ترجمة صاحب الغبطة البابا المعظم الأنبا كيرلس الخامس بطريرك الأقباط الأرثوذكس

figure
غبطة البابا المعظم الأنبا كيرلس الخامس بابا وبطريرك الإسكندرية والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية وسائر الكرازة المرقسية.
علوت يا معدن الأفضال منزلة
تقى عفافًا كمالًا حكمة وحجى
تفوح منك صفات من نوافجها
نمسي كما نغتدي نستنشق الأرجا
يا سيدًا قد غدت تسمو فضائله
فخرًا وبحرًا طمى في علمه لججا
عن ذاتك اشتهر الفضل الجليل كما
عليك كل لسان بالثنا لهجا
فطرت تعشق ذات الله من صغر
فظلت بالبر تنمو راقيًا درجا
حتى بدوت بذا الكرسي منتصبًا
وفوق هامك تاج المجد قد رهجا
فيك الإله العلي قد من مفتقدًا
من فضله شعبه يحيي بك المهجا
أولاك مولاك أخلاقًا مطهرة
في كل أنحاء قطر طيبها نفجا
حويت علمًا بحسن الفعل مقترنًا
وفقت قدرًا باسمي اللطف ممتزجًا
وحزت بالطهر فضلًا كل مكرمة
لما سلكت سبيل النسك منتهجًا
بالحزم والعزم تشفي في الورى عللًا
كما تقوم في إنذارك العوجا
لا زلت ترتع في روض الهنا ولنا
بك الهناء غدا بالفخر مزدوجا
ودمت فينا بأوج الفضل مشتملًا
ثوب السرور مدى الأيام مبتهجا

مولده ونشأته

ولد هذا الحبر الجليل في بلدة تزمنت التابعة لمديرية بني سويف عام ١٨٣٢ ميلادية ١٨٢٤ مسيحية قبطية ١٥٤٨ش، ودعي باسم حنا، وعند بلوغه الخامسة من عمره هجر أبواه مسقط رأسيهما واستوطنا كفر سليمان الصعيدي من أعمال مركز مديرية الشرقية، ولما انتقل المرحوم والده إلى الدار الباقية تكفل شقيقه الأكبر المعلم بطرس بتعليمه وتهذيبه فكانت تلوح عليه مخائل النجابة، وآيات الزهد والطهارة، والميل إلى التعبد والدرس، وإنكار الذات.

ولما أن بلغ العشرين من عمره هجر منزل آله وتوجه إلى دير السريان بالجبل الغربي، فلم يلبث بضعة أيام حتى استرجعه أهله فعاد ولكن روحه تاقت إلى الرهبنة، ولم تكن دعوة الناس تغير دعوة الله، فلبث بين قومه زمانًا وجيزًا وهم يلاطفونه بكل الحيل، ويزينون له أطايب الحياة العالمية، ويعظمون له أنعاب الرهبنة، فأخذ يتربص الفرص حتى تمكن من الهروب، فذهب رأسًا وترهب في دير البرموس ببرية شهات، وهي أبعد دير بالجبل الغربي، وعمره إذ ذاك عشرون سنة.

وكان هذا الدير وقتئذ في أشد حالات الفقر إذ كانت أطيانه في أيدي الغير يستغلونها لأنفسهم، فكانت تمر على رهبانة أيام لا يسدون رمقهم إلا «بالترمس» الذي كان مدخرًا في الأديرة من عهد المرحوم إبراهيم الجوهري، فتناقص عددهم إلى أن وصل إلى ثلاثة أشخاص، فسلك صاحب الترجمة بأحسن ما يتصور النسك والزهد، فلما رأى فيه الرهبان ذلك أجمع رأيهم على ترقيته إلى درجة الكهنوت، فكتبوا له «التذكية» وأرسلوه إلى القاهرة، فكرسه الأب سرابمون العجائبي أسقف المنوفية قسًّا في كنيسة حارة الزويلة عام ١٨٥٣م، وبعد قليل اختاره الرهبان مديرًا لشؤونهم لعنايته التامة بهم، فتحسنت أحوالهم وأحوال الدير على يديه، وكثر عددهم وتفانوا مثله في الزهد والتعبد، وكان دائمًا يلقي عليهم المواعظ الروحية ويعلمهم ويفيدهم بما منحه من المعارف الدينية والأدبية.

وفي عام ١٨٥٥ ميلادية ١٨٦٣م ق، ١٥٧١ ش استدعاه المثلث الرحمة البطريريك دمتريوس ووسمه أغومانوسا وأقامه مساعدًا في الكنيسة الكاتدرائية بالأزبكية، فشق على الرهبان مفارقته للدير ولم يستطيعوا الصبر على بعده، فكتبوا إلى البطريريك متوسلين في إعادته لتدبير شؤونهم وألحوا في ذلك مرارًا، فلبى التماسهم وأعاده إلى محله فلبث قائمًا بأعباء وظيفته خير قيام حتى انتخبه المطارنة والأساقفة، وأعيان الطائفة القبطية بطريريكًا للكرازة المرقسية في يوم الأحد أول نوفمبر سنة ١٨٧٤ميلادية/٢٣ بابه سنة ١٥٩١ش باسم كيرلس الخامس في الاسم النبيل، وفي العدد الثاني عشر بعد المئة من خلفاء الرسول ماري مرقس الإنجيلي، وكرس باحتفال حافل حضرة عظماء القوم من جميع أنحاء القطر، يتقدمهم حضرات أصحاب السمو أمراء البيت الملكي وكبار الموظفين، ووكلاء الدول، وتواردت على غبطته التهاني من كافة أنحاء البلاد الأوربية.

إنشاء المجلس الملي العام

بعد وفاة المتنيح الأنبا ديمتريوس البطريرك السالف، تعين المتنيح الأنبا مرقس مطران الإسكندرية وكيلًا لإدارة الكرسي المرقسي رثما يرسم بطريرك آخر، ولما رأى أن أعمال الطائفة تستدعي أعمال مجلس يعاونه على شؤونها العديدة، فباتفاقه مع أعيان الشعب وقتئذ عملوا لائحة خاصة محتوية على إدارة المدارس والكنائس والأوقاف والأديرة والفقراء.

ولما رسم غبطة البطريرك الحالي ورأى أن هذه اللائحة مجحفة بالسلطة الدينية؛ لأن في نصوصها تداخل الشعب في محاكمة الأكليروس وإدارة أوقاف الرهبان وغير ذلك عز عليه هذا، ولكن رجال المجلس أرادوا الاستبداد بهذه السلطة، فنشأ عن هذا خلاف بين السلطة الأكليركية والسلطة الشعبية، ولقد ناضل غبطته طويلًا في هذا الحق المقدس، ولم يثنه عنه لا نفي ولا طرد إذ إنه نفي بدير البرموس في سنة ١٨٩٢، وعاد معززًا مكرمًا وعدلت اللائحة أخيرًا كغرضه؛ لأن الحق يعلو والباطل يزهق بتعديل سنة ١٩٠٨ وسنة ١٩١٢.

ونظرًا لاتساع أعمال الطائفة في جهات القطر عمل لهم مجالس فرعية بلائحة خاصة باختصاصها.

تشييده دور العلم والمعاهد الدينية

وأخذ بعد عودته من المنفى في تشييد وترميم الكنائس والأديرة، وأنشأ جملة قصور بها وزين الكاتدرائية الكبرى بأبدع النقوش وأجمل الصور الكنائسية.

وقد أنشأ عدة مدارس للبنين والبنات وله اليد الكبرى في إنشاء مدرسة الفنون والصنائع ببولاق، وكلية البنات، ومعظم نفقات هذه المشروعات النافعة المفيدة كانت من جيبه الخاص ويقال: إنها تزيد عن السبعين ألف جنيه وفضلًا عن ذلك فقد اشترى للبطريركية ما يزيد عن الخمسماية فدان من أجود الأطيان، واشترى أيضًا السراي الكائنة بمهمشة، وشاد جملة عمارات للاستغلال فنما بذلك إيراد البطريركية نموًّا كبيرًا إذ بلغ ستين ألف جنيه في السنة، بعد أن كان في أول عهده خمسة آلاف جنيه فقط.

وقد عمل على نشر العلوم الدينية، فبعد أن لم يكن يوجد في أول عهده إلا رجل واحد يقدر أن يرقى المنابر للوعظ والخطابة، وهو المتنيح الأيغومانس فيلوتاؤس أصبح الذين يقدرون على الوعظ والخطابة يعدون بالمئات، ووجدت في عهده عدة مجلات دينية بعضها للدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية، وبعضها لنشر العظات والمقالات الحاضة على الفضيلة وتجنب الرذيلة، وأيضًا مجلات علمية وجريدتان قبطيتان سياسيتين يوميتان هما جريدتا «مصر والوطن»، وفي عهده أيضًا أصلحت أديرة الرهبان بالجبلين الغربي والشرقي، وتعين لها الرؤساء والأساقفة فازداد عدد الرهبان، ووجد منهم كثيرون من المتعلمين؛ فلذا أمر غبطته فأنشئت لهم المدارس الأكليريكية لتثقيف عقولهم، فتأسست لهم المدارس، أولًا مدرسة بالإسكندرية يتعلم فيها عدد معلوم من رهبان الأديرة الأربعة بالجبل الغربي، ثم أنشئت أخرى بدير المحرق لتعليم الأذكياء من رهبان ديري الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، وهذه المدارس الثلاث أعظم واسطة لتخريج رجال منهم يليقون أن تسند إليهم الوظائف الرئيسية، وحبذا لو أنشئت مدارس أخرى في أنحاء القطر إذن لكانت الفائدة كبرى والنتيجة عظمى.

ولقد أنشأ غبطته بالدار البطريركية كتبخانة جمع فيها سائر الكتب القديمة المخطوطة، التي تحسب آثارًا للعصور الغابرة، وفي عهده ارتقت الطائفة في سلم مراتب الشرف إلى درجة تسر المحبين، ونمت ثروتها العمومية نموًّا كبيرًا، وفي عهده أيضًا تأسس المستشفى القبطي الكائن في أعظم بقعة صحية في شارع عباس بالقاهرة، وهو يعد من مستشفيات الدرجة الأولى من حيث ضخامة البناء وجودة الهواء، وتوفر الأدوات الطبية وانتقاء نطس الأطباء كما أوجد لهذا المستشفى صيدلية «أجزخانة كاملة» الأدوية خاصة به، وانتقى لها أمهر الصيدليين القانونيين وقد صرف على إنشائها مبالغ طائلة وبالإجمال نقول: إن عهد غبطته قد تبلج في أفقه الرقي والعرفان وسعادة الطائفة بلا شك ولا جدال.

الاحتفال الفخم باليوبيل الذهبي الخمسيني لغبطته

وقد احتفل الشعب المصري عامة والأقباط خاصة بيوبيل غبطته الخمسيني الذهبي أي: مرور خمسين عامًا على تبوئه كرسي البابوية، وذلك في يوم السبت الموافق ٣ فبراير سنة ١٩٢٣ / ٢٣ بابه سنة ١٦٤٠ق احتفالًا لم يسبق له مثيل، حيث أقيمت الزينات الفخمة وأنيرت الثريات والمصابيح البهجة داخل الدار البطريركية وخارجها، وألقيت الخطب والقصائد ووفد الكبراء والعظماء، وكل ذي حيثية ومقام يهنئون غبطته، ويتقبلون دعواته يعلوهم البشر والسرور، والبهجة والحبور، مكررين الدعاء بحفظ ذاته الكريمة فكان يقابلهم غبطته ببشاشته المعهودة مباركًا إياهم داعيًا لمصر وبنيها بالعز والرخاء، وقد وزعت الصدقات ونحرت الذبائح، ووزعت على الفقراء والمساكين، فانطلقت ألسنتهم بالدعاء للعزة الإلهية أن تطيل حياة هذا الراعي الصالح، والأب التقي الورع لخير أمته وسعادة طائفته التي نالت الرقي الحقيقي بفضل طهارته وصلاحه وتقواه، التي أصبحت أشهر من نار على علم.
figure
غبطة البابا بملابسه الكهنوتية الرسمية.

وفي صباح يوم الأحد ٤ من الشهر المذكور أقيم قداس حبري عظيم بالكنيسة المرقسية الكبرى حضره عموم عظماء وكبراء الطائفة.

هذا ولسمو مركزه الديني قد أهداه أكثر الملوك وسامات الشرف، خصوصًا سلاطين آل عثمان وسمو الخديوي السابق عباس باشا حلمي الثاني، أما جلالة الملك يوحنا ملك الحبشة فقد أهداه تاجًا مرصعًا بأنواع الجواهر الثمينة، وصليبًا مرصعًا بالياقوت والجواهر الغالية.

صفاته وأخلاقه

هو آية من آيات الطهر، والزهد، والورع، والتقوى، والصلاح، وعلى جانب عظيم من العلم، والفطنة، والذكاء، مع سلامة القلب، والتواضع الكلي.

فتجده مخلصًا كل الإخلاص لشعبه، غيورًا على مصلحته، محافظًا على الفروض الدينية لذا نراه محبوبًا محترمًا كثيرًا في نظر عموم الشعب المصري لا فرق بين مسلمه ومسيحه، والكل داعون لغبطته بدوام حياته السعيدة؛ ليقوم بأعباء خدمة شعبه بما أوتيه من علم وفضل وحنكة وطهارة، أنجح الله مسعاه وأبقاه راغدًا في ثوب العافية والهناء أيامًا طويلة وسنين عديدة.

آمين آمين لا نرضى بواحدة
حتى نبلغها آلاف آمين

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤