تمهيد

بقلم: السيدة هيلاري رودام كلينتون؛ مؤسِّسة منظمة «أصوات حيوية»

في عام ١٩٩٥، التقت وفود ١٨٩ دولة في بكين لحضور مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الرابع المعني بالمرأة. وقد ألقيتُ كلمة أمام الجمع المحتشد قلت فيها إنه قد آن الأوان لكسر حاجز الصمت.

فلن نقبل بعد الآن أي فصل بين حقوق المرأة وحقوق الإنسان، ولن تُجرَى بعد اليوم المناقشات حول «قضايا المرأة» في الغرف المغلقة دون أن يُلتفت إليها.

بدأت منظمة «أصوات حيوية» نشاطها كمبادرة حكومية إبان إدارة كلينتون في وقت شهد تغيرًا كبيرًا في العالم؛ إذ خرج كثير من البلدان من كبد الصراع والقمع لتبدأ مرحلة انتقالية إلى الديمقراطية. وقد ارتأيت ومادلين أولبرايت؛ وزيرة الخارجية السابقة وصديقتي، إلى جانب مسئولين آخرين بوزارة الخارجية والبيت الأبيض، أنه من المهم جدًّا أن تتقلد المرأة دورًا في تشكيل المستقبل الذي ستكون جزءًا منه، ورأينا أنه إذا تمتعت النساء بالقدر الكافي من الشجاعة، والقدر الوافي من القوة اللازمة لتحدي الوضع الراهن، والمشاركة في السياسة والمجتمع المدني والاقتصاد، فينبغي لنا مساعدتهن.

الفكرة التي بدأت في مكتب صغير بوزارة الخارجية في صورة «مبادرة أصوات حيوية من أجل الديمقراطية» نمتْ وتحوَّلت إلى «الشراكة العالمية للأصوات الحيوية»؛ وهي منظمة غير حكومية تضم أكثر من ألف موظف وشريك حول العالم، وتدعم عمل ١٢ ألف قائدة من ١٤٤ بلدًا.

إن منظمة «أصوات حيوية» ومهمتها قريبتان من قلبي؛ فأنا أحمل معي كل يوم الدروس التي استوعبتها من هذه المنظمة. ونحن نجتهد بوزارة الخارجية من أجل ترسيخ الدعم لحقوق المرأة والنهوض بها كحجر زاوية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتقود ميلان فرفير، التي شاركت في تأسيس المنظمة، ذلك الجهد بوصفها سفيرتنا المتجولة المُكلَّفة بقضايا المرأة حول العالم. وفي كل مكان أتوجه إليه حول العالم، تطلب إحدى المُنضمَّات إلى «أصوات حيوية» مقابلتي، فتُطلعني على برنامج تدريبي أو زيارة أو أي فرصة أخرى أتيحت لها لتحقيق مزيد من التقدم بعملها.

ومنذ عام ١٩٩٥، اتضح جليًّا أن حركة التنمية تتباطأ حيث تُقمع المرأة، وتتسارع حيث تُمكَّن المرأة.

نعلم أن المرأة تقدِّم إسهامات فريدة وبالغة الأهمية؛ فكثيرًا ما ترى المشكلات التي يغفل عنها غيرها، ولديها القدرة على الوصول إلى قطاعات لا يستطيع الآخرون الوصول إليها، أو لا يكترثون بالوصول إليها. وحتى عندما يبدو أنه ليس هناك فرصة سانحة، فبإمكانها إيجاد سبيل.

إن وضع النساء بالعالم ليس مسألة أخلاق وعدالة وحسب؛ بل هو واجب سياسي واقتصادي واجتماعي. ببساطة، ليس بإمكان العالم إحراز تقدم مستدام إن حُرمت النساء والفتيات بالقرن الحادي والعشرين حقوقهن ونُبذن.

تنحدر القيادات النسائية اللاتي ستلتقي بهن عبر صفحات هذا الكتاب من مختلف الثقافات وشتى بقاع العالم، لكنهن يشتركن في قيم وسمات مهمة؛ إذ كلٌّ منهن تبحث عن سبل لتحقيق تغيير منهجي يتمثل في الارتقاء بحياة آلاف، بل ملايين البشر.

يجسِّد هؤلاء السيدات نموذجًا متميزًا من القيادة يمتلك القدرة على التغيير. وبعد خبرة قوامها ١٥ عامًا، ندرك التأثير المتضاعف الذي نحققه عندما نستثمر في السيدات اللاتي يجسدن ذلك النموذج؛ فأفعالهن تستحق استجابة إيجابية متسلسلة سرعان ما تكتسب زخمًا ذاتيًّا.

في زمن لا تزال تُحرم فيه ملايين من النساء حول العالم حقوقهن، ولا يزلن يُستبعدن من النقاشات العامة في مجتمعاتهن، ولا يزلن يتعرضن للعنف داخل الأسرة وخارجها، ولا يزلن يُمنعن من دخول المدارس والمحاكم والأسواق والميادين العامة، من المثير للاهتمام أن هؤلاء النساء لا يزلن مثابرات.

لقد ألهمت شجاعتهن أُخرياتٍ للوقوف إلى جانبهن رغم المخاطر والتبعات، وللإيمان بإمكانية خلق مستقبل أفضل، وبقدرتهن على المساعدة في بنائه. لا بد أن نعلن أمام العالم، بوضوح وبالإجماع، أن هؤلاء النساء رمزٌ من رموز البطولة، وأن عملهن ذو قيمة، وأصواتهن حيوية.

ليس هذا تحديًا مُلحًّا من تحديات السياسة الخارجية وحسب، كما أنه ليس قضية عدالة اجتماعية فقط، وهي في نظري أهم قضية بالقرن الحادي والعشرين، إنما هو رسالة شخصية. وكم يشرفني أن أقر بالجميل وأدين بالفضل لهؤلاء السيدات المحاربات على خطوط المواجهة في جميع أنحاء العالم، اللاتي يجعلن كلًّا منَّا تتحلى بمزيد من الجرأة والمخاطرة وتقدِّم المزيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢