عنوان الفقيد

لم يكن مجنونًا، وإنما كان قد سئم منطق العقلاء، وتصرفات العقلاء.

***

figure

حينما تسير في طريق الصحراء في منتصف الليل، وفي ليلة من ليالي الشتاء فأنت أحد ثلاثة؛ إما عاشق يحمل عشيقته في جوف السيارة، ويبحث عن مكان لا تصل إليه أقدام رجل البوليس، وإما مسافر إلى الإسكندرية يريد أن يدرك عملًا في الصباح، وإما مجنون يضرب في الأرض بغير هدف …

وليس المجانين هم الذين يعملون أعمالًا تشذ عن عرف الناس، وإنما هم أيضًا هؤلاء الذين يتمتعون بحريتهم كما لا يتمتع الناس.

إنه هو — بلا شك — واحد من هؤلاء، لقد خرج من بيته في الساعة الحادية عشرة بعد نصف ساعة من خروج سعدية … نصف ساعة قضاها ممسكًا بسماعة التليفون يعتذر لأخته عن إخلافه موعده معها، وكانت قد دعته للغداء ظهر ذلك اليوم … وكان في منزله في الساعة الواحدة ظهرًا مرتديًا ملابسه يتهيأ للذهاب إلى الموعد حيث ملأت خياشيمه رائحة صنف لذيذ يحبه من الطعام، فجرى نحو المطبخ فوجد الطباخ مشغولًا بتذوق هذا الصنف، فسأله لمِ يُعِدُّ هذا الصنف، ولمن يُعِدُّه؟ فأجابه بأنه هو الذي طلبه … وإذا به يتجه إلى غرفته ويخلع ملابسه ويغمض عينيه لحظةً كعادته كلما أراد أن يعدل عن تنفيذ أمر من الأمور، ثم يتجه إلى غرفة المائدة، ويتناول الغداء … يأكل حتى يشبع فينهض من المائدة لكي يشرب سيجارته على الفراش، وينام حتى السابعة موعده مع سعدية … كل ذلك دون أن يفكر في أن يعتذر لأخته عن موعد الغداء معتمدًا على أنها تعرفه جيدًا … وهي تعرفه بلا شك، إلى الحد الذي يجعلها لا تغضب وتظل تترقب عودة التليفون إلى الحياة لكي تعاتبه، كما عاتبته مئات المرات، وكما سوف تعاتبه دائمًا.

مجنون … حتى هي أخته تختم حديثها معه دائمًا بهذا الوصف الذي يحمل في طياته كل اعتذار عن سخافاته، وما أكثر هذه السخافات!

مجنون … يهبط في الساعة الحادية عشرة في ليلة من ليالي الشتاء الباردة فيخرج السيارة من «الجراج» وينطلق بها في سرعة، وكأنه كان صادقًا حين قال لأخته في التليفون منذ لحظة إنه على موعد هام في الجيزة، ولكنه لا يقف عند الجيزة، وإنما يمضي في شارع الأهرام، ثم ينحرف في طريق الصحراء نحو الإسكندرية، ويوغل في الطريق مسافةً بعيدةً، ثم يتوقف عند المنعطف المرتفع، وينزل من السيارة، ويقف على حافة المرتفع، ثم يملأ رئتيه بالهواء البارد في ارتياح، وكأنه يعبُّ من نسيم ربيع ضوعته رائحة الزهر …

وينفث الهواء بعد أن يدفئه كأنه ينفث دخان لفافة من التبغ الجيد في رضاء وغبطة.

مجنون! من رآه على هذه الحالة لأقسم أنه مجنون، ومن سبر أغوار نفسه، وهو في موقفه هذا، وعرف أين تذهب خواطره الساعة، لأدرك أنه مجنون يفترض أغرب الخيالات، ثم لا تلبث خيالاته التي يفرضها أن تخرج حديثًا في جوف الليل البارد، حديثًا هامسًا، وكأنه يحدث أشباحًا تنصت للحديث: تجربة بديعة … لقد نجحت … ليس الموت كريهًا كما يزعمون …

وكأن الأشباح تسأله فهو يجيب: لمَ لمْ أذهب إلى القرافة نفسها؟ … لسبب بسيط هو أني حي فعلًا، وربما خفت … حي بين الأموات، هنا قفر، وهناك قفر وظلام وظلام، وبعد عن الحياة، وبعد عن الحياة … الفارق الوحيد هو أني حي، فإذا متنا يا نفس، فلن يجدَّ علينا شيء … لا شك أن التجربة قد نجحت، فلنعد الآن إلى عالم الأحياء.

وينطلق ثانيًا بأقصى سرعة تستطيعها السيارة، ينطلق إلى داره، ويندفع إلى غرفة مكتبه ليفتح كتاب مذكراته ويكتب:

الليلة في الساعة الحادية عشرة خرجت من داري، وذهبت إلى مكان ناءٍ في جوف الصحراء يغمره الظلام، وتلتطم فيه ريح الليل الباردة في أشد ليالي الشتاء زمهريرًا … مكان خلا من الحياة حتى أحسست فيه كل ما في العدم من برودة وجفاف، واستنشقت أنفاسًا من هوائه لأعرف كيف يكون طعم الموت، فآمنت بأن الموت ليس شيئًا كريهًا كما يزعمون، لو أن الإنسان قد ضمن بين قبور أنداده مثل هذا الهدوء والأمن الذي أحسسته في جوف الصحراء، أكبر كارثة تحدث لنا لو أن الناس يحتفظون ببعض صفاتهم بعد الموت … إذن لانقلب العدم جحيمًا … أقصد دنيا ثانيةً.

ويغلق المجنون مذكراته وينام.

وليس صحيحًا أن تكون تصرفات المجانين دائمًا عفو الخاطر، ودون مبرر وبلا مناسبة، وليس صحيحًا كذلك بالنسبة لصاحبنا أن يوصف بالشذوذ المطلق، إنه شاذ فعلًا، ولكنَّ هناك منطقًا يربط بين تصرفاته، في تصرفه مع أخته مثلًا كان هناك منطق، وفي رحلته الغريبة بالليل كان هناك منطق، ولنصطلح على تسمية منطقه هذا بمنطق المجانين، كما يسميه هو نفسه، كلما ألح عليه إنسان بالعتاب، إنه يقول دائمًا … «سئمت منطق العقلاء … وأنا الآن مرتاح جدًّا لمنطقي الجديد، منطق المجانين.»

ولنعد إلى حوادث يومه لنرى خلالها منطقه العجيب، إن أخته مثلًا تدعوه للغداء مرتين تقريبًا كل أسبوع، وفي كل مرة تدعوه تنسى أنها دعت شقيقها وحده، فتعد طعامًا يكفي عشرة وحوش مفترسة، قد جاعت أسبوعًا كاملًا، وآية البر بالأخ عندها أن يأكل الأخ كما تأكل عشرة وحوش مفترسة؛ لأنه مسكين يعيش وحده، ويسيء الطباخ تغذيته، وحجتها الدائمة أن الطعام لا يضر أحدًا حتى زوجها … زوجها البدين الذي يأكل، وكأن له في كل شريانٍ معدةً قائمة بذاتها تهضم الطعام، وكرش احتياطي للاحتفاظ بما يزيد على الحاجة، إن زوج أخته هذا لم يشكُ مرضًا طوال حياته إلا مرض ضيق الملابس الذي يعتريه كل شهر تقريبًا.

في هذا اليوم بالذات كان هو يشكو ألم الأمعاء الذي يعاوده بين الحين والآخر، ومع ذلك فقد تناسى آلامه حين ملأت خياشيمه رائحة طبق الخرشوف ذي الصلصة البيضاء، الخرشوف الذي أوصاه طبيبه بأن يأكله، فكان أول طبيب يصف طعامًا يحبه المريض؛ ولذلك آثر السلامة وفر من المعركة، معركة الطعام عند أخته التي تخسر فيها معدته دائمًا بعد أن ترغم على احتمال كل الجولات، ولم يتكلم بالتليفون؛ لأنه يؤمن إيمانًا تامًّا تؤيده شواهد الماضي أنه أضعف من أن يقاوم توسلات أخته، وكم من مرة هُزِمت إرادته أمام هذه التوسلات، ولقد رفع سماعة التليفون طوال الساعات الثلاث التي قضتها سعدية معه؛ لأنه كان يعرف غرام سعدية بتفتيش جيوبه والعبث بأوراقه وكثرة استلطافها لحاجاته الخاصة، ولم يكن هناك فرصة لتعبث بحجرته أكثر من تلك التي تسنح لو أنه نهض إلى غرفة مكتبه ليرد على التليفون، وثرثر مع أخته كعادتهما … تلك الثرثرة التي تطول أحيانًا أكثر من نصف ساعة، وبقي بعد ذلك أن جرس التليفون يحلو له دائمًا أن يزعجه خلال جلساته الخاصة؛ ولذلك كان يؤثر دائمًا كلما زاره صديق أو صديقةً أن يرفع سماعة التليفون.

أما رحلة المساء فقد بدأت قصتها في صباح ذلك اليوم نفسه حين فتح صحيفة الصباح فصدمه نعي صديقه «م» … ذلك الشاب المرح الفيَّاض بالحياة والبهجة، والذي كانت حياته أبعد ما تكون عن السكون والموت؛ إن «م» لم يمرض، ولم يشكُ … كان معه بالأمس إلى الساعة الثامنة مساءً، وغادره ليذهب للقاء بعض أصدقائه، ولمشاهدة إحدى روايات السينما … وحينما أمسك بالتليفون ليستفسر عما حدث أجابته زوجته الغارقة في المصاب، بأنه ذهب إلى السينما بعد أن تعشى، ولكنه أحس بألم فنقلوه من السينما، وصعدت روحه إلى الله في حين كان جسده يهبط درج السلم … تعشى كالأحياء، وتخلت معدته عن عملية الهضم لدود القبر، ما أفظع ذلك!

ولعل ذلك كان سببًا لا يدريه هو في أن يؤثر طبق الخرشوف المسلوق على أطباق أخته الدسمة … ليست السينما أمرًا ضروريًّا لكي يموت الإنسان إثر أكلة.

ومع ذلك فقد حزن على «م» وجره الحزن عليه إلى تخيل الموت لا حقيقة واقعة فحسب، وإنما حقيقة سهلة … وإذا كان الناس لا ينتقلون من دار إلى دار في الحياة الدنيا، دون أن يعاينوا الدار الجديدة، ويتبينوا ما سوف يحسونه بين جدرانها من راحة وأمن، فمن العقل والمنطق أن يعاين هو الدار التي سيسكنها بعد عُمْرٍ، من الصعب الحكم على مدى طوله بعد اختراع السكتة القلبية، المرض الذي لا يحمل أي مخترع من مخترعات جيلنا السعيد طابع السرعة مثله.

إنه ليس خيرًا من «م» وفرص الأكلات الدسمة أمامه أوسع؛ لذلك تخيل أنه تغدى عند أخته … ثم شرب بضع كئوس مع سعدية، ثم وافته المنية فانتقل في تلك الليلة الباردة إلى الدار الآخرة، فذهب إلى ما يشبه الدار الآخرة … الصحراء في جوف الليل البارد، والهواء يعصف، والكائنات رمل وحصًى، وأشباح تصنعها دوامات الهواء، والأصوات همهمة أرواح عابرة في الجو، هل تكون الدار التي ستضم جسده غير هذه؟

وعاد مطمئن النفس قرير العين، وخط بيده في مذكراته إقرارًا بأنه لا يخشى الموت، ونام ملء جفنه يحلم بالحياة، واستيقظ في الصباح ليعاود سخافاته من جديد …

ولكن سخافة هذا اليوم فاقت في غرابتها كل ما صنع منذ سنين … حتى لتقرب أن تكون تصرف عقلاء …

فاجأه جرس التليفون، وهو يزدرد طعام إفطاره المتواضع كسرات الخبز المحمص في كوب اللبن، وفنجان القهوة الكبير.

ورفع السماعة، وسمع صوت سعدية تسأله ما سوف يفعل في يومه، وفي صوتها مظهر الاضطراب والاهتمام … ومنذ بضعة شهور عرف سعدية، وعرف معها حاجتها الدائمة إلى المال، ووسائلها الطريفة للحصول عليه … وليس الشوق الذي يدفعها لمحادثته في الصباح الباكر، ولن ينقذه من يومه إلا الاعتذار بالغياب عن البيت والقاهرة بأكملها إن استطاع.

وأجاب سعدية على الفور أنه مسافر بعد ساعة … وقالت سعدية: إلى أين؟

وأوشك أن يقول متأثرًا بالليلة الماضية: إلى الدار الآخرة، لولا أن قالت سعدية مستدركةً: رايح العزبة؟

وأحس بالخطر الذي توقعه … وترجمت خواطره العزبة إلى المزروعات، والمزروعات إلى إيجار والإيجار إلى مال … وأخيرًا وصل إلى سعدية … وقال دون أن يدرك ما يقول: لا أبدًا، عمي توفى بالإسكندرية، وسأسافر اليوم وقد أمكث بضعة أيام.

وكانت أمامه صحيفة الصباح فقلبها بسرعة، ووضع عينيه على صفحة الوفيات ليتخير عمه من بين الراحلين … ولحسن الحظ وجد وجيهًا إسكندرانيًّا بين الموتى … وتحفز لجواب السؤال القادم … ستسأل هي: «مكتوب في الجرنال؟» فيجيبها بسرعة، ويتأثر … «أي نعم في رأس العمود الثاني» … ثم تقول: «ولكن اسمك غير موجود»، فيقول بنفس التأثر: «كان بين أبي وبين عمي خلاف، وقد محا الموت أسباب العداوة.»

ولم تسأل سعدية، وإنما عزته في رقة، وأغلقت التليفون لتعطيه الفرصة للبكاء … وازدرد هو بقية طعامه، واحتسى فنجان القهوة، وارتدى ملابسه بسرعة، وطوى إحدى بيجاماته وفوطة وجه وآلة الحلاقة، ووضعها في حقيبته الصغيرة، ونادى خادمه لكي ينبئه بأنه سيسافر، ويعود بعد يوم أو يومين.

وكان الخادم كسعدية يؤثر معرفة الأسرار بيده لا بلسانه، فلم يسأله إلى أين؟ وإنما اكتفى بأن يتمنى له سلامة السفر والعودة في صوت عالٍ، في حين تمنى على الله، في صوت منخفض، أن تطول الرحلة … إن بيوت العزَّاب أخصب عش غرام للخدم المتزوجين.

وحمل الحقيبة، ومضى يضرب في الطريق، وسأل نفسه إلى أين؟ وقال عقله، عقل المجنون: تذهب إلى الإسكندرية لتقدم واجب العزاء في عمنا الحنون، إني أحب الصدق كما تعلم.

وقال لعقله: وكما تعلم أنت ليس لنا عم مات بالإسكندرية.

– فلمَ لا يكون نصف الصدق … نذهب إلى الإسكندرية، أليس جميلًا أن نرى الإسكندرية في الشتاء!

ووجد نفسه في المحطة وأمام شباك التذاكر ويده ممدودة بالنقود، ساهمًا كأنه لا يعرف أين يذهب، وصاح عامل التذاكر: أفندم!

وأجابه طالبًا تذكرة الإسكندرية، وصاح العامل مرةً ثانيةً: أولى أو ثانية؟

وفتح فمه ليجيب لكنه لمح ساعدًا أبيض، كأنه ذراع تمثال من المرمر يمتد أمام عينيه، ويناول العامل ورقتين من فئة الجنيه قائلًا: تذكرة أولى لإسكندرية من فضلك!

وأجاب عندئذ: وأنا كمان … تذكرة أولى لإسكندرية.

وصب وجهه من الساعد إلى الكتف ليرى الوجه والعينين … عينين ترمقانه في غضب لطريقته في طلب تذكرة السفر، ونظرته الجريئة، وضحكته البلهاء، وكانت ضحكته البلهاء إحدى سخافاته أيضًا … يطلِقها دائمًا في وجه كل امرأة ينظر إليها … ليست ابتسامة الذي يرى شيئًا لطيفًا، ولكنها ضحكة الذي يرى شيئًا يثير الضحك.

وانسحبت صاحبة اليد مسرعةً، وتكاسل هو برهةً، أحصى خلالها باقي النقود الذي رده إليه عامل التذاكر … وسار بجوار القطار وأخذ ينظر من نوافذه ليرى أين تجلس؟ فأعياه البحث، وأخيرًا وجد مقصورةً خاليةً فأسرع إليها، وجلس يطالع صحيفة الصباح، ولفت نظره من جديد نعي ذلك الشخص الذي قرر أن يصطنعه عمًّا لينقذ نفسه من سعدية … وقرأ النعي بتأنٍّ وعناية فعرف أن لهذا العم الذي مات أقارب منهم أطباء ومحامون … ومنهم أيضًا أحد زملائه في الكلية وأصدقائه بعد التخرج، صديق كُلُّ الفَرْقِ بينه وبينه أنه هو آثر أن يشتغل بالقراءة حتى لا يزيد ثروته … في حين اشتغل هذا الصديق بالمحاماة … لسوف تكون مجاملةً لذيذةً حينما يذهب إلى مأتم عمه … فيعزي الصديق.

وكان يوشك أن يقرأ عنوان البيت حيث يقام السرادق، حين صدمته قدم تفسح لنفسها الطريق … ورفع رأسه ورآها تجلس في المقعد المقابل دون أن تنظر إليه، بل لعلها نظرت إليه وعرفته، ولهذا اتخذت هذا التصرف الجاف …

وجلست وفتحت كتابًا وأخذت تتصفحه دون أن تتغير ملامح وجهها الجافة … وقال متحديًا ومتصنعًا الجد: عندما يصدم الناس المهذبون أقدامَ غيرهم يعتذرون … خصوصًا إذا كان المصدومةُ قدمُه مثلي … غارقًا في الصدمات.

وتصنَّع التأثر … ولم ترفع رأسها عن الكتاب … ومرت فترة قال بعدها: صدمتان في اليوم الواحد، هذا لا يحتمل …

ورفعت رأسها ببطء، وقالت ووجهها محتفظ بتجهمه: لا تعني بالطبع وقفتك السخيفة في شباك التذاكر، لقد مددت يدي بلطف.

وقال على الفور: بلطف ورشاقة … لا يمكن أن تُعَدَّ هذه صدمة … لا أعني ذلك مطلقًا … قد أكون وقفت بسخافة كما تقولين … لكن لو عرفتِ أيُّ تَعِسٍ أنا منذ هذا الصباح لالتمستِ لي العذر … تصوري إنسانًا يفقد عمه الحبيب في غمضة عين.

ورفعت رأسها، وقد عرتها الدهشة: أنت أيضًا؟ مات لك عم اليوم؟

– أجل … وفي الإسكندرية تصوري عمي الذي رباني بعد أبي … أبر إنسان بي في هذا الوجود … يموت دون أن أراه، كان في أحسن صحة … حتى أول أمس كان يحدثني بالتليفون ثم … اقرئي … لا أكاد أصدق عيني … دعيني أسمع لربما صدقت.

وتناولت الصحيفة من يده حيث يشير … ورأت النعي فرفعت رأسها إلى وجهه، وقد مرت بشفتيها حركة عصبية.

– ألتمس منك خدمةً … اقرئي لي الخبر … النعي فقط، هل صحيح أنه مات …

وتناولت الصحيفة وقالت في أسًى: معذرةً إذا أصبت بالجنون … لكن البقية في حياتك … هذا هو حال الدنيا.

وتريد أن تعود إلى كتابها لولا أن يستمر هو في الحديث، ويتحدث عن عمه الحبيب، ويمضي في الذكريات، وكأنه يقرأ في كتاب … يسعفه خياله بصور عشرات الحوادث، حوادث البر والإشفاق والحنان التي لم تحدث له فينسبها لعمه … وتستمع هي لهذا الحديث، وتفهم منه أنه فلان … المحامي الذي ورد اسمه في النعي قبل كل الأسماء … أحب أبناء الأخ إلى المتوفى … ويقف الحديث الحزين، وتبدأ أحاديث أخرى تبدأ من عنوان الكتاب الذي تقرؤه هي، ويتشعب نحو عشرات الكتب والكتاب … وينسى هو عمه الميت، وتنسى هي أن له عمًّا قد مات، ويتضاحكان أكثر من مرة، ويمضي الوقت سريعًا، ويصل القطار إلى الإسكندرية، وينزلان سويًّا حتى باب الخروج، ويقول وقد عاود الظهور بمظهر من فقد عمه منذ ساعات: إلى أين تذهبين … ربما أستطيع توصيلك؟

وتقول له عنوانًا، ولكنها تعتذر له عن ظروفه قائلةً في إغراء: لكنك ربما لا تسلك نفس الطريق … ثم إنك مضطر للذهاب لمنزل عمك …

ويقاطعها ملحًّا، وفي إصرار: إنك في نفس طريقي تفضلي …

وينادي سيارة وتركب هي أولًا … ويلحظ أن متاعها كمتاعه سواء بسواء مجرد حقيبة صغيرة، فيحاول أن يحملها، ولكنها تقول متضاحكةً: إنك تحمل همومًا فضلًا عن حقيبتك.

وتسير السيارة بعد أن تلقي بالعنوان للسائق، وتميل السيارة يمينًا ويسارًا، وتنحرف إلى شارع ضيق، وتقف فجأةً، ولا يحاول هو أن ينظر إلى ما حواليه، وإنما ينظر إلى وجهها الضاحك في بلاهة كوجهه تمامًا … هل نسيت أنه حزين، وتجمع حقيبتها ومجلاتها، ويحاول أن يسبقها للنزول فترده قائلةً: لا … ربما رآك أحد.

وتمد يدها لتصافحه في حين تهبط من السيارة قائلةً: ربما رآك أولاد عمك … إنه كما ترى، منزل عمك رحمه الله، إنه عمي أيضًا.

وتهرول نحو الباب، ويحملق هو فيرى حركةً في الشارع، وسرادقًا ينصب، ويرى أقدامها تخطر صاعدةً السلم حتى تختفي، وتبدو غيرها هابطةً.

ويتنبه هو فيفتح الصحيفة، ويقرأ مرة أخرى نعي العم الحبيب حتى يصل إلى العنوان … ويتبين كيف فاته أن يعرف أين مات عمه، ومن أين يشيع جثمانه العزيز … ولو أنه قرأ لاختار عمًّا آخر …

في طريقه إلى القاهرة لا يكاد يصل إلى طنطا حتى يهبط من القطار مسرعًا إلى مكتب التلغراف ليبعث ببرقية لصديقه ابن العم العزيز … ابن العم الحقيقي يعزيه في مصابه ببرقية يبدؤها قائلًا: «أعزيكم …» ثم يخطر له تعبير أدق فيمزق البرقية الأولى، ويبدأ الثانية هكذا: «أعزيكم والأسرة فردًا فردًا …» ويستمر في الكتابة حتى يملأ صفحة البرقية بعبارات الرحمة والعزاء، وعندما يصعد إلى القطار مرةً ثانيةً يقول لعقله المجنون: أظننا قد عزينا فأحسنَّا العزاء … كانت هذه رغبتك … هل آمنت الآن بأن منطقك هو منطق المجانين.

ويرتمي عقله في إعياء.

ويقرأ هو من جديد خبر النعي في رأس العمود الثاني من صحيفة الصباح، ويقف بصره لحظةً عند عنوان الفقيد …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢