قواعد الإسلام

أما سواد هؤلاء الذين دخلوا في الدين أفواجًا، فقد كان في عهد الأمويين لم يتعدَّ أولى مراتب هذا الدين وهي الإسلام، فإن لهذا الدين ثلاث مراتب يفسرها الحديث المأثور عن النبي.

فقد حدَّث: أن جبريل جاءه — ذات يوم — في زي عربيٍّ، وحياه وجلس إليه، وأدنى ركبته حتى مست ركبة النبي، وسأله: «ما الإسلام يا رسول الله؟»١

فأجابه محمد : «الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا».

فقال له: «صدقت، وما الإيمان؟»

فقال له: «الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقضائه في الخير والشر.»

فقال له: «صدقت، وما الإحسان؟»

فقال له: «هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك.»

•••

وثمة ترى أن الإسلام يدل على إيمان خارجي بحت، وهو مراعاة قواعده الخمس الجوهرية.

وقد كان المسلمون في عهد بني أمية قد وصلوا إلى هذه المرتبة، على أن كثيرًا منهم كان يؤمن بالله، ولكنه ينكر الوحي.

وقد أشار إلى ذلك القرآن بقوله: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.٢

وعلى كل خلاف في ذلك بين العرب وخلفائهم وعلى ما بذلوه من جهد قليل في نشر هذا الدين للتغلب على عادتهم في محاربة انتشاره وإذاعته، بدلًا من الترويج له، فإننا نرى أن الإسلام قد انتشر بسرعة مدهشة بين تلك الشعوب التي غزوها، وهذه ظاهرة لم يَرَ لها العالم مثيلًا من قبل، وهي تبدو — لأول وهلة — لغزًا مستسرًّا لا سبيل إلى حله وتعليله، لا سيما إذا عرفنا أن هذا الدين الجديد لم يُكرِه أحدًا على الدخول فيه.

وقد كان محمد يأمر بالتسامح والإغضاء، وقد وضع للمسلمين قاعدة الجزية وفرضها على كل من لم يدِن به من أهل الكتب المنزلة من يهود ونصارى، فمنحهم حريتهم الدينية على أن يدفعوا ما فرضه عليهم من الجزية، وزاد في تسامحه فمنح هذه الميزة لمن يقطنون إقليم البحرين من المشركين.

وجاء من بعده عثمان فخطا خطوة جديدة أخرى، فاعتبر بربر شمال إفريقية كاليهود والنصارى وسكان إقليم البحرين.

ولسنا نعرف — على الحقيقة — شيئًا عن ديانة هؤلاء البربر القديمة إلا معلومات تافهة ضئيلة لا تغني شيئًا، ولن نعدو الصواب إذا قلنا إننا نجهل كل شيء عن هذه الديانة القديمة.

على أننا إذا أخذنا بالحكم على طبع الشعب وخلقه واتخذنا من ذلك مقياسًا للحكم على ديانته استطعنا أن نستنتج أن ديانة البربر القديمة كانت أقرب إلى أن تكون كهنوتية منها إلى أن تكون إلهية.

ومهما يكن من أمر، فليس ثمة مجال للشك في أن البربر لم يكونوا أهل كتاب مقدس قط، وعلى هذا نرى — في جلاء ووضوح — أن التسامح الديني قد وصل في هذه الطريق إلى آخر مداه، إن لم نقل إنه أربى على ما كان يرمي إليه النبي.

أضف إلى هذا أن الحكم الإسلامي كان يتوخى التيسير والخير العام والبر بالشعوب المحكومة لا سيما النصارى، فقد كان سواد المسيحيين في الشرق ينتمي إلى مذاهب لقيت من اضطهاد حكومة القسطنطينية وإعناتها ما أرهق أصحابها إرهاقًا، فلما جاء الإسلام — ومن طبيعته التسامح والإخاء — ترك لهم الحرية التامة في البقاء على دينهم ما داموا يؤثرونه على غيره من الأديان، وظللهم بحمايته، وسوَّى بينهم في الحقوق، على اختلاف مذاهبهم وشتى نِحَلهم.

ولا تنسَ أنهم كانوا مضطرين إلى دفع ضرائب فادحة للإمبراطور الروماني، فلما جاء الإسلام أعفاهم منها، ولم يفرض عليهم إلا جزية معتدلة لا ترهق أحدًا، ومتى عرفت هذه الأسباب زالت دهشتك وعجبك من إيثارهم حكم المسلمين على حكم الرومان واندفاعهم إلى مساعدة العرب في فتوحاتهم بكل قلوبهم بدلًا من مناوأتهم والتألب عليهم.

أسباب انتشار الإسلام

وإذا كان ذلك كذلك، فما بالهم لم يبقوا على دينهم؟ وأي شيء حفزهم إلى الدخول في هذا الدين الجديد من غير أن يكرهوا على الدخول فيه، وهم يعلمون أن إسلامهم لا يرتاح إليه ملوكهم؟

لقد تضافرت أسباب عدة على الوصول إلى هذه النتيجة، وقد ألمعنا — آنفًا — إلى ما يعود عليهم من الفائدة المادية إذا أسلموا؛ لأن إعفاءهم من الجزية — على اعتدالها — كان ممَّا يرغبهم في الإسلام.

أضف إلى هذا ما يشعرون به من الكرامة الشخصية إذا أسلموا وأصبح لهم من الحقوق ما للمسلمين.

نعم كان المسلمون متسامحين، ولكنهم لم يزيدوا على ذلك شيئًا، فقد كانوا — على تسامحهم — لا يضعون المسيحي والمسلم في صف واحد، بل ينظرون إلى النصراني كما ينظرون إلى جنس منحط.

وقد سن عمر لهم قانونًا يحوي إذلالهم ومهانتهم بين طياته، فلم يسمح لهم بإنشاء الكنائس والمعابد، بل حرمهم حتى بناء الأديرة الصغيرة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعدَّاه — بعد قليل — إلى ما هو شر منه، فقد حظر عليهم تجديد بناء الكنائس التي تهدم — وإن لم يتمسك المسلمون بتنفيذ هذا الشرط دائمًا — وقد أباح القانون للمسلمين أن يدخلوا الكنائس في أي وقت شاءوا ليلًا أو نهارًا، وحتم على المسيحيين أن يفتحوا أبوابها للمسافرين من المسلمين ليل نهار، وشرط عليهم أن يقدموا الطعام لضيوفهم ثلاث مرات في كل يوم، وحظر عليهم أن يرفعوا الصلبان على كنائسهم، وأن يبيعوا الكتب المقدسة في شوارع المسلمين، كما حظر عليهم إقامة الصلاة وترتيل الأناشيد الدينية في الكنائس بصوت مرتفع إذا كانت قريبة من بيوت المسلمين، وأمرهم أن يشيعوا موتاهم إلى قبورهم في صمت وسكون، وألا يوقدوا شموعًا أمامهم متى وصلوا إلى الأحياء الإسلامية.

كما حرَّم عليهم التعصب لدينهم والتعرض بأي سوء لمن يتحول عنه إلى الإسلام، وفرض عليهم احترام المسلمين في كل فرصة أو مناسبة، فإذا جلس المسلم وجب على المسيحي أن يقوم.

وشرط عليهم أن يحتفظوا بأزيائهم ولا يتزيوا بزي المسلمين ليتميزوا للناظر عنهم، ولم يُعْفِ مسيحيًّا من شد الزنار إلى وسطه، وحرم عليهم أن يتحدثوا بالعربية أو ينقشوها على أختامهم.

ولم يُبِحْ لهم أن يتخذوا لخيولهم سروجًا أو يتقلدوا سلاحًا أو يستخدموا مسلمًا عندهم.

•••

ولا ريب أن هذه الشروط لم تكن تطبق بحذافيرها — في أول الأمر — إلا في أحوال استثنائية نادرة؛ لأن الولاة المنوط بهم تنفيذها كانوا على جانب كبير من التسامح والعدل والرحمة، فلم يبالوا بتنفيذ هذه الشروط القاسية، وقد وصل بهم التسامح إلى حد انهم كانوا يبرمون معاهدات — في بعض الأحايين — بينهم وبين المسيحيين تعفيهم من تنفيذ أكثر هذه الأمور.

•••

ومهما يكن من أمر فقد كان مركز المسيحيين عند المسلمين يكاد يكون مماثلًا لمركز اليهود في أوروبا إبان القرون الوسطى.

وهو المركز الذي لا يزال يضعهم فيه السواد الأعظم من الناس، فقد كان سادتهم ينظرون إليهم باشمئزاز واحتقار ويعدونهم من الأنجاس، فلا يتحدث مسلم إلى مسيحي أو قسيس — على الأخص — إلا عن بعد حذرًا من ملامسته كي لا يدنس ثوبه.٣

•••

ومتى دان المسيحي بالإسلام تطهر من رجسه كما يتطهر اليهودي عندنا حين يدين بالمسيحية بعد أن نُعَمِّدَهُ، ثم يصبح إلى حد ما على قدم المساواة مع المسلم.

أقول إلى حدٍّ ما لأن مسلمي العرب دائمًا أرستقراطيون لا ينظرون إلى المسيحي — حتى بعد إسلامه — إلا نظرة السيد، ولا يخاطبونه إلا من حالق، على أن إسلام المسيحي كان الخطوة الأولى إلى الكرامة والشعور بالعزة، والزمن وحده كفيل بتحقيق ما يليها من الخطوات، ولن يلبث ابن المسيحي أن يصبح مسلمًا أصيلًا يتمتع بكل ما يتمتع به العربي من عزة وكبرياء.

معجزة الإسلام

أضف إلى هذا أن انتقال السوريين والمصريين من المسيحية إلى الإسلام لم يكن عسيرًا شاقًّا فقد كانوا — على الحقيقة — يجهلون من أمور دينهم كل شيء؛ لأن الجهل في تلك العصور كان ضاربًا بجرانه، وقد اقتبس الإسلام كثيرًا من أصول المسيحية — اقتباسًا مباشرًا أو غير مباشر — ولا تنسَ أن عقيدة الحساب كانت ذائعة في القرون الوسطى، وقد كان لها أكبر الأثر في نفوس الناس، وكانوا يؤمنون بأن الغالب لا بد أن يكون على حق، وكانوا يتساءلون مدهوشين: «لو صح ما قاله القساوسة من أن محمدًا نبي منافق كذاب، فكيف نعلل انتصاره، وما بال فتوحات أتباعه تترى وتتلو إحداها الأخرى، وما بال انتصاراتهم على الشعوب لا تقف عند حد؟ وكيف لا يدل ذلك على معجزة هذا الرسول؟»

ولقد كانوا يعتقدون — أول أمرهم — أن خذلان المسلمين سيتم بمعجزة قريبة، فقد طالما سمعوا عن معجزات الكنيسة التي كانت تحدث لأقل مناسبة، وانتظروا هذه المعجزة التي تخلص البلاد المسيحية من غزوات المسلمين، ولكن انتظارهم تلك المعجزة قد طال وذهب صبرهم أدراج الرياح، وعبثًا حاولوا وقوع هذه المعجزة.

وهكذا أصبح الاعتقاد بوقوع المعجزة، الذي طالما روَّجت له الكنيسة وغلت في الدعاية له أكبر نكبة حاقت بها وطوحت بنفوذها.

وأعجب من ذلك أن المعجزة — إن لم نقل المعجزات — قد حدثت حقًّا في ذلك العصر، وكانت معجزات أعظم مما كان يتوهمه القديسون أنفسهم؟ وأي معجزة أروع وأعجب من أن نرى شعبًا كان إلى زمن قليل في غيابة من الخمول، ثم ظهر إلى الدنيا فجأة، وظل يتقدم بسرعة لا مثيل لها وهو يغزو الأرجاء الفسيحة، وينتصر على قطر بعد قطر فتدين له البلاد بالطاعة والولاء، وتقبل على دينه من كل حدب وصوب، راضية غير مكرهة.

ولو أننا عزونا إقبال المسيحيين على الإسلام إلى الفائدة الشخصية أو الرغبة في التخلص من الذل والضعة، فنحن جديرون أن نقرر أن من الثابت المحقق أن كثيرًا من المسيحيين دانوا بالإسلام عن عقيدة وإيمان.

دين الفرس

وأهم من ذلك أن الفرس أقبلوا على هذا الدين الجديد ودخلوا فيه أفواجًا وآمنوا به مخلصين عن ثقة ويقين.

فإن الديانة الفارسية العتيقة التي نشأت من انشقاق البرهمية قد أسسها زِرْواستر وزاد انتشارها بفضل من خلفه من الكهان، قد فقدت قوتها وقداستها بعد أن خضعت بلاد فارس للعرب.

ولقد غزا «الإسكندر» بلاد الفرس من قبل، فلم يصبح هذا الدين دين الدولة، ويظهر أنه لم يستطع أن ينهض بعد هذه الصدمة.

ولا جرم أنه وجد نصيرًا وعونًا عند بني ساسان، فقد دأبت هذه الأسرة جادة في الاستيلاء على العرش في القرن الثالث بعد الميلاد المسيحي، واستطاعت أن تستميل الشعب إلى مناصرتها وتأييدها بعد أن أخذت على نفسها عهدًا بإعادة المجوسية.

وكان رئيس هذه الأسرة كثيرًا ما يقول: «إن العرش في عون المذبح، كما أن المذبح في عون العرش.»

ولم يجد من خلفوه أيضًا سلامًا إلا بعقد معاهدة وثيقة بينهم وبين كهنة الزِّرْواستر.

وعلى الرغم من حماية هؤلاء الملوك، فإن المجوسية لم تجد قط حياة قوية لها؛ ذلك لأنه شُعِرَ بمؤثرات خارجية قوية وآراء وأفكار جديدة نجح في إدخالها إغريق ومسيحيون، وكان كسرى أنوشروان قليل التبصر في هذا الأمر إذ قبل حوله فلاسفة من الإغريق الذين كان يضطهدهم جوستانيان، وأمر بترجمة كتب أفلاطون وأرستطاليس.

وبعد زمن قليل — ولعله كان في عهد حكم الإغريق والهند — ذهب مبعوثون من البوذيين٤ ينشرون تعاليمهم في أرجاء فارس، وكانوا يقولون: إن بوذا رسول من عند الله ووسيط بين الخالق والمخلوقات، وإن واجب الإنسان هو ألَّا يعيش لهذه الحياة الدنيا، بل يعيش للسماء.٥
وهكذا نشأت هذه الشيع التي كانت ترمي إلى إدخال عناصر إصلاحية لترقية الاجتماع، ومزجت — في طياتها — اعتقادات جديدة في ديانة المجوسية، فأضافت إليها التقمص أو التناسخ، وهو من معتقدات البراهمة٦ والوحي الذي أوحى به الله للإنسان الأول، وهو من معتقدات البوذيين، واعتقاد أن الزمن غير محدود، وأنه هو الله العلي الأعظم، والإيمان بأن الله (تعالى) يتقمص في شخص الملك الحاكم٧ … إلخ.

وهذا من اعتقاد البوذيين أيضًا، وقد تفرع عن هذه الملل كثير من النِّحل.

•••

وجماع القول أن بلاد الفرس كانت مسرحًا لكثير من التخرصات الدينية، حيث التقت فيها أخلاط من المذاهب المختلفة وأمشاج من النِّحل المتباينة، ووجدت في هذه البلاد حقلًا خصبًا لازدهارها.

وقد انتهت هذه المقدمات بالنتيجة الطبيعية المنتظرة فظهرت بينهم فئة آثرت تحكيم العقل، فأنكرت كل عقيدة، وظهرت فئة من الطبيعيين، وهو دين قديم من أديان الفرس، وكان من تعاليمهم حب التعذيب، والدعوة إلى قهر النفس، وكبح جماح الشهوات والعمل على ترقية النفس الإنسانية ورياضتها على الصبر والجلد.

وكانوا يؤمنون — إلى ذلك — بكائن أعلى ويدينون بقدرة الله وخلود الروح بينما غيرهم لا يعتقد ذلك، وهم أحرار الفكر يبيحون لأنفسهم أقصى مدى من الحرية.

وعبثًا حاول الملوك والكهنة مجتمعين أن يتألبوا على هدم هؤلاء المبتدعين الذين يروجون البدع الدينية، وأن يقضوا على أولئك المستبسلين الجرآء، ويبيدوهم بالسيف والنار.

فكانت نتيجة هذا الاضطهاد شبوب نار الثورة ضد رجال الدين والحكومة، وكانت هذه الثورة مما سهل على العرب غزو بلاد فارس التي كان قسم كبير منها تابعًا للإمبراطورية الرومانية.

وممَّا ضاعف الخطر ووسع الهوة، انقسام الكنيسة نفسها، فإن أحد الفريقين وهم المجوس الذين كانوا أكبر قوة في القسم الغربي من الإمبراطورية، أي في «ميدي» وفي «فارس» تمسكوا بكتاب «أﭬستا» وتشبَّثُوا بنصوصه المقدسة.

وقام الفريق الثاني وهو فريق الزنادقة وسوادهم في «بكنزيان» وذهبوا إلى الأخذ بكتاب «الزند»، وهو التفسير المجازي لكتاب «أﭬستا» المقدس.

وقد تمسك به كثيرون كما تمسك سواد الفرس — بعد ذلك — بالقرآن، فلم يبقَ في بلاد فارس من يدين بالمذهب الأول القديم إلا الأقلون عددًا.

•••

هكذا كانت حال البلاد الفارسية عندما فتحها العرب حيث ضاعت ديانة المجوسية — من جديد — ضياعًا أبديًّا، فلم يُتَحْ لها القيام من كبوتها بعد هذا العصر، ولم يقدر لها أن تعود دينًا للحكومة.

ولقد كان الفتح أكبر ضربة قضت على هذه الديانة، ولم يكن من ذلك بد؛ لأن الكنيسة والعرش كانا متحدين اتحادًا وثيقًا، وكان سقوط أحدهما رهنًا بسقوط الآخر.

على أن المجوسية لم يُقْضَ عليها بسرعة، فإن كثيرًا من الفارسيين ظلوا مؤمنين بها، ولم تخل قرية في بلاد فارس — إلى القرن العاشر — من معبد للنار، ولكن عدد المنتمين إلى هذا الدين كان آخذًا في النقص يومًا بعد يوم، ودخل المتدينون والملحدون في دين الإسلام أفواجًا، وانضمت المصلحة الشخصية إلى ترويجه والإقبال عليه، فدان به الفارسي — أسوة بالمسيحي — ليعفى من دفع الجزية.

أضف إلى هذا أنه كان يطمح إلى الكرامة وهو مزهُوٌّ مختال بماضيه المجيد، ولم يكن في وسعه أن ينجو من الزراية والامتهان بعد الفتح الإسلامي، إلا إذا دان بالإسلام ليحفظ كرامته وكبرياءه موفورين، وبهذا وحده استطاع أن يُساهم في الحكم، ولم يكن الانتقال إلى الإسلام — كما أسلفنا آنفًا — بالأمر العسير.

وهكذا انتقل الإسلام إلى بلاد «فارس» في محيط من الآراء، لم تكن كلها غريبة على هذه البلاد، بل كانت على العكس مألوفة لها، فقد كانت الديانتان تحويان أصولًا مشتركة بينهما، وكان للإسلام نقط اتصال كثيرة يلتقي فيها مع نِحَلِ الملحدين وشِيَعِهِم، مثل مذهب «ماني» الذي يدين به المانويون، ومذهب «مُزْدُك» الذي يدين به المزدكيون، وقد أثرت المسيحية في هذين المذهبين كما أثر فيهما الإسلام.

وكان إسلام الفارسيين عظيم الخطر جليل النفع على الدين الإسلامي، فقد نهض بالإسلام إلى حدٍّ ما، ولئن رأينا من مسلمي العرب قلة اكتراث بالدين، فإننا نرى الفرس — على عكس ذلك — يلتهبون غيرة وحماسة لنصرة هذا الدين.

وقد ألف الفارسيون — إلى ذلك — ممارسة العلوم، ومعاناة البحوث العويصة، وطبعوا على التمحيص، فلما أسلموا ظهر من بينهم واضعو أساس «اللاهوت» الإسلامي، وقد قال المؤرخ ابن خلدون: «إن أغلب الحفاظ الذين استظهروا الحديث والدين وأعودهم نفعًا على الإسلام، كانوا من الفرس، وقد نقلوها إلى الفارسية، وتوفروا على درس القرآن وبرعوا في تفسيره والتفقه فيه.»

•••

ومن ثَمَّ نرى أن الإسلام قد أصبح — بفضل الفرس — قوة عظيمة الخطر في العالم، ولم يكن ليتاح له أن يصل إلى هذه الذروة بفضل جهود العرب وحدهم.

ولقد كان تاريخ الإسلام — أعني تاريخ نشأته وانتشاره ونموِّه — مماثلًا تاريخ البوذية والمسيحية، فقد نشأت البُوذيَّة في الهند، وماتت في مهدها وصرعتها البرَهْمية، ولم تطق البوذية أن تَصْمُد لها في نضالها، ولكنها — مع ذلك — انتشرت في بلاد أخرى كالصين وسيلان والتتر واليابان، وما وراء «الجنج».

كذلك نرى أن المسيحية لم تظفر بالحياة في مهدها، فقد أنكرها اليهود، ولجُّوا في مناوأتها — مع أنها وليدة الموسوية — ولكنها على ذلك قد ذاعت خارج موطنها ودان بها الرومان، وإن كان تدينهم اسميًّا، وفتن بها شعب ثالث وهو الشعب الجرماني حيث لقيت بين ظهرانَيْهِ كل إقبال وترحيب.

ولسنا ننكر خطر الإسلام واستقامة مبادئه ونفعها وإن كان يحوي — على ذلك — ضررًا جسيمًا، فإن أكثر من دانوا به لم يكونوا مخلصين في اعتقادهم، وثمة رأينا كثيرًا منهم يطرقون أبواب الكنائس ويأوون إليها، وهم غير معتقدين بالإسلام، وإن تظاهروا به رغبة فيما يلقونه من كرم الوفادة وحسن الضيافة.

ولقد كان الداخلون في حظيرة الإسلام فريقين، فريقًا يرى أن الإسلام أيسر ممَّا يطلبون لأنه لا يمنح المؤمنين به ما تطمح نفوسهم إليه، وفريقًا يرى أنه أصعب مما يطيقون لأنه يفرض عليهم أكثر مما يحتاجون إليه.

فأما الفرس فكانوا من الفريق الأول — وقد ألفوا دينًا معقدًا — فلما جاء الإسلام وجدوه أيسر وأبسط ممَّا ألفوه، ورأوا تعاليمه جافة شديدة الجفاف بعيدة عمَّا ألفوه من خيال خصب بهيج.

أما سواد المفكرين الأحرار فقد وجدوا هذا الدين شاقًّا شديد العسر — على ما فيه من تيسير وتسهيل — وهكذا وجدوا كل دين آخر عسيرًا شاقًّا، ما دام يفرض عليهم بعض القيود، فلم يرضوا عن الإسلام ولا عن غيره من الديانات.

وثم نرى نزعتين باديتين في الشيع الإسلامية، إحداهما ترمي إلى اقتباس التعاليم الدينية من الأديان الأخرى، والثانية تنزع إلى انتهاز الفرص للتخلص من أكثر أوامره ونواهيه، وتحوير نصوص أحكامه حتى يصبح وفق رغباتهم وأهوائهم.

•••

وكانت هاتان النزعتان تمشيان أحيانًا جنبًا إلى جنب، فقد عرف الجاحدون كيف يستفيدون من المتشددين في العقيدة، وتضافرت المصالح الشخصية والمآرب السياسية على ذلك، ورأى الفرس أن يسلكوا كل وسيلة للتخلص من نير الاستعباد، وفكروا في مواصلة العمل على استقلال فارس.

وفي كل مكان في الدنيا نرى الشِّيع والنِّحل في كل زمن تنشأ لغاية سياسية أكثر منها دينية، ولا تحوي الفصول التالية جميع هذه المذاهب، بل تشير إلى أعظمها خطرًا وأكبرها أثرًا، فليس من همنا أن نذكر تاريخ الشيع والنحل، وبحسبنا أن نتتبع النزعات السياسية مغفلين منها ما لا خطر له.

•••

وقد كتب المؤلفون المسلمون في هذا الصدد مدفوعين باعتبارات دينية عن الإسلام وقرروا عكس ما نقرره، فإذا قامت الشبهة قوية في الإسلام لجئوا إلى اختراع تقليدي — ولا جرم أنه تقليدي — من مقتضاه أن النبي قال: «تنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين شعبة اثنتان وسبعون منها هالكة وواحدة ناجية.»

وقد أضافوا إلى هذا أنه كان للزِّرْواستر سبعون شعبة، ولليهود إحدى وسبعون شعبة، وللمسيحية سبعون، ثم ذهبوا إلى قياس عظمة الدين إلى عدة ما يحويه من شعب.

وهذه البدعة التي نعدها غريبة مردها إلى قيمة رمزية، فإن العدد المقدس: وهو يبدأ من سبعين إلى اثنين وسبعين كان في آسيا — منذ أقدم العصور — متداولًا نظرًا لقيمته الرمزية.

وقد رد الباحثون أصل ذلك إلى الفلك، فعدد سبعين هو خمس أيام السنة القمرية القديمة، وعدد اثنين وسبعين هو خمس أيام السنة الشمسية.

وقد أخذت هذه الفكرة من الديانة المجوسية، وفي كتاب «ياسنا» فيما أعرف — أقدم مثال ذكر فيه هذا العدد — فهذا الكتاب يحوي اثنين وسبعين بابًا، وذلك التقسيم — كما يقول «هوج» — لم يكن جزافًا، بل وضع عن خبرة وتقدير؛ فإن البابين في هذا الكتاب وهما الواحد والستون والثاني والسبعون متشابهان، والباب الثامن عشر لا يحوي غير أشعار من قسم «الغطاس» في كتاب «ياسنا».٨

وبعبارة أخرى ترى أن كتاب «ياسنا» قسموه في أول الأمر إلى سبعين بابًا (خمس أيام السنة القمرية) ثم مضى على هذا التقسيم زمن طويل، فقسموا هذا الكتاب بعد ذلك إلى اثنين وسبعين بابًا (خمس أيام السنة الشمسية) وفي العهد الذي نفي فيه «بابليون» تسربت هذه الفكرة إلى اليهود مع غيرها من جمهرة الأفكار الأخرى.

ثم انتقلت بعد ذلك — مع الزمن — من اليهود إلى المسلمين.

وكان المسلمون يجهلون أصل هذه الفكرة، وقد كانوا خلقاء أن ينسبوا تلك الرموز العددية إلى كتاب «ياسنا»، بل ما كان أجدرهم أن ينسبوها إلى مصادرها الأربعة التي أخذت عنها وأصبحت عددًا أكبر من رقم ٧٢ وقد عناهم أن ينسبوا إليهم وحدهم هذا الرقم.

•••

ومتى أقررنا ذلك أصبحنا جديرين ألا نأخذ بهذه الأرقام وألا نتشبث بحرفيتها، وإن أَبَى رجال اللاهوت من المسلمين إلا أن يتشبثوا بها ويؤمنوا بصحتها، وقد تم لهم ذلك ورأوا من واجبهم أن يصلوا بالفرق الإسلامية إلى هذا الرقم.

على أن لحظة من لحظات الروية والتفكير كانت جديرة أن تقفهم على خطل هذا الرأي وأَفَنِه. ولنأخذ الشهرستاني مثلًا للتدليل على صحة ما نقول — وهو من رجال القرن الثاني عشر — فقد تأثر بهذا الرقم ٧٣ وما كان أجدره أن يتريث ويمعن الفكر ويطيل الروية ليعلم أن هذا العدد عرضة للزيادة والنقص — كما أثبتت الحوادث صحة هذه النظرية في المستقبل — ولكنه أثر التشبث بهذا الرقم، وقد جره ذلك إلى نتيجة تافهة قليلة الخطر، ولم يصل به تمسكه بهذا الرقم ٧٣ (لا أكثر ولا أقل) إلى غاية محمودة موفقة.

ولو أنه أطال الروية لأمن العثار والزلل كما أمنه من جاء بعده من الباحثين الذين لم يبهر أبصارهم هذا الرقم الخلاب.

•••

والحق أن هذا الرقم الخاطئ ٧٣ وهذا الرأي المأفون الذي دفعهم إلى التشبث به قد وصلا بمن أخذ بهما إلى نتائج مُعْتَسَفَة شوهت تاريخ الإسلام إلى مدى بعيد، وأدخلت فيه من ألوان التعقيد والغموض ما أفسد بساطته ويُسْرَه.

وقد وجد — لحسن الحظ — مؤلفون جاءوا بعد الشهرستاني، ورأوا — كما رأى الشهرستاني — أن يميزوا هذه الشيع فيجعلوها قسمين، مِلَلًا ونِحَلًا.٩

وبهذا التمييز أصبحنا ندرك المذاهب الأصلية وما نشأ عنها من الفروع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤