وجهتا التطور في الحيوان والنبات

الحيوان والنبات كلاهما يشترك في الحياة؛ فقوانين الحياة تشملهما جميعًا من حيث الاغتذاء والتنفس والوراثة والتزاوج والنمو، وهما أيضًا مشتركان من حيث التطور؛ إذ هما كلاهما نشآ من الجسم البسيط المتجانس إلى الجسم المركب المتغاير، وإنما هما يشتركان لأن الحياة التي فيهما واحدة، بل هما أحيانًا يتداخلان فيعيش النبات عيشة حيوانية يسطو على الحيوان أو النبات ويأكله، ثم هو يتحرك ويستجيب للمؤثرات العصبية بالحركة وإفراز السوائل.

ويعيش الحيوان عيشة نباتية أحيانًا، بحيث يستعين على الحياة بمادة الكلوروفيل الخضراء التي في النبات، وأحيانًا يُؤثِر السكون على الحركة كما هو الشأن في النبات؛ (كما يفعل حيوان الإسفنج).

وهذا الاشتراك يدلنا على أن النبات والحيوان قد نبعا من أصل واحد، وأن الفرق بين النخلة والأسد أو بين العشب والفأر، من حيث اعتبار قوانين الحياة العامة، لا يختلف في النهاية عن الفرق بين الكلب والذئب أو بين الذرة والقمح، إلا اختلافًا في الدرجة فقط.

ولننظر الآن في بعض ما يظهر من مظاهر الاختلاف، لنرى هل فيها اختلافات جوهرية تفصل النبات عن الحيوان فصلًا تامًّا، وتميزه منه بحيث يستدعي الاعتقاد بأن حياة الحيوان غير حياة النبات، أو أن هذه المظاهر سطحية فقط قد اقتضاها اختلاف البيئة!

ولنبتدئ بالاغتذاء؛ فإن المعروف عند جميع الناس أن النبات يغتذي من الجماد، أما الحيوان فيغتذي من النبات أو من الحيوان، وليس هذا فرقًا كبيرًا:
  • أولًا: لأن العناصر التي يغتذي بها النبات هي نفسها العناصر التي يغتذي بها الحيوان؛ أي إننا عند تحليل الغذاء إلى عناصره الأولية، من نتروجين وكربون وغيرهما، نجد أن غذاء النبات هو نفسه غذاء الحيوان، وإنما يمتاز النبات بالقدرة على إحالة الجماد إلى مادة نباتية مثله، ويمتاز الحيوان بالقدرة على إحالة النبات أو الحيوان إلى مادة حيوانية مثله.
  • وثانيًا: لأن بعض الحيوانات تستطيع أن تغتذي من الجماد، وذلك بواسطة الكلوروفيل؛ أي المادة الخضراء التي في النبات، فإن هذه المادة هي التي تجعل النبات يغتذي من الجماد؛ ففي بعض الحيوانات؛ مثل نوع من الإسفنج ونوع آخر من الدود ونوع آخر من القشريات، نجد هذه المادة، وبواسطتها يقدر الحيوان على الاغتذاء من الجماد.
  • وثالثًا: في بعض النباتات أنواع ليس بها مادة الكلوروفيل هذه، فلا يمكنها أن تغتذي من الجماد، بل هي تغتذي من الحيوان أو النبات كما هو الشأن في البكتريا التي تُحدِث الأمراض، وفي الكمأة التي تعيش على المادة الحية؛ مثل الجيف.
  • ونقول رابعًا وأخيرًا: إن الفرق بين الحيوان والنبات من حيث الاغتذاء ليس كبيرًا؛ إذ إن بعض النباتات الخضر؛ أي التي تغتذي من الجماد، تغتذي أيضًا من الحيوان؛ وذلك بأن تُطبِق زهرتها على الحشرات فتقتلها وتمتصها.

والنبات والحيوان كلاهما يتنفس، وقد كان الظن قديمًا أن التنفس في الحيوان عكس التنفس في النبات، فكان يقال إن الحيوان يحتفظ بالأكسجين ويطلق ثاني أكسيد الكربون، وإن النبات يفعل عكس ذلك؛ أي يطلق الأكسجين ويحتفظ بثاني أكسيد الكربون الذي يبني منه مادته الخشبية، ولكن هذا الظن خطأ؛ فإن الحيوان والنبات يتنفَّسان بطريقة واحدة، وإنما جاء الخطأ من الخلط بين عمليتي التنفس والغذاء.

فمن حيث التنفس لا نجد أقل فرق بين الحيوان والنبات؛ فكلاهما يأخذ الأكسجين ويطرد ثاني أكسيد الكربون، ولكن النبات الأخضر يغتذي من الهواء في ضوء الشمس، فيمتص من الهواء ثاني أكسيد الكربون (للغذاء لا للتنفس)، ثم يطرد كمية من الأكسجين أكبر مما يطرده من كمية ثاني أكسيد الكربون الذي اغتذى به. يحدث هذا في النهار، فإذا جاء الليل وقفت عملية اغتذاء النبات من الهواء لانعدام الضوء، وتبقى عملية التنفس فقط؛ ولذلك هو يُطلِق ثاني أكسيد الكربون كالحيوان، ومن هنا ضرر إبقاء النبات داخل غرف النوم؛ لأنه يزحم النائمين؛ إذ هو يتنفس مثلهم.

ومما يشترك فيه الحيوان والنبات قانون الوراثة؛ فنحن البشر أرقى الأحياء، ننسل كما ينسل القطن أو الفجل نسله، لا فرق بيننا وبينه، فقانون «مندل» في الوراثة ينطبق على الحيوان والنبات، ومربو الخيول أو القطن أو الكلاب أو الحمام أو الأزهار يجب عليهم أن يراعوا هذا القانون في اختيار الصفات التي يرغب في إيجادها في النسل، ولو كان النبات من أصل آخر غير أصل الحيوان لكان الأرجح أن يختلف عنه في قانون الوراثة.

ولننظر في قانون آخر يشمل الحيوان والنبات، فالمعروف أنه كلما كبر حجم الحي طال عمره بنسبة كبر حجمه؛ فالسنديان يعيش أكثر من النخل، والجميز أكثر من الشعير، وكذلك الفيل والقيطس أكثر من الفأر والأرنب، كأن الطبيعة لم تخلق أنواعًا على حِدَتِها، وإنما خلقت أفرادًا فقط، فلما تباين الأفراد وكثرت فروق هذا التباين وتراكمت، صار هذا الفرد قائمًا برأسه، بل صار هذا نباتًا وهذا حيوانًا، ومما يبصِّرنا بذلك أن طويل الجسم في الإنسان طويل العمر أيضًا على وجه عام.

ثم إننا نجد النبات قد سار سيرة الحيوان في تطوره، وإنما بطريقة أبطأ؛ فقد بدأ كلاهما وليس في أحدهما ما يميز الجنس، فلم يكن هناك ذكر أو أنثى في الحيوان أو النبات، ثم ظهر بعد ذلك زهر النبات يحتوي على ملاقحه، بل بعض النبات؛ كالنخل والتوت، يختلف فيه الذكر عن الأنثى.

فالوظائف الفسيولوجية كانت قديمًا في الحيوان والنبات معمَّمة منتشرة في جميع أنحاء الجسم، ثم حدث التخصص، فاختص عضو بالغذاء، وآخر بالتنفس، وآخر بالتلاقح، وآخر بالإحساس، وهلم جرًّا.

وإنما اتسم النبات بالبطء للظروف التي حاطته في تطوره؛ فقوته العصبية لا تزال في درجة القوة العصبية التي في ديدان الأرض، بل قد تكون أحط، ولكنها قوة عصبية مع ذلك لا تختلف عن تلك التي في الحيوان إلا من حيث الدرجة، فإن منشأ العقل في الإنسان نفسه هو الغريزة، وفي النبات ما يشبه الغريزة؛ فإننا إذا لمسنا دودة الأرض تقلَّصت، وكذلك تفعل شجيرة الميموزا التي يُطلِق عليها الناس اسم «المستحية»؛ لأن أوراقها تتهدَّل عند اللمس وتنكمش، وكذلك تفعل الزهرة التي تقبض على الحشرات وتأكلها؛ فإنها عندما تحس بالفراشة تحط عليها، تتنبَّه أعصابها فتنطوي عليها وتعصرها وتمصها وتمثلها.

وهناك اختلاف ظاهر بين شكل الحيوان وشكل النبات؛ فالأول ململم منطوي مدمج، والثاني منبسط منتشر، وهذا الفرق في الهيئة يوهمنا بأنه فرق كبير، ولكن الحقيقة أن طريقة الغذاء هي التي أوجدته؛ فالنبات يتغذَّى بأوراقه، وهذه الأوراق لا يمكنها إمداد الشجرة بالغذاء من الهواء إلا إذا تعرضت للشمس وللهواء، فالشجرة لذلك تنبسط وتنتشر بمقدار ما يسمح لها مكانها، أما الحيوان فإنه يغتذي بباطنه، وغذاؤه مركَّز أكثر من غذاء الشجرة، فهو لا يحتاج إلا إلى مقدار صغير بالنسبة إلى ما تحتاج إليه الشجرة، ثم قد يكون كثرة تعرضه للهواء ما يؤذيه؛ لأنه يفقد حرارته.

والخلاصة أن النبات والحيوان كليهما لا يختلف أحدهما عن الآخر إلا من حيث الظواهر، ولكنهما تشملهما حياة واحدة وقوانين واحدة في الغذاء والتنفس والنمو والتناسل والوراثة والتطور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠