الفصل الثالث

المشهد الأول

(في المقبرة)

(الأعمى جالس على درجة القبر وعصاه بين فخذَيه.)

الأعمى :
بِمَوت ناصرها قد ماتت الأممُ
والعدل بادَ وخار العزم والهممُ
وانهدر ركن المعالي إذ هوى بطلٌ
قد كان جيش المنايا منه ينهزمُ
قد كان ما بيننا في بأسه عَلَمًا
وحين غادر دنيانا هوى العَلَمُ
حبيب قلبي دهاك الظُّلْم فانفصمت
عُرَى حياتك يا ويح الأُلى ظَلَموا
ابني حبيبي شهيد الظُّلم يا ولدي
أرداك عمُّك ما أشقى الأُلَى حكموا
نَعِمتُ بالعرش أيامًا فجرَّعني
دهري كئوسًا تناست عندها النِّقَمُ
ويحك أيها العرش فلولاك كنت عائشًا بين ولدي ناعم البال مستريحًا، فالناصر يرقد الآن في هذا اللَّحد رقودًا أبديًّا، والحارس يتخبَّط في ظلمات السجون، وأنا تائه شريد أعمى البصيرة والبصر، أخي اقترف كل هذه الجرائم ولا عجب؛ فكل يوم تلد الأرض قايين جديدًا.

المشهد الثاني

(الظافر – الأعمى)
الظافر (يدخل) : مَنْ هو هذا النائح؟ هذا أبي، انحبسي أيتها العواطف البَنَوِيَّة، ارقدي أيتها الشواعر فالتجلُّد يدعونا. (إلى الأعمى) انهض يا شيخ، انهض، ما بالك تنوح وتبكي على هذا الضريح؟!
الأعمى : ضريح ولدي أزوره كل يوم فأبلِّله بدموعي.
الظافر : وما تجدي الدموع؟ خلِّ الدموع فإنني أراك شحيح البصر.
الأعمى : هيهات يا صاح.
الظافر : أأنت أعمى؟
الأعمى : نعم، وليت العَمى من الله، لكنت أقبله بطيبة خاطر.
الظافر : وممَّن إذن؟ مَنْ هذا الوحش الضاري الذي أعماك؟
الأعمى : أخي، أخي.
الظافر : أخوك؟
الأعمى : نعم، وليته اكتفى بذلك، بل قَتَل ولدي الناصر ودفنه في هذا الضريح، وسَجَن ولدي الحارس، ولا أدري إذا كان ألحقه بأخيه.
الظافر : لا تجزع يا شيخ فالله مع الصابرين، هاتِ يدك لأعاونك على مبارحة هذا المكان فهنا ملتقى الخوارج.
الأعمى : وما عساهم يفعلون في هذه المقبرة؟
الظافر : يتآمرون على الفاتك؛ ليأخذوا بثأرك وثأر ولدَيك.
الأعمى : وما يفيدني الثأر؟ أينبعث الناصر من القبر؟
الظافر : ومَنْ يعلم أنك لا تحدِّثه كما تحدثني الآن.
الأعمى : هيهات، دعوا الثأر يا بَنِيَّ، فتلك عادة همجية لا تزال ترافق الإنسانية من المهد إلى اللحد، احذروا أن تُهْرِقوا دمًا بشريًّا، إن استطعتم إطلاق صغيري السجين شكرت لكم صنيعكم وإلا مُتُّ باكيًا على هذا وذاك.
الظافر : عجِّل، أسرِعْ؛ فإنني أسمع وقْع أقدام.

(الأعمى يخرج.)

المشهد الثالث

(الظافر وحده)
الظافر : ما أحرج هذا الموقف! والد ينوح على ابن يخاله ميتًا وهو حي يسمع صراخه ولا يستطيع إطفاء لوعته بكلمة، لقد أبطئوا. (يُصَفِّر) أين هم الآن؟ أَوَقَعَ ما لم يكن بالحسبان؟ (يصفر ثانية، ويراقب الفاتك من بين جدران الملعب.)
يا أيها الباغي تنبَّه واستفق
ليل المظالم عهده قد طالا
فلسوف تلقى في المعارك ضيغمًا
يستصغر الفرسان والأبطالا
وإذا اختفت بين البرية نسبتي
فغدًا يحقِّق فعلِيَ الأقوالا

(يتقدم نحو الجهة التي يكون فيها الفاتك فيرتد إلى الوراء ويختفي، يصفر الظافر فيدخل من الجهة الثانية ثلاثة مدجَّجين بالسلاح.)

المشهد الرابع

(الظافر – جماد – كلثوم – صخر)
الظافر : لقد أطلتم غيابكم، أتجهلون أن الموقف حرج والأعداء واقفون لنا بالمرصاد؟ فالحذر الحذر؛ لئلا تذهب مساعينا أدراج الرياح، ونعود بصفقة المغبون.
صخر : صدقت أيها البطل، وماذا تريد أن نصنع؟
الظافر : لقد رزحتم تحت أثقال المظالم والاستبداد، فالشريعة مكتوبة على حدِّ سيف أميركم، والموت والحياة بين شفتَيه، وتسألونني ماذا نصنع؟
الجميع : فليسقط الأمير.
جماد : أنت قائدنا للأخذ بثأر أميرنا، نحن نجهل مَنْ أنت ولكن ما يتدفَّق من صدرك من الحمية وما نقرؤه على جبينك العالي من آيات النُّبْل والشهامة يقول لنا: اتبعوه فهو حرٌّ أبيٌّ.
نحن قوم عشنا بذلٍّ طويلًا
وخضعنا لحاكم ظلَّامِ
فانتشِلْنا وأَنْقِذ من الرِّقِّ شَعبًا
أيها السيد الرفيع المقامِ
كلثوم : لقد فتك الفاتك بأميرنا الناصر في مثل هذا اليوم، وسَمَلَ عينَي أبيه الذي يطوف أحياء المدينة كأحقر البائسين، وها قد مضت عشر سنوات بعد موته ونحن في وادٍ من الظلم تائهون، إذا شَكَوْنا مظالمه قالوا: هؤلاء ثائرون فلنُلْحِقهم بأميرهم، حالة — يا سيدي البطل — لا يرضى بها إلا الأذلان؛ عِير الحي والوتد.١
الظافر : ولماذا تقعدون على الضَّيْم وكلُّكم همَّام باسل؟
جماد : إن رجال الأمير أكثر عددًا، وليس بالسهل إسقاط رأسٍ حوله حصن منيع من السيوف الصِّقال والرِّماح الطِّوال.
الظافر : إذن ماذا نصنع وعددنا لا يتجاوز بضعة أنفار؟
كلثوم : يجب ألا نقنط، فالله معنا على الباغي، فلنقتحم جيوش الأمير وندافع عن حقوقنا دفاع المستميت.
الظافر : حيَّاك الله من بطل مغوار.
صخر : كلنا ذلك البطل يا مولاي، إنما لنا سؤال إن أجبتنا عليه رأيتنا ليوث حرب نفديك بالأرواح.
الظافر : قل ما شئت.
صخر : قل لنا مَنْ أنت؟
جماد : دَعْ هذا السؤال يا صخر، فقد سألناه مرارًا ولم يُجِبْ، وما يهمنا ذلك فالرجل بهِمَّته وأدبه، لا بحسبه ونسبه.
الظافر : دونكم الجواب، وهو فصل الخطاب:
أنا ابن السيف واليلب اليماني
وجدِّي كل رمح هندواني
ولي نسبٌ يفوق العُرْب طُرًّا
يُقِرُّ بمجده قاصٍ وداني
أتيت بثأر مولاكم طَلوبًا
لأحمي جمعكم شَرَّ الهوانِ
فما لي منزل آوي إليه
ورمحي والمهنَّد يؤنساني
وثوبي ما طلبت الثأر دِرْعي
وحصني قد غدا مَتْن الحصانِ
فذا حسبي وذا نسبي ومجدي
وعندي شاهد يوم الرهانِ
كلثوم : أجدتَ أيها البطل، وكفى بهذا نسبًا، نتبعك إلى الموت، أنت عميدنا منذ الآن، سُلُّوا سيوفكم أيها الشجعان، واحلفوا له يمين الإخلاص.

(الجميع يسلُّون السيوف.)

الظافر : لا تحلفوا أيها الأبطال فالصادق لا يحلف، اسمعوا فأحدِّثكم بأمر خطير لا يخطر لكم ببال.
جماد : مهلًا فإني أسمع وقْع أقدام.

المشهد الخامس

(بدر – حسان – المذكورون)
بدر (يدخل) : لقد أمرني مولاي أن أفرِّقَكم وآمركم ألا تُحْدِثوا أدنى تظاهرة على قبر الأمير.
جماد : أيقتله بغيًا وعدوانًا ويمنعنا من البكاء عليه؟ لقد تجاوز في مظالمه الحد فنحن رعية الناصر، ولا نعترف بسواه أميرًا علينا ولو كان تحت الثرى.
بدر : إن عصيانكم يَجُرُّ عليكم البلايا، فاتقوا الليث إذا هاج.
كلثوم : أتهددنا بهيبة مولاك؟ فإمَّا الثأر وإمَّا الموت.
بدر : لقد تجاوزتَ الحدَّ، فاخرج وإلا أخرسك هذا المهنَّد.
صخر : نحن لا نخاف حسامك.
بدر : ما هذه الجسارة؟!
الظافر : مهلًا أيها القائد، أجئت لتبلِّغنا أمر مولاك؟ أم لتنفِّذه أيضًا؟!
بدر : أتيت لأفرقكم، إمَّا بالكلام وإمَّا بالحسام.
الظافر : نحن أبطال لا يفرقنا الكلام.
بدر : إذن يفرقكم هذا الحسام.
الظافر : لا تقذف نفسك في الهاوية.
بدر : إنكم لمغرورون أيها الناس.
كلثوم : يا لك من مغرور! اذهب وإلا قطعتك شطرَين بحدِّ هذا السيف.
حسان (يهجم) : فليذُقْ مرارة عاقبة المطاولة على القائد الأكبر.
بدر (يمنعه) : مهلًا يا حسان، تفرَّقوا أيها الناس ولا تحوجوني لمقاتلتكم.
صخر : ونحن نقول لك: اسلم بنفسك.
بدر : ما هذه الوقاحة؟ أنا يا قوم رهين واجباتي، فهي تقضي عليَّ […]،٢ على أن حبي لكم حملني على معاملتكم بالرِّقَّة واللطف.
الظافر : ونحن أيها البطل يقول لنا الثأر: اثبتوا ومزِّقوا الظالمين شَرَّ ممزَّق، ولولا حب الأبطال للأبطال لأذقناك الردى.
تكلِّفُنا أيا بدر المحالا
فنأبى أن نجيب لك السؤالا
إذا ما كنت تجهلنا فسل عن
وقائعنا المعامع والقتالا
فكم خاضت عوالينا حروبًا
وسل عن كفنا الأسل الطوالا
وسل عنا الجماجم ساقطات
على الحصباء تصدقك المقالا
فمنا كل مغوار هصور
يخيف الموت إن سَلَّ النصالا
إذا قطع العداة له يمينًا
يمد إلى قتالهم الشمالا
فخبِّر ما تشا عنا أميرًا
يقود إلى رعيته النكالا
بدر :
دعوا هذا الفخار فليس يُجْدِي
وخلُّوا عنكمُ هذا الجدالا
أنا البطل الذي اقتحم المنايا
ولم يخشَ المعامع والقتالا
وكم قد كنت للهيجاء بدرًا
إذا غيري يُعدُّ لها هلالا
أبت نفسي الجبان ولم يَشُقْها
سوى مَنْ ساد في الدنيا فعالا
وما كلَّفتها قَطُّ الدَّنايا
وإن كلَّفتُها أَبَتِ امتثالا
الظافر :
نسبتَ لك الفَخار ولست تدري
حِماهُ ولا عرفت له مجالا
فأين الفخر منك وأنت عبدٌ
لمن فقد المكارم والخِلالا
بدر : هذِّب كلامك.
الظافر : تأدَّب يا نذل.
بدر : جنودي، دونكم هؤلاء الأنذال. (يهجم بسيفه على الظافر فيأخذ الظافر بذارعه، ويهجم الجنود الباقون على رجال الظافر فيُقْتَل واحد منهم ويأسرون الآخر، همام وصخر وجماد يكبِّلون القائد بدرًا، ويُخرِج همام الجندي المقتول إلى الخارج.)

المشهد السادس

(المذكورون)
الظافر :
نصحتك يا فتى فنبذت نصحي
أبعد اليوم تحتقر اليقينا
لسوف نذيق مولاك المنايا
وإنَّا نغنم النصر المبينا
فلستَ بأول الأسرى لدينا
فكم قُدْنا الفوارس صاغرينا
فلو أرسلتُ رمحي مَعْ جبان
تخرُّ له الجبابر ساجدينا٣
وقد شاهدتَ إذ جرَّبت عزمي
ألم تنظر به الداء الدفينا
فحدث في الجحيم اليوم عني
لترتعد الأبالس خائفينا
كلثوم :
سَلِ المهنَّد عنا إن جهلت ففي
حد المهنَّد تلقى أصدق الخبر
أنَّا أسود الوغى تُردِي صوارمنا الـ
أعدا ولو عصمَتْهم جبهة القمر
صخر :
هلَّا سألت الخيل في المضمار
عن كل أمرد فارس مغوارِ
ظنَّ الأمير بأننا نخشى الوغى
جزعًا ونرهب صَوْلة البتارِ
فأتيت مبتغيًا تفرِّق شملنا
يا بدر لست تفوز بالأوطارِ
إن الخناجر قد غدت معقودةً
فالموت إمَّا أَخْذنا بالثارِ
ولقد شهدت الأُسْد في ثوراتها
فحذارِ من فتك الأسود حذارِ
جماد :
إن مَشَت فرساننا ارتجَّت لها
راسيات الأرض والكون ارتعد
نحن مَنْ قد وَطِئَت أقدامنا
قمَّة الجوزاء والبدر شَهِد٤
نحن مَن طَنَّبَ فوق المشتري
وعلى العَيُّوق قد دَقَّ الوتد٥
بدر :
لا تظنوا أن رأسي ينحني
لَكُمُ ذُلًّا أرى الذُّل حرام
قد أسرتم أسدًا يا طالما
أرجَفَ الكون ويخشاه الأنام
الظافر : ومَنْ يفاخر رجلًا تجسَّم الموت أمام عينيه وقطع حبل الأمل من هذه الحياة؟
كلثوم : فلنعجِّل بقتله قبل أن يستبطئ الأمير عوده فيأتي بجيشه لإنقاذه من بين أيدينا.
الظافر : لقد أصبت.
صخر : فلنُمِتْه أشنع ميتة؛ لنلقي الرعب في قلوب رجال الأمير، وبذلك تنكسر شوكة إقدامهم وحِدَّتِهم.
بدر : رأْيٌ جليل.
الظافر : فما رأيك يا كلثوم؟
كلثوم : لنجعلنَّ صدره المملوء خيانةً للوطن والحرية هدفًا لسِهامِنا، فيرشقه كل منَّا بما يشاء من السهام؛ ليصح به قول الشاعر:
فصرت إذا أصابني سهام
تكسَّرت النِّصال على النِّصال٦
الظافر : لي غير رأي كلثوم؛ وهو أن نلوي هاتَين الشجرتَين، ونشدُّ إليهما ساقَيه ونتركهما تعودان إلى ما كانتا عليه، فيصبح شطرَين ويعتبر بمرآه كل مَنْ حدَّثته نفسه بمقاتلة أبطال الحرية.
صخر : رأْيٌ جميل.
بدر (بتبرُّم) : ولا أجمل من هذا الرأي.
الظافر : وما رأيك يا جماد؟
جماد : اشنقوه بحمائل سيفه، واتركوه جنب قبر الأمير عبرةً لمَن اعتبر.
بدر : وما رأيك أنت يا رئيس العصابة؟
الظافر (إلى كلثوم) : حلُّوا وثاقه.

(كلثوم يحل قيوده فيقف.)

الظافر (يتقدم منه ويضغطه قائلًا) : لا تحرِّك ساكنًا يا بدر واسمع بهدوء ما ألقيه عليك، أنت لست برجل سيف ولا سفَّاك ولا جاسوس ما أنت إلا نذل سافل.
بدر : أنت النذل.
كلثوم (يهجم عليه) : ويحك.
الظافر (إلى كلثوم) : إلى الوراء أَبْعِد، اخرجوا جميعًا من هنا.

(الجميع يخرجون.)

المشهد السابع

(الظافر – بدر)
الظافر (إلى بدر) : لو لم تكن نذلًا لما كنت دفعت إلى طعَّان مبلغًا كبيرًا من المال لقاء قتلي، ولو كنت بطلًا لكنت جئتني بنفسك وقاتلتني، إن البطل يطعن في الصدور لا في الظهور، ولهذا قلت لك: إنك نذل، أنسيت ذلك؟ ألم تدفع له كيس الذهب ولم يقبله منك؛ لأنه لم يشأ تدنيس سيفه بدم الأحرار؟ أنت نذل وإذا لم تكن نذلًا فهذا الخنجر (يرميه إليه) فأَمْسِكه وتقدَّم إليَّ.

(بدر يمسك الخنجر ثم يرميه.)

الظافر : أنا أعرف فيك هذا الجبن.
بدر : إنك تكذب.
الظافر : لقد جَبُنْت لأنك خِفْت أن يمدَّ أحد رجالي يده إليك.
بدر : يا لَلشيطان!
الظافر : والخلاصة يا بدر أريد أن أختم مقالي لك بقولي: إنك نذل، بل تجسَّمَت النذالة بك، ولهذا أعاملك معاملة الأنذال الأدنياء، أي أن أُبْقِي على حياتك، ولا أجرِّد في وجهك حسامًا، اخرج فقد عفَوْت عنك.
بدر : سنرى.
الظافر : إنك لا تفعل شيئًا لأنك نذل، اخرج، اخرج، انْجُ، (إلى كلثوم) ادخلوا.

(بدر يرتجف.)

(كلثوم يدخل ورفاقه.)

الظافر : دعوا هذا الإنسان ينطلق بسلام، لا تمسُّوه ولا تنظروا إليه شزرًا فهو جبان نذل، دعوه يخرج من هنا حيًّا فقد عفَوْت عنه.

(بدر يخرج مخجولًا.)

الظافر (إلى رجاله) : لا تعجبوا فبهذا تقضي المروءة وكذا يعفو ذو المقدرة، إن ساعته لم تأتِ بعد.

المشهد الثامن

(الظافر – رسول)
رسول (يدخل) : مولاي، هذه رسالة بعثني بها إليك طرفة.
الظافر (يقرؤها ويقول لرجاله) : أيُّها الإخوان! إن ساعة النصر قد دَنَتْ، سوف تأخذون بثأر أميركم الناصر، وتقوِّضون عرش الفاتك، والله أعلم بما يحلُّ به، إن لنا بين رجاله عضدًا قويًّا وهو الذي ساعدنا ومهَّد لنا الطريق حتى أنقذْنا الحارس من ظلمات السجون.
الجميع : الحارس؟!
الظافر : نعم، الحارس نجا من السجن، وهو قادم الآن، وسينشر أميركم الناصر من قبره في ذلك اليوم العصيب.
كلثوم : ما هذا الوهم؟
الظافر : حقيقة لا وَهْم، فالناصر لا يزال حيًّا لقد أكَّدوا لي ذلك وسنرى ما يكون.

المشهد التاسع

(طرفة – الحارس – المذكورون)
طرفة (يدخل مُقَنَّعًا ومعه الحارس) : هذا أميركم أيها الشجعان فاذكروني يوم فوزكم وظفركم (يخرج).
الظافر : هذا هو الطائر الصغير الذي أفلت من قفصه، هذا هو الحارس.
الجميع : فليحيَ الحارس.
الظافر : لا يليق بنا أن ننشغل في هذا المقام بإبداء العواطف فإلى الحرب إلى الحرب، حرب الحياة والحرية.
الجميع (ينشدون) :
هبُّوا أبطال الوطنية
فالموت سبيل الحرية
سُلُّوا الأسياف الهندية
فعليها قد كُتِبَ النصرُ
أحفاد القوم الشجعان
موتوا بسبيل الأوطان
يا ابنا «مردة» لبنان
لجدودكم الذِّكْر العَطِرُ
لا تخشوا أهوال الحرب
سودوا بالطعن مع الضرب
فلأنتم أحفاد العُرْب
مَنْ دان لبأسهم الدهرُ
سيروا لننال استقلالا
ونحطِّم هذي الأغلالا
إن نفشل مُتْنا أبطالا
فالفاتك شيمته الغدرُ
(يُرخى الستار.)
١  عَجُز بيت شاع فصار كالمَثَل السائر، يُضْرَب في مواقف الذل والمهانة، والعِير: الحمار، وخشبة في مقدمة الهودج أو الوتد، والعِير: الطَّبل، وهنا بمعنى الحمار يؤكد ذلك القول كاملًا، والوتد: قطعة من خشب تُدَق في الأرض تُرْبَط إليها الخيمة، وهو يُضرَب ولا يستشعر مهانةً كالعير – الحمار – أو الطبل، والقول يَرِدُ في بيتَين كَثُر الذين استشهدوا بهما ورَوَوْهما، وقد أوردهما الخطيب القزويني في «الإيضاح» على هذه الصورة:
ولا يقيم على ضيمٍ يُراد به
إلا الأذلان عِير الحيِّ والوَتَدُ
هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يُشَجُّ فلا يرثي له أحدُ
ويوردهما المعلم بطرس البستاني في «محيط المحيط» على هذه الصورة: «ولا يقيم على ذُلٍّ أَلَمَّ به»، والأشطر الباقية لا تغيير فيها، والخَسْف: الظُّلْم والقهر، وسامَهُ الخسف: أذلَّه وكلَّفه المَشقَّة. والرُّمَّة: قطعة من حبل بالٍ.
٢  مطموسة بالأصل (الناشر).
٣  هذا البيت على صورته هنا مركَّب من شطرين كلٌّ منهما لشاعر: الشطر الأول لعنترة بن شداد العبسي (٥٢٥–٦١٥م)، وهو صدر بيته:
ولو أرسلتُ رمحي مَعْ جبان
لكان بهيبتي يلقى السباعا
والثاني لعمرو بن مكتوم التغلبي المتوفَّى نحو ٥٨٤م، من معلقته الشهيرة وهو عجز بيته:
إذا بلغ الفطام لنا صبي
تَخِرُّ له الجبابر ساجدينا
٤  الجوزاء: برج من الأبراج في قبة الفلك.
٥  طنب: بنى البيت وشدَّه بأطنابه والأطناب الحبال، وهنا بمعنى قطن وأقام.
المشتري: كوكب من الكواكب السيارة.
العَيُّوق: نجم أحمر مضيء في طرف المجرَّة الأيمن يتلو الثريَّا ولا يتقدَّمها، والمعنى في هذا القول: المفاخرة بعلُوِّ الهِمَّة، إذ أشار إلى أنهم يبنون منازلهم على سطح المشتري، ويدقُّون أوتاد خيامهم على سطح العَيُّوق.
٦  البيت للمتنبي من قصيدته التي قالها يرثي أخت سيف الدولة والتي مطلعها:
نُعِدُّ المشرفية والعوالي
وتقتلنا المَنون بلا قتال

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠