ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري المفضال إسكندر بك مسيحه

مقدمة للمؤرخ

جزى الله العاملين المخلصين لخير البلاد ونفع العباد خيرًا، وأثابهم على جلائل خدماتهم ومجهوداتهم الطيبة ثوابًا عظيمًا، فإن أولئك الذين يراعون حقوق المظلومين ويقضون على الظالمين بالعدل، ويضحون في سبيل تخفيف آلام البائسين والبائسات شطرًا عظيمًا من راحتهم لهم المقربون عند الله تعالى، وإننا نرى في تاريخ حضرة صاحب الترجمة مثلًا حيًّا لمن يريد التقرب نحو عزته الإلهية، فقد قدم لبلاده بوجه عام ولطائفته بوجه خاص خدمًا جليلة دلت على عدله ونزاهته، وسمو تربيته ومكانته الإدارية، مما أرضى الله والناس أجمع، واستوجب كل شكر وثناء مواطنيه الكرام، الذين عرفوا فيه الصفات الممتازة والخصال النبيلة، التي قل أن توجد في كثير من العظماء، فمن المميزات الخاصة التي امتاز بها حضرة صاحب العزة إسكندر بك مسيحه صاحب هذه الترجمة نبوغه في الشؤون المالية والإدارية مما أعجب كبار الممولين من مصريين وأجانب ومما دعا لانتخابه عضوًا لمجلس إدارة بنك مصر، ذاك البنك الذي مع حداثة تأسيسه وصل بفضل أعضائه ومؤسسيه إلى مصاف المصارف الكبرى، من حيث حسن الإدارة والكفاءة العلمية والعملية وثقة الشعب المصري برجاله العاملين المفكرين.
figure
حضرة صاحب العزة الإداري المفضال إسكندر بك مسيحه مدير إدارة بطريكخانة الأقباط الأرثوذكس والعضو بمجلس إدارة بنك مصر.

مولده ونشأته

هو نجل المرحوم مسيحه أفندي حنا من رؤساء إدارات وزارة المالية سابقًا. ولد صاحب الترجمة في ١٧ ذي القعدة سنة ١٢٨٠ﻫ، وتعهده والده بالتربية العالية، وفي ٢١ برمودة سنة ١٥٩١ قبطية انتظم في سلك الوظائف الحكومية بوزارة المالية، ثم عين بدائرة بلدية مصر في ١١ سبتمبر سنة ١٨٧٥ ميلادية، ثم أعيد لوزارة المالية للمرة الثانية في ١٦ أكتوبر سنة ١٨٨١م، ومكث بها حتى يوم ٣ ديسمبر سنة ١٩١٥ حيث قدم استقالته بعد أن اشتغل باستمرار مدة أربعة وثلاثين عامًا في وظائف عدة في تلك الوزارة كان ختامها رئيسًا لإدارة الخزينة العمومية، وكان محافظًا في كل أدوار حياته على استقالته بعد أن اشتغل باستمرار مدة أربعة وثلاثين عامًا في وظائف عدة في تلك الوزارة كان ختامها رئيسًا لإدارة الخزينة العمومية، وكان محافظًا في كل أدوار حياته على استقلاله وكرامته الشخصية، كما كان مثالًا للجد والنزاهة؛ ولذلك أنعم عليه بالرتبة الرابعة في ٢٣ ذي القعدة سنة ١٣٢٤ وبالرتبة الثالثة في ٤ جمادى الآخرة سنة ١٣٢٨ﻫ، وبنشان النيل من الطبقة الرابعة في ٢٩ جمادى الثاني سنة ١٣٣٤ﻫ.

وبما أن الديوان البطريريكي للأقباط الأرثوذكس كان قد وصل في ذاك الحين الى حالة سيئة، سواء من الوجهة المالية أو الإدارية فقد وقع اختيار المجلس الملي العام بموافقة غبطة البطريرك المعظم على صاحب هذه الترجمة؛ ليكون مديرًا عامًّا لإدارة هذا الديوان، وإصلاح ما اختل به من شؤونه، وفعلًا أصدر المجلس قرارًا بتاريخ ٢ نوفمبر سنة ١٩١٦، وقد وقع هذا الاختيار موقع السرور في قلوب الطائفة القبطية الأرثوذكسية نظرًا لما لعزته من المقدرة والكفاءة والخبرة التامة في مثل هاته الشؤون، ومع أن استقالته من الوظائف الحكومية كان أساسها الرغبة في الاستراحة من عناء الأعمال، إلا أن صاحب الترجمة لم ير مناصًّا من تلبية هذا الطلب والقيام بأعمال هذا المنصب رغمًا عما يستلزمه من المجهودات، وذلك حبًّا في الخير العام، وفي الواقع قد حقق الآمال التي كانت مرجوة من إسناد هذا المركز إليه، فإنه بفضل مجهوداته تحسنت حالة مالية البطريكخانة تحسنًا واضحًا، وانتظمت أعمالها الإدارية فانقطعت أسباب الشكوى التي كان يبديها على الدوام أصحاب الأعمال، وذلك بما أدخله من الأنظمة الحديثة على كل فروع أقلام الديوان؛ لذلك شكره المجلس الملي العام وغبطة البطريرك على هذه الخدمات الجليلة.

ولظروف حالت دون استمراره في المجهودات الإصلاحية، التي كان أخذ على عاتقه القيام بها قدم استقالته، فسعى المجلس لعدوله عن هذه الاستقالة غير أن صاحب الترجمة صمم عليها، فاضطر المجلس إلى قبولها، وأرسل إليه بتاريخ ١٨ نوفمبر سنة ١٩١٩ جواب شكر على ما قام به من الأعمال الجليلة.

بعد ذلك انتخبه المؤسسون لشركة مساهمة بنك مصر، التي صدر المرسوم السلطاني بتاريخ ٣ أبريل سنة ١٩٢٠ باعتمادها؛ ليكون عضوًا في مجلس إدارة هذا البنك الذي خطا خطوات واسعة في سبيل النجاح والنماء، وقد حدث بعد استقالة صاحب الترجمة من أعمال الديوان البطريريكي أن رأي المجلس المللي العام بموافقة غبطة البطريرك، أن الحالة ماسة إلى إعادته مديرًا لأعمال هذا الديوان للمرة الثانية، وقرر ذلك فعلًا بجلسة يوم ٢٠ نوفمبر سنة ١٩٢٠، فلم ير صاحب الترجمة تلقاء سعي حضرات أعضاء المجلس إلا أن يقبل هذا القرار رغبة منه في الخير لذاته، فاستأنف مجهوداته السابقة، وقرر المجلس في ١١ أبريل سنة ١٩٢١ أن يكون له حق الحضور في كل جمعية عمومية.

ثم تجدد انتخابه عضوًا بمجلس إدارة بنك مصر في الجمعية العمومية التي عقدت في ٢٩ مارس سنة ١٩٢٣.

وفي ٢٥ مايو سنة ١٩٢٣ انتخب عضوًا لمجلس الجمعية الخيرية العام للأقباط الأرثوذكس، وعندما تحولت شؤون نظر الحضانة والقوامه والأوصياء على المجلس الحسبي، عين حضرة صاحب الترجمة عضوًا معينًا من قبل ذلك المجلس للنظر في شؤون أبناء طائفته.

ثم إظهارًا للارتياح التام من الأعمال النافعة، التي قام بها صاحب الترجمة بالديوان البطريريكي رجا المجلس الملي العام بجلسة أول يناير سنة ١٩٢٣ غبطة البطريرك في مخابرة الحكومة، بالتماس الإنعام عليه برتبة البكوية من الدرجة الأولى مكافأة له، وتقديرًا لخدماته المتواصلة، فطلب غبطته من رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ ٧ مارس سنة ١٩٢٣ وبتاريخ ١٩ يناير سنة ١٩٢٤ العرض للاعتاب الملوكية بمنحه هذه الرتبة، وبناءً على المذكرة التي رفعها حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية بتاريخ ١٦ فبراير، سنة ١٩٢٤ لرئاسة مجلس الوزراء، تعطف حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول أدامه الله بمنح صاحب الترجمة رتبة البكوية من الدرجة الأولى، وتسلمت إليه البراءة الخاصة بها المؤرخة ٢٢ رجب سنة ١٣٤٢ﻫ، بعد أن حظي بشرف المثول لدى جلالة الملك، ونال من العطف الملوكي ما أطلق لسانه بالدعاء. وإليك صورة المذكرة المرفوعة من حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية بتاريخ ١٦ فبراير سنة ١٩٢٤:

لحضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء

طلب غبطة بطريرك الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة بكتابة دوسيه رقم ١٠–٢–١٩، بناء على طلب المجلس الملي العام الإنعام برتبة البكوية من الدرجة الأولى على حضرة إسكندر أفندي مسيحه؛ لأنه منذ أسندت إليه وظيفة مدير الديوان البطريريكي برهن على كفاءة ممتازة، حيث أدخل الترتيبات والأنظمة بفروع الإدارة، مما نشأ عنه حسن سير الأعمال وضبط الإجراءات وازدياد موارد الإيرادات، وفضلًا عن ذلك فإنه يؤدي عملًا خيريًّا بصفته عضوًا بالمجلس الملي العام للجمعية الخيرية القبطية الكبرى، وهو في الوقت نفسه أحد أعضاء مجلس إدارة بنك مصر. وقد رأينا نظرًا لهذه الخدمات التي يؤديها إجابة الطلب، فنرجو التفضل برفع أمر حضرته إلى الأعتاب الملكية بالتماس الإنعام عليه برتبة البكوية من الدرجة الأولى، مع الإحاطة بأن آخر إنعام عليه كان بالرتبة الثالثة في شهر يوليو سنة ١٩١٠، ونيشان النيل في أوائل سنة ١٩١٦ وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

١٦ فبراير سنة ١٩٢٤
وزير الداخلية
سعد زغلول
ختم

صفاته

رجل الذمة والشهامة والمروءة طيب الطباع حسن المعاشرة لطيف الأخلاق، وديع محسن يقدر التربية والتعليم فوق كل اعتبار، وأكبر برهان على ذلك تربيته لأولاده وتعليمهم التعليم الراقي، ولا غرابة فهو والد حضرتي الدكتور نجيب إسكندر والأستاذ راغب إسكندر المحامي، العضوين بمجلس النواب، الأول عن مدينة مصر «دائرة شبرا»، والثاني عن دائرة النعناعية من أعمال مديرية المنوفية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤