الفصل الثالث

على مشارف عصر جليدي

نارٌ أم جليد؟

من الأسباب الرئيسية للتحرر المتزايد من الوهم في مجال العلوم بين عامة الناس هو الاعتقاد أن العلماء يخوضون جدالًا دائمًا بعضهم مع بعض، ويغيرون آراءهم باستمرار. ولا فائدة من توضيح أن هذه هي الطريقة التي تتقدم بها العلوم؛ أي عن طريق معارك بين الأطروحات والأطروحات المضادة إلى أن يُثبِت تراكم الأدلة صحة رأي أحد الطرفين؛ ومن ثَمَّ يصبح هو الرأي المعمول به. يريد الناس من العلماء أن يتفقوا فيما بينهم ليشكلوا جبهة موحدة ليدلوهم أيُّ الأمور صحيح وأيها ليس كذلك. إنهم يريدون ذلك لأنه يجعل حياتهم أسهل بكثير، ويقلل كثيرًا من تلك الأمور التي قد يقلقون بشأنها. إذا كنت مشغولًا بحياتك المهنية أو زواجك، فلن ترغب في التفكير فيما إذا كانت المحاصيل المعدلة وراثيًّا نافعة أم ضارة، أو ما إذا كان عليك تناول اللحم البقري خاليًا من العظام أم لا. ومع ذلك نقول مرة أخرى إن الإجماع العلمي يبدو أنه قد دار دورة أخرى عادت به إلى نقطة البداية على مدى العقدين الماضيين. كما رأينا في الفصل السابق، يتفق الجميع الآن — باستثناء المنشقين من علماء المناخ — أن حرارة الأرض في ارتفاع سريع وأن أنشطتنا الملوِّثة هي السبب في ذلك الارتفاع. لكن في الآونة الأخيرة، أعني ثمانينيات القرن العشرين، كان السؤال المهم في الأوساط المناخية: متى يمكن توقُّع قدوم العصر الجليدي القادم؟ ما الذي تغيَّر إذنْ؟ الواقع أنه لم يتغير الكثير. وكما سنوضح فيما يلي، من المتوقع أن تزداد الأنهار الجليدية مرة أخرى، وعلينا أن نتوقع غرق كوكبنا في برد قارس في غضون العشرة آلاف عام المقبلة. ومع ذلك فإن ما تغير هو الإقرار بأن الاحترار الذي سببه الإنسان والتأثيرات المناخية المرتبطة به قد يلعب دورًا في وقت حرج من الانتقال الطبيعي عندما يكون عالمنا على شفا الدخول في عصر مليء بالجليد والثلوج يمتد عشرات الآلاف من السنين. غير أن الباحثين ليسوا متأكدين تمامًا من طبيعة هذا الدور، ومع أنك حدْسيًّا قد تتوقع أن ظاهرة الاحترار العالمي ستؤخر العصر الجليدي القادم أو تدرؤه تمامًا، يرى بعض العلماء أن الارتفاع الكبير المستمر في درجات الحرارة قد يسرع فعليًّا بداية العصر الجليدي المقبل. حتى وإن ثبتت عدم صحة هذا القول الأخير، فلا تزال أمامنا مشكلة. فبما أننا نعلم أننا على أعتاب عصر جليدي جديد، ألا ينبغي أن نحاول جاهدين الحفاظ على دفء كوكبنا؟ ألا ينبغي لنا أن نرحب بالاحترار العالمي؟ بعبارة أخرى، نحن الآن بصدد اختيار صعب نادرًا ما يتناوله الجدل الكبير حول الاحترار العالمي. ما الطريقة التي نفضل أن ينتهيَ بها عالمنا المعاصر، بالنار أم بالجليد؟

كيف تجمِّد كوكبًا

خلال فجر التاريخ، كان سطح الأرض يغلي بمحيطات الحمم والبراكين الثائرة، ومع أن درجات الحرارة انخفضت انخفاضًا كبيرًا حين هدأت حدة العمليات الجيولوجية السائدة، فقد تنعَّم كوكبنا بالدفء طوال جزء كبير من تاريخه الذي يمتد ٤٫٦ مليارات سنة. لكن من حين لآخر كان مزيجٌ عارض من الظروف يعلن عن تكوُّن صفائح جليدية ضخمة تُحوِّل تلك الجنة المعتدلة إلى صقيع. لقد جعلت الأعمال الفنية والأفلام الوثائقية التليفزيونية معظمنا معتادًا على فكرة العصر الجليدي الكبير الأخير، حين كانت حيوانات الماموث تجوب التندرا (سهل أجرد في المنطقة القطبية الشمالية) وكان أسلافنا الذين يرتدون جلود الحيوانات يناضلون من أجل العيش في عالم متجمد. ومع ذلك فمؤخرًا فقط أُجريت دراساتٌ للتكوينات الصخرية ذات الصلة بالجليد في جميع أنحاء العالم، فألقت الضوء على فترة صقيع أقدم وأسوأ بكثير؛ فترة كان كوكبنا خلالها أشبه بكرة ثلج جامدة تندفع بقوة عبر الفضاء. منذ أمد بعيد، وخلال حقبة جيولوجية أصبح يشار إليها باسم الفترة الكريوجينية (نسبة إلى الكريوجين؛ وهو سائل يُستخدم للحصول على درجات حرارة منخفضة جدًّا)، وجدت الأرض نفسها على عتبة حرجة في تاريخها. انخفضت حرارة الكوكب بنسبة هائلة منذ تكوُّنه على مدار أكثر من ٣٫٥ مليارات سنة مضت، وصارت المشكلة وقتئذٍ أن يظل دافئًا. في ذلك الوقت، بين نحو ٨٠٠ و٦٠٠ مليون سنة مضت، كانت الشمس أضعف، والأرض تنعم بإشعاع شمسي أقل من الآن بنحو ٦ بالمائة. وعلاوةً على ذلك، لم تكن تركيزات الغازات الدفيئة — ثاني أكسيد الكربون والميثان في المقام الأول — التي ترفع درجة حرارة كوكبنا الآن عاليةً بما فيه الكفاية لإبعاد برد الفضاء القارس. تشكلت الصفائح الجليدية الضخمة سريعًا، واندفعت نحو خط الاستواء من كلا القطبين، مغلفةً كل الكرة الأرضية أو معظمها (تحديد هذا لا يزال موضع خلاف) بدرعٍ من الجليد سُمكُه كيلومتر. وبما أن تلك الكرة ناصعة البياض، كانت تعكس الإشعاع الشمسي إلى الفضاء مرة أخرى؛ فقد انخفضت درجات الحرارة إلى ٥٠ درجة مئوية تحت الصفر؛ فبدا احتمال دوام الجليد قويًّا. لكن لا بد أن شيئًا قد حدث وكَسَر ذلك الجليد — إذا جاز التعبير — وإلا ما كنتُ هنا اليوم لأخبركم عن ذلك؛ والواقع أنه يبدو أن ظروف «كرة الثلج» تلك قد تضاعفت ست مرات، وفي كل مرة كانت تخضع لعودة مناخ أكثر دفئًا.

لا أحد يدري على وجه اليقين كيف نجت الأرض من براثن الجليد، لكن يبدو وكأن البراكين هي التي أدت دور المنقذ. بعد ملايين أو حتى عشرات الملايين من السنين من البرد القارس، يبدو أن كميات ثاني أكسيد الكربون الهائلة التي أطلقتها البراكين قد أحدثت احتباسًا حراريًّا كبيرًا بما يكفي لتدفئة الجو وإذابة الجليد. وعلى نحوٍ غريب انبثقت الحياة من تلك الفترة العصيبة للغاية من تاريخ الأرض، ومع ما كانت عليه تلك الحياة من ظروف قاسية، فإنها كانت تتوق للاستمرار؛ فظهر التنوع البيولوجي الذي أعلن بداية العصر الكمبري، وذلك منذ ٥٦٥ مليون سنة. إنْ قارنَّا بين التكوُّنات الجليدية الكبرى التي حدثت في الفترة الكريوجينية وبين أحدث العصور الجليدية «الرباعية»، فإن الأخيرة تتضاءل كثيرًا. ومع ذلك، ومع أنها أثرت على مناطق أصغر من سطح الأرض، فإن آخر موجات الصقيع تلك أدت دورًا حاسمًا؛ لأنها تزامنت مع ظهور أسلافنا الأوائل وتطوُّرهم. وعلاوةً على ذلك، قد يكون لها دور ستؤديه في مستقبل الجنس البشري.

خلال تاريخ الأرض الحديث كانت إشعاعات الشمس أكثر بكثير مما كانت عليه خلال الفترة الكريوجينية، وكانت نسبة ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الدفيئة أعلى أيضًا. لماذا إذنْ — في نهاية العصر الميوسيني منذ نحو ١٠ ملايين سنة — بدأت الأنهار الجليدية مرةً أخرى في التشكُّل والتقدم في معظم أنحاء نصف الكرة الشمالي؟ والأهم من ذلك، لماذا — منذ نحو ٣ ملايين سنة — زاد تحرُّك الجليد جنوبًا؟ لا يزال هذا موضوعًا شائكًا في مجالات علوم العصر الرابع والتغير البيئي، أما التحليل المفصل للنظريات المتنافسة فليس من موضوع كتابنا هذا. ويكفي القول إن تفسير العصور الجليدية التي يبلغ عددها قرابة العشرين عصرًا، والتي أطبقت على الأرض خلال المليونَي سنة الماضية، تضمنت اختلالًا في دوران الغلاف الجوي لكوكب الأرض بسبب رفع حزام جبال الهيمالايا العظيم، والتعديل الجذري للنظام العالمي لتيارات المحيطات بسبب ظهور برزخ بنما.

ومع أن أحد هذين الحدثين الجيوفيزيائيين المذهلين أو كليهما قد أسهم في صورة الصقيع المتزايد، فإن الجليد كان يتحرك بالفعل، ونحن بحاجة إلى أن ننظر في مكان آخر عن السبب الصحيح وراء ذلك. بعبارة أخرى، ما الذي يبدأ العصور الجليدية، وأيضًا — على القدر نفسه من الأهمية — ما الذي ينهيها؟ أثارت هذه المشكلة اهتمام العلماء سنوات عديدة، وكان أول من طرح حلًّا لها الجيولوجي الاسكتلندي جيمس كرول، وذلك منذ فترة طويلة عام ١٨٦٤، ثم جاء العالِم الصربي ميلوتين ميلانكوفيتش في ثلاثينيات القرن العشرين ليتوسع فيه. وطبقًا لنظرية كرول-ميلانكوفيتش الفلكية حول العصور الجليدية، فإن التغيرات الطويلة الأجل في هندسة مدار الأرض ودورانها أسباب أساسية في بزوغ نجم العصور الجليدية الرباعية وأفوله. تقول النظرية الفلكية إنه لكي يستمر العصر الجليدي، لا بد من أن تكون فصول الصيف عند خطوط العرض العليا في نصف الكرة الشمالي باردة بما يكفي للسماح بالحفاظ على الثلوج في فصل الشتاء. وفي ظل تزايد تراكم الثلوج والجليد عامًا بعد عام، تزداد انعكاسية أو بياض السطح؛ ما يقلل من تأثير أشعة الشمس في الصيف ويسرع نمو الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية. لكن كيف انخفضت درجة الحرارة في فصول الصيف في نصف الكرة الشمالي في المقام الأول؟ هذا ما سيوضحه علم الفلك. تنخفض درجات حرارة الصيف عند خطوط العرض العليا نتيجةً لانخفاض كمية الإشعاع الشمسي الساقط على السطح، وهذا بدوره يعتمد على التغيرات التي تحدث في ميل محور الأرض والاختلافات التي تطرأ على دورانها حول الشمس.

لو لم يكن محور الأرض مائلًا لَمَا كانت هناك فصول سنة. خلال فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي — على سبيل المثال — يميل القطب الشمالي نحو الشمس؛ مما يسمح بوصول مزيد من الإشعاع الشمسي المباشر إلى السطح في نصف الكرة الشمالي وارتفاع درجات الحرارة. في المقابل، خلال فصل الشتاء يميل القطب الشمالي بعيدًا عن الشمس، وتذهب أيام الصيف ليحل محلها برد الشتاء وظلامه في نصف الكرة الشمالي. الآن يتلقى نصف الكرة الجنوبي المزيد من أشعة الشمس المباشرة، فينعم سكان الجنوب بدفء الشمس في حين ترتعد فرائص سكان الشمال من الصقيع تحت سماء قاتمة. ومع أن متوسط ميل محور الأرض يبلغ نحو ٢٣٫٥ درجة، فإنه ليس بثابت؛ فالأرض في دورانها تشبه النحلة الدوَّارة، فهي تتأرجح حول محورها ولكن على مدى فترة تتراوح بين ٢٣ ألفًا و٢٦ ألف سنة. علاوةً على ذلك، فإن هذا التأرجح يتسبب في قدر من الميل يتفاوت بين ٢٢ و٢٥ درجة، وذلك على مدى فترة ٤١ ألف سنة. وحين يكون الميل أقل ما يكون نجد أن فصل الشتاء يأتي أكثر اعتدالًا، ولكن الأهم من ذلك أن خطوط العرض العليا تتلقى مقدارًا أقل من الإشعاع الشمسي المباشر فتصبح أقل برودة؛ مما يجعل بقاء ثلوج الشتاء ونمو الصفائح الجليدية أيسر وأسهل. وفوق ذلك كله هناك ما يُسَمَّى آلية القسر الفلكية التي تساهم في بدء العصر الجليدي. والأرض — مثل جميع الكواكب — تتبع في دورانها حول الشمس مسارًا بيضاوي الشكل لا دائريًّا، ويختلف شكل هذا المسار باختلاف الدورات ما بين ١٠٠ ألف و٤٠٠ ألف سنة. وتكون الأرض أقرب ما تكون إلى الشمس في هذا الوقت في شهر يناير، عندما يشير القطب الشمالي بعيدًا عن الشمس؛ مما يؤدي إلى قدوم فصول شتاء أكثر برودة قليلًا في نصف الكرة الشمالي. ومع ذلك، وقبل ١١ ألف سنة فقط، وقع هذا الاقتراب في شهر يوليو؛ مما زاد حرارة الصيف في نصف الكرة الشمالي قليلًا.

قبل أن يزداد الأمر تعقيدًا، دعونا نحاول ربط الأشياء بعضها ببعض. الدورات المنتظمة التي يمكن التنبؤ بها — والمعروفة باسم دورات ميلانكوفيتش — معروفة في سلوك ميل الأرض ومدارها على مدى فترات تتراوح بين آلاف ومئات الآلاف من السنين، وتتحكم هذه الدورات في كمية الإشعاع الشمسي التي تصل إلى سطح الأرض؛ ومن ثَمَّ تتحكم في درجة حرارة الأرض. في بعض الأحيان، قد يتزامن عدد من الدورات بحيث تنخفض درجات الحرارة في الصيف في مناطق خطوط العرض العليا إلى الحد الذي يسمح بتراكم ثلوج الشتاء. وهذا في حد ذاته لا يمكن أن يؤديَ إلى ظهور الصفائح الجليدية الضخمة التي هيمنت على النصف الشمالي طوال فترة كبيرة من ملايين السنوات القليلة الماضية، لكن نظرًا لزيادة رقعة المنطقة التي تغطيها الثلوج والجليد، فقد أدَّى هذا إلى انعكاس المزيد والمزيد من ضوء الشمس مرة أخرى إلى الفضاء، وإلى الإسراع من عملية التبريد. وهذه في الأساس طريقة بدء العصور الجليدية. على العكس من ذلك، وفي أحيان أخرى، نجد الدورات المختلفة يلغي بعضها بعضًا، وترتفع درجة حرارة الكوكب نتيجةً لذلك؛ ومن ثَمَّ تتراجع الصفائح الجليدية إلى معاقلها القطبية.

مع أن ميلانكوفيتش ومن أتى بعده من الباحثين الذين تناولوا هذه المسألة تمكَّنوا من شرح آليات العصور الجليدية ودورية حدوثها، فإنهم كانوا أقل نجاحًا في تحديد سبب ظهور تلك الحقب الجليدية على الساحة منذ نحو ١٠ ملايين سنة، لا على مدار تاريخ الأرض. ربما تكون إجابة ذلك السؤال في نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض، التي ظلت تتناقص باطراد على مدى الثلاثمائة مليون سنة الماضية، من نحو ١٦٠٠ جزء في المليون إلى ٢٧٩ جزءًا في المليون فقط قبل الثورة الصناعية. قيل إنه ربما يكون انخفاض نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى أقل من المستوى العَتَبي الحرج — لنقل ٤٠٠ جزء في المليون — عاملَ قسر فلكي كافيًا لبدء دورة الدفء والبرد التي تميز العصور الجليدية. وهذا يطرح السؤال: في ظل توقع ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون فوق هذه النسبة في غضون ما يزيد على ٢٠ عامًا بقليل، هل يعني هذا أننا ودَّعنا العصور الجليدية إلى الأبد؟ سأعود إلى ذلك لاحقًا.

fig9
شكل ٣-١: توضح التغيرات في درجات الحرارة خلال الأربعمائة والعشرين ألف سنة الماضية أن الأرض كانت أكثر برودة بكثير مما هي عليه الآن.

في غضون ذلك، وعلى أساس أن هناك احتمالًا معقولًا على الأقل أننا سنُضطر إلى مواجهة العصور الجليدية مرة أخرى في وقتٍ ما في المستقبل، دعونا نرَ كيف كانت الظروف في أعماق العصر الجليدي الأخير. حين بدأت درجات الحرارة في الانخفاض منذ نحو ١٢٠ ألف سنة، أخذت تزداد كمية مياه الكوكب المحتجزة في الأنهار الجليدية الجبلية، والجليد البحري القطبي، والصفائح الجليدية القارية الممتدة في نصف الكرة الشمالي، وكانت النتيجة بدء انخفاض مستوى سطح البحر انخفاضًا كبيرًا. اندفع الجليد جنوبًا نحو خط الاستواء أربع مرات على الأقل خلال تلك الفترة، إلى أن وصلنا إلى ذروة الغطاء الجليدي قبل ١٥–٢٠ ألف عام.

في هذا الوقت كان مستوى سطح البحر أقل من مستواه الآن بمقدار نحو ١٢٠ مترًا، وهو ما يعادل ارتفاع مبنًى يتألف من أربعين طابقًا، فكشف عن جسور برية جديدة بين القارات، وسهَّل الهجرة للحيوانات ولأسلافنا الأوائل. تكوَّن أحد تلك الجسور البرية عبر مضيق بيرينج؛ ما سمح للبشر من سكان آسيا بالعبور إلى أمريكا الشمالية، ومن هناك استعمروا العالم الجديد في نهاية المطاف. ولو عدنا إلى الوراء ٦٠٠ جيل فقط، لوجدنا أن شمال كوكبنا كان واقعًا في قبضة جليدية فولاذية متكاملة؛ إذ كان ثلث اليابسة مغطًّى بالجليد، و٥ بالمائة من محيطات العالم متجمدة. فإذا قارنَّا بين البيئة في ذروة العصر الجليدي وبين بيئة اليوم، لوجدنا أن الأولى كانت بيئة شديدة العدائية؛ إذ كان متوسط درجات الحرارة يقل ٤ درجات مئوية عما هو عليه اليوم، لكنه كان أقل بكثير في مناطق خطوط العرض العليا في الشمال.

fig10
شكل ٣-٢: تتحكم دورات ميلانكوفيتش في توقيت العصور الجليدية؛ التغيرات في شكل مدار الأرض حول الشمس (أعلى الشكل)، والتغيرات في ميل محور الأرض (منتصف الشكل)، وبداريَّة محور الأرض (أدنى الشكل).1

في المملكة المتحدة انخفضت درجات الحرارة بنسبة تتراوح بين ١٥ و٢٠ درجة مئوية، فتحولت البلاد إلى قفار مجمدة مع وجود ألواح كبيرة من الجليد تمتد لتصل جنوبًا حتى نهر التيمز، بل وأبعد. ومع ذلك سادت ظروف أشد قسوة في أمريكا الشمالية؛ حيث كانت درجة الحرارة في مناطق شاسعة أقل بمقدار ٢٥ درجة مئوية مما هي عليه اليوم، وكانت سماكة حقول الثلج تبلغ عدة كيلومترات؛ مما جعل الحياة شبه مستحيلة. ومع ذلك، فإن من اللافت للنظر أنه حين بدا كما لو أن العالم يعود مرة أخرى إلى حالة كرة الثلج التي مر بها خلال الفترة الكريوجينية، حدث تغيُّر مفاجئ؛ فقد بدأت درجة الحرارة في كوكب الأرض ترتفع بسرعةٍ مذيبةً الطبقات الجليدية الضخمة بمعدل أسرع بكثير مما استغرق تشكُّلها. انصب الماء الناتج عن ذلك الذوبان في بحيرات عملاقة تقع على حواف حقول الجليد التي أُفرغت بدورها في المحيطات؛ فارتفع مستوى سطح البحر، وغُمرت بالماء أجزاء من الأرض كانت جزءًا من اليابسة على مر بضعة آلاف من السنين. قبل ١٢ ألف سنة مضت كان مستوى سطح البحر يرتفع بسرعة أكبر بكثير من أكثر التوقعات تشاؤمًا في القرن المقبل، ربما بنسبة تصل إلى ١٠ أمتار أو نحو ذلك خلال بضعة قرون، وطوال الوقت كان المناخ يزداد دفئًا. كان انتقال كوكب الأرض من أعماق العصر الجليدي إلى نعيم العصر بين الجليدي الحالي انتقالًا شاقًّا نوعًا ما، وحاول الجليد أكثر من مرة أن يعود ليتصدر المشهد مرة أخرى. على سبيل المثال، منذ نحو ١٢٨٠٠ سنة توقف التراجع السريع للجليد بسبب موجة من الصقيع، فبدأت فترة جليد امتدت ألف سنة، وتلك الفترة تُعرف باسم «درياس الأصغر» تمييزًا لها عن مرحلة البرد القارس «درياس الأكبر» التي سبقتها حدوثًا وكانت أقل شدة. لا أحد يعلم على وجه اليقين سبب تلك الموجة الباردة المفاجئة، لكن يرى البعض أن سببها تفريغٌ ضخم للمياه العذبة وقع في إحدى بحيرات الأزمنة الغابرة، وتُسَمَّى بحيرة أجاسيز، وقد كانت إحدى البحيرات العملاقة التي ضمت المياه المتراكمة الناتجة عن ذوبان الجليد في أمريكا الشمالية. ولعل الإفراغ الكارثي لهذه البحيرة في سانت لورانس، ومن هناك إلى شمال الأطلسي، قد عطل التيارات التي تحمل المياه الدافئة إلى المناطق القطبية، فسمح بذلك للمناخ في مناطق خطوط العرض العليا بأن يصير باردًا، فتشكل الجليد مرة أخرى. تعلِّمنا فترة «درياس الأصغر» وغيرها من حقب الصقيع التي تلت العصر الجليدي عددًا من الدروس المهمة التي يجدر بنا أن نتذكرها في الوقت الذي يمر عالمنا فيه بتغير مناخي كبير؛ أولًا: قد يحدث التحول من الدفء إلى الصقيع والعكس بشكل سريع للغاية قد يبلغ عقودًا. ثانيًا: قد تكون لاضطرابِ التيارات البحرية عواقبُ وخيمة وبعيدة المدى على تغير المناخ. وسنتناول طرفًا من الآثار المقلقة لذلك الاضطراب بمزيد من التفصيل لاحقًا في هذا الفصل.

تشارلز ديكنز، وأعياد الميلاد البيضاء، والعصر الجليدي الصغير

من المرجح أن من بلغ هذا الحد في قراءة الكتاب على دراية بالعصر الجليدي، ولكن ماذا عن العصر الجليدي الصغير؟ هذا هو المصطلح الذي يطلقه علماء المناخ على فترة صقيع استمرت من عام ١٤٥٠ على الأقل — وربما ١٢٠٠ — حتى ما بين عام ١٨٥٠ وبداية القرن العشرين. خلال تلك الفترة تقدمت الأنهار الجليدية بسرعة، واجتاحت قرى جبال الألب، في حين أعاق الجليد البحري في شمال المحيط الأطلسي كثيرًا صناعةَ صيد الأسماك في أيسلندا والدول الإسكندنافية. ويُقال إن سكان الإسكيمو خاضوا البحر جنوبًا حتى اسكتلندا، في حين انقطع مجتمع الفايكنج الذي كان مزدهرًا في جرينلاند عن العالم، فلم يسمع به أحد بعد ذلك.

كانت درجات الحرارة السنوية في إنجلترا أواخر القرن السابع عشر تقل تقريبًا درجة مئوية واحدة عما كانت عليه في الفترة بين عامَي ١٩٢٠ و١٩٦٠، فأدَّى ذلك إلى حلول فصول شتاء جليدية قاسية كانت خلالها تُعقد احتفالات «المهرجان المتجمد» بانتظام على نهر التيمز المتجمد، وكان تساقط الثلوج شائعًا. وربما يعكس العديد من أعمال تشارلز ديكنز تلك المرحلة المناخية الباردة؛ حيث نجد بها أوصافًا لفصول الشتاء الثلجية، وهي بالتأكيد تعزز بقوة توقعنا المستمر — بل وتمنينا — لقدوم «عيد ميلاد أبيض» على الطراز القديم.

فلا يزال السبب وراء حدوث العصر الجليدي الصغير موضوع جدال. ومع ذلك فمن الواضح أنه بما أن معظم موجة الصقيع قد حدثت قبل الثورة الصناعية، فليس هناك مجال لأن يكون للأنشطة البشرية دور فيها. ومع هذا، فمن الأهمية بمكان أن نفهم فترة العصر الجليدي الصغير في سياق الاحترار العالمي؛ لأننا لو لم نقدِّر التغيرات الطبيعية التي طرأت على كوكبنا مؤخرًا، فسيكون شبه مستحيل أن نكشف الآثار الناجمة عن الأنشطة البشرية. الواقع أن العصر الجليدي الصغير لم يكن الاستثناء الكبير الوحيد عن القاعدة المناخية — إذا كان هناك شيء من هذا القبيل — في العصور التاريخية. فقبل فترة الصقيع تلك مباشرة، كانت أوروبا — على الأقل — تشهد ما يُسَمَّى بالحقبة القروسطية الدافئة. وأثناء تلك الفترة من تحسُّن المناخ — بين عامَي ١٠٠٠ و١٣٠٠ ميلاديًّا — نمت زراعة العنب في شمال إنجلترا كما حدث مرة أخرى في مناخ اليوم الدافئ؛ بينما استطاع المستوطنون الإسكندنافيون في جرينلاند رعْي مواشيهم في المناطق التي كانت حتى وقت قريب مدفونة تحت الجليد. وقد تزامن خروج العالم من العصر الجليدي الصغير في نهاية القرن التاسع عشر مع تسارع وتيرة التصنيع على نطاق عالمي، فأسهم ذلك إسهامًا ليس بالهيِّن في تأييد الأقوال الحالية عن أسباب ظاهرة الاحترار المعاصرة.

وكما أشرنا في الفصل السابق، هناك اتفاق علمي كبير على أن ظاهرة الاحترار العالمي من صنع الإنسان، لكنَّ البعض لا يزال يؤكد أنها تُعزى بالكامل إلى سبب طبيعي، فَيرَوْن الاحترار الحالي في ضوء خروج الكوكب من العصر الجليدي الصغير ودخوله فترة أخرى دافئة مشابهة لفترة الحقبة القروسطية الدافئة. ومع أن الأدلة المتاحة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن السبب في الاحترار بشري وليس طبيعيًّا بحتًا، فما من شك في أن تأثير الأنشطة البشرية فُرِضَ فرضًا على تغير طبيعي أسفر في الماضي القريب عن تغير كبير في المناخ. لكن ما هو السبب؟ من أكثر الأسباب التي يشار إليها الشمس التي لا تزال انبعاثاتها تختلف عبر نطاقات زمنية تتراوح ما بين ١٠٠ إلى ١٠ آلاف سنة. على سبيل المثال، تتوافق أكثر مرحلتَي برودة في العصر الجليدي الصغير كثيرًا مع مرحلتَي انخفاض ملحوظ في النشاط الشمسي؛ وهما «حد سبورر الأدنى» عامَي ١٤٠٠ و١٥١٠، و«حد موندر الأدنى» بين عامَي ١٦٤٥ و١٧١٥ ميلاديًّا. خلال هاتين الفترتين لم تكن هناك أي بقع شمسية يمكن رؤيتها عمليًّا، وكان الشفق القطبي شبه معدوم؛ مما يشير إلى وجود انخفاض في معدل قصف الإشعاع الشمسي لكوكب الأرض. وبينما يقدِّر علماء الفيزياء الشمسية قطر الشمس خلال «حد موندر الأدنى» بأنه رُبع من واحد بالمائة مما هو عليه اليوم، فقد يكون هذا كافيًا لإحداث قدر كبير من البرودة. ومع ذلك ربما ساهمت عوامل أخرى، وهناك نظرية ظهرت مؤخرًا تشير إلى وجود نسب مرتفعة من النشاط البركاني المتفجر في ذلك الوقت — منها الثوران البركاني الكبير عام ١٨١٥ لبركان تامبورا في إندونيسيا — وهو ما أدَّى على الأقل دورًا ثانويًّا في البرودة التي شهدها العصر الجليدي الصغير. وكما سنناقش بمزيدٍ من التفصيل في الفصل التالي، فإن الانفجارات البركانية الكبيرة فعالة جدًّا في ضخ كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكبريت وغازات الكبريت الأخرى في طبقة الستراتوسفير، وهي طبقة الغلاف الجوي فوق ارتفاع ١٠ كيلومترات تقريبًا. هناك تختلط تلك الغازات ببخار الماء في الغلاف الجوي فتشكل رذاذًا خفيفًا من حمض الكبريتيك الذي يُخفِّض نسبة من الإشعاع الشمسي القادم إلى الأرض، ويؤدِّي إلى تبريد طبقة التروبوسفير (الطبقة الدنيا من الغلاف الجوي) وسطح الأرض.

fig11
شكل ٣-٣: خلال العصر الجليدي الصغير، كانت فصول الشتاء في الغالب باردة بما يكفي لإقامة معارض الجليد على ضفاف نهر التيمز.2

عصر جليدي بريطاني

كلما عرفنا المزيد عن تغير المناخ في الماضي، اتضح لنا أن تغيرات كبرى قد تحدث بسرعة مذهلة. والدليل على ذلك تلك العودة — التي ربما تقع في غضون بضعة عقود — من الظروف المتزايدة الاعتدال إلى البرد القارس الذي ميَّز فترة «درياس الأصغر» قبل ١٢٨٠٠ سنة؛ وكذلك الحال فيما يتعلق بالتحوُّل السريع من فترة الحقبة القروسطية الدافئة إلى العصر الجليدي الصغير. وما يثير القدر نفسه من القلق هو ميل المناخ للتقلب فجأةً من النقيض إلى النقيض عندما يقع تحت ضغط معين، كما هي الحال في الوقت الراهن بسبب ضغط الاحترار الذي يسببه الإنسان. وهذا يثير مرة أخرى السؤال الذي طرحته في بداية هذا الفصل: هل هناك أي طريقة يمكن من خلالها أن يسبب الاحترار العالمي الحالي العودة إلى الأحوال الجوية الأكثر برودة؟ قد يبدو هذا غير بَدَهِي، لكن هناك أدلة متزايدة على أنه قد يحدث أيضًا؛ على الأقل فيما يتعلق بالمملكة المتحدة، وشمال غرب أوروبا، وربما منطقة شمال الأطلسي بأكملها. السبب الوحيد الذي يمكِّن أشجار النخيل الاستوائية من الازدهار في غرب أيرلندا وجنوب غرب إنجلترا هو أن تيار الخليج يحمل الماء الدافئ شمالًا من منطقة البحر الكاريبي. ونتيجةً لذلك، فالمملكة المتحدة وأيرلندا أكثر دفئًا بكثير من غيرهما من البلاد التي تقع على خطوط عرض مشابهة في شرق كندا، والتي عليها أن تتأقلم مع الظروف شبه القطبية الشمالية. لكن ماذا سيحدث لو حُجبت إمدادات المياه الدافئة القادمة من الجنوب؟ من المحتمل جدًّا أن يصبح المناخ البريطاني — وربما الكثير من شمال غرب أوروبا — شديد البرودة، بل إن بعضهم قال إنه يمكن أن ينافس مناخ سفالبارد (سبيتسبيرجين سابقًا)، وهي الجزر الواقعة قبالة شرق جرينلاند التي يكتنفها الجليد حيث يعيش الدب القطبي. وفي دراسة أُجريت مؤخرًا، حاكى مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة ما يمكن أن يحدث إذا ما أُوقِفَ تيارُ الخليج. في العقد التالي، قد يبرد نصف الكرة الشمالي بأكمله، وسيكون لذلك أقوى الأثر على جميع أنحاء شمال الأطلسي. في المملكة المتحدة ستأتي سلسلة من فصول الشتاء القارس في غضون بضع سنوات من ذلك الإيقاف، وستهبط فيها درجات الحرارة إلى ١٠ درجات مئوية تحت الصفر وربما أكثر.

من بين طرق إضعاف تيار الخليج أو إيقافه إطلاق كميات هائلة من المياه العذبة الباردة في شمال المحيط الأطلسي، وهذا بالضبط ما تنبَّأت به عدد من النماذج المناخية المختلفة التي صُممت لإلقاء نظرة على تأثير ظاهرة الاحترار العالمي في هذا القرن وما بعده. وطبقًا لآخر التوقعات، فإن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار ٢-٣ درجات مئوية — وهو أمر يكاد يكون مؤكد الحدوث بحلول عام ٢١٠٠ إن لم يكن قبل ذلك بكثير — سوف يؤدي إلى وجود احتمال توقف تيار الخليج أو تباطُئه بنسبة ٤٥ بالمائة. وحينها، وخلال ما يزيد قليلًا على نصف قرن، قد تصبح البحار المحيطة بالمملكة المتحدة أكثر برودة بكثير؛ ومن ثَمَّ تتغير أنماط الطقس السائدة، لتسود تلك المنطقة ظروف جوية أشد برودة. وبينما تعاني بقية العالم من ارتفاع درجات الحرارة، من المتوقع أن تبدأ منطقة شمال الأطلسي في الانزلاق إلى فترة جليدية تفوق بكثير قسوة الصقيع خلال العصر الجليدي الصغير. وقد يكون هذا مجرد بداية. قد تنتشر الآثار غير المباشرة للتغيرات في دوران المحيطات في شمال المحيط الأطلسي؛ بحيث تطغى على الاحترار الحالي، وتعيد نصف الكرة الشمالي إلى عصر الجليد من جديد. إذنْ دعونا نُلقِ نظرة في الختام على احتمالات عودة العصر الجليدي والدور الذي قد يلعبه البشر في تلك العودة.

من النار إلى الثلج

لو نظرنا إلى الأمر من منظور دورات ميلانكوفيتش، لوجدنا أن كوكبنا مستعد بالفعل لنهاية الفترة بين الجليدية الحالية والعودة إلى ظروف العصر الجليدي الكامل. يعتقد البعض أنه ليس مطلوبًا سوى شرارة البدء؛ أعني صدمة مفاجئة للنظام تطيح بتوازن المناخ وتجعله يترنح ثم ينهار تمامًا ليصبح في حالة أقل احتمالًا. ليس مؤكدًا إن كان الاحترار العالمي قادرًا على أن يسبب صدمة من الحجم المناسب، لكن الأبحاث الجديدة تقودنا إلى قلق متزايد من أن احترار اليوم قد يصبح جليدًا غدًا. ومرة أخرى، يبدو أن المفتاح يكمن في نظام دوران المحيطات الخاص بشمال المحيط الأطلسي، الذي يبدو أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحولات التي جرت في الماضي من حلقات الدفء إلى حلقات الصقيع والعكس. إن تيار الخليج الذي يعرفه معظم الناس هو في الواقع جزء واحد فقط من نظام تيارات يُعرف بأسماء مختلفة، لعل أكثرها دلالة «التيارات التقلبية في المحيط الأطلسي». حين تتجه مياه تيار الخليج الدافئة المالحة شمالًا، فإنها تبرد؛ ومن ثَمَّ تصبح أكثر كثافة. ونتيجةً لذلك، في الوقت الذي تصل فيه إلى المحيط المتجمد الشمالي تكون قد غرقت لتشكِّل تيارًا باردًا في أعماق المحيط يتجه إلى الجنوب مرة أخرى للانضمام إلى نظام أوسع من التيارات البحرية المعروفة باسم الناقل العالمي.

يبدو الآن وكأن عملية التيارات التقلبية في المحيط الأطلسي تتعطل كثيرًا كلما أحكمت الظروف الباردة قبضتها على نصف الكرة الشمالي. خلال فترة «درياس الأصغر» — على سبيل المثال — يبدو أن حركة دوران المحيطات قد انخفضت كثيرًا؛ ومن ثَمَّ خفضت درجات الحرارة في الشمال الأوروبي بنسبة تصل إلى ١٠ درجات مئوية. وآخِر ما جُمع من دلائل حول درجات حرارة المحيطات والملوحة — والمستقاة من دراسات أُجريت على أصداف كائنات بحرية دقيقة تُعرف باسم المنخربات — يشير أيضًا إلى أن تيار الخليج كان أضعف بكثير في ذروة العصر الجليدي الأخير منذ نحو ٢٠ ألف سنة. وعلى ما يبدو كان تيار الخليج يتمتع بثُلثَي قوته الحالية؛ مما يشير إلى أن نظام دوران المحيطات بالكامل أُضعف نسبيًّا. والسؤال: هل كان لذلك الإضعاف دورٌ في حدوث العصر الجليدي الأخير، أم أنه كان مجرد نتيجة؟ لا أحد يعرف الجواب، لكنَّ هناك اعتقادًا عامًّا أن ضعف حركة دوران المحيطات يؤدِّي إلى وجود أحوال جوية أكثر برودة بكثير في نصف الكرة الشمالي، ويبدو أن مثل هذا الضعف يترافق مع تدفقات كبيرة من المياه الباردة إلى شمال المحيط الأطلسي. وبسبب ذوبان جليد البحر القطبي الشمالي والغطاء الجليدي في جرينلاند، فإن هذا هو ما يُتوقع حدوثه تمامًا في القرون القليلة القادمة.

خلال فترة «درياس الأصغر» قبل ١٢٨٠٠ سنة، أدَّى انطلاق كميات ضخمة من المياه من البحيرات الجليدية إلى إحداث موجة باردة لم تدُمْ طويلًا؛ إذ امتدت ألف سنة أو نحو ذلك. ومع ذلك، كانت الأرض حينها تمر بمرحلةٍ ما في نمط دورات ميلانكوفيتش حيث ترتفع درجات الحرارة. والآن نحن على أهبة الاستعداد للانتقال بين الفترة بين الجليدية الحالية والعصر الجليدي القادم، ومن دون آثار التلوث الناجمة عن الأنشطة البشرية يمكن توقُّع أن تكون درجات الحرارة في سبيلها إلى الانخفاض. من غير المعقول أن نعتبر على الأقل، حينها، أن تدفق المياه العذبة الباردة إلى المحيط المتجمد الشمالي قد لا يؤدي فقط إلى إيجاد فترة وجيزة من الصقيع في شمال غرب أوروبا، لكنه سيوجِد أيضًا عصرًا جليديًّا جديدًا يؤثِّر على نصف الكرة الشمالي بأكمله. ولعل الانتظار لن يطول بنا؛ ففي تسعينيات القرن العشرين، صمم صانعَا نماذج مناخية أمريكيان — هما رونالد ستوفر وأليكس هول — نموذجًا حاسوبيًّا شاملًا لنظام مناخ الأرض لما يقرب من عقد من الزمن لمعرفة ما تخبئه لنا الأقدار في الألفيات القليلة القادمة، واكتشفا أمرًا مثيرًا للقلق. تنبأ ذلك النموذج أنه في غضون نحو ٣٠٠٠ عام ستهب رياح غربية مكثفة على جرينلاند فتساعد على دفع كميات كبيرة من المياه العذبة من القطب الشمالي إلى شمال المحيط الأطلسي. وبسبب أن تلك المياه الشديدة البرودة ذات كثافة منخفضة، فإنها ستظل على السطح، فتبرِّد الهواء فوقها، فتوجِد نظامَ طقسٍ ذا ضغط منخفض من شأنه أن يعزز العواصف نحو الغرب من خلال إحدى آليات ردود الفعل الإيجابية. ومن المتوقَّع أن يكون أثر ذلك تبريد شمال الأطلسي بنسبة تصل إلى ثلاث درجات مئوية، وأيضًا إلى إضعاف الدورات التقلبية في المحيط الأطلسي؛ مما يتسبب في أحوال جوية أكثر برودة في شمال غرب أوروبا. ووفقًا لذلك النموذج، فإن السيناريو البارد لن يستمر إلا لمدة ٤٠ عامًا أو نحو ذلك، ولكن هذين العالِمَين أعربا عن قلقهما من أنه إذا عزز الاحترار العالمي ذوبان الجليد في جرينلاند على نطاق واسع، فإن هذه الإضافة من المياه الباردة قد تضخِّم موجة البرودة الإقليمية القصيرة الأمد لتصبح حقبة ثابتة واسعة النطاق من الجليد. ومما يثير المزيد من القلق أن أولى أمارات الصقيع القادم قد رُصدت بالفعل؛ إذ كشفت القياسات الحديثة عن أن تيارًا مهمًّا يجري جنوبًا بين اسكتلندا وجزر فارو قد تباطأ سيره بنحو ٢٠ بالمائة في السنوات الخمسين الماضية. فهل يكون هذا أول دليل على انهيار الدورات التقلبية في المحيط الأطلسي، والتدهور البطيء والثابت للمناخ نحو البرد القارس؟

من أفضل وسائل توضيح مدى سوء هذا التوقيت لإجراء التجارب على المناخ العالمي هي مقارنة سجل درجات الحرارة الخاص بهذه الفترة بين الجليدية بسجل درجات الحرارة في الماضي. ومن الأمور المهمة للغاية أن نلاحظ أن التوجه الطبيعي لدرجات الحرارة إلى هبوط بالفعل، وهذا الهبوط في واقع الأمر مستمر منذ عدة آلاف من السنين. في هذه اللحظة يبدو كما لو كان التوجه النزولي ينعكس ليصير صعوديًّا بسبب الاحترار الذي يسببه الإنسان، وأنه بدون انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم ستقل درجة حرارة العالم بمقدار ٣ درجات مئوية خلال ٨٠٠٠ سنة — سيكون العالم حينها قد قطع شوطًا كبيرًا نحو عصر الجليد القادم. ومع تفادي البرودة في الوقت الحالي بفعل تأثير الاحترار العالمي على الدورات التقلبية في المحيط الأطلسي، فربما يعجِّل هذا التأثير في نهاية المطاف من قدوم العصر الجليدي القادم.

fig12
شكل ٣-٤: تشير المقارنة بين درجات الحرارة في الفترة بين الجليدية الحالية والسابقة إلى أننا بالفعل قد قطعنا شوطًا كبيرًا في طريقنا نحو العصر الجليدي القادم.

آمل الآن أن أكون قد نجحت في إقناعك عزيزي القارئ أنه بإمكان ظاهرة الاحترار العالمي الحالية إطلاق شرارة الدخول في أحوال جوية أكثر برودة، وأن هذا قد يكون نتيجةً لانبعاث مستمر للغازات الدفيئة. ماذا سيحدث لو عاد العالم إلى رشده، وخفَّضنا كثيرًا كمية ثاني أكسيد الكربون والغازات الأخرى التي نضخها إلى الغلاف الجوي؟ حسنًا، لقد استعرضنا الرسوم البيانية وعرفنا أن الجليد آتٍ لا محالة. كل ما في يدنا هو أن نحدد إن كنا نريد الدخول في العصر الجليدي مباشرة أم نعاني من القيظ أولًا. وأيًّا كان خيارنا فلا أحد ينكر أن حياة الأجيال القادمة سوف تزداد صعوبة لو عاد الجليد مرة أخرى. أما الحياة في أوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا ووسط آسيا وشرقها فستكون مستحيلة تمامًا، وهو ما يهدد الهجرات الجماعية المتجهة جنوبًا، التي سترافقها بلا شك حروب دامية بخصوص أماكن المعيشة ومواردها. مناخ الأرض خلال العصر الجليدي لا يناسب عدد سكانها البالغ مجموعه من ٨ إلى ١٠ مليارات نسمة، أو ما يقرب من ذلك، ومن المؤكد أنه ستكون هناك مجاعة واسعة النطاق إلى جانب حروب أهلية؛ مما سيؤدي إلى هلاك الجنس البشري. ما من شك في أن الجنس البشري سوف ينجو من ذلك، كما فعل حين تحرك الجليد في آخر مرة تاركًا معاقله القطبية، لكن من المرجح أنه لن يعدوَ كونه صورة باهتة عما كان عليه في السابق.

حقائق مثيرة للقلق

  • منذ ما يتراوح بين ٨٠٠ و٦٠٠ مليون سنة مضت، كانت الأرض كرة ثلج مجمدة مغطاة بطبقة من الجليد سُمكها ١ كيلومتر أو أكثر.

  • لا يفصل بيننا وبين نهاية العصر الجليدي الأخير سوى ٦٠٠ جيل بشري.

  • في ذروة العصر الجليدي الأخير، كانت درجات الحرارة في المملكة المتحدة أقل بمقدار ١٥–٢٠ درجة مئوية مما هي عليه الآن، وأقل بمقدار ٢٥ درجة مئوية في قطاع كبير من أمريكا الشمالية.

  • ارتفعت مستويات سطح البحر أكثر من ١٢٠ مترًا منذ بدأ انحسار الجليد منذ نحو ١٨٠٠٠ سنة.

  • من شأن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار ٢-٣ درجات مئوية فحسب — وهو ما يكاد يكون مؤكد الحدوث قبل حلول عام ٢١٠٠ — أن يتسبب في احتمال توقف تيار الخليج أو تباطُئه كثيرًا، وذلك بنسبة ٤٥ بالمائة.

  • هناك تيار في المحيط الأطلسي يتدفق بين اسكتلندا وجزر فارو قد ضعف بنسبة ٢٠ بالمائة عما كانت عليه الحال خلال السنوات الخمسين الماضية.

  • دون انبعاثات الغازات الدفيئة، قد تقل درجات حرارة العالم بمقدار ٣ درجات مئوية في غضون ٨٠٠٠ سنة.

هوامش

(1) Israel Antiquities Authority.
(2) © Museum of London.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١