الفصل الرابع

المدن الفاضلة (يوتوبيا) والمدن الفاسدة (ديستوبيا)

عرَّف داركو سوفين المدينة الفاضلة الأدبية بأنها «بنية تاريخية بديلة مبتغاة»، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالخيال العلمي باعتباره نوعًا أدبيًّا شقيقًا ويجب تناولها كبنية لفظية لا كقصة واضحة عن مكان آخر. يساعدنا ربط سوفين للمدن الفاضلة بالخيال العلمي نظرًا للتداخل الدائم بين النوعين، ولأن فصل أحدهما عن الآخر لا يرتبط بدقة المفهوم أكثر مما يرتبط بالعزوف الأكاديمي عن تكريس اهتمام نقدي جدي لمجال الخيال العلمي، وهو تحامُل ولَّى زمنه لحُسن الحظ. يسرد سوفين الخصائص العامة لقصص المدن الفاضلة من بينها المكان المنعزل، والمدى البانورامي المميز للوصف، والنظام الرسمي، والاستراتيجيات الدرامية التي تتناقض مع افتراض القارئ عن الحالة الطبيعية.

إن مصطلح اليوتوبيا مصطلح هجين، كما وضَّح العديد من النقَّاد، ويعني «مكان جيد» (يو-توبيا) أو «لا مكان» (أو-توبيا). دخلت الكلمة اللغة عام ١٥١٦ عبر عنوان كتاب توماس مور الشهير الذي يصف جزيرة ذات نظام مثالي في مكانٍ ما من العالم الجديد؛ أيْ في مكانٍ ما من ذلك الجزء من العالم الذي أصبح مفتوحًا للتجارة والغزو الاستعماري. وَضَع مور نموذجًا لقصص المدن الفاضلة المستقبلية عن طريق تقديم روايته في صورة حكاية يرويها مسافر — يُدعَى في الرواية رالف هيثلوداي — يلعب دور الوسيط بين عالَم القارئ المألوف والعالم الجديد، وقد وضَّح كذلك مَساوئ نوع المدينة الفاضلة؛ وهي ميله إلى الإسهاب وكفاح المجتمع الجديد لتحقيق النظام. تُعتبر هذه النقطة الأخيرة هدفًا نهائيًّا أكثر من كونها حقيقة في كتاب مور، بما أن الدولة في الرواية تقع داخل منطقة حرب (الكثير من عبيد المدينة هم سُجَناء حرب) وتعاني من عنصرَيِ الجريمة والمعارضة. يتجاوز مور في معارضته للرغبات المادية والجنسية الحدود التي أقرَّتْها الدولة ويختار عقوبة الإعدام لمَن يرتكب الزنا مرة ثانية. قد نشير كذلك إلى عنصر أخير خارجي وهو وقت كتابة الرواية؛ إذ كان مور يعمل حينئذٍ مساعد رئيس شرطة مدينة لندن، التي كانت محفزًا فريدًا لكتابات المدينة الفاضلة البريطانية نظرًا لكونها مدينة غير مخططة تنمو بالتراكم. وقد بلغ التلوث والتفاوت الاجتماعي الناتج عن ذلك مستوياتٍ كارثيةً مع أواخر القرن التاسع عشر.

في القرن العشرين تحديدًا، حلَّت المدينة الفاسدة (الديستوبيا) عادةً — وهو مصطلح يشير إلى مدينة فاضلة تُعاني خَلَلًا وظيفيًّا — محل المدينة الفاضلة (اليوتوبيا). قد تحمل المدن الفاسدة بُعدًا ساخرًا، كما في رواية الكاتِب الأمريكي من أصل أفريقي جورج سكايلر «نهاية الأَسْود» (١٩٣١) التي تحكي عن عالِم يكتشف طريقة لتغيير لون الجلد لكي يصبح التمييز بين العِرقَيْن الأبيض والأسود أمرًا مستحيلًا. ومع انتشار هذا العلاج، يبدأ المجتمع الأمريكي في التفكُّك؛ إذ يتسبَّب العِلْم الجديد في إحداث فوضى، بدلًا من تحقيق التحرر، الذي هو أحد الأهداف الرئيسية لليوتوبيا.

أصبحت عناصر المدينة الفاضلة ذات أهمية محورية لدى كُتَّاب القرن الثامن عشر؛ مثل دانييل ديفو، وجوناثان سويفت، وتوماس سبينس، وروبرت بالتوك صاحب رواية «حياة ومغامرات بيتر ويلكينز» (١٧٥١)، إحدى أُولَيَات روايات المدينة الفاضلة التي وضعت المجتمع الآخر الذي تصوره في باطن مجوف لكوكب الأرض. تُقدِّم رواية «رحلات جاليفر» (١٧٢٦) أحدَ أشهر الأمثلة في تلك الفترة على استخدام الرحلات البحرية الرائعة إلى أراضٍ أخرى بهدف دراسة الطبيعة البشرية. وبعيدًا عن المناقشات التي تقارن بين المؤسسات في الفصلين الأول والثاني عبر الحوار — وهو وسيط محوري في قصص المدينة الفاضلة — فإن السرد يجسِّد استعارات الحجم ويحقق تفاعلًا معقدًا بين وجهات النظر. تُثير دولة ليليبُت إعجاب جاليفر في البداية باعتبارها دولة فاضلة تنتشر في ربوعها الحدائق، لكن حجم سكانها المصغَّر يغذِّي إحساسه بالتفوق. ينعكس هذا الوضع على نحو فظٍّ في بروبدنجناج، عندما تُختزَل قامة جاليفر لتعادل قامة دمية. يُحدِث ذلك تأثيرًا أشبه بتغير بؤرة الرؤية لدى جاليفر من البُعد إلى التقريب. تشير جميعُ التغيراتِ في المنظور، والإشاراتُ المتعددةُ إلى الأجهزة البصرية، إلى أن إدراك جاليفر للجسد البشري يعتمد على الحفاظ على مسافة معينة؛ ومن ثم الحفاظ على درجة من الوهم. في كل فصول الرواية يشنُّ الكاتب هجمات مختلفة على الغرور البشري؛ غرور التجريب في القسم الثالث، وغرور الانتماء إلى نوع متفوق في القسم الرابع؛ حيث لا يصبح المنطق سمة بشرية. زعم الكثير مرارًا وتكرارًا أن التغريب هو السمة المميزة للخيال العلمي، في تلك الحالة تفي «رحلات جاليفر» بهذا الشرط مباشرةً عن طريق تحولاتها المعقَّدة في المنظور؛ حيث يتحول جاليفر أكثر فأكثر إلى ضحية تجاربه الخاصة.

عصر اليوتوبيا الذهبي

منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، نُشِرَ ما يزيد عن ٢٠٠ قصة من قصص اليوتوبيا، معظمها — باستثناء عدد قليل من الأعمال الشهيرة — ما زال غير متاح للقارئ العادي. ترجع أسباب هذه الزيادة المفاجئة حتمًا إلى تسارع خُطى التغيُّر التكنولوجي، وتَرَكُّز رأس المال لدى عدد صغير من شركات القطاع الخاص، واحتدام الجدل حول العدالة الاجتماعية. تتنوع الاستراتيجيات المُستخدَمة في بناء تلك القصص من عمل إلى آخر؛ فعلى سبيل المثال، يستخدم صامويل بتلر أسلوب الاستكشاف الإقليمي القديم كي يصطحب المسافر في روايته إلى عالَم يعكس على نحو غريب كثيرًا من قِيَم بريطانيا في العصر الفيكتوري. في حين تصوِّر رواية «إيروان» (١٨٧٢) مجتمعًا جرَّم المرض وأنهى استخدام الآلات لأن البشر خشوا سيطرتها عليهم. يجمع الكاتِب الكندي جيمس دي ميل بين حبكتَيْ تحطُّم السفينة والعثور على مخطوطة في رواية «العثور على مخطوطة غريبة في أسطوانة نحاسية» (١٨٨٨) التي تصف عالمًا بالقرب من القطب الجنوبي؛ تحققت فيه المساواة بين الجنسين. أما ألفريد دي كريدج فيأخذنا إلى كوكب آخَر يجسِّد أفضل ما في كوكب الأرض في روايته «يوتوبيا» (١٨٨٤)، بينما يعرض هنري أولريك نظرته للمجتمع بعينِ زائر من المريخ في رواية «عالم بلا مدن ولا دول» (١٨٩٣).

في حين تميَّزت الروايات الأخيرة بطابع احتفالي، ظهرت كذلك بعض الأصوات السلبية؛ إذ تقدم الكاتِبة الأمريكية آنا باومان تود روايتها «جمهورية المستقبل أو تحقق الاشتراكية» (١٨٨٧) في إطار سلسلة من خطابات يبعثها نبيلٌ سويديٌّ يزور الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من انبهار الزائر برحلته السريعة أسفل المحيط الأطلنطي عبر قطار أنفاق يعمل بضغط الهواء، يبدأ في إظهار تحفظاته حول الميكنة عندما يُقِيم في فندق بمدينة نيويورك لعدة أيام دون أن يُقابل فردًا واحدًا. لكن أهم ما أثار دهشته هو اختفاء التنوع الشكلي في المدينة لتصبح «قمة في الكآبة»، وهي ظاهرة جسدية ترتبط بالمساواة السياسية التي يتمتع بها سكان الجمهورية. إن الفكرة الأساسية في رواية تود هي الرتابة، رتابة الملبس والحياة، نتيجةً لتولِّي الدولة عددًا كبيرًا للغاية من المهام. لكن هذا العامِل لم يُثِرْ أي شكوك في نفس الراوي في رواية إدوارد بيلامي اليوتوبية الشهيرة.

إحدى أعلى روايات اليوتوبيا قراءةً في أواخر القرن التاسع عشر وأوسعها انتشارًا هي رواية إدوارد بيلامي «النظر إلى الماضي، ٢٠٠٠–١٨٨٧» (١٨٨٨)؛ إذ حظِيَتْ بجمهور عالمي من القُراء، وقد مَنَحَت روسيا القيصرية تقديرًا غير مقصود للرواية عندما قرَّرتْ حظْرَها. ساعد بيلامي على التمهيد لقصص اليوتوبيا التي كتبها ويليام موريس وإتش جيه ويلز، ولعب دورًا مهمًّا في صعود الحركة القومية في الولايات المتحدة، التي كرَّست جهودها لتأميم الصناعة. وعلاوة على ذلك، ساعد كتاب بيلامي في نشر حبكة «استيقاظ النائم»؛ حيث يسقط البطل في نوم ممتدٍّ يطول زمنه بما يكفي ليصل إلى المستقبل اليوتوبي. يستخدم بيلامي مدينة بوسطن كموقع رئيسي لتقديم المدينة الفاضلة عام ٢٠٠٠. تدور الأحداث حول جوليان ويست الذي يستيقظ ليجد نفسه في مدينة شاسعة نظيفة ذات شوارع واسعة وميادين مفتوحة؛ حيث اختفت الصراعات الاجتماعية، مثلما اختفى دافع الرِّبْح إثْر تملُّك الدولة لجميع الصناعات. أما الجيش فهو المَثَل الأعلى في التماسك والتنظيم الاجتماعي. ما زالت عمليتا الإنتاج والاستهلاك منفصلتين على ما يبدو، وعلى الرغم من إشارات بيلامي إلى اضطلاع النساء بأدوار أكثر تحررًا، فإن تركيزه على «جمالهن وأناقتهن» يوحي بأن دولته ما زالت متمركزة حول الذكور. لكن ما يسترعي مزيدًا من الدهشة في هذه الرواية وفي جزئها الثاني «المساواة» (١٨٩٧) هو التحوُّل من رأس المال الخاص إلى رأس المال الحكومي؛ حيث يحدث التغيُّر على ما يبدو إثر ثورة سلمية، في تحول يحمل طابع العقيدة الألفية لا يعتمد في ظاهر الأمر على أي إجراءات بشرية مُتعمَّدة.

لن نجد روايات أشدَّ تناقضًا مع التدرج الثوري الذي يعرضه بيلامي من رواية إجناشيس دونلي «عمود قيصر»، الصادرة عام ١٨٩٠، التي تصف انتفاضة العمال الأمريكيين الكارثية ضد حُكم النخبة؛ ممَّا يؤدِّي إلى سقوط عدد ضخم من القتلى، أو رواية جاك لندن «العُقب الحديدية» (١٩٠٨) التي تصف استيلاء نخبة تعتنق صورة أولية من الفاشية على السلطة في أمريكا (وقد سُمِّيت الرواية على اسم هذه النخبة) مع حلول ثلاثينيات القرن العشرين. تعاقَب على «النظر إلى الماضي» سلسلةٌ من الأجزاء والروايات التي تقتدي بها بقلم معاصري بيلامي، وقد استمر تأثيره، لا سيما في أدب ماك رينولدز، العضو النشط في حزب العمال الاشتراكي الأمريكي والمتخصص فيما أُطلق عليه «الخيال العلمي الاشتراكي»؛ فعلى مدار حقبة السبعينيات من القرن العشرين — وكردِّ فعل لروايتَي اليوتوبيا اللتين كتبهما بيلامي — قدَّم رينولدز سلسلة من الروايات التي تعبر عن شكوك أقوى بمراحل حول آمال العصر الألفي السعيد؛ ففي رواية «كوميون ٢٠٠٠ بعد الميلاد» (١٩٧٤) يصوِّر رينولدز مجموعة من المجتمعات المتنقلة هربًا من مجتمع حضري مفرط التنظيم، أما رواية «المساواة: في عام ٢٠٠٠» (١٩٧٧) فتستعرض النقائص الجنسية والاجتماعية في القرن العشرين، وفي رواية «النظر إلى الماضي، من عام ٢٠٠٠» (١٩٧٣) تُوجَّه العبارة التالية الحاسمة إلى جوليان ويست: «لا يوجد ما يُدعَى المدينة الفاضلة … إنها هدف بعيد المنال. يتقهقر كلما اقتربتَ منه.» وقد تزايد شك رينولدز مع تطور السلسلة.

وجَّه ويليام موريس في نقده لرواية «النظر إلى الماضي» توبيخًا شديدًا إلى بيلامي على المبالغة في عرض سهولة تحقق المدينة الفاضلة دون تحدِّي الاحتكارات السائدة في زمنه؛ أيْ عاب عليه باختصارٍ إضفاءَ طابع مثالي على الطبقة الوسطى الحضرية والإسهاب فيما اعتبره موريس «الحياة الميكانيكية» للمدن تحت سيطرة الدولة المركزية. لكن رواية موريس نفسه «أخبار مِن لا مكان» (١٨٩٢) عرضة بدورها لتهمة إسباغ الكمال، لكن في هذه الحالة على نظام الطوائف السائد في القرون الوسطى. تفرض رواية موريس تأثيرًا بصريًّا مباشرًا على القارئ يتمثل في استيقاظ بطلها النائم في لندن غير التي يعرفها، ليجد أن المدينة اكتسبت جمالًا نابعًا من محو كل آثار التصنيع المميِّز للعصر الفيكتوري وما ينتج عنه من ضباب ودخان، والاستعاضة عنه بمنازل صغيرة ذات ألوان ساطعة. عندما يذكر البطل ويليام جيست أثناء مروره أن هذا المشهد يذكِّره ﺑ «مخطوطة مُذهَّبة»، فإن هذا التشبيه يلمح لنا بالتغيُّر لدى موريس الذي يتلخص أساسًا في العودة إلى مدينة القرون الوسطى الحديثة، بعبارة أخرى إلى دولةِ ما قبل الحداثة. إحدى العلامات الدالة على هذه العودة هي اختفاء الفروق الواضحة بين المدينة والدولة، وتحوُّل الأحياء التي وُجِدت في زمن موريس إلى قُرًى مجدَّدًا. تصوِّر الرواية الطوائف الحرفية، وهي مجتمعات تشاركية انقرضت فيها الجريمة (على الأرجح نتيجةً لانقراض دافع الربح)، وحيث تضطلع النساء بأدوار محافِظة مألوفة؛ وهي تربية الأطفال. يستعرض جيست المجتمع الجديد أثناء تجوله بصحبة دليل في أنحاء لندن، ولاحقًا عندما يذهب في رحلة قصيرة في نهر التايمز. يتناول أحد أهم أجزاء الرواية التغير الذي أدى إلى تحول المجتمع، وهو تغير يرتبط جزئيًّا بحقيقة تاريخية. وفي مرحلةٍ ما، يمر جيست بتجربة يطلق عليها حسب المصطلح السينمائي «الأفول والبزوغ»؛ حيث يختفي ميدان الطرف الأغر أمام ناظريه ثم يرى الميدان نفسه عام ١٨٨٧ عندما كان يشهد معركة حامية الوطيس بين العمال المتظاهرين والشرطة والجيش. وفقًا للتاريخ اليوتوبي الذي يعرضه موريس في روايته، تسفر المعركة عن إضراب عام تعقبه ثورة اجتماعية كبرى.

مدينة ويلز الفاضلة

يتبنَّى ويلز في تأملاته عن الحرب العالمية الأولى — التي نشرها تحت عنوان «وماذا بعد؟» (١٩١٦) — «اتجاهًا تنبُّئِيًّا»، بينما تتخذ تنبؤاته حول المستقبل أشكالًا أدبية متنوعة. يعلن عنوان رواية «العالم يتحرَّر» (١٩١٤) في حد ذاته عن هدفها؛ إذِ اكتشف ويلز أن الرغبة في التحرُّر سمةٌ عامة في أدب المدينة الفاضلة، رغم أن الوسائل المستخدمة في تحقيقها تبدو مُفزِعة في حداثتها. في هذه الرواية، تُستخدَم القنابل الذرية لمحو ما تبقَّى من آثار النزعة القومية الضيقة، وتقضي كذلك على أعداد ضخمة من مواطني الأجزاء الأفقر في أوروبا، لكن الغاية تبرِّر الوسيلة كما يتضح؛ إذ تُعلِن الحرب الذرية عن بدء عهد جديد تسوده حكومة عالمية مستنيرة. أما رواية «رجال مثل الآلهة» (١٩٢٣) فتصطحب مجموعة من الرجال الإنجليز إلى كوكب آخر حيث يجدون عالمًا يعكس نسخة محتملة من مستقبلهم، بدون حكومة ولا طبقات. ومع توالي سنوات القرن العشرين، أصبح ويلز — مثل ألدوس هكسلي — يربط مستقبل العالم بمستقبل الولايات المتحدة.

في رواية «مدينة فاضلة حديثة» (١٩٠٥) يتبنَّى ويلز أسلوبًا هجينًا يجمع بين السرد والمناقشة النظرية، بل تعامَل مع الرواية كعمل سينمائي. ورغم استخدامه لصوتين روائيين، فإنه يتخلَّى ها هنا أيضًا عن نمط الرفيق الذي يلعب دورًا ثانويًّا لدعم البطل؛ فمنذ زمن الحوارات السقراطية فصاعدًا، ينحصر دور المتحدِّث الثاني في إعطاء مفسِّر النص التلميحاتِ اللازمةَ، لكن وظيفة بطل ويلز — عالِم النباتات — ها هنا هي طرح صوت معارض فعال يواجه تنظير الراوي المترفِّع؛ إذ يستعين به ويلز لإبداء ملاحظاته على نمط المدن الفاضلة الأدبي بأكمله، والتسليم ببُعده التنبُّئي، وأهم من ذلك كله الاعتراف بجاذبية محاولة تصحيح الفوضى التي نلمسها في العالم. وهو يصرُّ كذلك على أن قصص المدينة الفاضلة الأدبية ينبغي أن تتسم ﺑ «الديناميكية» كي تتلاءم مع التغير المستمر المميِّز للحقبة الحديثة، مطبِّقًا مفهوم التطور الدارويني، الذي يُعيد صياغته ها هنا ليصبح «التحقق العالمي». من السهل على القارئ الحديث تمييز الدلالات الشمولية لمدينة ويلز الفاضلة؛ فرُعْبه الدارويني من تسبُّب الزيادة السكانية في إحداث صراع بين الأنواع يدفعه إلى اقتراح التخلص من «ضعيفي الجسد». ويضيف ببرود مذهل أن الدولة ستتخلَّص من جميع الأطفال المشوَّهين وستنفي المنشقِّين إلى جزيرة مناسبة رغم وجود سجون. وبدلًا من اختفاء القومية، فإنها ستنتشر على نطاق عالمي لتصبح لندن مركز إمبراطورية عالمية. وفيما يتعلق بدور النساء، يظل ويلز ملتزمًا بالإطار التقليدي، فيستمر في تفضيل دَوْرهنَّ كراعيات للأطفال، ويتبنَّى الاتجاهَ المحافِظ نفسه عند معالجة العِرق، معتمِدًا على النظرية التطورية لتبرير تفوُّق أصحاب البشرة البيضاء.

يعتمد ويلز اعتمادًا واسعًا على الزجاج في عملية تحويل لندن، بالتأكيد كرد فعل على القرميد السائد في العصر الفيكتوري. يمنح الكاتب السوفييتي يفجيني زيمياتين للزجاج دورًا محوريًّا أيضًا في مدينة «وانستايت» في روايته «نحن» (التي نُشِرت مترجمةً عام ١٩٢٤)، التي تَقَع أحداثها في القرن السادس والعشرين. لكن الزجاج يؤدي ها هنا وظيفة مختلفة ذات بُعْد أيديولوجي أكبر لا يقتصر على مجرد السماح بإدخال المزيد من الضوء. قدَّم جيرمي بنثام عام ١٧٨٥ خطة لبناء سجن نموذجي يُدعَى بانوبتيكون (يعني حرفيًّا «الذي يرى كل شيء»)، مُصمَّم كي يحقِّق الحدَّ الأقصى من سهولة مراقبة السلطات للسجناء بصريًّا. تعكس المراقبة فكرة السيطرة نفسها في نظام الحُكم داخل رواية زيمياتين؛ حيث أصبح المواطنون أرقامًا داخل دولة تُدار حسب المفاهيم الرياضية والكفاءة المثالية. وبينما تحوَّل فورد إلى «الإله» الصناعي الرقيب الذي يسيطر على عالم رواية «عالم جديد رائع»، فإن فريدريك وينزلو تايلور — رائد الإدارة العلمية الأمريكي — هو المنظِّر الذي يُحتفَى به على مدار رواية «نحن». حسب الرمزية الرياضية للرواية تعبر الوحدة عن حالة ترابط نموذجية؛ ومن ثمَّ، تبرز الأهمية الجماهيرية للحدث الذي تستهلُّ به الرواية؛ ألَا وهو اكتمال السفينة الفضائية «إنتيجرال» على يدِ الراوي دي-٥٠٣. تُستخدَم الأرقام لتحديد هوية جميع الأشخاص، وهو أمر ثابت؛ نظرًا لأن أهميتهم تنبع من علاقتهم بالكل. ويُعرَض الانشقاق في الرواية عن طريق تمزق صورة الراوي الذاتية وتفكُّكه، وهي عملية لا يمكن عكس تأثيرها إلا من خلال إجراءٍ شبه علاجي يتضمن عملية جراحية في «مركز الخيال» لديه، تشبه عملية جراحية في الدماغ.

أما دراسة ويلز اليوتوبية الأشهر، فهي «شكل الأحداث القادمة» (١٩٣٣) التي تقدم قصتها في إطار حكاية منقَّحة كُتِبَت في الأصل بقلم د. فيليب رافين؛ حيث يتتبع ويلز على مدار القرن العشرين تطور الاضطرابات الاجتماعية التي تبلغ ذروتها في حرب عالمية أخرى وانهيار القومية الأوروبية وظهور الدولة العالَمية، إلى جانب التطور السريع لوسائل الاتصالات، وتحسُّن صحة البشر الجسدية. ومع سير الأحداث يستهزئ بقصص اليوتوبيا السابقة. كذلك نشر روزفلت الثاني دراسة تحت عنوان «التطلع نحو المستقبل»، يصف فيه ألدوس هكسلي بأنه «أحد أبرع الكُتَّاب الرجعيين». من جديد يستخدم ويلز في روايته نموذجًا تطوريًّا خطيًّا، لكن يوجد تباين جليٌّ بين هذا التطور وعدد الفجوات المتزايدة في مخطوطة رافين. فمِن المُفترَض أن يشكِّل القسم الرابع من الكتاب (بعنوان «محارب الدولة الحديثة») سردًا متفائلًا حول ذروة هذا التطور لكن لا يزيد عن «كم من الملاحظات غير المرتبة»، وكأن الشكوك بدأت تنتاب ويلز حول استمرارية روايته ذاتها.

سيطرة الدولة في رواية «عالم جديد رائع» وغيرها من الأعمال الروائية

شهد عَقْد الثلاثينيات من القرن العشرين صدور مجموعة من روايات الديستوبيا التي صورت توجُّه الدول نحو استغلال الرغبة في الالتزام بالمعتقدات التقليدية من أجل محو الفردية. يجمع جميس أونيل في روايته القاتمة «أرض تحت إنجلترا» (١٩٣٥) بين نمط الأرض المجوفة (الذي ينعكس في النباتات والحيوانات العجيبة) ونمط المدينة الفاسدة الذي يطرح مغزًى أخلاقيًّا يتعلق ﺑ «الهيستيريا العامة المثارة حول العِرق» حسب وصف الراوي. يهبط الراوي عبر باب سري في سور هارديان إلى عالَم تحتيٍّ صامت ومُخِيف يتواصل سُكَّانه عبْرَ التخاطُر. يَخشَى البطل أن يخضع بدوره ﻟ «الاستحواذ»؛ أي يندمج ضمن إدراك جماعي؛ حيث سيفقد هويته تمامًا. يضفي المكان الجوفي المظلِم بُعدًا كابوسيًّا يتناسب مع تعامل البطل مع «الآلة الوحشية» لتلك الدولة، التي تعكس نموذجًا مبسَّطًا منقولًا من الأنظمة الشمولية في تلك الحقبة.

تتبع كاثرين بيردكين خُطى أونيل في تصوير عقلية الحشود في روايتها «ليلة الصليب المعقوف» (١٩٣٧) لكنها تركِّز على مفهوم النوع الاجتماعي، وتصوِّر الرواية الإمبراطورية الألمانية المقدَّسة في القرن السابع من عمرها. تعرض الكاتِبة ببراعةٍ التلاقي بين الصوفية والوثنية الذي يؤدي إلى إضفاء طابع ديني على القمع الكامل للنساء واختزالهن في دَوْر آلات للإنجاب. تلعب الصور والرموز التي تستخدمها الدولة للصور دَوْرًا في دعم هذه الأيديولوجيا التي تقمع التاريخ كما يحدث مرارًا في قصص الديستوبيا من ذلك النوع. ومن أهم مشاهد الرواية مشهد تحديق إحدى الشخصيات في ذهول في صورة لهتلر يبدو فيها مختلفًا تمامًا عن النمط الآري الأشقر، بل ويتحدث فضلًا عن ذلك إلى فتاة! إذ استُوعِبَ هتلر في الرواية داخل إطار دولة تَجهَر بعنصريتها.

كتب ألدوس هكسلي روايته «عالم جديد رائع» (١٩٣٢) مدفوعًا ببُغْضه لروايات المدينة الفاضلة التي يكتبها ويلز — لا سيما رواية «رجال كالآلهة» (١٩٢٣) — إلى جانب التكهنات السائدة في تلك الفترة حول الهندسة الحيوية. فعندما زار هكسلي الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٢٦، تيقَّن أن مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية هو مستقبل العالَم، وإلى حدٍّ ما تطرح روايته التي كُتِبَت عام ١٩٣٢ تصورًا لأمركة العالم يبدأ من مشهد ناطحة السحاب في لندن مع أولى صفحات الرواية. يعتمد المجتمع في الرواية على تطبيق وسائل الإنتاج الواسع النطاق المنظمة — التي أصبحت معروفة باسم «الفوردية»؛ حيث يحظى كمُّ الإنتاج وكفاءته بأهمية كبرى — على عملية الولادة، في تكنولوجيا أصبحت أقل غرابةً بمراحل الآن في ضوء تكنولوجيا الاستنساخ. وعبر تصميم المنتجات البشرية التي تنقسم إلى أنواع ألفا وبيتا وغيرهما، يصوِّر هكسلي مجتمعًا يُحدَّد فيه مصير المرء بيولوجيًّا، وحيث ينعكس التوحيد القياسي داخل المجتمع عن طريق زي أفراده الموحَّد ولهجتهم. وعلى وجه الدقة، قد يعكس استخدام هكسلي للأسماء تناقضًا بما أنها ملمح من ملامح الفردية ينطوي على مفارقة تاريخية، لكنه في الواقع يستخدمها للإشارة إلى مجموعة من القضايا الشاغلة التي تحتشد في ذلك المجتمع بدءًا من السلوكية وانتهاءً بالماركسية والاتجاه نحو التصنيع. تعكس الرواية طابع روايات المدن الفاسدة التهكمية من خلال استخدام الشذوذ الجنسي — حيث يصبح الزواج الأحادي أمرًا مستهجنًا — وأيضًا من خلال وصف عالَمين — عالَمِ الدولة العقلانيِّ وعالَمِ المحمية «البدائيِّ» — مستقلَّين أحدهما عن الآخر من الناحية الهندسية، ثم إظهار التداخل بينهما عن طريق عرض أشخاص غير منتمين من كلتا الناحيتين. يصف هكسلي عالَمًا لا يكترث بالسياسة؛ حيث يقبل السكان ما يقدِّمه من راحة لا نهائية عن طريق تناول مخدِّر السوما، في إعادة صياغة ساخرة لعبارة ماركس «الدين أفيون الشعوب»، فالآن أصبح الأفيون هو دين الشعب.

مع حلول عام ١٩٥٨، أصبح هكسلي مُقِيمًا إقامة دائمة في الولايات المتحدة، واختار لدراسته حول الثقافة الأمريكية المنشورة في ذلك العام عنوانًا يستدعي روايته الشهيرة؛ ألا وهو «عالم جديد رائع من منظور جديد»؛ حيث يطرح صورة قاتمة توضح تحقق عدد من النماذج المُتخيَّلة عام ١٩٣٢ في حقبة الخمسينيات من القرن العشرين. كان هكسلي يستشعر وجود تمركز هائل للسلطة يهدِّد الحرية الفردية؛ إذ يحذرنا قائلًا: «لقد أدت التكنولوجيا الحديثة إلى تمركز السلطة السياسية والاقتصادية»، وقد أعدَّ كتابه كي ينذر العامة من ممارسات تلك «القوى الضخمة المتجردة». ويصرُّ على أن تلك الاتجاهات ستصل إلى ذروتها في القرن اللاحق، وهو عصر «حُكَّام العالم» الذي سيشهد التحقق النهائي لما تُصوِّره رواية «عالم جديد رائع».

لقد قدَّم هكسلي — دون أن يدري — في كتابه الصادر عام ١٩٥٨ ملخصًا لعدد من الخصائص الرئيسية التي تميز قصص المدينة الفاسدة في أدب الخيال العلمي الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية؛ فعلى سبيل المثال، يتناول هاري هاريسون في روايته «أفسح المجال! أفسح المجال!» (١٩٦٦) أخطار الزيادة السكانية؛ حيث تظهر مدينة نيويورك عام ١٩٩٩ في صورة مدينة مزدحمة تعاني دومًا من عجز في الغذاء. أما ما يطلِق عليه هكسلي «التجارة السياسية»، فهو موضوع رواية فريدريك بول وسيرل إم كورنبلوث الصادرة عام ١٩٥٣ تحت عنوان «تجار الفضاء»، وتصور مستقبلًا يشهد استيلاء الشركات الكبرى على وظيفة الحكومة واستغلال الفضاء الخارجي تجاريًّا باعتباره مكان سكن محتمَلًا. وخلْف واجهة الإعلانات البرَّاقة، تصف الرواية قمع المعارضة السياسية واستخدام عمالة السخرة لإنتاج مواد غذائية صناعية. كذلك تلعب مؤسسة صناعية كبرى (على نمط شركة جنرال موتورز) دورًا رئيسيًّا في رواية كورت فونجيت الأولى «البيانولا» (١٩٥٢)؛ حيث تلعب روح الشركة العامة دور الامتداد الشفهي لخط إنتاجها. يصف فونجيت — الذي يقرُّ بامتنانه لهكسلي — إحلال التقنيات الآلية محل النشاط البشري (من هنا يتضح عنوان الرواية) إلى جانب إضفاء الطابع الآلي على الشخصيات التي تعكس التشدد الاجتماعي عن طريق ترديد الشعارات الروتينية بعضها على مسامع بعض.

في كتاب «عالَم جديد رائع من منظور جديد»، عبَّر هكسلي عن أعمق مخاوفه حول قابلية العامة للتأثر بالعمليات التي تجري تحت سطح المجتمع، وركَّز في مناقشته لمفهوم غسل الدماغ — الذي سيتناوله لاحقًا كُتَّاب مثل ويليام بوروز، وأنتوني بيرجيس، وماري بيرسي — على المثال الأسوأ لمشكلة عامة؛ وهو انتشار تقنيات التلاعب. في عام ١٩٣٢، عرض هكسلي وسائل الإعلام باعتبارها وسيلة من وسائل التشتيت الممتد للانتباه، وهو المنظور الذي طوَّره راي برادبوري في رواية «فهرنهايت ٤٥١» (١٩٥١)، وهي رواية أخرى من الروايات الديستوبية في تلك الحقبة تَدين بالفضل إلى «عالم جديد رائع». في «عالم جديد رائع» يطعِّم هكسلي نصه بإشارات ضمنية إلى أعمال أدبية كي يذكِّر القارئ بالماضي الثقافي الضائع. وبما أن الكتب قد أصبحت محرَّمة في رواية برادبوري، تنتشر على مدار الرواية إشارات تتجاوز إطار السرد إلى طبيعة الرواية نفسها كنص متخيَّل، لكن تلك الإشارات تُدخِل القارئ في علاقة تمرد ضد النظام الحاكِم بدلًا من تذكيره بأنه نظام متخيَّل. تدور أحداث الرواية حول عالم تُمنَع فيه الروايات، وهي مفارقة تشجِّع على التواطؤ مع البطل — مونتاج — حتى قبل أن يتضح عدم رضاه. وعن طريق سلسلة من صور التماهي (بين الكتاب والعصفور والفرد)، يوحِّد برادبوري بين مصير الكتب ومصير المجتمع ككل. ومن خلال التناول الموسَّع لهذه القضية بعينها، يوضح كيف يشكِّل منع الكتب قمعًا للحوار، وكيف حلت «الحميمية» الإعلامية في المسلسلات التليفزيونية التافهة محل التفاعل الاجتماعي. في الفيلم الذي أخرجه تروفو عن الرواية، يعرض البرنامج التليفزيوني الذي تشاهده زوجة مونتاج — بطل العمل — كأنها تُمارس طقسًا دينيًّا في صورة فضاء إلكتروني متعدد الأطر تُدعى إلى دخوله. لكن في الرواية، تدفعها النزعة الاستهلاكية إلى الحلم بتجربة مشاهدة حيث تقبع بين أربعة حوائط من شاشات التليفزيون تُحدث تأثيرًا مشابهًا لعروض الأفلام المعاصرة التي تحيط بالمرء من جميع الزوايا. في القسم الأخير من الرواية — الذي يعرض هروب البطل من ضواحي المدينة والمدينة المقصوفة — يدخل مونتاج مكانًا رمزيًّا يسكنه «شعب الكتب» الذين يحفظون كُتبًا كاملة، وهكذا تجسِّد الروايةُ الاستعارةَ التي تشبِّه الكتاب بالفرد.

رواية «١٩٨٤» وتراثها الفكري

fig12
شكل ٤-١: لقطة من فيلم «١٩٨٤» للمخرج مايكل أندرسون (١٩٥٦).

أصبحت كلمة «أورويلي» وصفًا نموذجيًّا لأنظمة الحُكم الشمولية الاستبدادية بما تتسم به من نُظُم قاسية تفرض سيطرة الدولة. في «فهرنهايت ٤٥١»، يجمع مونتاج بين دَوْر رجل الإطفاء — أي دور عامل النظافة بما أن عملية حرق الكتب هي نوع من «التنظيف» — والشرطي. ركَّز تروفو في فيلمه على دور الشرطي الذي يرتدي زيًّا موحدًا أسود اللون كي يُعيد إلى الأذهان أصداء النازية، رغم أن برادبوري كان يرغب في إعطاء حارقي الكتب هوية مركَّبة جامعة لمختلف الهويات. في رواية برادبوري يُنفَّذ القانون في ظل رخاء نسبي، بينما تصوِّر رواية جورج أورويل «١٩٨٤» (١٩٤٩) الأوضاع القاسية في بريطانيا بعد الحرب مباشرةً في ظل نظام حُكم متوحش يعكس أصداء النازية (أسبوع الكراهية) إلى جانب الستالينية الروسية من خلال جهاز استخبارات الدولة وعملية التزييف اللانهائية ﻟ «التاريخ» الرسمي. يشغل ونستون سميث — مثل مونتاج — وظيفةً ضمن جهاز الدولة تمنحه فرصًا نادرة لمشاهدة عملية تدمير الأدلة الفعلية مباشرةً. يصوِّر برادبوري التليفزيون كأداة ترفيه بينما يركِّز أورويل على استخدامه لأغراض السيطرة؛ إذ تنتشر الكاميرات الخفية في كل مكان حتى في الريف. ويصف مجتمعًا يتجسَّس أفراده بعضهم على بعض، ويُبلغون الشرطة بشكوكهم، لكن الأمر الأكثر إثارةً للقلق هو عجزهم التام عن معرفة متى يُراقبهم الأخ الأكبر، الصورة التي تمثل هذ المراقبة المفروضة من قِبَل الدولة.

يسجِّل سميث مصيره المحتوم، حتى في مذكراته، وتؤكِّد الرواية بقسوة هذه الحتمية عندما يُعلِن صوت إلكتروني في المخبأ الذي يلتقي فيه مع حبيبته أنهما رهن الاعتقال، ويُخبر أوبريان — عضو الحزب الحاكِم — سميث المرعوب بأن نخبة الحزب عبارة عن «كهنة يقدسون القوة» باقين للأبد؛ لأنهم يتحكمون في وسائل تشكيل الفكر والإدراك. وهكذا، يصبح تعديل سلوك سميث عملية حتمية لا يمكن مقاومتها حتى دون هدف تحويله إلى مواطن مثالي، وفي نهاية الرواية نعرف أنه أصبح يحب الأخ الأكبر — وهو استنتاج ساخر في حد ذاته — ثم يتزايد إحساسنا بالكآبة عبر ما توحي به الأحداث السابقة من أن سميث سرعان ما سيختفي، والاختفاء يُشير ضمنًا إلى الإعدام.

أسهب أنتوني برجس في الاحتفاء بأورويل في روايته الديستوبية «١٩٨٥» (الصادرة عام ١٩٧٦)، التي عرضت مجموعة من التأملات حول قصص المدينة الفاسدة؛ ومن الممتع مشاهدة برجس بينما يحدد موقعه ضمن منظومة هذا النمط الروائي. يناقش برجس تأثر أورويل بزيمياتين ورفضه لرواية «عالم جديد رائع»، محتفظًا بقضية مصير الحرية في قلب المناقشة. لكنْ تدريجيًّا تصبح معاداة برجس للسلوكية محور الاهتمام، منتقدًا دعم الدولة السوفييتية لأبحاث بافلوف وكتابات بي إف سكينر اللاحقة، اللذين يهاجم برجس تعاملهما مع العينات البشرية في تجاربهم في روايته «برتقالة آلية». لم يكن في وسع برجس وقتها معرفة أن سكينر كان مشاركًا في برنامج المخابرات المركزية الأمريكية السري للسيطرة على العقول المعروف باسم «إم كيه-ألترا». لكن من المؤكد أنه قرأ رواية المدينة الفاضلة التي كتبها سكينر بعنوان «والدن تو» (١٩٤٨)، والتي استعرضت أساليب تعديل السلوك.

fig13
شكل ٤-٢: لقطة من فيلم ستانلي كوبريك «برتقالة آلية» (آ كلوكوورك أورانج) ١٩٧١.

تعكس رواية «برتقالة آلية» (١٩٦٢) المخاوف العامة من جنوح النشء، كما أنها تدمج ضمن إطار السرد التجارب التي كانت تُجرى سرًّا وقتها على تعديل السلوك. تجمع اللغة الاستثنائية التي استخدمها برجس في الرواية بين الروسية (يطلق عليها في الرواية اسم «نادسات»، وهي كلمة تعني «مراهق»)، ومصطلحات الإنجليزية الأمريكية، ولهجة الكوكني العامية. لهذا الغرض، استعان برجس — الذي كان لديه بعض المعارف في مجتمع المخابرات — بضابط سابق في المخابرات المركزية الأمريكية كان متخصصًا في العمل بمنطقة شرق أوروبا. يروي الرواية زعيم عصابة واسع الحيلة يدعى أليكس، وتنقسم إلى ثلاث مراحل؛ تصور المرحلة الأولى العنف الذي يمارسه أليكس لأغراض ترفيهية ويؤدي إلى اعتقاله، بينما تتناول المرحلة الثانية سجنه وخضوعه للعلاج الهادف إلى إعادة تأهيله، أما المرحلة الثالثة فتعرض عودته إلى المجتمع. حَذَف الناشر الأمريكي للرواية في البداية فصلها الأخير؛ مما أدَّى إلى ترك أليكس في مرحلة وسطى بلا مستقبل، وهو أمرٌ أثار استياء برجس. إن استخدام صوت أليكس في السرد يضعنا مباشرةً داخل عقلية مجموعة فرعية تتبنَّى موقفًا متساهلًا تجاه العنف، سواء العنف الجنسي أو غيره من أشكال العنف الأخرى؛ ومن ثمَّ، هُوجِمت الرواية لأنها أضفَتْ طابعًا جماليًّا على ممارسات عصابة أليكس — وقد قُوبِل فيلم كوبريك (١٩٧١) المُقتبَس عنها بهجوم أكبر — لكن انتماء الرواية إلى نمط المدينة الفاسدة ينعكس في الحقيقة في وصفها لعلاج أليكس عن طريق استخدام تكنولوجيا العلاج العكسي، وهي عملية تعديل سلوك سلبية تربط بين العنف والغثيان في ذهنه. تُنفَّذ هذه العملية — موضوع القسم الثاني من الرواية — من خلال عرض مجموعة من الأفلام على أليكس مع إبقاء عينيه مفتوحتين باستخدام إطار لتثبيت العينين، وهي صورة من أشهَر صور الفيلم.

هاجم برجس كثيرًا بي إف سكينر — المُدافِع الأول عن السلوكية في ذلك الوقت — لأنه اعتقد أن أساليب العلاج الشبيه بما تعرض له أليكس تمحو إرادة الفرد الخاضع للعلاج. وفي هذا السياق يمكننا قراءة رواية «برتقالة آلية» باعتبارها هجومًا على تعديل السلوك الرسمي مثل رواية مارج بيرسي «امرأة على حافة الزمن» (١٩٧٦) — حيث تخضع البطلة إلى العلاج بالتخليج الكهربي — أو رواية توماس إم ديش «معسكر التركيز» (١٩٨٢)، حيث يلعب الراوي (دون أن يدرك) دور فأر تجارب في منشأة تجريبية حكومية سرية. يسرد الروايات الثلاث كافةً أفرادٌ خاضعون لتلك التجارب، وتؤدي طبيعة العلاج في حد ذاتها إلى إحداث إشكالية في وضع ذاتيتهم.

عوالم فيليب كيه ديك

على عكس قصص المدينة الفاضلة — التي تروي في بعض الأحيان عالمها الخاص، أو بعبارة أخرى أهدافها الواعدة — تنزع قصص المدن الفاسدة إلى تقديم عالم قائم بالفعل، بينما يتبع السرد عادةً عملية تفكيك نظام الحكم القائم عبر ممارسات بطل غير متأقلم — مضطرب إلى حدٍّ ما مثل مونتاج — في إطار علاقته مع الوضع الراهن الساري. تقبع هذه العلاقة في قلب أدب فيليب كيه ديك، الذي يطرح من خلاله السؤال التالي «ما الحقيقي؟» وهي قضية غيبية إلى حدٍّ ما بالنسبة إليه، لكنها أيضًا مشكلة تتعلق بالتعامل مع الحقائق المختلقة في زمنه، وهو ما يفسِّره قائلًا:

نحن نعيش اليوم في مجتمع تُصنع فيه الحقائق الزائفة على يد الإعلام، والحكومات، والشركات، والجماعات الدينية والسياسية التي اخترعت الأجهزة الإلكترونية من أجل إيصال تلك العوالم الزائفة إلى دماغ القارئ، والمُشاهِد، والمُستمِع مباشرةً.

كالعادة، يتواجد أبطال ديك داخل مؤسسات خبيثة ومعقدة، نادرًا ما نلمح تأثيرها، فضلًا عن فهمه. ويظل الدافع المتكرر في أعماله هو رغبته في الفهم بغض النظر عن الغموض الذي تفرضه أنظمة الحُكم المهيمنة.

لا تزال إحدى أقوى روايات ديك التي تستعرض فكرة الخداع المؤسسي هي رواية «زمن الجنون» (١٩٥٩)، التي تصف تجارب بطلها ريجول جَم في مدينة أمريكية صغيرة في تلك الحقبة. تتزايد التناقضات في واقع جَم وتبلغ ذروتها مع تفكك جهاز بيع مشروبات مرطِّبة أمام عينيه. وبينما يكتشف تدريجيًّا أنه على ما يبدو في مركز مؤامرة ضخمة، يجد نفسه عالقًا بين حاضر مروِّع وماضٍ زائف، ينعكس عبر صور أمريكا التي أُعدَّت لأغراض تنافسية وترتبط ارتباطًا وثيقًا بمخاوف الحرب النووية السائدة وقت كتابة الرواية. يعكس جَم النموذج النمطي لأبطال روايات ديك عندما يكتشف تدريجيًّا وقوعه في شَرَك أعدَّتْه له قوًى أكبر منه. وبالفعل يعجُّ أدب ديك بتلك المواقف الكئيبة حيث يستحيل على الأبطال التحقق من هويتهم الخاصة. تصوِّر رواية «الحقيقة قبل الأخيرة» (١٩٦٤) الحياة في مجمعات سكنية تحت الأرض؛ حيث يعتمد السكان كليًّا على وسائل الإعلام للحصول على معلومات عن العالم الخارجي. أما قصة «يمكننا الاحتفاظ بتلك الذكريات كاملةً بالنيابة عنك» (١٩٦٦) (التي اقتُبِس عنها فيلم «الاستدعاء الكامل» عام ١٩٩٠)، فتدور أحداثها حول أنظمة اقتصادية وسياسية متخصصة في زرع الذاكرة. دائمًا ما توجد الحقيقة في أدب ديك في مكان آخر، بعيدًا عن متناول أبطاله، بينما تُحدِث رواياته الأشد قتامة ارتباكًا مدروسًا لدى القارئ يدفعه إلى التماهي الشديد مع جنون الشك الذي يصيب تلك الشخصيات. يقدم ديك المعالجات الأشد تطرفًا لهذا الموضوع في رواية «شركة الأكاذيب المحدودة» (١٩٦٦–١٩٨٤) — حيث يشك البطل في أنه يتلقَّى رسائل تحت مستوى الوعي من شركة كمبيوتر عملاقة — ورواية «فاليس» (١٩٨١)، وهي آخِر عمل مكتمِل له؛ حيث تطرح شخصيات الرواية تخميناتها حول طبيعة كوكب الأرض الذي يُعرَض من منظور نظام استخبارات من الفضاء الخارجي.

اليوتوبيا النسوية

ساهم عدد من الأديبات في كتابة الأدب اليوتوبي منذ بداياته المبكرة. وتعتبر رواية مارجريت كافينديش «العالم المحترق» (١٦٦٦) أحد أوائل الأعمال الأدبية التي تصوِّر عالمًا منفصلًا يمكن الوصول إليه عبر القطب الشمالي، وتقارِن الرواية البحث العلمي مع ممارسات إنجلترا المعاصرة. وبفضل الأبحاث التاريخية التي قدَّمتها باحثات — وتمخضت عن إحياء أعمال شارلوت بيركينز جيلمان في حقبة السبعينيات وإعادة اكتشاف كاتِباتٍ مثل كاثرين بيردكين — أصبحت لدينا الآن فكرة أوضح عن إسهام الكاتِبات في الأدب اليوتوبي وغيره من صنوف الأدب المندرجة تحت عباءة الخيال العلمي.

أول رواية يوتوبيا أمريكية بقلم امرأة هي رواية «بعد ثلاثمائة عام» (١٨٣٦) للكاتِبة ماري جريفيث. تصوِّر الرواية مغامرات مسافر عبر الزمن يستيقظ من نومه في المستقبل؛ حيث يجد أن السكك الحديدية قد انتشرت، وأن وسائل المواصلات قد تغيرت تغيرًا جذريًّا إثر استخدام السيارات الأتوماتيكية في حين تحققت المساواة بين الجنسين. وبينما يتعرض ذلك النوع من قصص اليوتوبيا بانتظام إلى العلاقة بين الجنسين، فإن رواية ماري إي برادلي لاين «عالم ميزورا: نبوءة» (١٨٨١) تخرق هذا الاتجاه عن طريق تصوير عالم مثالي اختفى رجاله كليًّا. تُروى أحداث الرواية على لسان فيرا، أميرة روسية تحطمت سفينتها في المنطقة القطبية الشمالية وهبطت عبر فتحة قطبية إلى عالم تحتي. وهناك تكتشف مجتمعًا من النساء أنهى الصراعات الاجتماعية مكوِّنًا «عالمًا يسوده النساء ذوات الفكر»؛ حيث أصبح كلٌّ من الجسد البشري وجسد الأمة خاضعين للإدارة العلمية الرشيدة. في الوقت نفسه، توحَّد الإله مع منظومة الطبيعة، وعندما تحدق فيرا مندهشةً في المشهد البانورامي اللانهائي لعالم ميزورا تجسِّد الأرض ثقة النساء في مجتمعهن. تصوِّر الرواية عالمًا أخضع التجارة لسلطة مركزية وفصلها عن الربح، ونشر استخدام الكهرباء، وطبَّق العلم على جميع نواحي الحياة، لكنه عالم أبيض يضم مجتمعًا من المباني البيضاء والنساء البيضاوات الشقراوات اللاتي أُنتِجْن عبر تطبيق تقنيات تحسين النسل.

تكتسب رواية شارلوت بيركينز جيلمان «هيرلاند» (١٩١٥) جزءًا كبيرًا من تأثيرها المبدئي من خلال تقويض النمط الذكوري المميِّز لقصص العالم المفقود. ومنذ لحظة البداية، يشير استخدامها لأربعة أبطال من الرجال إلى تجنبها للقوالب الجاهزة المُختزَلة. في الرواية، يلعب تيري دور المغامر الفظِّ، لكن فان — الراوي — يميل أكثر إلى دور المُقيِّم الحكيم لخبراتهم. تقدم جيلمان وصفًا فكاهيًّا لعملية تجريد المسافرين الأربعة من قوتهم، وما يلقَوْنه من معاملة طيبة لكنها تشبه معاملة الأطفال. وعلى الرغم من أن جيلمان لم تتجنَّب الشرح تمامًا، فإن الرواية تعرض الإجحاف الجنسي في إطار درامي من خلال تصوير تفاصيل صغيرة حول نمط الحياة والمَلبس؛ أي من خلال ما سيطلق عليه في ستينيات القرن العشرين «سياسة السلوك». في الواقع، توضح جيلمان — من خلال تشكُّكها في الافتراضات المرتبطة بالنوع الاجتماعي — التباعد التدريجي بين البطل وطبيعته الذكورية، وتوحي بأن النوع الاجتماعي هو دور يؤدَّى، يرتبط بالتكيُّف الاجتماعي أكثر مما يرتبط بعلم وظائف الأعضاء، وهو موقف دعمتْه نظريات جوديث بتلر لاحقًا.

في سبعينيات القرن العشرين، وعلى خلفية حركة الحقوق المدنية في العقد السابق، برز اهتمام متجدد بالنوع الاجتماعي في قصص الخيال العلمي الأمريكية، وهو ما انعكس بدوره في إنتاج روايات اليوتوبيا النسوية وكذلك في تحديد هذا النمط في الأعمال الأدبية المبكرة التي تعود إلى القرن التاسع عشر؛ فعلى سبيل المثال، أعادت رواية باميلا سارجينت «نساء عجيبات» الاهتمام بأعمال منسية مثل رواية فرانسيس ستيفنز «رءوس سيربيروس» (١٩١٩)، التي تدور أحداثها حول ثلاث شخصيات تنتقل عبر استنشاق غبار رمادي إلى «أرض الرومانسية العجيبة» في فيلادلفيا المستقبلية. وفي الوقت نفسه، تزعَّم عدد من الكُتَّاب جدلًا حول التعصُّب الجنسي لدى كُتَّاب الخيال العلمي التقليديين مثل هاينلاين ولدى المجتمع الأمريكي عامةً. إحدى أشد الشخصيات تعقيدًا في هذا المجال هي أليس بي شيلدون — المحلِّلة الاستخباراتية السابقة في المخابرات المركزية الأمريكية — التي نشرت أعمالًا روائية تحت اسمين مستعارين؛ أحدهما لرجل (جيمس تيبتري، الابن) والآخر لامرأة (راكونا شيلدون). في قصتها التي تحمل عنوان «فتاة التحكم عن بُعد» تتحدى الرواية قُراءها من الرجال (الذين تطلق عليهم اسم «الموتى الأحياء» و«الآباء») أن ينصتوا إلى حكايتها؛ كيف أنها عُرِض عليها جسد مختلف عن طريق توصيلها إلكترونيًّا بفتاة صناعية بالغة يطلق عليها اسم «الجِنيَّة»، وهي قصة رمزية ساخرة عن المعايير الاجتماعية الذكورية للجمال الأنثوي.

طالما كانت جوانا روس من أشد النقَّاد حِدَّة في هذا المجال وأكثرهم إبداعًا في الوقت نفسه؛ ففي عام ١٩٧٢، أعلنت أن الأدب الأمريكي «لا يتحدث عن النساء، ولا يتحدث عن الرجال والنساء على حدٍّ سواء، بل يتحدث عن الرجال ويُكتَب بقلمهم.» أما في عام ١٩٨٣، فقد نشرت كتيبًا إرشاديًّا ساخرًا تحت عنوان «كيف تقمع كتابات النساء». كانت روس تهدف جزئيًّا عبر تلك التصريحات إلى إفساح المجال لأعمالها الأدبية، لكنها كانت تتحدى في الوقت نفسه عادات الذوق والتفضيل اللاشعورية، وتتحدى قُراءها لإعادة النظر في صورة النساء والدُّخلاء في أدب الخيال العلمي. وقد ساعدت في تعزيز الرأي القائل بأن النساء جرى قمعهن على نحو متواصل في أعمال الخيال العلمي المبكرة، وهو رأي أصبح اعتناقه أكثر صعوبة مع تزايد أعمال الخيال العلمي النسائية المبكرة المعاد اكتشافها، وقد تعرَّض للانتقاد بتهمة التحريف التاريخي.

تضم رواية روس «الفتاة المسترجلة» (١٩٧٥) أربع بطلات، يرتبطن جميعًا بالمؤلِّفة عبر الحرف الأول من أسمائهن؛ وهن: جوانا التي تعيش في أمريكا في الوقت الحاضر، وتشعر أن عليها التنكر في شكل «فتاة مسترجلة» كي تستطيع شق طريقها في المجتمع؛ وجانيت إيفاسون من كوكب وايلاواي المثالي، الذي انقرض منه الرجال؛ وجانين أمينة المكتبة من نيويورك التي تعيش في فترة كساد اقتصادي ممتدة؛ وجايل القاتلة المأجورة وعالِمة الأعراق البشرية التي تعيش في عالم تسوده حرب علنية بين الجنسين، وتحمل اسم شخصية توراتية قَتَلَت جنرالًا كنعانيًّا. وكما يحدث في رواية «هيرلاند»، تمنع البطلات الأربع ظهور أي شخصية أنثوية نمطية، ويجسِّدن أدوارًا مختلفة تتفاعل داخل الرواية؛ وهي: المراقِبة الاجتماعية، والمرأة المتحرِّرة، والمؤرِّخة، والمحارِبة. تمزج الرواية مرارًا وتكرارًا بين أساليبها السردية، فتقفز من تفريغ نصي لحوار إلى سردٍ بصيغة المتكلم، ومن شخصية إلى أخرى. يبدأ القسم الثاني من الرواية بالسؤال التالي «مَنْ أنا؟»، وتسيطر الصيغة الاستفهامية على أحداث الرواية. في بعض الأحيان، يلتبس على القارئ تحديد هوية الراوية، لكنه أسلوب مدروس تستخدمه روس، بما أنها تدعو القارئ باستمرار إلى مقارنة أجزاء الرواية المختلفة. وفي نهاية الرواية، تعمد روس إلى إحياء أسلوب «الإهداء الختامي»، كي ترسل روايتها إلى المجتمع الذي تَأْمل في تغييره.

تنزع روايات اليوتوبيا النسوية الجديدة إلى تصوير مجتمعات نسائية تتولى فيها النساءُ أنفسُهن عمليةَ الإنجاب كما في رواية سوزي ماكي شارنز «خط إنتاج الأمهات» (١٩٧٨)، أو إلى عرض مواقف تعكس صراعًا بين الجنسين كما في رواية شيري إس تيبير «بوابة دولة النساء» (١٩٨٩)؛ حيث تقارن الكاتِبة ثقافةَ المحارب الذكوريةَ بعالم نسائي منفصل يقع في مكان آخر.

تقدِّم رواية أورسولا لو جوين «المطرود» (١٩٧٤) حوارًا ممتدًّا بين نمطَي المدن الفاضلة والمدن الفاسدة، وتبدأ بصورة ترتبط بالإلهة يانوس، وهي صورة الحائط. تحوي الروايةُ العديدَ من الإشارات إلى عالم السياسة في ذلك الوقت، عندما كان حائط برلين يجسِّد التناقض بين الشرق والغرب، لكنَّ لو جوين تعرِض تناقضًا إضافيًّا بين الثروة المادية والمذهب الاجتماعي المحافِظ على كوكب أُريز وبين الكآبة الشكلية على كوكب أناريس المثالي الفوضوي. كانت الرواية تحمل في الأصل العنوان الفرعي «يوتوبيا غامضة»، وتستحضر لو جوين هذا المنظور المزدوج من خلال التنقل بين الفصول التي تدور أحداثها في كلٍّ من العالَميْن؛ ومن ثمَّ، تدفع القارئ إلى عبور «الجدار» بين العالَميْن مرارًا وتكرارًا عن طريق فعل القراءة وحده. تَبْرَع الكاتِبة في استخدام شخصية شافيك — البطل المثالي من كوكب أناريس — للتشجيع على هذه المقارنة المستمرة، لا سيما عندما يزور كوكب أُريز؛ إذ تسلِّط وجهةُ نظره الخارجية الضوءَ على النزعة الاستهلاكية السائدة لدى هذا الكوكب. كذلك تستخدمه الكاتِبة في إطار أقل وضوحًا لكشف الجهود الأيديولوجية الخفية للحفاظ على المذهب المحافِظ في كوكب أناريس، عندما تُوقِعه أبحاثه العلمية في عداء مع هيكل السلطة التي تنكر ادعاءات الكوكب الفوضوية وجودها من الأصل. تُصوَّر المدينة الرئيسية في الرواية كنموذج للمنفعة عبر شبكتها المستطيلة التي لا يمكن فيها إخفاء أي شيء (حسب المُفترَض)، بينما تعاني المدينة القديمة في كوكب أُريز من حالة من الاضمحلال تستدعي إلى الأذهان المنطقة نفسها في رواية «١٩٨٤»، لكنها رغم ذلك تتيح قدْرًا أكبر من الحرية. في مقال مهم يحمل عنوان «الخيال العلمي الأمريكي والآخر» (١٩٧٥)، هاجمت لو جوين الاتجاه الاجتماعي المحافِظ في الخيال العلمي الذي «تبنَّى تسلسلًا هرميًّا للسادة والتابعين يضع الذكور الأثرياء العدوانيين الطموحين على قمة يتبعها فراغ ممتد حتى القاع حيث يقبع العامة الفقراء، المجهولون غير المتعلمين، إلى جانب جميع النساء.» وهو رأي كانت روس ستتفق معه؛ إذ كانت تطرح تساؤلات حول هذا التقسيم من خلال إحضار كائنتها الفضائية إلى مدينة نيويورك، وهو ما فعلتْه لو جوين من خلال استحضار مفهوم النسبية الثقافية لوجهات النظر.

بينما تَعْرض لو جوين المدينة الفاضلة باعتبارها الهدف النهائي الذي يتعذَّر تحقيقه في روايتها، فإن رواية مارجريت أتوود «حكاية الوصيفة» (١٩٨٥) تصوِّر تحقُّق عالم تحكمه دولة دينية متطرفة. تجمع الكاتِبة بين تلميحات تُشير إلى الكتاب المقدس (إذ يدعى عالَمها جلعاد)، وأصداء «١٩٨٤»، بجانب إشارات إلى البروتستانتية الإنجيلية التي يمارسها بعض أفراد اليمين الأمريكي كي تستحضر عالمًا آخر اختُزِل فيه دور النساء إلى تقديم الخدمات الجسدية لصالح «الأوصياء»، وهم النخبة الذكورية الحاكمة في هذا العالم البعيد كل البُعد عن المدينة الفاضلة الأفلاطونية. تستخلص أتوود عناصر مألوفة من مجتمع القرن العشرين كي تخلق نظامًا ديكتاتوريًّا كارهًا للنساء، مثل استخدام الأسماء المركبة التي تحمل اسم الأب. تحمل الراوية اسم أوفريد (أي بنت فريد)؛ مما يوحي بأنها لا تنتسب إلى نفسها. وبما أنها تعمل «وصيفة» — مصطلح يجمع بين العبودية والاستغلال الجنسي — فإن عليها ممارسة الجنس بانتظام مع أحد الأوصياء، وهي مهمة تتمكن من تأديتها عن طريق فصل عقلها تمامًا عن الجزء السفلي من جسدها. تلمح أتوود طيلة الرواية إلى أن أوفريد هي ملك شخص آخر، حبيسة مجموعة متكاملة من الأنظمة الداخلية الرسمية، وهو مأزق تتحمله عن طريق التمسك أكثر فأكثر بذكريات هشَّة؛ هي كيف كان الحال «سابقًا». وعلى عكس بطل رواية أورويل، تسرد أوفريد حكايتها بنفسها؛ مما يعكس تمكينًا ذاتيًّا رمزيًّا محدودًا، بما أنها في وُسْعها تحديد شكل قصتها. يوازن هذا الإحساس كآبة رؤية أتوود، التي تطرح استغلالًا على كل المستويات، بدءًا من غسل الدماغ وانتهاءً بالسيطرة الجنسية، وهي فكرة طوَّرتْها الكاتِبة إلى نطاق أبعد عندما استخدمت الهندسة الحيوية في الجزء الثاني من الرواية الصادر عام ٢٠٠٣ تحت عنوان «أوريكس وكريك».

روايات الإيكوتوبيا وثلاثية «المريخ»

صدرت عام ١٩٧٥ رواية ابتكرت على الأرجح مصطلح «الإيكوتوبيا» — أي اليوتوبيا البيئية — ونشرت استخدامه. قدَّم إرنست كالينباخ روايته «إيكوتوبيا» في شكل مجموعة من التقارير كتبها صحفي (يُدعَى ويليام ويستون) عن منطقة معزولة مثالية تتمركز في ولاية سان فرانسيسكو التي حصلت على استقلالها من الولايات المتحدة الأمريكية. يسجِّل ويستون تحوُّل نمط الحياة الذي تحقق عن طريق العودة إلى عدد من القِيَم الريفية والاستخدام الانتقائي للتكنولوجيا. يرتدى سكان المنطقة ملابس أبسط، ويتمتع المشاة بأولوية لم يحظَوْا بها من قبلُ في المدينة، بينما تُقام دوريًّا مجموعة من ألعاب الحرب الشعائرية لتفريغ الميول العدوانية. وحسبما يُصرِّح كالينباخ في روايته من خلال استعادة الأحداث الماضية، لم يتحقق الاندماج العرقي، إلا أن الأمريكيين من أصل أفريقي يعيشون في مناطق منفصلة تُعرَف باسم سول سيتي. ورغم ذلك، تعكس روايته وعيًا بيئيًّا جديدًا بدأ يشكِّل أعمال الخيال العلمي؛ فعلى سبيل المثال، تصوِّر رواية بول ثيرو «منطقة أو»، الصادرة عام ١٩٨٦، أمريكا في مستقبل شَهِد وضع جزء ضخم من الغرب الأوسط تحت الحَجْر الصحي نتيجة لتلوُّثه بالنفايات السامَّة. تتمحور سلسلة روايات «الأمثال» للكاتبة أوكتافيا بتلر حول الخوف من حدوث عجز في مصادر الغذاء يؤدي إلى انهيار المجتمع المدني في كاليفورنيا؛ إذ تصوِّر رواية «مَثَل الزارع» (١٩٩٣) رحلة هروب امرأة أمريكية من أصل أفريقي إلى الشمال لتأسيس مجتمع استنادًا إلى دينها الذي يُدعَى «إيرثسيد»، وهي ديانة أشبه بمذهب حيوي بيئي، وتستمر الحكاية في رواية «مَثَل الوزنات» (١٩٩٨) لكنها تتناول ها هنا سيطرة المتطرفين الدينيين على هذا المجتمع.

في حين تظل احتمالات الفِعل المتاحة للأبطال في الروايات المذكورة بالأعلى محدودة جرَّاء المقاومة التي يجدونها من مجموعاتٍ عدائية أو نتيجةً للجمود الحكومي، فإن ثلاثية «المريخ» للكاتِب كيم ستانلي روبنسون هي أهم روايات اليوتوبيا البيئية في تسعينيات القرن العشرين. تجمع تلك السلسلة الملحمية بين نمط المدينة الفاضلة وقصص استعمار الفضاء، لكن روبنسون أكَّد على أنه لا يرغب في تصوير كوكب المريخ كمأوًى، بل كمختَبَر اجتماعي وعلمي. تَعْرض الرواياتُ سلسلةً من أحداث الاستكشاف والبحث بدأت عام ٢٠٢٦ (في رواية «المريخ الأحمر»، ١٩٩٢)، ثم تعديل الكوكب ليصبح أشبه بالأرض وصالحًا للاستيطان («المريخ الأخضر» ١٩٩٣)، ثم انتشار المستعمرات وبدء ظهور الحيوانات («المريخ الأزرق»، ١٩٩٣). إن البطل الحقيقي في هذه الثلاثية هو كوكب المريخ، لا سيما حقبة تطوره الجيولوجي السابقة على قدوم البشر. بمجرد أنْ يصل المسافرون من الأرض إلى المريخ يتحول السرد إلى قضية المدينة الفاضلة التي أصبحت هدفًا وعملية يُسعَى إلى تحقيقها. تلعب أول محطة بحثية على الكوكب في البداية دَوْر المدينة الفاضلة في الوقت الذي تخلق فيه الرواية مواقع أخرى للجدل، لكنها تقدم أيضًا منظومة المدينة الفاضلة باعتبارها طريقة شمولية لاستعراض البيئة، وهي رؤية يطرحها الفيزيائي الأمريكي ساكسيفريدج راسل، أحد المُعلِّقين الرئيسيين في الرواية. صرَّح روبنسون أنه أراد الابتعاد عن التصوُّر القديم للمدن الفاضلة الذي يطرحها كأماكن منفصلة والتركيز على مفهومها ﮐ «مسار للتاريخ»؛ ومن ثمَّ لا يسمح للقارئ مطلقًا بنسيان السياق التاريخي للثلاثية على مدار أجزاء الروايات.

يستحضر روبنسون التصورات التي قُدِّمت لكوكب المريخ على مرِّ السنوات من خلال إشارات متعددة إلى إدجار رايس بوروز، وآرثر سي كلارك، ورواية ألكسندر بوجدانوف «النجم الأحمر» (١٩٠٨)، وهي إحدى أُولَيَات روايات اليوتوبيا الاشتراكية وتقع أحداثها على كوكب المريخ. وعلى نحو مماثل، يذكِّرنا روبنسون دومًا بالتكلفة الاقتصادية للرحلة التي تدعمها شركات متعددة الجنسيات، وباستمرار الخلافات الأيديولوجية الأرضية التي تؤدي في النهاية إلى حدوث ثورة مع نهاية الجزء الأول. إن الإشارات المتعددة إلى كُتَّاب الخيال العلمي السابقين ضمن الثلاثية تروي في الواقع قصة تطوُّر نصوص روبنسون ذاتها مما قد يُطلَق عليه «فكرة المريخ»؛ ومن ثمَّ تسرد الروايات عمليتين في آنٍ واحد؛ وهما: ظهور أرض مريخية صالحة للسكن، وتشكُّل الروايات ذاتها من قالب التكهنات اليوتوبية. وما زال موضوع المريخ يجتذب معالجات الخيال العلمي؛ لأن فَيْض المعلومات الذي تُرسِله المَركبات الفضائية ما زال يُمَنِّي الكُتَّاب بإمكانية الحياة على ذلك الكوكب.

آخِر مصطلح نُورِده ها هنا هو «الانتباذ الفضائي» (الهيتروتوبيا) الذي ابتكره ميشيل فوكو في ستينيات القرن العشرين، واستخدمه كمصطلح يتناقض مع مفهوم «اللامكان» المميِّز لقصص اليوتوبيا، أي كفضاءٍ وسطي هجين ذي وضع غامض، يتمتع بواقع مادي لكنه يُضفي كذلك تعقيدًا على الموقع. يصلح هذا المفهوم تحديدًا للتطبيق على التصوُّرات الحديثة للمدينة كما في رواية صامويل ديلاني «دالجرين» (١٩٧٥)، حيث يسود عدم الترابط بين المواقع؛ أو في رواية تشاينا مايفيل «المدينة والمدينة» (٢٠٠٩)، حيث ينتقل القارئ بين نطاقات متباينة، واضحة في بعض الأحيان ومتداخلة في بعضها الآخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢