صَرْخة

تقدَّمت الفتاة بخطو ثابت نحو قضاة الرأي في مسائل الدِّين، وذلك فيما يختص بالشباب وما يعترض حياته من مشكلات، تقدمت فقالت بصوت مُهَذَّبٍ صادق أمين إنها تتحدث عن نفسها، ونيابة عن زميلات لها كثيرات، وكلهن طالبات «طب وجراحة» — كما قالت — وقد تأرَّقت فيهن الضمائر، فهن مؤمنات ويردن الصواب فيما يجوز لهن وما لا يجوز في حكم الدين: ماذا يحل لهن أن يبصرنه وماذا يحرم عليهن، إذا ما دخلن إلى درس التشريح وكان موضوع الدرس جثة عارية لرجل؟ … فتولى الإجابة عالمٌ فاضلٌ لحظت فيه وهو يجيب أنه ينتقي كلماته في حذر شديد، فكان كمن يمشي على حبل مشدود في الهواء، ينقل القدم بعد القدم مع تفكيرٍ وتدبير؛ لأنه أراد — فيما بدا لي — أنه يود لو وقع حديثه على المشاهدين السامعين موقع المجدد في رأيه، كما أراد في الوقت نفسه أن يُحسَب عند أقرانه محافظًا ملتزمًا نصوص الشريعة وسلوك السلف الصالح، وبين هذين البرزخين أراد أن ينفذ من مضيق ضيق وهو بمأمن من الخطأ والخطر، ولست أدري إن كانت السائلة — طبيبة المستقبل القريب — قد خرجت لنفسها ولزميلاتها بإرشاد واضح مفيد.

لكن الذي أدريه حق الدراية، أنني ضربت كفًّا على كف، صارخًا لنفسي صرخة مكتومة، لأقلق نفسي بصرختي ولا أقلق أحدًا سواي، على غرار ما نسمع عنه هذه الأيام من مسدسات كاتمات للصوت، ليقتل من يقتل في صمت لا يزعج الجيران. صرخت لنفسي صرخة كتمتها في كبدي، لأصيح بها قائلًا: يا فضيحتنا عند أبنائنا وأحفادنا، حين يحكي لهم الحكاءون في زمانهم، عن قوم عاشوا في الربع الرابع من القرن العشرين، كانت فيه الطبيبة الجراحة تسأل كما يسأل كذلك الطبيب الجراح: هل يحلُّ لها أن تنظر إلى جثة رجل مكشوفة العورة في دروس التشريح أولًا، وفي شئون التطبيب ثانيًا؟ وهل يحل له أن يتولى معالجة امرأة إذا كان الأمر يقتضي كشفًا لمستور؟ … ولعلي لم أخطئ السمع عندما تفضل العالم الجليل بالجواب، إذا زعمت أنه قد أورد في جوابه تساؤلًا يقترح فيه بأن تكون أمثال هذه المعالجات في ظلمة الليل! … يا فضيحتنا عند أبنائنا وأحفادنا، حين يحكي لهم الحكاءون عن آباءٍ لهم وأجداد، كانوا ذات عهد من تاريخهم أيقاظًا بمجدهم ثم ناموا، فلما أرادوا لأنفسهم يقظة بعد نوم، كانت وسيلتهم هي أن يتجرَّعوا من أكواب التثقيف شرابًا يُنيم اليقظان!

صرخت لنفسي تلك الصرخة المكتومة، أريد لنفسي السلامة والعاقبة من حراب الذين امتلأت صدورهم الطيبة بالهواجس، حتى لقد صورت لهم أوهامهم أن أرضنا بكل طولها وبكل عرضها، إنما هي مخدع كبير، يموج بأشباح ذكور تطمع في إناث، وإناث تفزع من ذكور، وحول هذا المحور الواحد الوحيد دارت لهم هموم، وقلقت بهم مضاجع! … لكنني لم ألبث أن اتجهت إلى نفسي بلوم وتقريع، سألتها: لماذا تريدين لهذه الصيحة المذعورة أن تبقى مكتومة في حشاك؟ لِمَ لا ترسلينها مدوية في الآفاق؟ إن الأمر لم يَعُد مقصورًا على طبيبة شابة وطبيب شاب مع أقرانهما وقد ملأ الخوف قلوبهم، ومع خوف القلوب ذهب صواب الرءوس، نعم، فإن هنالك خوفًا وخوفًا … فهنالك الخوف من الوقوع في الخطأ بدافع من همة وثَّابة طموح، وهو خوف ليس فيه عيب يُعاب، ولكن هنالك كذلك خوفًا من الوقوع في الخطأ، يؤدي إلى جمود صاحبه — أو صاحبته — فتشل أطرافه دون فورة الشباب وطموحه، ومن هذا الصنف الحائر الجبان، رأيت الطبيبة الجراحة، والطبيب الجراح، وهما في أول درجة من مدارج الحياة العلمية العملية، وهما يسألان قضاة الرأي الديني عن موقفهما من عورات الجنس الآخر، ماذا يكون أثناء قيامهما بواجبات الطب والجراحة؟! … أقول: إني اتجهت إلى نفسي بلوم وتقريع، سائلًا إياها لماذا لا ترسلين الصيحة مدوية؟ ولم يعد الخوف الجبان مقصورًا على طبيبة شابة وطبيب، بل هو خوف عمَّ وانتشر حتى أصبح علامة على حياة هذا الجيل كله، متذرعًا بذريعة الصلاح والتقوى، والله يعلم بما تخفيه تلك الذريعة من ضعف في الهمة وخور في الطموح، لماذا — يا نفسي — تكتمين الصيحة في جوانحك، ومم تخافين وممن؟ أهو إرضاء لجمهور الناس، وجمهور الناس هم الأحق بالإرشاد؟ أهو خوف على كيس نقودك أن تقل جنيهاته مائة أو مائتين؟ وهل يليق مثل هذا الخوف برجل وهن عظمه وتأهب للرحيل، إلا أن يكون هدفه هو أن يزداد مشيعوه رجلًا أو رجلين؟ لا … بل اجهر يا رجل بصرختك واجعلها في آذان الناس كصيحة البجعة عند زفرتها بأواخر أنفاسها قبيل موتها، هي عندها صرخة ألم، لكنها في آذان السامعين تغريدة الشادي بالغناء، أو اجعل صرختك في آذان السامعين باعثًا على حيرة، كحيرة أبي العلاء المعري حين سمع هديل الحمامة على فرع غصنها المياد، فتساءل: أهو غناء ذلك الهديل أم هو بكاء؟!

إنك أيتها الطبيبة الناشئة، وإنك أيها الطبيب الناشئ، سألتما عن حكم الدين في موقفٍ معينٍ من مواقف العلم، ولست أدري عن وقع الإجابة عندكما، من الاقتناع أو الارتياب، فهل تُريدان أن تعرفا بماذا كنت أجيب لو توجهتما بالسؤال إليَّ؟ إنني سأُملي عليك الجواب، فاكتب يا قلم:

… لقد سمعت ذات يوم عن عالم في علوم الطبيعة من علماء عصرنا هذا، أنه إذ كان يعرض نتائج علمه على من اجتمعوا ليستمعوا إليه، أنه ختم حديثه بأن قال ما معناه: إن رؤية العلم للكون أصدق من رؤية الفلسفة ومن رؤية الدين! … فما إن قرأت عبارته تلك، حتى ألقيت بالكتاب جانبًا، لأراجع بفكري هذا القول العجيب من عالم في مثل مكانة من كنت أقرأ له أو — على الأصح — أقرأ عنه، وبعد أن تساءلت: ولماذا أسقط من حسابه رؤية الأدب، ورؤية الفن؟ إذن فلأضفهما من عندي إلى العبارة المذكورة، ثم أنظر فيها لأرى كم بعدت تلك العبارة عن الصواب.

وكان السؤال الأساسي الذي وضعته بين يدي، هو هذا: أهي رؤية واحدة للكون، أم عدة رؤًى؟ أيمكن للإنسان السوي في العصر الواحد، أن تكون له رؤًى كثيرة ومتعارضة للكون الذي يحيط به؟ لست أظن ذلك، حتى ولو تعددت زوايا النظر، فالإنسان — كل إنسان وأي إنسان — قد يُكوِّن لنفسه تصورًا للعالم، يستخلصه مما قد نشأ عليه من عقيدة دينية، فهل — يا ترى — لو أن ذلك الإنسان نفسه، قد ارتفعت به درجة العلم بالعالم، أو بجزء منه، يمكنه أن يُكوِّن لنفسه رؤية مضادة لرؤيته من زاوية عقيدته الدينية؟ ثم هل يمكنه أيضًا أن يُضيف رؤية ثالثة للعالم، تكون هي الرؤية الفلسفية إذا حدث له كذلك أن ارتفعت به درجة دراسته في هذا الميدان؟ ويظل معنا السؤال نفسه قائمًا بالنسبة إلى الرؤية من زاوية الأدب، والرؤية من زاوية الفن، ذلك لو كان ذلك الإنسان أديبًا أو دارسًا للأدب، وفنانًا أو دارسًا للفن … إن تعدد الرؤى على هذا النحو، وعند الإنسان الواحد المعين، تستحيل معها حياة سوية مفكرة، مبدعة، منتجة؛ لأن لكلِّ رؤية إشعاعاتها وانعكاساتها على طريقة التفكير وطريقة العمل وطريقة التفاعل بين الأفراد بعضهم مع بعض، والتفاعل بينهم وبين العالم الذي يعيشون فيه.

وإنني حقًّا لأعجز عن التصور الذي يفتت الإنسان الواحد إلى عدة أفراد في جلد واحد: فرد منهم للدين، وفرد آخر للعلم، وثالث للفلسفة، ورابع للفن والأدب، وليس رفضي لهذا التعدد داخل الإنسان الواحد، قائمًا على أساس أن الإنسان الواحد لا يستطيع الجمع بين عدة فروع، لا؛ لأن هذا التعدد في الفروع ممكن، بل هو قائم بالفعل في كلِّ فرد من الناس، مع تفاوتهم بعد ذلك في مدى الكثرة ومدى العمق، لكن رفضي مُنصَبٌّ على الظن بأن تلك الكثرة في الفروع، تظل هكذا متفرقة، لكلِّ منها رؤيته التي يختلف بها عن رؤى الفروع الأخرى، فذلك التمزق في اتجاهات الرؤية لا يكون إلا عند غير الأسوياء، الذين أصابهم مرض من أمراض النفس التي أصبح لها طب خاص بها، وأما الفرد من الأسوياء الأصحاء، فلا بدَّ فيه من التقاء الفروع المختلفة عند رؤية واحدة للكون، أو للحياة الاجتماعية، أو أي مجال أردت الرأي فيه، على أن يكون لكلِّ فرع من الفروع لغته الخاصة به في تعبيره عن تلك الرؤية الواحدة، وينتج عن ذلك بطلان القول الذي أسلفنا ذكره منسوبًا إلى أحد علماء الطبيعة المعاصرين، وهو قوله بأن رؤية العلم أصدق من رؤية الفلسفة ومن رؤية الدين لحقيقة الكون؛ لأنه — ابتداءً — لا تعدد في الرؤى عند الإنسان الواحد ما دام سويًّا، ولأن الفروع التي ذكرها، إذا اختلفت، فاختلافها في طريقة التعبير عن الرؤية الواحدة المشتركة، إذ لكلِّ مجال طريقته التي ينفرد بها فتميزه عن سائر المجالات، وإذا كان هذا هكذا، فمن باب أولى ألا يقال عن العلم إنه أصدق رؤية من الدين أو من الفلسفة، أو من الفن، كما لا يقال عن أيِّ ميدان من هذه الميادين أصدق من العلم، فالحق واحد لا يتعدد بتعدد طرائق الوصول إليه.

كان السؤال الذي طرحته الطبيبة الناشئة على قضاة الرأي في الدين سؤالًا عن موقف معين في مجال العلم، ولو كنت أنا المسئول، لرفضت منذ البداية مشروعية السؤال، بناءً على ما قدمته من استقلالية الفروع في طرائقها وممارساتها، برغم كونها جميعًا تنضوي تحت رؤية واحدة، للفرد الواحد، والأمة الواحدة، وكثيرًا ما تكون كذلك بالنسبة إلى العصر الواحد، ولعل الطبيبة الناشئة تعلم أن العرب المسلمين الأوائل، حين ترجموا عن اليونان القدماء فلسفتهم وعلومهم إلى اللغة العربية، أخذوا يوازنون بين مضموناتها ومضمون العقيدة الإسلامية، وانتهوا إلى اتفاق الطرفين في الجوهر، فكيف حدث ذلك الاتفاق، مع أن أحد الطرفين فلسفة وعلم، والطرف الثاني دين؟ … الجواب هو أن الاختلاف إنما يكون في طريقة التعبير، فللدين طريقته، وللفكر الفلسفي أو العلمي طريقته، ومع اختلاف الطريقتين ليس ثمة ما يمنع أن يكون المعنى في جوهره واحدًا، افرض — مثلًا — أن فلسفة اليونان قالت فكرة تصف بها طريقة الخلق كيف كانت، وقال الدين فكرته عن طريقة الخلق، فاللغتان تختلفان؛ أعني أن كلًّا منهما يقول الفكرة بطريقته، لكنهما قد يتفقان على فكرة واحدة في الموضوع الواحد.

إن فكرة «النظائر» قديمة جديدة معًا؛ وذلك لأنها فكرة مبثوثة في حقائق الكون وكائناته، وهي واردة على نطاقٍ واسعٍ في دنيا الفكر النظري وفي عالم الفن والأدب، ومؤداها بسيط، وهو أن كائنًا ما يكون «نظيرًا» لكائن آخر، أو موقفًا لموقف، أو فكرة لفكرة، إذا اتفق الاثنان في طريقة البناء، فمربع من الخشب يكون نظيرًا لمربع من الحديد؛ لأن كلًّا منهما يحيط به أربعة أضلاع مستقيمة ومتساوية، وزواياه الأربع قوائم، والخريطة الجغرافية نظيرًا للرقعة التي تُصورها تلك الخريطة؛ لأن كل نقطة على الخريطة لها ما يُقابلها على الواقع المصور بالخريطة، وقد استطاع شامبليون أن يفك رموز الكتابة الهيروغليفية لأول مرة في التاريخ الحديث، حين وجدت فقرة معينة مكتوبة بثلاث لغات على «حجر رشيد»، فاللغات الثلاث مختلفة الأحرف والكلمات، لكنها «نظائر» لاشتراكها في أداء معنًى واحد … ولما كان شامبليون عالمًا بإحدى تلك اللغات، اتخذ منها مفتاحًا يفك بها أسرار ما يناظرها، وإذا توسعنا في التطبيق، وجدنا أمثلة للتناظر لا حصر لعددها، فيمكن القول بأن الذرة الصغيرة، بما فيها من كهارب تدور في أفلاكها حول مركز، إنما هي نظيرة المجموعة الشمسية، مركزها الشمس وتدور حولها كواكب المجموعة، كل كوكب منها في فلكه، والإنسان الواحد — بوجه من الوجوه — هو نظير للكون كله من حيث البنية التي تجعله مادة وروحًا، والشطران في المعادلة الرياضية متناظران، فالمقدار الرياضي في كلٍّ من الشطرين مساوٍ للمقدار في الشطر الآخر، برغم ما بين الشطرين من اختلاف الرموز … وهكذا وهكذا …

وكذلك يكون الدين، والعلم، والفلسفة، والأدب، والفن، في الأمة الواحدة أو في العصر الواحد، ما دامت الأمة موحدة الكيان، وما دام العصر الواحد متجانس الأجزاء، كلها نظائر يقول الواحد ما يقوله الآخر من حيث المضمون في جوهره، والذي يختلف هو طريقة الأداء، ولنأخذ العلم والدين، ثم قد ننتقل إلى التطبيق على المجالات الأخرى، وليكن حديثنا عن الدين منصبًّا على الإسلام، فرسالة الإسلام هي التوحيد، وأيًّا ما كانت وجهة النظر في تفسير مصطلح «التوحيد» فهو فضلًا عن إشارته إلى واحدية الذات الإلهية وأحديتها، فهي تشير بالتالي إلى أن كل ما في الكون من جزئيات وتفصيلات وأفراد ومفردات، إنما هي مترابطة معًا في مجموع واحد، كل جزء فيه متصل ومتفاعل مع سائر الأجزاء، فإذا انتقلت بالنظر إلى ميدان العلم، أو العلوم، وجدتها — في ظاهر الأمر — مفرقة بين موضوعات تخصصاتها، لكل منها مجموعة من قوانين، وليس أي علم فيها مطالبًا بأن يطل على غيره من العلوم، فقد يحدث ذلك وقد لا يحدث، وهنا تجيء «الفلسفة» لتكون إحدى مهامها الأساسية، إيجاد الصلة التي تربط كل العلوم المتفرقات في نقطة التقاء واحدة، ولا يستقر لفيلسوف من الأعلام الشوامخ قرار، إلا إذا وجد الجذر المشترك الذي تنبثق منه الشجرة بكل فروعها، وفي هذا «التوحيد» — من حيث المبدأ — يكون التناظر في الرؤية بين العلم والدين.

ولا يشذ عن هذا المنحى العام أدب وفن، فقد يخيل إلينا للوهلة الأولى أن ألوف الألوف من قصائد الشعراء، ومن لوحات الفن ومبدعاته المختلفة، لا سبيل إلى جمعها في «وحدة» واحدة، لكن حقيقة الأمر في ذلك، هي أنه — في كل عصر واحد على الأقل — يستطيع الناقد القدير أن يضرب بتحليلاته إلى الأعماق، ليُخرج لنا بالروح الواحدة، التي تجمع العصر الواحد في أدبه، وفي فنه، فيجيء هذا التوحد ضميمة تضم إلى فكرة التوحيد في الدين والعلم، وربما جاز لنا أن نقول إن مثل هذا التوحد في الرؤية، مهما اختلف الفرع المعين من فروع العقيدة والعلوم وغيرهما، إنما هو خير مقياس نستعين به على معرفة ما قد ظفر به عصر معين، أو أمة معينة، أو فرد معين، من توازن واتزان، فإذا غاب البناء الموحد، كان غيابه علامة على انهيار الجانب الذي غاب عنه.

وإني لأخشى أن يظن قارئ بأنني قد خلطت خلطًا معيبًا بين «التوحيد» كما نفهمه في الدين، وبين وجوده الذي أشرنا إليه في الفروع الأخرى، وأقل ما يمكن أن يعترض به مثل ذلك القارئ، هو أن عقيدة التوحيد هي رسالة الإسلام على وجه التحديد، فكيف عممناه ليكون خاصة من خواص الدين على إطلاقه؟ وعلى اعتراض كهذا يكون الرد هو أن التوحيد الذي هو خاص بالإسلام، إنما هو وحدانية «الذات» الإلهية بالصورة التي أخذ بها الإسلام، والتي تناولها بعد ذلك فلاسفة الإسلام وفقهاؤه بالتحليل والشرح، وإلا فلا أظن أن ثمة عقيدة دينية تخلو من مبدأ يوحد على أساسها الكون بصورة من الصور.

ويكفيني هذا التوضيح المسهب، لأعود بعده: أولًا — لعالم الطبيعة المعاصر الذي سبقت الإشارة إليه، وثانيًا — للطبيبة الناشئة التي ذهبت إلى فقهاء الدين تلتمس عندهم رأيًا خاصًّا بموقفٍ معينٍ في دائرة العلم، فأما صاحبنا عالم الطبيعة المعاصر «وقد يكون هو ماكس بورن، أو اسم قريب من هذا الاسم»، فقد كان في قوله: «إن رؤية العلم أصدق من رؤية الفلسفة ومن رؤية الدين» أكثر من وجه واحد من وجوه البطلان، أولها: افتراضه تعدد الرؤى في حياة الإنسان الواحد، أو العصر الواحد، تعددًا يساير تعدد مجالات النظر، وحقيقة الأمر أنها رؤية واحدة، تتوحد بها شخصية الإنسان السوي، أو الأمة السوية، أو العصر السوي، مع اختلاف وسائل الأداء في التعبير عن تلك الرؤية الواحدة باختلاف الفرع من فروع المعرفة أو العقيدة.

والوجه الثاني: من أوجه البطلان في قول عالم الطبيعة المعاصر، هو في استخدامه لاسم «فلسفة»، وكأنما يتصورها شيئًا مبتور الصلة بالعلم، في حين أنها لا تكون شيئًا إذا هي لم تدر مع علم عصرها، أو قل مع محاور ثقافته، دورانًا يجعل موضوعها نفسه هو نفسه موضوع العلم، أو أي محور آخر من المحاور الأساسية في عالم الفكر يحدث له أن يكون هو المحور السائد في عصر بذاته، وكل ما في الأمر من اختلاف بين ما هو علم وما هو فلسفة في العصر الواحد، هو درجة التعميم والتجريد، فإذا وقف العلم عند مجموعة قوانينه، جاءت الفلسفة لتستأنف السير بتلك القوانين العلمية ذاتها، نحو «مبدأ» يضمها جميعًا، ويكون — بطبيعة الحال — أكثر منها تعميمًا وتجريدًا.

وفي خطوتنا الأخيرة، نعود إلى الطبيبة الناشئة التي ذهبت إلى قضاة الحكم الديني لتسألهم ماذا يكون موقف الأنثى من دراسة الطب والجراحة «وشركها في سؤال شبيه طبيب ناشئ» أما جثة رجل بكلِّ أعضائه أثناء درس التشريح؟ … أهو حلال لها أم حرام عليها أن تُشارك في النظر والبحث؟ ولتلك الفتاة أقول — مع الأسف والأسى — إن موقفها ذاك، بكل ظروفه وتفصيلاته، قد كان له في نفسي وقع الصاعقة؛ لأنه دليل على خلط، ودليل على انعدام الثقة بالنفس، ودليل على أن أملنا في حياة علمية قوية يتبدَّد مع الريح …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١