ديانة العرب في الجاهلية

كان كل شيء سائرًا في طريقه المعتادة في النصف الأول من القرن السابع الميلادي سواء في الإمبراطورية البيزانطية أو الإمبراطورية الفارسية.

ولا جرم كانت هاتان المملكتان في نزاع دائم، سببه الرغبة والطمع في تملُّك آسيا الغربية، وكانتا — في ظاهرهما — مزدهرتين، تُجبى لهما الضرائب والخراج فتمتلئ الخزائن بالمال، وتتضخم ثروة الحكام، حتى أصبح الترف والأبهة — اللذان انغمس فيهما سكان العواصم — مضرب الأمثال.

على أن كل ذلك لم يكن إلا مظهرًا كاذبًا، فقد كان يسري في كيان هاتين المملكتين داء كمين، وظل السوس ينخر في عظامهما دائبًا على تقويض أركانهما بسبب ما أظهرتاه من عسف وجور مهلكين، هذا إلى ما حدث من الفواجع التي نجمت من تلك الأسرات، وما لعبته من الأدوار المفجعة التي كانت — على الحقيقة — سلسلة متصلة الحلقات من الاضطهادات والفتن الدينية الشعواء.

وثَمَّ رأينا شعبًا يظهر فجأة من بين تلك الصحراء التي لا يكاد يعرفها أحد، شعبًا جديدًا بدأ يمثل دوره على مسرح الحياة، بعد أن ظل نهبًا مقسمًا، تناوئ كل قبيلة منه القبيلة الأخرى، فيحتدم النزاع وتقع الحرب الطاحنة، ها قد رأيناه يتَّحد ويجمع شمله الشتيت للمرة الأولى.

ذلكم هو الشعب الناهض الذي تملك نفسه حب الحرية وساعدته على النجاح صفاته النبيلة، فقد كان متقشفًا في طعامه، مخشوشنًا في لباسه، نبيلًا في أخلاقه، كما كان طروبًا سريع البديهة حاضر النكتة.

ولقد كان شريف النفس أريحيًّا، فإذا استثرته مرة فهو قاسٍ غضوب شرس١ لا يني عن أخذ ثأره، ولا يرده عن انتقامه شيء.

ذلكم هو الشعب الذي قلب — في لحظة واحدة — إمبراطورية الفرس بعد أن ظل السوس ينخر في عظامها قرونًا عدة، وانتزع من خلفاء «قسطنطين» أجمل ضواحيهم، ثم سحق مملكة جرمانية حديثة العهد تحت قدميه، وشرع يهدد — بعد ذلك — بقية أوروبا.

بينما كان في ذلك الوقت نفسه يوالي فتوحه وانتصاره في الجانب الآخر من المعمورة حتى وصلت جيوشه الظافرة إلى الهملايا.

لم يكن ذلك الشعب فاتحًا فحسب — كغيره من الشعوب الأخرى — بل كان داعيًا إلى دين جديد ومبشرًا به أيضًا، كان داعيًا إلى دين جديد، فقام يناوئ الثنوية٢ الفارسية والمسيحية التي أفسدتها الخرافات والبدع، حاملًا إلى الناس توحيدًا خالصًا لم يلبث أن دان به الملايين من الناس حتى بلغ عددهم في أيامنا هذه نحو عشر الإنسانية كلها.

•••

ذلك هو الدين الذي أخذنا على عاتقنا محاولة الكلام فيه وفي تاريخه العام، ولعل أول ما يعرض لنا هو هذا السؤال: «ممَّ نشأ؟ وكيف تفرع من الديانة التي سبقته، ثم نما حتى وصل إلى ما وصل إليه؟»

فكيف نجيب على هذا السؤال الذي يجدر بنا الإجابة عليه قبل كل شيء؟ الحق أنني لم أكد أعرض لهذا حتى وقعت في حيرة لا مثيل لها، فقد اعترضتني — حتى في هذه الخطوة الأولى — صعوبة لم أكن لأتوقعها قبل أن أتصدى لبحث هذا الموضوع، وإليك البيان.

•••

إنني — على إجلالي وتقديري لما قام به بعض الباحثين الذين تصدوا للكلام عن ديانة العرب القديمة وأصل الإسلام، وعلى إعجابي بفطنتهم واجتهادهم — أقرر ولا أرى بدًّا من المصارحة: أن هذه البحوث الطريفة لا تكفيني قط، لأنها لم تستطع أن توضح هذه الأمور أكثر من قبل؛ لذلك رأيتني مضطرًّا إلى إعادة البحث — من جديد — سالكًا طريقًا أخرى مخالفة لما نهجه غيري من الباحثين إلى اليوم، وقد وصلت إلى نتيجة، أنا أول المدهوشين لها، وليس في وسعي أن أسردها في بضع صفحات، إلا أنها — في جوهرها وأساسها — مرتبطة بعدة نتائج أخرى لها خطرها وأهميتها.

ولما كانت نتائج بحوثي مناقضة — على طول الخط — كل الآراء السائدة إلى اليوم لغرابتها عنها، والعلم يقضي على الإنسان، ألا يلقي للناس قضايا مسلمة لا يدعمها برهان، ولا تقوم على أساس متين من الحجج العلمية الناهضة، والأدلة الصحيحة المستقاة من مصادرها الأصلية.

والدعاوى — ما لم يقيموا عليها
بينات — أصحابها أدعياء!
ولما كانت المصادر الأصلية التي أعنيها هي مصادر أجنبية بالنسبة لقارئ هذا السِّفر٣ رأيتني مضطرًّا إلى تفصيل ذلك الرأي في سِفر مستقل آخر.٤ ولكن ماذا نصنع الآن في هذا الفصل؟

•••

إما أن نجتزئ ببعض الآراء التي وصلتنا، مبدِّلين فيها رغبة في أن نوائم بينها وبين آرائنا الخاصة، فهذا محال؛ لأن منهجين متباينين من مناهج البحث لا سبيل إلى التقائهما والتوفيق بينهما، هذا فضلًا عن عقم هذه الطريقة التي لا غناء فيها، فليس ثَمَّ أية فائدة من تعرف جزء من الحقيقة.

لذلك أعملت الفكر، فلم أجد إلَّا مخرجًا واحدًا من هذا المأزق، هو أن أتبع الفكرة المقررة، مقتصرًا على سردها وذكر ما وصل إليه الباحثون من النتائج في هذا الصدد، لا سيما «سپرنجر» أقرب الباحثين وأوفاهم درسًا واستيعابًا للتاريخ الإسلامي وترجمة النبي.

على أنني جدير أن أقرر — منذ الآن — في أسلوب صريح لا يحتمل لبسًا ولا تأويلًا، أنني إن استطعت بهذه الطريقة أن أرفع عن عاتقي عبء التبعة والمؤاخذة، بما أقرره في هذا الفصل من وصف الحال الدينية التي كان عليها العرب في القرن السادس الميلادي، فلن يكون ذلك شأني فيما أقرره في بقية الفصول.

•••

وقد دفعتني هذه الاعتبارات السابقة، كما دفعني غيرها من الأسباب التي لا يصعب على القارئ فهمها إلى الاقتصار على ذكر ذلك الزمن السابق بأقصى ما في قدرتي من الإيجاز الذي التزمته في تبيان ديانة العرب الأولى ونشأتها في بلادهم، فلم أحِدْ عن هذا الشرط قيد أنملة.

ديانة العرب الأولى

كان العرب يؤمنون بكائن أعلى — هو الله (تعالى) — ويعتقدون أن له ذاتًا لا كذواتهم وأنه محيط بالعالم، وما يحويه من كائنات — هو بارئها — وإن اختلفت حظوظها من الطاعة والعصيان، وكانوا يدينون بأنه خالق السموات والأرض.٥ وأنه الذات المنزهة التي لا حَدَّ لحكمتها، ولا يمارون في أنه مدبر العالم، وأنه هو الذي يرسل عليهم المطر من السماء:٦

كانوا يعتقدون هذا ويعتقدون أيضًا أن ليس له كهان ولا هياكل، كتلك التي خصوا بها أوثانهم.

العرب والجن

فإذا تركنا ذلك إلى سواه رأيناهم يعظمون الجن ويمجدونهم، وقد دفعتهم إلى ذلك صحاريهم وجبالهم التي كثيرًا ما يضلون فيها أسابيع كاملة، فيتمثلون رؤية هذه العوالم الغريبة، ويُثَبِّتُ في نفوسهم هذه التصورات ما يكابدونه فيها من ألم الجوع والعطش، وما يحتملونه من شمس الصحراء المحرقة، وهوائها اللافح، وسوافيها المهلكة، هذا إلى ما يعانونه من تقلبات الجو الفجائية، حتى ليصل بهم الروع إلى حد أن يتخيلوا أنهم يسمعون أصوات الجن ويبصرون ذواتهم في أشكال عدة، وعلى صور شتى، منها السخيف ومنها المعجب،٧ وكانوا يعتقدون بأن أجسامهم تشغل جزءًا من الفضاء — كما تشغله أجسامنا — وأنهم ينتشرون، ولكنهم يختلفون عنا في تكوينهم؛ لأنَّ أجسامهم مخلوقة من النار أو الهواء،٨ ومن ثَمَّ لا تراها العين الإنسانية إلا شذوذًا، وفي قدرتهم أن يأتوا كثيرًا من ضروب الشر والخير، ومن كانوا كذلك فقد وجب عليهم أن يتحببوا إليهم ويمجدوهم ويقدسوهم، وممَّا سهل عليهم الوصول إلى تحقيق هذه الغاية اعتقادهم أن لكل جني موطنًا خاصًّا به.
فهذا في حجر وذلك في نصب وثالث في شجرة.٩

وكانت تجمع قبيلة — أو عدة قبائل أحيانًا — على تمجيد جني بعينه، وتكل العناية به إلى أسرة بعينها منوط بها أمرُ رعايته وتلبية رغباته، وكانت هذه الفئة تقوم بحراسته وتعظيم شأنه، سواء في الحجر أو الشجرة أو الصورة التي تمثِّلُه، كما تؤدي له حقَّه من المراسيم الكهنوتية والطقوس الدينية التي تقيمها في محرابِه، وربما سمع لذلك النصب صوت — كما يحدث ذلك في كثير من الأحيان، ومن الواضح أن الكهنة القائمين بحراسة الوثن قد مرنوا بالحيلة على إحداث تلك الأصوات لإيهام الناس أنها تتكلم، وكان لكل منها صوت خاص به يميزه عن غيره، وكان العرب يعدون ذلك من الخوارق والمعجزات التي يعزونها إلى أوثانهم.

كذلك كانت تحرص كل قبيلة على صنمها، وتشيد بذكره، وتفرده بأقصى ما تستطيع من حب، لأنها ترى فيه نوعًا من الملكية، وكان الكهان ينضحون عنه، ولا ينون في طلب القرابين لذلك النصب، وإن كانوا — على الحقيقة — يطلبونها لأنفسهم ويجرون المغانم لهم باسم الله (تعالى).

هذا ما نستطيع أن نستخلصه بسهولة من القرآن، وأقوال المفسرين على وجه الإجمال، على أن أحد المؤرخين الذين تخصصوا في درس ترجمة حياة النبي يعزون ذلك إلى قبيلة «خولان» وحدها، وهي التي كانت تقطن اليمن في ناحية منه تعرف باسمها.

وكان من عادتهم، حين تقدم القرابين إلى الآلهة — وهي من البر أو الفصال١٠ — أن يقسموها قسمين، أحدهما وقف على الله، وهذا من نصيب المعوزين وأبناء السبيل الذي يحلون ضيوفًا على أهل القبيلة، والآخر وقف على النصب، وهو من نصيب الكهنة وحدهم.
فإذا وقع في القسم الأول — بطريق المصادفة — بعض النفائس، استأثروا به وجعلوه من نصيب الوثن، ووضعوا مكانه النصيب الأدنى لله.١١
ولكن ما علاقة هذه الأرباب الصغيرة بالله؟ لقد كانوا يعتقدون أن تلك الأرباب بنات الله،١٢ وأن مثلها منه كمثل الفروع من الأصل تمامًا، فهي تحكم الناس كما يحكم حاكم الإقليم بعد أن يخوله مليكه سلطان الحكم، وثمة كانوا يرون في تلك الأرباب وسائط بين الناس وبين الله.١٣

مكة والكعبة

وكانت مكة حاضرة الثقافة في أواسطِ بلاد العرب، وقد بنتها قريش في منتصف القرن الخامس الميلادي، في وادٍ رملي شديد الضيق، حتى ليبلغ أقصى اتساع فيه نحو سبع مئة خطوة — أما أضيق مكان فيه فلا يزيد عن مئة خطوة — وتكتنفه جبال جد عارية يتراوح ارتفاعها بين مئتي قدم وخمس مئة.

في هذه المدينة المحراب الذي يفخر به كل من يملكه ويقع في حوزته، ذلك هو محراب الكعبة الجليلة الشأن١٤ وهو أقدم من المدينة نفسها بكثير، وإن جدد وأُعيد بناؤه عدة مرات، وهو مؤلف من أربع حوائط مبنية بحجارة لم يهذبها الصقل، وقد رصف بعضها إلى بعض دون أن يتخللها الملاط، وقد غطيت بريطة١٥ أو بقطعة من القماش، أما ارتفاعها فلا يزيد عن ارتفاع الرجل، وأما مساحتها فتبلغ مئتي قدم.
وكان هبل١٦ اسم الصنم الكبير الرئيسي بين أصنامها، منذ النصف الأول من القرن الثالث، وهو تمثال عقيقي١٧ جلبه من الخارج بعض الرؤساء،١٨ وكان هُبَل في ذلك العهد ربًّا لقبيلة قريش، أما الكعبة نفسها فلم تكن ملكًا للقرشيين، بل كانت — على الحقيقة — ملكًا مشاعًا لأكثر القبائل التي تربطهم بها وشائج المصلحة السياسية العامة، وكان للكعبة صبغة عالمية عندهم.

وقد وضعت كل قبيلة من تلك القبائل صنمها الذي تعبده في ذلك المحراب الكعبة حتى بلغ عدد الأرباب التي بها ثلاث مئة وستين ربًّا، وكان التسامح الديني سائدًا، وقد وصل بهم إلى أعظم حدوده، فقد كنت ترى في الكعبة — زيادة على ما أسلفنا ذكره من الأصنام — صورة إبراهيم الخليل وصورة الملائكة، وصورة العذراء مع طفلها عيسى.

الحجر الأسود

على أنهم كانوا لا يقدسون شيئًا، كما يقدسون الحجر الأسود وهو الحجر الذي يزعم المسلمون أنه كان أول أمره أبيض، ثم اسودَّ من توالي الحريق الذي حدث في الكعبة، وقد لعب هذا الحجر فيما بعد — في قابل الإسلام — دورًا خطيرًا في التاريخ الإسلامي، ولا زال يعده المسلمون — حتى أيامنا هذه — حجرًا مقدسًا، وسنذكر في بعض الفصول التالية بعض أقاصيص يرويها بعض علماء الكلام واللاهوت من المسلمين عن هذا الحجر.

وقد وصفه لنا بعض السائحين الأوروبيين الذين شاهدوه، فذكر أنه قطعة من حجر البازلت البركاني، تلمع في أنحائه نقط بلورية، وتبدو في بعض جهاته قطع صغيرة من النوع الذي يطلقون عليه اسم «فيلسبار» لونها تارة أحمر بأسفله ظلال قاتمة، وتارة أسمر يميل إلى السواد.

وقد تعاورته ظروف مختلفة، فكسر أكثر من مرة حتى غدا في هذه الأيام مؤلفًا من اثنتي عشرة قطعة مضموم بعضها إلى بعض، والكثيرون على أنه حجر من الرجوم الساقطة من السماء.

•••

أما احترامهم الكعبة، فقد بلغ بهم حد التقديس١٩ وزاد إجلالهم لها، فقدسوا ما جاورها من البقاع — التي خلعت عليها الكعبة مسحة القداسة — وثم أصبح ما يكتنفها — إلى بُعد عدة فراسخ — حرامًا لا يجوز لكائن من كان أن يفتك بسواه فيها، أو يصطاد من حيوانها احترامًا لها.

ويؤم الكعبة في كل عام جمهور ضخم من الناس من شتى الأنحاء، لتأدية الشعائر الدينية المقدسة فيها.

عبادة الأصنام٢٠

أما العبادة فقد فقدت معناها الأول في القرن السادس من الميلاد، ودب فيها الفساد وتغير جوهرها، فأصبحت طائفة من الخرافات والأوهام — التي يمجها العقل — تدين بها طائفة من المبطلين.

قال أحد معاصري محمد :٢١

«كنا — إذا عثرنا على حجر جميل — عبدناه، فإذا عزَّ علينا أن نجده، أنشأناه من الرمل إنشاء، ثم سقيناه لبن ناقة درور مدة من الزمن، ومتى تم لنا ذلك عبدناه، ثم لا نزال نفعل ذلك ما دمنا في ذلك المكان!»

•••

ولكن هناك طائفة كبيرة من الناس كانت — على العكس من ذلك — على جانب عظيم من الرقي والحضارة، فلم يكن عندهم عقيدة في أرباب هي من صنع أيديهم، من الحجارة أو الخشب!

ولقد كان الناس — في ظاهر أمرهم — يمجدون تلك الأرباب، ويحجون إلى محرابها، ويحتفون بمواسمها السنوية، ويذبحون القرابين في هياكلها، ويريقون دماءها على تلك الآلهة التي يعبدونها، سواء أكانت من الحجر أم من الخشب، بل لقد كانوا يلجئون إليها كلما حزبهم أمر، ليلتمسوا منها البركات، ويكتشفوا بوساطتها مستقبل أمرهم الغامض.

على أن عقيدتهم فيها لم تزِد على هذا القدر من المظاهر، أما فيما عدا ذلك، فقد كانوا لا يترددون في تحطيم آلهتهم إذا لم تتحقق نبوءتها، أو إذا جرؤت على إذاعة شيء يكرهونه ويخشون إذاعته ممَّا اقترفوه من الدنايا.

وقد تنزل بأحدهم كارثة فينذر لأحد الأصنام أن يذبح نعجة قربانًا له إذا تكشفت غمته، فلا يكاد يزول عنه الخطر٢٢ حتى يستبدل النعجة — وهي قيمة عنده — بغزال لا يكلفه ثمنه أكثر من أن يصطاده بيده، يفعل ذلك وهو معتقد أن ذلك المعبود لا يكاد يفرق بين النعجة والغزال!٢٣

أضف إلى ذلك أن نبوءات الآلهة لم يكن لها خطر عندهم، ما لم توافق رغباتهم، وتعبر عمَّا يقصدون إليه من التفاؤل، بما هم قادمون عليه من الأمور.

يؤيد ذلك أن أعرابيًّا اعتزم أن يثأر لأبيه ممن قتله، فأتى «ذا الخلصة»٢٤ وهو نصب مربع الشكل من الحجر الأبيض — ليستشيره فيما هو قادم عليه — وبدأ يقترع — على عادة العرب في ذلك — فرأى في السهم الأول أمرًا بالمضي في طريقه، وفي الثاني نهيًا عن ذلك، وفي الثالث أمرًا بالانتظار والتريث، فلم ترضه هذه النتيجة، وأعاد الكرة مرة بعد أخرى، فكانت النتيجة واحدة في المرات الثلاث، فغضب وألقى بالسهام في وجه الصنم وقال له: «مصصت بظر أمك، لو كان أبوك قتل ما عوَّقتني!»٢٥

كذلك كانوا يغضبون لأتفه الأسباب، وكلما تعارضت أوامرها مع رغباتهم، ولم تعبر عمَّا يودون سماعه من الكلام، انهالوا عليها بالسباب والتحقير.

وأقبل رجل من بني ملكان٢٦ على سعدصنم قبيلته المعبود — وهو صنم في الصحراء — وكان مع الرجل إبله جاء بها ليقفها عليه يريد التبرك به، وبينما كانوا يريقون عليه دماء العتائر٢٧ — حسب عادتهم — نفرت الإبل وولَّت هاربة، فغضب صاحبها، وتناول حجرًا، فرمى به وقال: «لا بارك الله فيك إلهًا أنفرت عليَّ إبلي.» ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه وهو يقول:
أتينا إلى سعدليجمع شملنا
فشتتنا سعدفلا نحن من «سعد»
وهل سعدإلا صخرة بتنوفة
من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد؟

•••

وكان بنو حنيفة أنفسهم أقل الناس احترامًا لآلهتهم، إذ كانوا يأكلونها، ونحن جديرون أن نقرر عذرهم في ذلك، فقد كانوا يصنعون آلهتهم من نوع — بعينه — من العجوة ومن اللبن والزبد، فلما وقعوا في قحط ومجاعة أكلوها.

•••

ومن هنا يتضح أن العرب لم تكن تعتقد في تلك الأرباب اعتقادًا جديًّا، فقد كان أكبر شيء يحترمونه هو الله (تعالى)، على أن الله لم يكن له عندهم أيضًا عقيدة قوية راسخة في قرارة نفوسهم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون عنه شيئًا كثيرًا، إذا لم يكن له كهان يدعون الناس إليه، ويرغبونهم في عبادته وطاعته، ويذيعون إرادته ويوضحون لهم ما قدره من خير وشر.

عقيدة البعث

ولم يكن الناس على عقيدة واحدة، كانوا شديدي الاختلاف، فمنهم من كان يؤمن بحياة ثانية بعد هذه الحياة، ويدين باليوم الآخر، ولا يقف عند حد الاعتقاد في بعث الإنسان، بل يدين ببعث الحيوان أيضًا.

ومن ثَمَّ كان يدفن راحلته إلى جانبه أو يتركها تموت على قبره، ليركبها يوم القيامة، فلا يتكبد عناء السير على قدميه.

على أن سوادهم كان يستهزئ بفكرة البعث ويسخر منها، وكانوا يدينون في كل مكان برأي القائل:

حياة، ثم موت، ثم حشر
حديث خرافة يا أم عمرو

•••

وليس في هذا موضوع للعجب، فإن هذه الفكرة — فكرة البعث — لمحببة إلى نفوس الآريين، شديدة الغرابة عند الساميين، وآية ذلك، أن اليهود أنفسهم لم يقبلوها من الفرس إلا بعد تشريدهم،٢٨ إن لم نقل في أوائل التاريخ الميلادي، على أن جماعة الصدوقيين نفسها — وهي كبيرة العدد — قد رفضت فكرة البعث، ولم تقبلها قط.٢٩
كذلك لم يلق محمد مقاومة جدية من العرب إلا حين دعاهم إلى هذه الفكرة، ونادى فيهم بوجوب الإيمان بصحتها، وما زال البدوي — إلى أيامنا هذه — لا يعنيه أمر البعث، ولا يكترث له.٣٠

المسيحية واليهودية

قلنا إن ديانة العرب الأولى كانت واهية، لا ترتكز على أساس متين، ومتى أقررنا ذلك سهل أن نفرض أنه كان من اليسير على العرب أن يقبلوا دينًا آخر — غير دينهم هذا — فيدينوا بالمسيحية أو اليهودية مثلًا.

وهذا كلام صحيح، ولكن إلى حد ما؛ فقد انتشرت المسيحية لهذا السبب نفسه في جهتين، انتشرت في بلاد الحبشة — جنوبًا — وفي سوريا — شمالًا — حيث لقيت شيئًا من القبول، وقد انتصرت كذلك في مدينة نجران في وقت مبكر، ودانت شبه جزيرة سينا بالمسيحية، كما تنصَّر عرب سوريا، وأصبح علم النصرانية خفاقًا على كثير من الأديرة والكنائس.

على أن هذا النجاح كله لم يكن — في أي مكان تقريبًا — إلا مظهرًا من المظاهر لا حقيقة من الحقائق.

أما في أواسط بلاد العرب، وفي قلب جزيرتهم حيث نبتت جرثومة العربي القح وأرومته، فلم تنجح فيها الدعاية للدين المسيحي، ولم نكن لنرى ثَمَّ إلا أثرًا ضعيفًا له — إن لم نقل — معدومًا.

وكانت المسيحية في ذلك الزمن — على وجه عام بما تحويه من معجزات، وبما فيها من عقيدة التثليث، وما يتصل بذلك من رب مصلوب — قليلة الجاذبية، بعيدة عن التأثير في نفس العربي الساخر الذكي.

وآية ذلك ما تراه واضحًا فيما حدث للأساقفة الذين سعوا إلى تنصير المنذر الثالث ملك الحيرة — حوالي عام ٥١٣ من الميلاد — وإن المنذر ليصغي إلى ما يقولون بانتباه، إذ دخل عليه أحد قواده، فأَسَرَّ إليه بضع كلمات، ولم يكد ينتهي منها حتى بدت على أسارير الملك أمارات الحزن العميق، فتقدم إليه أحد القساوسة يسأله متأدبًا متلطفًا عمَّا أشجاه، فأجابه الملك: «يا له من خبر سيئ! لقد علمت أن رئيس الملائكة قد مات، فوا حسرتا عليه!»

فقال القسيس: «هذا محالٌ أيها الأمير، وقد غشَّك من أخبرك بذلك، فإن الملائكة خالدون يستحيل عليهم الفناء!»

فأجابه الملك: «أحق ما تقول؟ وتريد أن تقنعني بأن الله ذاته يموت؟»

•••

أما حظ اليهودية في اجتذاب العرب إليها، فهو أكثر من حظ المسيحية، فقد رحلت جمهرة كبيرة من اليهود بعد أن شردهم الإمبراطور «أدريان» الذي ثاروا عليه، فألحق بهم الأذى، وشتت شملهم، فوجدوا في بلاد العرب ملجأً لهم، وبثوا دعايتهم فيها، فدان باليهودية قبائل عدة من سكان الجزيرة العربية.

ولعل هؤلاء هم وحدهم المتهودون الذين أخلصوا لليهودية حقًّا، وقد صارت اليهودية نفسها — في زمن ما — دين اليمن الرسمي.

على أنها ضعفت — على مرور الزمن — وقل إقبال العرب عليها؛ لأن اليهودية لا تلائم إلا شعبًا مختارًا، أما أن تكون دينًا عامًّا للناس قاطبة فلا! ذلك أنها ملأى بالشكايات والآمال الغامضة التي تعلق بها اليهود بعد أن خرب بيت المقدس، وليس هذا مما تلائم طبيعته الشعب الطموح إلى المجد!

وليس من أصالة الرأي أن نقول إن سواد العرب كانوا يشعرون بحاجة إلى دين آخر، فإن العربي — ذلك البدوي الحر كما سنراه في كثير من المناسبات التي ستتيحها لنا الفرص أثناء دراسته — ليس متدينًا بطبعه، كما أن كل محاولة بذلت في سبيل جعله كذلك كان نصيبها الفشل التام.

فالعربي رجل عملي مادي، لا يُعنى بغير الحقائق حتى في شعره، فهو لا يسبح في الخيال والوهم، ولا يميل إلى الأخذ بتلك الألغاز والمعميات الدينية، التي يعتمد الإنسان في استيعابها على التخيل أكثر من اعتماده على التعقل.

•••

إن ديانة العرب التي ألفوها، لم تكن مهيمنة على نفوسهم ومشاعرهم، بل كانت ضعيفة الأثر، قليلة الخطر، ولكنها كانت دين سوادهم على كل حال، فإذا كان من الحق علينا أن نعترف أن المستنيرين منهم لم يؤمنوا بتلك الأرباب، فمن الحق علينا أن نقرر أيضًا أن عدم إيمانهم بها لم يكن كافيًا للقضاء عليها.

والحق أن أحدًا لم يكن مضطرًّا إلى العقيدة، فقد كان البدو لا يبالون أن يسخروا حتى من أربابهم التي يعبدونها، ولا يترددون في إلحاق الأذى والضرر بها، بقلوب جد مغتبطة، بيد أن القضاء — بعد كل هذه الاعتبارات — على عبادة يدين بها أجدادهم وآباؤهم من قبل، كان يثير في نفوسهم كبرياءهم القومي، أنفة من أن يتركوا دين أسلافهم الذين كانوا يفردونهم بكل إجلال وإكبار.

وجماع القول أن الديانة كانت في نظر العربي القديم — كما هي في نظر البدو في أيامنا هذه — أمر لا خطر له، وآية ذلك أن شعراء الجاهلية لا نكاد نراهم يذكرون دينًا أو عقيدة في أشعارهم، ولو فتشنا أناشيدهم لم نر فيها — إذا استثنينا أسماء الآلهة وبعض الشعائر المختلفة — إلا عبارات مقتضبة، لا تكاد تعثر فيها على ذكر لعبادتهم القديمة.

لقد عاش العرب للحياة الحاضرة، ولم يشغلوا أذهانهم بشيء من مسائل وراء الطبيعة، وكان مؤمنوهم يتابعونهم في ذلك الشعور ويصدرون عنه.

ومع كل هذه الاعتبارات، فقد وجدت لهذه القاعدة شواذ — شأن كل قاعدة — فإن وجود جماعات شتَّى من متألهي العرب الذين يدينون بوحدانية الله وإن اختلفت وجهاتهم وتباينت نحلهم — لِتَدَيُّن بعضهم باليهودية أو المسيحية — كان أمرًا له خطره عند العرب، وله أثره في نفوسهم، إذ كان أولئك المتألهون لا يفتئون يبثون عقائدهم فيمن حولهم من العرب.

الحنيفية

ومن ثَمَّ رأينا في أواخر القرن السادس الميلادي لبعض الشعراء دلائلَ وآثارًا لإيمان عميق بوحدانية الله، ورأينا منهم شعورًا يقظًا بالتبعة المترتبة على ما تصنعه أيديهم من خير أو شر، وهذه الفئة — التي ترى هذا الرأي — هي طائفة الحنفاء،٣١ وقد كانوا في شتى الأنحاء، لا تربطهم أية آصرة، ولا يضمهم مذهب بعينه كما يفعل الصائبة المنتسبون إلى إبراهيم الذين كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء أيضًا!

وكان لهاتين الطائفتين — من الحنفاء — رأي واحد في رفض اليهودية والمسيحية معًا، والاعتراف بدين «إبراهيم»، وإبراهيم هذا — الذي عرفوه من اليهود والنصارى — هو الأصل الذي ينسبون إليه، فهو والد جدهم إسماعيل وهو الذي بنى الكعبة في مكة.

وكانت شريعته الحنفاء سمحة رشيدة، واضحة المحجة، سهلة الإقناع لهؤلاء العرب العمليين — وهي في جوهرها — صالحة لأن تكون دين العرب قاطبة، ولم ينقصها لبلوغ هذه الغاية إلا أن تكون عقيدة ثابتة مستقرة، وأن تكون لها هيئة روحية ذات سيادة دينية، وأن تكون منزلة من السماء، أو تفهم على أنها كذلك.

•••

وهذا هو العمل العظيم الذي أخذ محمد على عاتقه القيام به ليتمم نقص الحنيفية، ولكن هذا العمل — على ما فيه من صعوبة — قد ضوعفت مصاعبه؛ لأن العرب لم يكونوا في غير حاجة إلى الدين فحسب، بل كانوا — إلى ذلك — ينفرون بطبيعتهم من كل مظهر من مظاهر العبادة ومراسمها، كما كانوا يكرهون الفروض الغامضة والمعميات التي تتصل بما وراء الطبيعة.

ولا بد من إقناع جازم ويقين لا يتزعزع للتغلب على هذه العقبات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢