ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الجليل والسري الكبير نصيف بك حنا ويصا

مقدمة للمؤرخ

ليس لنا أن ندلي بآيات المدح والثناء، وتوجيه عبارات الفخر والإعجاب، على ما لهذا الشهم الجليل من الأثر الخالد والعمل المبرور في كل أدوار حياته بأكثر مما يعلمه المصريين قاطبة من كفاءته الشخصية، وأدبه الجم، وعلمه الغزير، ومشروعاته الخيرية العديدة، وحسناته المتوالية لدور العلوم، والمستشفيات، وتبرعاته التي لا حد لها لكل عمل مفيد لبلاده، وإذا نحن أخذنا في تعداد هذه الأعمال الخالدة لاحتجنا إلى مجلد ضخم نضم بين دفتيه الشيء الكثير عن هذا السري الجليل من جلائل الأعمال، والأثر المحمود ابتغاء مرضاة الله لا حبًّا في الفخفخة والظهور فهو غني بماله، وجيه بسمو مركزه في الهيئة الاجتماعية، ولقد أدرك عزته أن الأعمال الصالحة عند الله تعالى خير طريق للوصول إلى السعادة في الدارين، فحذا حذوا العاملين بإخلاص واقتدى بأولي الفضل والنبل، فاستحق رضى الرحمن وحب واحترام جميع مخلوقاته — وفي هذا فليتنافس المتنافسون وليعمل العاملون.
figure
حضرة صاحب العزة الشهم الجليل والسري الكبير نصيف بك حنا ويصا كبير وجهاء بندر أسيوط.

مولده ونشأته

هو نصيف بك حنا ويصا، ولد ببندر أسيوط عام ١٨٧٧م من أبوين كريمين، يشهد بسمو مكانتهما ما لتلك الأسرة العريقة من النبل، وبعد الصيت وحسبه فخرًا أن يقال من أسرة ويصا وكفى، وكلنا نعلم ما لتلك الأسرة من المقام الجليل، والاهتمام العظيم بشؤون تربية أبنائها وخدماتها العظيمة للمصلحة العامة.

اهتم والده بتربيته التربية المنزلية الحقة، فكانت مخايل النبل والذكاء تبدو على محياه من عهد الطفولة، فلما ترعرع التحق بكلية الآباء اليسوعيين، فسار في طريق التعليم فيها بخطوات واسعة، وهمة عالية، وذكاء نادر، أدهش معلميه وأقرانه ثم انتقل إلى مدرسة الفرير بالإسكندرية فتضاعفت جهوده في دروسه، ورأى فيها خير غذاء لروحه السامية ونفسه العالية فكان مثال الجدارة بكل احترام، ثم انتقل إلى كلية الأمريكان ببيروت فكان خير مثال للنبوغ المصري في تلك الكلية، وبما أن والده وعمه قد أسسا معملًا لتكرير السكر بناحية بني قره، وأحضرا له من المهندسين الفرنسيين أبرعهم، فقد عهد إليه بإدارة المعمل العظيم فأظهر من المقدرة ما كان موضع إعجاب الأجانب قبل المصريين، فكنت لا ترى إلا النظام المحكم والأعمال السائرة بكل دقة ونشاط، والرقي المحسوس في اضطراد والنمو في الثروة يبدو ويتقدم يومًا عن يوم، ولما شرع والده وعمه في مد سكة حديد الفيوم الضيقة رأيا أن يجعلاه أحد مديري هذه الشركة العاملين حتى لا تحرم من سديد آرائه، وحكمته، وهمته، فيضمن نجاحها وفلاحها.

وقد أخذ أيضًا في إصلاح طرق الزراعة في مزروعاته الواسعة، فادخل عليها الطرق المستحدثة لا سيما في تحسين زراعة القطن الذي تتوقف عليه ثروة مصر، فأمكنه أن يقدم لوطنه أجل الخدمات التي يخلدها له التاريخ بمداد الفخر، ناهيك بما أتاه من ضروب الإصلاح في أبعاديته الكائنة بناحية صنبو مركز ديروط، وما اقتصرت همته على ذلك فحسب، بل اهتم أيضًا بخدمة وطنه من طريق العلم فرقي بالكلية التي أسستها أسرته الكريمة ببندر أسيوط حتى أصبحت بفضل إشرافه عليها تضارع كليات المدن الأوربية من حيث النظام، وغزارة مواد التدريس، وكفاءة الأساتذة.

هذا وقد تبرع ببذل الأموال الطائلة لمساعدة الجمعية الخيرية القبطية بمصر وأسيوط، وقد لا تجد عملًا من الأعمال إلا وتراه أول القائمين به، ومن مميزاته الأخلاقية أن يعمل الإحسان حبًّا في الإحسان لا يبتغي من ورائه جزاءً ولا شكورًا، وإنما يرى نفسه ترتاح للقيام بالواجب المقدس المفروض عليها نحو الوطن.

ونحن هنا لا يمكننا أن نوفيه حق الشكر والثناء، بل كل ما في طوقنا أن نضرع إلى الحق تعالى أن يمن عليه من الخلف الصالح بما تقر به عينه إنه سميع مجيب.

صفاته

دمث الأخلاق، رقيق الشعور، يهتم بأمر البؤساء والمساكين، كأنه لم يخلق إلا لتلطيف بلواهم، مقدام في فعل الخير، يبذل عن سعة فيما يعود بالمصلحة العامة على البلاد والعباد.

أدامه الله كنزًا لمصر ولا أحرمها من جليل خدماته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤