ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل أمين بك الملواني

من وجهاء مديرية الغربية

كلمة للمؤرخ

من أفراد الأمة الذين امتازوا وتفردوا بالنبوغ الفطري في الشؤون الزراعية، وخبروا شتات أمورها بأنفسهم، وذاقوا حلاوة مجهوداتهم هذا الشهم النابغ صاحب هذه الترجمة الذي ابتعد عن الأوطان ردحًا من الزمن؛ طلبًا لزيادة علومه الزراعية وعاد لبلاده حاصلًا من المعلومات القيمة على ما يفيد مواطنيه الكرام، وقد شهد له عارفوه بالكفاءة التامة والمقدرة وسعة الإطلاع.
figure
حضرة صاحب العزة السري الجليل أمين بك الملواني.

مولده ونشأته

ولد في ٢٥ أكتوبر سنة ١٨٨٤ بناحية ميت حبيش القبلية مركز طنطا عربية، وهو من بيت المجد الأثيل والأصل النبيل سهر أبوه على تربيته التربية المنزلية السامية، التي تعتبر النواة والبذرة الصالحة التي تنبت خير نبات، وتأتي بأحسن الثمرات ولما أتم تلك التربية وبدت عليه سيماء الذكاء التحق بمدرسة طنطا الأميرية، فكان مثال الجد والاجتهاد وظهر عليه الاهتمام بالدرس، والتفوق على الأقران، ثم انتقل إلى مدرسة الناصرية فكان موضع إعجاب معلميه وأقرانه، حتى إنه كان لا يمر يوم إلا وينال من ثناء معلميه، وتشجيعهم إياه ما يجعل الأذكياء يقتدون به حبًّا في التشبه؛ ليكون لهم من الحظ في الثناء بعض ما يناله يوميًّا، ثم انتقل إلى مدرسة رأس التين فكان ذلك الطالب المجد والتلميذ المثابر على العلم حتى التحق بكلية أكفيلد الزراعية بإنجلترا، فضرب المثل الأعلى في بلاد الغرب على نبوغ الشرقي، ورفع رأس مصر عاليًا بين الشعوب الراقية وعاد إلى الوطن ليفرغ قصارى جهده، ويقدم بعض خدماته له فاختار لنفسه طريق الزراعة؛ لأنه الطريق الموصل إلى نمو ثروة البلاد؛ لعلمه أن الزراعة ينبوع حياتها ومحط ثروتها، فباشر أعمال مزارعه الخصوصية الواسعة بجهة بلدة ميت حبيش الشهيرة بالملوانية، وبجهة دسوق من أعمال مديرية الغربية وسهر على تنظيم تلك المزارع الواسعة، وإنماء ثروتها حتى أصبح يضرب بجودة محصولها المثل، وكان لا يألوا جهدًا في جمع العمال وبذل النصائح الغالية لهم وإرشادهم إلى ما يعود بالفوائد الجمة على الزراعة، وبفضل حزمه وسديد رأيه، وبعد نظره ويقظته كانت تلك النتيجة الباهرة التي أدهشت الأخصائيين في الزراعة، وكثيرًا ما تحدث مع إخوانه المزارعين بالطرق الموصلة لإنجاح مزارعهم، فأنعم بتلك النفس العالية وبمحبة النفع للمجموع كما يحبه لنفسه.

وهناك على بعد أربعة كيلو مترات شرق مدينة طنطا توجد بلدة ميت حبيش، حيث يرى الناظر قصرًا فخمًا ذا بابين أحدهما غربي أمام الترعة الجعفرية وبه حديقة غناء، وروضة فيحاء، حوت من الأزهار والثمار ما يجلو النواظر ويسر الخاطر ويبعث السرور إلى فؤاد الناظر — هناك يرى أعاجيب القدرة العلمية والخبرة الفنية في وضع الرسوم الزراعية بطريقة هندسية، وتأخذه الدهشة من عظم السرور لما حوته تلك الحديقة البديعة من حسن التنسيق، ويتوهم الجالس في وسطها أنه في جنة الخلد التي وعد بها الله العاملين المخلصين — وفي وسط تلك الحديقة يجد الناظر سلاملكًا من أفخم المباني وأحدثها طرازًا، ويجد الصالونات البديعة المفروشة بأفخر الرياش وأغلى الأثاث، وفيها معدات الراحة التامة للوافدين من الضيوف والزوار.

ويرى الناظر أمام الباب البحري لذاك القصر الفخم حديقة أخرى غاية في الأهمية، وجمال التنسيق وحسن الوضع الذي يتم عن سلامة الذوق، وبراعة ناسقها مما لا يقل عن سابقتها.

ذلك هو القصر المعد لزوار تلك العائلة العريقة في الحسب والنسب والجاه العريض، ألا وهي عائلة الملواني رفيعة العماد وكذا يقصده زوار حضرة صاحب العزة شقيقه الأمثل إسماعيل بك الملواني، وهو عمدة الناحية فإذا لم يجدوه يقصدون قصر صاحب هذه الترجمة، حيث يقابلهم بما يليق من أنواع التجلة والإكرام والجود الحاتمي، فيجدون الأصل مجتمعًا والفرع مرتبطًا يضمها مكان واحد، ويظلها شرف العائلة التي ترسل ظلها فيستظل به الحادي والبادي.

وكما أن الضيوف تنزل حي الملواني على الرحب والسعة، وكما أنها لا تشعر في أيام إقامتها إلا بكل راحة وهناء، حتى إذا ما أزمعت على الرحيل وجدت تلك الركايب من جياد مطهمة وعربات مجهزة، وكل ما يضمن لها الراحة أثناء انتقالها حتى لا يتأثر من وعثاء السفر ومشقة الانتقال.

ومما هو جدير بالذكر ومن باب التدليل على تلك النفس العالية، التي تجمل بها حضرة صاحب العزة أمين بك الملواني الشهم الجليل صاحب هذه الترجمة أنه نظرًا لسداد رأيه، وعظيم كفاءته، وجليل صفاته، قد رشحه أهالي دائرته ليمثلهم بمجلس النواب ونظرًا لظروف سياسية واشتغاله هو شخصيًّا بأشغال مزارعه الكثيرة، وتفرغه لخدمة مصر العزيزة من طريق الزراعة، فقد فاز عليه مزاحمه السياسي في الانتخابات، فلم يتكدر لذلك، بل كان يقيم للناس جميعًا الدليل القاطع والبرهان الساطع بالعمل على أنه ممن يؤثرون على أنفسهم العمل إلى ما فيه خير بلاده، وإسعاد مواطنيه وهو خارج عن دائرة مجلس النواب أكثر مما لو كان فيه.

صفاته وأخلاقه

جواد، كريم، دمث الأخلاق، يحب الخير حبًّا في عمل الخير لا ابتغاء جزاء ولا شكر، كثير الخدمات للإنسانية، رءوف بالضعيف المسكين، كثير الشفقة والعطف، يفضل تضحية النفس في سبيل المصلحة العامة، أبقاه الله للوطن معينًا وللإنسانية نصيرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤