ترجمة حضرة صاحب العزة السري إبراهيم بك بهجت

كلمة للمؤرخ

من سراة مصر وأغنيائها الذين امتازوا وتفوقوا في الشؤون الزراعية، ودرسوا معدن الأراضي بأنفسهم وخصصوا مجمل حياتهم في سبيل فائدة أنفسهم ومواطنيهم فاستفادوا وأفادوا، وخلدوا لهم تاريخًا مجيدًا في هذا العصر حضرة صاحب العزة السري المعروف إبراهيم بك بهجت، الذي خدم بلاده أجل خدمة تسطر له بقلم الإعجاب والشكر والثناء، فحبذا لو اقتدى سراة الأمة به وسلكوا سبيله وصرفوا مجهوداتهم وثمين وقتهم فيما يعود بالخير العميم على ذواتهم وذويهم، وبلادهم أولى من تسرب أموالهم فيما يضر، وفي ذكر تاريخ هذا السري الجليل فليتنافس المتنافسون.
figure
حضرة صاحب العزة السري إبراهيم بك بهجت عضو مجلس النواب عن دائرة قلين غربية في الدور الأول المنحل.

مولده ونشأته

هو إبراهيم بهجت بك ابن المرحوم محمد أفندي بهجت بن عبد الله أفندي، سطعت أنوار مولده بمصر يوم ٢٩ مايو سنة ١٨٦٣، ولما ترعرع أحضر له المرحوم والده المعلمين الذين لقنوه من العلوم والمعارف ما جعله يعد رجلًا من خيرة الرجال، وقد بث فيه المرحوم والده من روحه الوطنية الصحيحة ما جعله يجود بنفسه في سبيل مصلحة بلاده، ولما رأى أن ثروة البلاد تتوقف على الزراعة؛ لأنها حاجة البلاد وينبوع حياتها فضل أن يعمل لخير بلاده من هذا الطريق؛ حتى يؤدي لأمه مصر ما هو واجب عليه، وفعلًا له ما يجعل القلم عاجزًا عن أن يفيه حقه من الشكر على تلك الجهود العظيمة، التي ارتكزت على خير أساس وعمت فوائدها على الناس.

وفي سرد ما ناله من الميداليات الذهبية والفضية؛ تقديرًا لجهوده العظيمة وخدماته الجليلة في الشؤون الزراعية لمصر أكبر دليل على همته العالية ومواهبه السامية.
figure
صاحب العزة إبراهيم بك بهجت بملابسه الملكية.
فقد نال ثمان ميداليات دفعة واحدة في المعرض الذي أقيم تحت رئاسة المغفور له السلطان حسين كامل، وفي المعارض التي أقيمت بمصر عام ١٩٢٠و٩١٠ و٩٠٢ و٩٠٩ و٩١٢ كما حاز شهرة فاقت السهى، واتصلت بمسامع سمو الخديوي السابق عباس حلمي باشا الثاني، فزاره في منزله العامر بطنطا في أول مايو سنة ١٩١٤، فأقام له رب الدار زينة فخمة امتازت بجمال تنسيقها وبديع مسلاتها، وقد استقبل سموه فيها حضرات أشقائه إبراهيم بك بهجت وحسين أفندي بهجت وأحمد أفندي بهجت بالحفاوة والإجلال وجلس سموه على كرسي أثري من آثار الفراعنة مأخوذ رسمه من الأنتكخانة الخديوية، وألقى حضرة نجله الأديب المهذب محمد أفندي منير بهجت — الذي كان طالبًا وقتئذ بمدرسة طنطا الثانوية والحائز لدبلوم الزراعة العليا، وسافر إلى أميركا للحصول على الشهادات العالية، حيث اندمج في سلك كلية كليفورينا ونال شهادة الامتياز عام ١٩٢٣م في علم الزراعة، واستعد لتأدية امتحان لشهادة الدكتوراه الذي تم في مايو سنة ١٩٢٥م بفوزه ونجاحه — خطبة ترحيب جمعت من درر المعاني، ودقيق المباني ما أعجب سمو الخديوي، وقد نقلتها أمهات الصحف في حينها، وتنازل سموه فأخذ صورة من أربع ورقات من أصل محفوظ لتلك الآثار المدونة بمحفظة قديمة، فذكر هذه الجملة أن الروابط تزداد وتدوم إلى ما شاء الله، وقد تفضل أيضًا فقبل نجليه الصغيرين قبل مبارحة السراي العامرة، وقد يمنعنا ضيق المقام هنا من إثبات تلك الخطبة النفيسة، ولكن هذا لا يمنعنا أن نثبت صورة هذا النجل الذكي، الذي سيكون له في مستقبل الأيام حظّ وفير.
figure
حضرة الأديب محمد أفندي منير بهجت.

أما النجل الثاني لحضرة صاحب الترجمة ألا وهو حضرة الأديب محمد أفندي أنور، فقد أرسله والده إلى بلاد الإنجليز حيث التحق بكلية واي الزراعية، وبعد أن أحرز الشهادات العالية عاد إلى مصر لمباشرة زراعة حضرة والده الواسعة، وأما باقي حضرات أنجاله المهذبين فطلبة بالمدارس السعيدية بمصر.

وقد كان حضرة صاحب الترجمة عضوًا مؤسسًا في لجنة الملجأ العباسي، والمدرسة الثانوية والمستوصف بطنطا، وأمينًا لصندوق الملجأ، فكان خير قطب تدور حوله رحى الأعمال الخيرية، وكان ولا يزال عضوًا بالجمعية الخيرية الإسلامية من عشرين سنة، وعضوًا بالجمعية الزراعية الملكية، وعضوًا بمجلس حسبي مديرية الغربية، ومجلس حسبي مركز طنطا أكثر من خمسة عشر عامًا إلى الآن وهو أيضًا عضو بلجنة وفد لوزان بمصر، ولجنة الوفد الرئيسية بطنطا، وقد اشترك في عدة مشاريع خيرية، وفي جمع الاكتتابات لحريق ميت غمر وإعانة حرب البلقان وطرابلس وغير ذلك من الأعمال التي تجل عن الحصر، وتخلد في بطون التاريخ بالفخر والإعجاب.

ولا يفوتنا أن نذكر بأن أكبر شاهد يعترف بقيمة هذا الرجل العظيم ما ناله من كثرة الأصوات عند انتخابه عضوًا بمجلس النواب الأول المنحل، وفي ذلك لعمر الحق ما يشهد بما له من المكانة السامية في قلوب مواطنيه.

صفاته

كريم السجايا عالي الهمة سباق إلى عمل الخير، ذو نفس كبيرة تأبى عليه إذاعة ما تعمل يداه، يقابل ذوي الحاجات بلطف غريزي فيه لا يشوبه أي تصنع، يغيث الملهوف، محب لوطنه، كريم لضيوفه وقاصديه، مخفف بلوى البؤساء.

فلا أحرم الله الكنانة من خدماته الجليلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤