم أمين الرافعي — عن الظهور احتجاجًا على إعلان الحماية. وتولت السلطة العسكرية حكم البلاد في خلال الحرب، فكان أول عمل لها اضطهاد الحزب الوطني ومطاردة رجاله، فضبطت أوراقه ودفاتره وسجلاته، وشتتت شمل أعضائه أو الذين اشتبهت في أنهم من أعضائه أو أنصاره، واعتقلت الكثيرين منهم ووزعتهم على سجن الاستئناف بالقاهرة، وسجن الحدرة بالإسكندرية، والمعتقلات التي أنشأتها لهم خصيصًا في درب الجماميز وطره والجيزة وسيدي بشر، ونفت بعضهم إلى مالطة وأوروبا، وكنت ممن أصابهم الاعتقال. وأذكر من أسماء المعتقلين وقتئذٍ: أحمد بك لطفي، علي فهمي كامل بك، عبد الله بك طلعت، عبد اللطيف بك الصوفاني وقد وُضع تحت المراقبة في دمنهور، عبد اللطيف بك المكباتي، الأساتذة: عبد المقصود متولي، محمد زكي علي، أحمد وفيق، أمين الرافعي، عبد الرحمن الرافعي، مصطفى الشوربجي، إسماعيل حافظ صهر محمد بك فريد، محمد فؤاد حمدي، إبراهيم رياض، الدكتور عبد الحليم متولي، الدكتور عبد الفتاح يوسف، الدكتور شفيق منصور، أحمد أفندي رمضان زيان، اليوزباشي حافظ محمود قبودان، اليوزباشي أحمد حمودة، محمد أفندي الشافعي، مصطفى أفندي حمدي، يعقوب أفندي صبري، اليوزباشي أحمد نبيه قبودان، إسماعيل أفندي حسين، الشيخ إبراهيم مروني، إلخ إلخ.

figure
تذكرة المعتقل عبد الرحمن الرافعي سنة ١٩١٥: وفيها تاريخ الاعتقال: ١٨ / ٨ / ١٩١٥، والاسم، وعبارة: «يُفرَج عنه ويُرسَل للمحافظة، ٣٠ أغسطس سنة ١٩١٥» لا تدل على الإفراج بل الانتقال إلى معتقل درب الجماميز.

وممن نُفوا إلى أوروبا: الدكتور نصر فريد بك، وإلى مالطة: الدكتور عبد الغفار متولي، الأستاذ الدكتور محمد عوض محمد، الأستاذ محمود إبراهيم الدسوقي، الأستاذ محمد عوض جبريل، حامد بك العلايلي، سلامة أفندي الخولي، الأستاذ علي فهمي خليل، الأمير أفندي العطار، وغيرهم وغيرهم. وقد لبثوا في المعتقلات أو في المنفى مددًا طويلة، ومنهم من لبث في السجن أو المنفى إلى ما بعد الهدنة سنة ١٩١٨، أما من أُفرج عنهم فقد قُيدت حريتهم ووُضعوا تحت المراقبة.

(٥) إلى السجن

كان اعتقالي بالمنصورة يوم ١٧ أغسطس سنة ١٩١٥، وفي نفس هذا اليوم اعتُقل لفيف من خاصة أهل المنصورة ممن عُرفوا بميولهم الوطنية، ورحَّلونا معتقَلين إلى القاهرة حيث أودعونا سجن الاستئناف بباب الخلق، وهناك التقيت بأخي أمين وبفوجٍ آخر من الوطنيين اعتقلوهم بمصر يوم اعتقالنا. وكان نظام الاعتقال بسجن الاستئناف أن تُخصص كل غرفة من الغرف الانفرادية لاثنين من المعتقلين، وقد نسقوا اختيار كل اثنين بحسب مراكز المعتقلين وشخصياتهم، وإذ كنت قد اعتُقلت بالمنصورة فقد وضعوني أنا والمرحوم عبد اللطيف بك المكباتي عضو الجمعية التشريعية (وعضو الوفد المصري فيما بعدُ) في غرفة واحدة وهي الغرفة رقم ١٥ من العنبر رقم ٥. وكنا صديقَين حميمَين، ومنزله بالمنصورة تجاه منزلي بها وقتئذٍ، وكنا قبل الاعتقال نتبادل الزيارات والأحاديث، وله ميول نحو مبادئ الحزب الوطني، وكنت أقدِّر فيه وطنيته وشجاعته الأدبية، واحتفاظه بكرامته، واعتزازه بشخصيته وكفاءته الممتازة. فلما علم كلانا أنه زميل لصاحبه في «الزنزانة»، اطمأنت نفسنا إلى هذه الزمالة، وخففت عن كلينا غضاضة السجن. وقد استقبلنا موظفو السجن وعماله بالاحترام والتقدير؛ لأنهم عرفونا وعرفوا سبب اعتقالنا، وعرفوا على الأخص أننا لسنا من طراز ضيوفهم الآخرين نزلاء سجن الاستئناف، فأكرموا وفادتنا وبذلوا لنا كل ما أمكنهم بذله من التسهيلات، ولكن في حدود اللوائح؛ لأن عليهم رقباء من رؤسائهم في المحافظة.

(٦) في الزنزانة

ولما التقينا أنا والمكباتي بك أول مرة في «الزنزانة» وأقفلوا علينا بابها و«تمموا» علينا طبقًا للتعليمات، نظر كلٌّ منا إلى صاحبه نظرة دهشة واستغراب، وأخذنا نتأمل في تصاريف الأقدار، ثم ما لبثنا أن مزجنا الدهشة بشيء من الفكاهة والسخرية من سياسة الحكومة التي تعتقل الناس جزافًا وفي غير حدود العدل والقانون دون أن توجه إلينا أي تهمة. وقد رأيت من المكباتي جلَدًا وصبرًا أُعجبت بهما، وزادا من تقديري له؛ إذ كنت أظن أنه قد يتسخط على مسلكه الوطني الذي أدى به إلى الاعتقال، ولكني على العكس رأيته فخورًا به، معتزًّا بشخصيته، عالي الرأس كعادته، وأخذنا نقطع الوقت بالأحاديث نتناولها في شتى المواضيع فكانت خير سلوى لنا في هذه الأوقات العصيبة.

وفي ٣٠ أغسطس جاءنا الفرج، لا بإطلاق سراحنا، بل بنقلنا إلى معتقل أعدُّوه لنا بدرب الجماميز في مبنى مخازن وزارة المعارف؛ ذلك أن اعتقالنا في سجن أُعد لاستقبال المحكوم عليهم أو المنتظَر أن يُحكم عليهم في الجرائم قد قوبل من مختلف الطبقات بالسخط والاستنكار، وأبديت رغبة في معاملتنا كمعتقلين سياسيين لهم على كل حال حق الرعاية والمعاملة الإنسانية، فأعدوا لنا المعتقل الجديد بدرب الجماميز. وقد شعرنا فيه بشيء من الراحة النسبية إذا قورن بسجن الاستئناف، وسُمح لنا فيه على الأقل أن نجتمع معًا في أي وقت نشاء، وأن نختار من الغرف الصغيرة والمتوسطة والكبيرة ما نشاء، وأن يختار كلٌّ منا زملاءه، فاخترت مع أخي أمين غرفة واحدة كان بابها مفتوحًا في كل وقت، ولا رقابة علينا في خروجنا منها. وكتبت لأهلي خطابًا أبشِّرهم فيه بأننا انتقلنا من سجن الاستئناف إلى المكان الجديد وأن دواعي الراحة متوفرة فيه.

على أنه قد كُتِب عليَّ أن أنتقل وقتًا ما إلى سجن انفرادي آخر يشبه من بعض الوجوه سجن الاستئناف، وهو سجن «الحدرة» العمومي بالإسكندرية؛ إذ نقلوني إليه وأبقوني فيه مدة أسبوعين مع لفيف من معتقلي المنصورة للتحقيق معنا في بلاغ كاذب عن تهمة باطلة تبيَّن من التحقيق كذبها وتلفيقها. وقد صحبني أيضًا المكباتي بك في سجن الحدرة وأُفرج عنه هناك، ثم عدنا إلى معتقل درب الجماميز، فرحَّب بنا الإخوان والزملاء وهنَّئُوني على بطلان التهمة التي وُجهت إلينا.

(٧) في رحاب ليمان طره

وفي شهر سبتمبر سنة ١٩١٥ نقلونا إلى معتقل آخر أعدُّوه لنا في بلدة طره بجوار ليمان طره المشهور. ويبدو لي أن سبب نقلنا إلى هذا المعتقل الجديد أن السلطة العسكرية رأته أبعد عن أنظار الناس وعن الزيارات العائلية من معتقل درب الجماميز، فضلًا عما يوحي به اعتقالنا في طره — حيث الليمان المشهور — من الرهبة والفزع لمن كانوا مطلَقي السراح من الوطنيين. وربما كان من أسباب هذا النقل أيضًا أن معتقل درب الجماميز ضاق بمن فيه، إذ زاد علينا بعض طلبة الحقوق الذين اتُّهموا بتحريض زملائهم على الإضراب يوم زيارة السلطان حسين كامل لمدرستهم.

ثم نقلونا في فبراير سنة ١٩١٦ إلى معتقل آخر أعدُّوه لنا بالجيزة في مبنى سجن قديم مهجور كان يُعرف بالسجن الأسود، وقد تحوَّل بعد ذلك إلى عدة مبانٍ حكومية بأول شارع الهرم بالقرب من كوبري عباس.

ومكثنا به إلى أن أُفرج عنا يوم ١٧ يونيو سنة ١٩١٦؛ أي إننا مكثنا معتقلين عشرة أشهر، وكان الإفراج عني مع أخي أمين بك وعبد الله بك طلعت في يوم واحد.

وقد ذهبوا بنا نحن الثلاثة إلى الإسكندرية حيث أعدوا لنا عدة زيارات اقترنت بإطلاق سراحنا. فقابلنا حسين رشدي باشا رئيس الوزارة في منزله بالرمل بمحطة كارلتون (الآن محطة رشدي باشا)، فأحسن استقبالنا وتحدَّث إلينا عن ضرورات الحرب وعن مساعيه لدى السلطة العسكرية البريطانية لإطلاق سراحنا حتى كُللت أخيرًا بالنجاح، فشكرناه على حُسن مسعاه. وطلب إلينا أن نذهب لمقابلة السير رونلد جراهام مستشار وزارة الداخلية وقال عنه إنه هو أيضًا سعى في الإفراج عنا، فذهبنا إليه بدار الوزارة ببولكلي وقابلناه وأبدى نحونا شعورًا طيبًا.

(٨) في حضرة السلطان

ثم ذهبنا إلى سراي رأس التين حيث قابلنا المغفور له السلطان حسين، وقد استقبلنا بعطف وحفاوة، وأخذ يدافع عن سياسته منذ إعلان الحرب العالمية وقبوله عرش السلطنة، وقال إنه قصد خدمة مصر والأسرة العلوية، والتفت في ختام الحديث إلى أخي أمين وقال له: «طلع الغازيتة يا أمين بك.» ووعده بالمساعدة المالية لإصدار الغازيتة (صحيفة الشعب وكانت محتجبة احتجاجًا على إعلان الحماية)، فشكره أمين، وانتهت المقابلة بالتحيات المقرونة بالدعوات، على أن أمينًا رحمه الله لم يفكر في إعادة صحيفة الشعب طيلة مدة الحرب.

١  «العلم» عدد ١٩ و٢٠ و٢١ و٢٥ مارس وأول أبريل سنة ١٩١٢.
٢  كانت مصلحة البريد تُصادِر بعض الرسائل والمطبوعات التي ترسل للفقيد وتُعطِّل بعضها؛ ومن هنا تأخر وصول أعداد «الشعب» إليه ولم يصله كثير منها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢