ترجمة سمو الرأي تفري ولي عهد المملكة الحبشية

لمناسبة زيارته للبلاد المصرية

زار مصر في صيف عام ١٩٢٤ حضرة صاحب السمو الرأس تفري ولي عهد الإمبراطورية الحبشية، وكان معه رءوس الحبشة وحاشية كبرى نزلوا جميعًا بفندق الكونتيننتال، وعقب حضوره تشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول بسراي عابدين العامرة، حيث أقلته إليه عربة التشريفات الكبرى مع الحرس الملكي، فأكرم جلالة الملك وفادته، وتفضل حفظه الله وأنعم عليه بالوشاح الأكبر وهو أكبر وشاح لدى الحكومة المصرية، ثم زار بعد ذلك قداسة الحبر الجليل غبطة بطريرك الأقباط الأرثوذكس، الذي أمر بعمل قداس خاص بداخل الكنيسة المرقسية الكبرى عند وصول سموه للديار المصرية، حضره صفوة الأعيان ووجهاء الأمة القبطية الأرثوذكسية، فكان الاحتفال بمقدمه بالغًا حد الأبهة والجلال.

ولما كانت مشكلة دير السلطان الذي للأقباط بالحبشة قائمة على قدم وساق في ذاك الوقت، حيث تريد الحبشة الاستيلاء عليه في حين أنه مملوك للأقباط رسميًّا منذ زمن مديد، فقد ألف وفد من أعيان الأقباط مؤلف من حضرة صاحب المعالي فوزي باشا المطيعي وزير الزراعة سابقًا، وسعادة قليني فهمي باشا، وجناب الأغومانوس بطرس عبد الملك رئيس الكنيسة المرقسية الكبرى للمفاوضة مع سموه في شأنه، وبعد مفاوضات عديدة أظهر فيها الوفد القبطي أحقيته لهذا الدير، طلب سمو الرأس تفري انعقاد الجمعية العمومية لقبط للبحث في هذا الصدد، وفعلًا تم انعقاد هذه الجمعية، وبعد عدة جلسات تم قرارها على إعطاء الأحباش جزءًا من هذا الدير للمرور منه، وذلك حسما لكل نزاع بين الفريقين المتحابين، وبذا انقضى هذا الإشكال وزال الجفاء الوقتي والحمد لله.
figure
سمو الرأس تفري ولي عهد المملكة الحبشية.

وقد غادر سمو الرأس تفري مصر إلى أوربا؛ ليقف بنفسه على الحضارة الأوربية ويفض المشاكل القائمة الآن بين بلاده وبعض دول أوربا.

وقد رأينا أن نأتي هنا بلمحة عن الحبشة وأهلها خدمة للتاريخ فنقول:

الحبشة وأهلها

الحبشة الآن هي جزء من إثيوبيا القديمة التي كان يعد السودان جزءًا منها، وآثار الأثيوبيين لا تزال توجد في السودان، وقد غزا بعض ملوكهم مصر وحكموها مدة كما غزوا أيضًا اليمن وحكموها مدة غير قليلة، فحضارة الأثيوبيين القديمة فيها مزيج من حضارة مصر وحضارة العرب القديمتين، واتصال الحبشة الحديثة بكلتا البلادين — مصر وجزيرة العرب — شديد فمعظم التجار في الحبشة من العرب، والكنيسة الحبشية هي فرع من الكنيسة القبطية، يعين البطريرك القبطي أسقفها الذي يمسح قسوسها وملوكها، ووزير معارفها شاب قبطي.

وسكان الحبشة يبلغون ثمانية ملايين والحكومة مطلقة فيها شيء شبيه بالشورى؛ لأن النجاشي يستشير مجلس الرءوس، وهؤلاء الرءوس أمراء مطلقون في إمارتهم، والرق منتشر عندهم، والبلاد جبلية، والزراعة تزكوا هناك لكثرة الأمطار، ولكن جهل السكان يمنع ترقيتها، فالقطن ينمو بريًّا ولا يزرعه أحد، وكذلك قصب السكر والنخل والكرم كلها تنمو في الجبال، ولا يزرعها إلا القليل من الأهالي، وأكبر مدن الحبشة هرر وعد سكانها ٥٠٠٠٠، وفي البلاد سكة حديد واحدة، وتصل أديس أبابا ببعض البلاد الداخلية خطوط تلفونية وتلغرافية.

وأعظم من عرف حديثًا من إمبراطورة الحبشة منليك، الذي توفي سنة ١٩١٣م ولم يكن له وارث، فتعين أحد أولاد إخوته المدعو ياسو «يسوع» إمبراطورًا، وكان هذا الشاب طائشًا فلما حدثت الحرب الكبرى انضم إلى الأتراك وأعلن أنه مسلم، وحاول أن يجعل الإسلام ديانة البلاد الرسمية، فهاج عليه الناس هياجًا كبيرًا وخلعوه في سنة ١٩١٦م، ثم عينت ابنة منليك إمبراطورة، وتعين الرأس تفري ولي عهد، أما ياسو هذا فأسير الآن عند الرأس تفري.

وقد كتب أحد الإنكليز الذين عاشوا في الحبشة مدة طويلة يذكر عاداتهم، ومما قاله: أنهم يأكلون في حفلاتهم الرسمية اللحم نيًّا، وليس فيهم من لا توجد الدودة الوحيدة في بطنه لهذا السبب، وهم يشربون نوعًا من النبيذ المصنوع من خمير العسل، وإذا جرع الإنسان منه جرعة طارت إلى الرأس وفعلت فعلها.

ومن علامات الشرف في أنحاء البلاد التي لا تصل إليها أيدي الحكومة أن يقتل الإنسان عددًا من الرجال، ومن يقتل أسدًا أو فيلًا عد من عظام الرجال، وأسد الحبشة ليس جريئًا، ولكن الفيل ذكي يعرف البندقية فيميز العدو من الولي.

ومناظر الطبيعة في الحبشة تختلف من صحاري قاحلة إلى جبال وسهول تغطيها الخضرة، وليس لأنهارها جسور فيضطر السائر إلى العبور سباحة، ويكون طول ذلك الوقت تحت رحمة التماسيح وأفراس النهر والعلق.

وشر ما في الحبشة ذبابها فهو يطير سحائب تغطي الأشخاص، وهو يكثر لتلك العادة الفاشية بين الأحباش في تطرية شعرهم بالدهن، وأمراض العيون فاشية لهذا السبب.

ومقام المرأة غاية في الضعة، فالزوج يشتريها من أهلها بعدد من الخراف أو الماشية يتفق وجمالها، وكثيرًا ما تقرن المرأة إلى بقرة تجران الاثنتان محراثًا، والزوج في الخلف يحمل سوطه يقعقع به وراءهما.

وكنائس الحبش تبنى من الطين والقش، وهي مستديرة والقداس يقوم به الكهنة في وسط الكنيسة والناس حولهم جلوس، ويأخذ الكهنة في الترتيل والرقص ودق الطبل ويتحركون في كل ذلك حركات توهم الناظر أنهم يطعنون ثعبان أو يقتلون وحشًا بحربة في أيديهم، ونحو خمس رجال الحبشة البالغين قسوس أو شمامسة، ومع ذلك قد تسربت إلى المسيحية هناك جملة عادات وثنية، بل بلغ من ضعف المسيحية أن كان تتغلب عليها اليهودية، ومن التقاليد المرعية الآن احترام يوم السبت كما يحترمون أيضًا يوم الأحد، وعندهم نحو ١٥٠ عيدًا في السنة، وهم إجمالًا يكرهون المرسلين الدينيين، ومن أقوال أحد أمبراطرتهم: «إن الأوربيين يرسلون إلينا أولًا مرسليهم ثم قناصلهم ثم جنودهم».

والحبشة كما يدل على ذلك اسمها مزيج من جملة شعوب أهمها شعوب الشمال، وهي تشبه في الملامح سكان شمال أفريقيا، وهم خفيفو السمرة ويتكلمون لغة سامية تسمى الأمهرية، ونساؤهم على شيء من الجمال، ويلي الأمهريين شعب آخر يدعى الجالا، وفي الحبشة عدد غير قليل من العرب المسلمين واليهود.

ومقام الرجل هناك يعرف من عدد أتباعه، فالأمير الكبير لا يركب فرسه أو بغلته إلا وهو متبوع بنحو مائة رجل من الخدم يحملون أسلحته وأمتعته، أما الموظف الصغير فيكفيه تابعان أو ثلاثة.

الحبش وعلاقتهم بالقبط

اختلط القبط (أي: المصريين) بالحبش من قبل زمان النصرانية اختلاطًا، أدى إلى اعتقاد المؤرخين القدماء بأن المصريين والحبش من أصل واحد لتشابه الجماجم؛ ولأن التوراة تشير إلى ذلك إذ تقول عن المصريين: إنهم أبناء مصرايم بن حام (تك ١٠: ٦) وكوش الذي ينسب إليه الحبش هو أخو مصرايم، حتى لقد اعتقد الكثير أن «كيمي» اسم مصر بالقبطية مأخوذ من حام أبي المصريين والحبش.

ومما ذكره المؤرخون أن جماعة الأتومولة المصريين قد هجروا مصر في أيام بسماتيك الملك وذهبوا إلى بلاد الحبشة، والعلاقة قديمة جدًّا للمجاورة، وقد ذهب متى الإنجيلي مبشرًا هناك، وترك إنجيله مكتوبًا بخط يده عند اليهود المتوطنين هناك الذين يقولون عن أنفسهم إنهم من نسل سليمان، والذين أرسلهم إلى هناك مع ابنه من سبأ ملكة التيمن؛ ولغاية الآن يعتقدون أن عندهم تابوت العهد في أكسوم، أخذه منليك الأول من أبيه سليمان الحكيم، وقد ذهب نتينوس معلم مدرسة الإسكندرية، فتمكن من أخذ إنجيل متى وقد استحضره إلى الإسكندرية.

وقد ظلت بلاد الحبشة على حالها حتى أوائل القرن الرابع المسيحي أو القرن الأول للشهداء، ولكن أثناسيوس الرسولي بطل الأرثوذكسية قد وجه التفاته إلى تلك البلاد لعلمه بالرابطة القومية، فتمكن من إرسال مطران عليها يدعى فرومنتيوس، وهو أول مطران في سنة ٣٣٠م.

وقد اختلفوا في الكيفية التي توصل بها إلى إرسال هذا المطران، فقال بعض المؤرخين: إن أخوين كانا مع صوري في مركب تمخر في البحر الأحمر، فاحتاجت إلى مياه، فعرجت على سواحل الحبش، فأجهز جماعة الحبشان على من فيها، وهرب الشبان فقادوهما إلى النجاشي الذي جعل أحدهما ساقيه، والآخر أمينًا لخزانته، وبعد موته اهتما بأولاده اهتمامًا عظيمًا، فكافأهما خليفته بعد أن أبلغ رشده بإطلاق سراحهما، وقيل: إنه طلب منهما أن يعمداه ويتوليا أمر حراسة الدين الذي تعب في غرسه، فواعداه بأن يخبرا بطريرك الإسكندرية، ولما أطلق سراحهما ذهب أحدهما إلى صور، فكان هناك قسيسًا كبيرًا أما الآخر وهو المدعو فرومنيتوس فقصد الإسكندرية، وتقابل مع بطل الأرثوذكسية أثناسيوس الذي بعد أن أرشده رسمه أسقفًا، وأعاده إلى تلك البلاد مع جماعة ليكونوا له مساعدين وكان ذلك حوالي سنة ٣٣٠م.

ولما كانت علاقة الأحباش بالقبط قديمة جدًّا، وأنهم لا يعرفون أن الكنيسة القبطية أمهم، طلبوا منها توسيع دائرة الرياسة الدينية هناك، وعليه فقد انتقوا مطرانًا وثلاثة أساقفة تحت يده، ولم يبق منهم إلا نيافة الأنبا متاؤس الحالي الذي وضعنا صورته، وترجمته الشريفتين في غير هذا المكان، وقد أصبح هو المطران الوحيد هناك أو بالحري هو الرئيس الديني الأكبر في بلاد الحبش.

وقد أظهر القبط في هذه الآونة من أدلة الميل إلى دوام الارتباط بينهم، وبين إخوانهم الأحباش ما قاموا به من الاحتفالات الفائقة لسمو الأميرة الحبشية منن قرينة سمو الرأس تفري، التي زارت مصر بعد عودتها من القدس الشريف وقيام أفاضل القبط بواجب الضيافة.

ولولا أن شرح العلاقة بين الأمتين قد تطول كثيرًا لو استقصينا الحوادث التاريخية لما اكتفينا بهذا البيان الوجيز، الذي نعتبره ملخص تاريخ العلاقة الدينية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤