مقدمة الطبعة الثالثة

بقلم  سلامة موسى
١٩٥٧

استبدلت نظرية التطور النظر المادي بالنظر الغيبي لنشأة الأحياء على أرضنا، وربطت بين جميع الأحياء؛ نباتًا وحيوانًا وإنسانًا، برباط جديد، كما جعلتنا نفهم الحياة على أنها ليست جامدة؛ إذ هي — باعتبارها إحدى ظواهر المادة — في حركة وتحوُّل أبديين.

وهذه الحركة، وهذا التحول، ليسا من ميزات الأحياء وحدها؛ إذ هي أيضًا صفة المادة كائنة ما كانت؛ ذرة أو جزيئًا أو شمسًا أو كوكبًا أو غازًا أو سائلًا أو يابسًا، حتى ليصح، بل يجب، أن نقول إن كل هذه الكائنات حية؛ إذ هي في تحول وتغير أبديين مثل الإنسان أو الحيوان أو النبات.

ولم يكن داروين — لحدود المعارف التي كان يعرفها في سنة ١٨٥٨ عندما ألَّف كتابه عن أصل الأنواع — ليستطيع بلوغ الآفاق التي بلغناها نحن في أيامنا بعد أن عرفنا الذرة؛ ولذلك كانت نظرية التطور تنطبق عنده على الأحياء فقط، أما الآن فإننا نعرف أنها تنطبق على الكون كله.

وهذا التصور الجديد للكون وللإنسان هو تحرير جديد للذهن البشري عن مستقبلنا على هذه الأرض، وربما على الكواكب الأخرى، وأيضًا في تطورنا القادم الذي شرعنا نسيطر عليه بعلومنا وفنوننا؛ فقد تحقَّق للإنسان، بنظرية التطور، استقلال العقل والروح الذي لن ينزل عنه بعد الآن.

ولقد مضى الزمن الذي كانت تستهدف فيه هذه النظرية لنوادر الحشاشين ونكاتهم؛ لأننا قد أصبحنا نحس احترامًا، بل ابتهالًا، عندما ينبسط لنا موكب الأحياء منذ ألف مليون سنة إلى الآن، بما فيه من الناهض المقدم والساقط الفاشل، وفي خلال هذا الموكب نتبيَّن فضائل الحياة، ونستكنه أسرار البقاء.

ومن سعادة حياتي أني ألفت هذا الكتاب منذ أكثر من ثلاثين سنة، واحتاجت الطبعة الأولى نحو ٢٥ سنة حتى نفدت، أما الطبعة الثانية فقد نفدت في أقل من خمس سنوات، وفي هذا برهان على انتصار النور على الظلام، وعلى أن النظر العقلي العلمي المادي يأخذ عند جمهورنا مكان النظر الغيبي الأسطوري الخرافي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠