ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل حامد باشا الشواربي

كبير أعيان بندر قليوب وعضو مجلس النواب المنحل عن دائرتها

مقدمة للمؤرخ

إن الأمة التي تنجب أمثال سعادة حامد باشا الشواربي صاحب هذه الترجمة لجدير بأن تكون في مصاف أرقى الأمم وأسعد الشعوب حظًّا، وإن مصر التي أنجبته لفخورة بهذا الابن البار الذي رفع هامتها بغزير علمه، وعظيم نزاهته، وعلو همته، وشهامته وسمو تربيته وجمال أخلاقه، ورفيع حسبه ونسبه، وإن التاريخ نفسه لمعجب بهذه الصفات الفريدة والمزايا الجليلة التي تحلى بها هذا الشهم، والتي قل وجودها بين كثيرين من فطاحل الغرب.
figure
حضرة صاحب السعادة السري الجليل حامد الشواربي باشا كبير وجهاء مديرية القليوبية.

وإلى القارئ الكريم نسرد تاريخًا بل صفحات بيضاء؛ ليكون في ذكرها خير مثال يحتذى لأبناء الأجيال المقبلة عسى يحذون حذوه، ويهتدون بهديه فيشرفون وطنهم ويعلون قدر أنفسهم والله الهادي إلى سواء السبيل.

مولده ونشأته

سطعت أنوار مولده الزاهر في ٣ مارس سنة ١٨٨٩ في قصر والده العامر بقليوب (مديرية القليوبية)، فانشرحت لمولده القلوب وابتسمت الوجوه وأقيمت الأفراح، وأخذ والده في تربيته في مهاد العز والمجد حتى بلغ سن التعليم فأدخله والده الجليل مدرسة قليوب الابتدائية، فكان مضرب المثل في الذكاء المفرط وحسن الاستقامة والإقبال على العلم، ومكث بها إلى أن فاز بشهادتها الابتدائية عام ١٨٩٨ ومن ثم أدخل مدرسة الآباء اليسوعيين بالقسم الثانوي، فساعده هذا الذكاء الفطري على إتقان اللغة الفرنسية والعلوم العربية والفلسفية والتاريخية ونال شهادتها عام ١٩٠٦، فطمحت نفسه العالية إلى المزيد وتطلب كئوس العلوم العالية فالتحق بمدرسة الحقوق الملكية، فنال منها قسطًا وافرًا ونصيبًا كبيرًا من التشريع والقانون، وباقي العلوم العالية ونال شهادة «ليسانس» عام ١٩١٠ بتفوق عظيم.

وظائفه الحكومية

رأى حضرة المترجم له أن يقوم بالواجب المفروض عليه لخدمة بلاده المصرية المحبوبة، التي أنجبته ويسعد مواطنيه بإظهار فضائله وغزير علمه، وعرف ولاة الأمور فيه طهارة الذمة وعلو الهمة، فعين سكرتيرًا بلجنة المراقبة القضائية عام ١٩١١م، فكان في هذا المنصب محط الإعجاب والإكبار من جميع رؤسائه الذين رأوا فيه الكفاءة والمقدرة؛ ثم انتخب ليكون سكرتيرًا لصاحب السعادة طيب الذكر المغفور له علي باشا أبو الفتوح وكيل وزارة المعارف العمومية سابقًا، فنال عطفه وميله الشديد إليه، ثم اختير سكرتيرًا لحضرة صاحب السعادة شكري باشا وكيل وزارة الحقانية في ذاك العهد؛ لما عهد فيه من الصدق والإخلاص والجد أو كما قال فيه الشاعر.

كملت شمائله فكان نموذجًا
للناشئين على الفضيلة والأدب

ولما كان صاحب الترجمة محبوبًا كثيرًا من المرحوم محمد باشا الشواربي كبير الأسرة الشواربية، وقد توسم فيه الرأي الصائب والفكر الثاقب فقد أوصى له بنظارة أوقافه الشاسعة يتولى إدارة شؤونها بنفسه، وذلك بعد أن تأكد لديه مقدرته وكفاءته وسعة مداركه وقوة عزيمته، فقام فيما عهد إليه أحسن قيام وسلك في ذلك السبيل القويم مما يرضي الله تعالى والناس أجمعين، ولم يغفل لحظة واحدة عن تنفيذ ما قد أوصى به المرحوم الواقف في وقفيته مما بعث السرور إليه في مرقده.

ولما كان المغفور له الباشا المتوفى رحمه الله قد أوصى بمرتبات تصرف لفقراء العائلة، فقد قام حضرة الوصي بإعطاء كل ذي حق حقه مما حبب إليه عموم أولئك الفقراء خاصة والعائلة عامة.

وقد تولى الوصاية على تربية وتهذيب حضرة عبد الحميد بك الشواربي نجل المرحوم الباشا المولود في يونيه سنة ١٩٠٦، حيث وجه إليه عناية خاصة لتثقيف مداركه بلباب العلوم والمعارف ليهيئ له مستقبلًا باهرًا ومركزًا لائقًا يليقان بشرف أسرته العظيمة الجاه.

وظائفه القضائية

وقد تعين حضرة المترجم له قاضيًا بالمحاكم الأهلية، فكان في كل أدواره فيها مضرب المثل في طهارة الذمة والتأني في النطق بالأحكام بعد التثبت من وقائع الدعاوى، وكان عادلًا فيها كما وقد شغل قبل ذلك مركزًا في النيابة العمومية، حيث كان وكيلًا لنيابة محكمة الزقازيق فكان والحق يقال مثال الموظف المجد النشط والعالم المقدام.

انتخابه عضوًا بمجلس النواب المصري

وقد انتخب حضرة صاحب الترجمة عضوًا بمجلس النواب المصري عن دائرة مركز قليوب بأغلبية ساحقة، ذلك بعد أن تأكدت هذه الدائرة من مقدرته العلمية وكفاءته الشخصية، وإنه جدير بهذه الثقة وقد كان بودنا أن يدوم هذا المجلس منعقدًا زمنًا طويلًا؛ لنرى وقفات هذا النائب الجليل ونسمع آراءه الصائبة واقتراحاته المفيدة، التي لا شك ستكون من ورائها فائدة عظمى لتلك الدائرة التي انتخب لها.

وقد لا تقف مجهودات هذا العامل المجد عند هذا الحد فحسب، بل إنه قدم نفسه ليسافر على نفقته الخاصة متجشمًا صعاب السفر؛ ليحضر مؤتمر بروكسل النيابي الاقتصادي، وليس بغريب على حضرة النائب إذا قام بهذا العمل وقدم هذه التضحية، فله في كل عمل يد بيضاء تذكر له بالتجلة والاحترام.

وقد حباه جلالة مولانا المليك المعظم حيث شمله بعطفه، فأنعم عليه في شهر سبتمبر سنة ١٩٢٥ برتبة الباشوية فجاء هذا الإنعام مؤيدًا لما لحضرة المنعم عليه من المنزلة العالية والمكانة السامية، وقد كان له رنة فرح وسرور لدى كل عارفي هذا الشهم المفضال.

صفاته وأخلاقه

أما أخلاق سعادة صاحب الترجمة وصفاته فحدث عنهما ولا حرج، إذ اشتهر بالوداعة ودماثة الأخلاق ولين العريكة والميل لعمل البر ومساعدة الفقراء يتألم لمصائب الناس معزيًا للبؤساء، يبذل الكثير من ماله الخاص إلى كل ما فيه رقي البلاد.

فجدير بمصر أن تفاخر بأمثاله، وتجاهر بفضله وعلمه أكثر الله من أمثاله بين أبناء الكنانة العاملين على رفع لواء مجدها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤