الطعام لكل فم

قتل أديبنا الداهية توفيق الحكيم في مسرحية «يا طالع الشجرة» المرأة ليتخذ منها سمادًا لشجرة يعتز بها اعتزازًا وهي فيما يبدو شجرة الفن، على نحو ما جعل من قبل «بجماليون» الفنان صانع التماثيل يحطم بيد المكنسة جالاتيا تمثال المرأة الجميلة ليقضي على غرابة المرأة قضاءً مبرمًا، ثم قال هذا الداهية في مقدمة «يا طالع الشجرة» إنه قد صدر فيها عن مذهب اللامعقول لا تقليدًا للغربيين بل استلهامًا لأدبنا الشعبي الذي يقول في أحد مواويله:

يا طالع الشجرة
هات لي معاك بقرة
تحلب وتسقيني
بالمعلقة الصيني

وكما أن هذا الموال لا يمت إلى اللامعقول فكذلك جاءت مسرحية «يا طالع الشجرة»، فالموال إنما يرمز رمزًا شعبيًّا لطيفًا إلى الرجل الذي طلع الشجرة، أي أصاب الثراء، وأخذ الرجل الفقير يستعطفه لكي يعطيه أو يأتيه ببقرة تسقيه لبنها الذي سيشتري به ملعقة متواضعة من الخزف الذي يسمِّيه الشعب «الصيني»، وكذلك مسرحية توفيق الحكيم فهي الأخرى من رمزياته الذهنية التي عاد فيها إلى معالجة مشكلته المزمنة مع المرأة، وإن حاول بدهائه الفذ أن يضلل النقد والنقاد كما حدث فعلًا عندما نشر تلك المسرحية.

وها هو توفيق الحكيم الداهية يعود مرة أخرى إلى محاولة تضليل النقاد في مسرحيته الأخيرة التي سمَّاها «الطعام لكل فم»، وزعم أنه قد استوحى فيها من ناحية الشكل الفني وطريقة الإخراج فننا الشعبي العريق المعروف باسم «خيال الظل»، وذلك مع أن المسرحية أقرب ما تكون إلى ما ظهر في السنوات الأخيرة باسم «المسرح السحري»، الذي شاهد جمهور القاهرة عرضًا شيقًا له من فرقة تشيكوسلوفاكيا في السنة الماضية، وهي من ناحية المضمون لا تمت إلى المضمون الشعبي «لبابات» خيال الظل بصلة، بل تُعتبر شديدة الشبه والقرب من مذهب أدبي حديث يستند إلى نظرية معروفة اليوم عند علماء النفس باسم نظرية الإسقاط، أي إسقاط ما في النفس البشرية على الخارج ورؤية القضايا التي تشغل نفس الإنسان مجسدة أمام ناظريه، فيما يشبه الأشباح التي تُرسم على جدار حائط في الخارج أو ستارة مسدلة. ولفهم هذا التكنيك النفسي الخطير ومناقشة توفيق الحكيم في محاولته نلخص المسرحية في خطوطها العامة فنقول: إنها تعرض قصة موظف في محفوظات الدولة اسمه حمدي وزوجته سميرة اللذان يسكنان شقة في عمارة، وأطلقت السيدة التي تسكن الشقة العليا الماء في شقتها لغسلها وأسرفت في هذا الماء حتى «نشع» على حائط شقة حمدي وزوجته في شكل بقع كبيرة، وضج الزوجان بالشكوى واشتبكا في عراك مع صاحبة الشقة العليا، ولكن نشع الماء والبقع لم يلبث أن تحوَّل أمام ناظريهما إلى شكل أم وابنها وابنتها، حيث أخذت هذه الشخصيات الثلاث تفصح بطريقة الحوار عن قصة خاصة بها تتلخص في أن الابن عاد من دراسته في الخارج بمشروع ضخم يوفر الطعام لكل فم ويمحو الجوع من الأرض كلها، وبذلك يحقق السلام النهائي بين جميع البشر، غير أنه يعلم من أخته أن أمه قد تآمرت مع حبيب قديم لها على قتل أبيه.

وهنا يقتحم توفيق الحكيم مشكلة أزمة ضمير عند هذا الابن شبيهة بأزمة ضمير هملت، فالابن يرفض الأخذ بالثأر لأبيه من أمه بدعوى تغيُّر الزمن وخوفًا من الفضيحة الاجتماعية، ويظل هذا الخلاف على الثأر ناشبًا بين الأخ وأخته والأم المفزعة حتى يجف الحائط نهائيًّا فتسقط الشخصيات الثلاث من فوقه ترابًا، ويحاول حمدي وزوجته عبثًا تجديد هذا النشع ولو بالتسلل إلى الشقة العليا ومسح أرضها وغمرها بالمياه، وفعلًا يفعلان ذلك ولكن دون جدوى، وفجأة نرى حمدي الموظف الغارق في روتين وبلادة المحفوظات يتبنى هو نفسه مشروع توفير الطعام لكل فم وينكب عليه، مما يوحي بأن ما رآه حمدي وزوجته من شخصيات تتحدث عن هذا المشروع الضخم لم يكن في الواقع إلا إسقاطًا لحلم كبير كان يراود حمدي وزوجته، وقد تجسد أمامهما فيما يشبه حلم اليقظة الذي يسمِّيه علماء النفس ﺑ «الإسقاط».

أما من ناحية الشكل، فمن الواضح أن أي مُخرج حديث لن يفكر في عرض المشهد الوهمي بين الأم وابنتها عن طريق خيال الظل، أي الستارة الخفيفة المسدلة التي يُمثل المشهد من خلفها عرائس تتحرك وتتجاور ويُلقى عليها ضوء خلفي يعكس صورتها على الستارة المسدلة، كما كان الحال في خيال الظل القديم، بل طريقة الإخراج التي ستتبادر إلى المخرج العصري هي السينما وتصوير هذا المشهد على شريط سينمائي وعرضه على ستارة خلفية كما يفعل المسرح السحري الحديث، ويا حبذا لو ابتدأ المسرح السحري المزمع إنشاؤه قريبًا في القاهرة عروضه بهذه المسرحية.

وأما من ناحية المضمون، فيُخيل إلينا أن الإسقاط — كما يفهمه ويفسره علماء النفس — لا يستقيم بمفهومه إلا إذا أحسسنا بأن الأشخاص يرون حلم اليقظة مجسدًا أمامهم قد كانوا فعلًا مشغولين بمثل هذا الحلم. ولسوء الحظ لم نحس في الجزء الأول من هذه المسرحية بأن حمدي أو زوجته كانت تراودهما أية فكرة تمت إلى هذا الحلم بصلة؛ ولذلك يفاجَأ القارئ بما يشبه الانقلاب النفسي والمسرحي غير المفسر ولا المبرر عند حمدي في آخر المسرحية عندما نراه يتبنى هذا المشروع وينهمك فيه، كما أننا نرى أن مشكلة أزمة الضمير الخاصة بالأخذ بالثأر وكل ما كتبه توفيق الحكيم في المقارنة بين حالة هملت وحالة الابن في هذا المشهد الوهمي؛ قد أُقحم إقحامًا على الموضوع الأصلي للمسرحية، ويا حبذا لو حُذف كله عند عرضها! ليستقيم النسق ويتركز الموضوع ويتبلور في خطوطه الأساسية الكافية لإقامة البناء الفني لهذه المسرحية الجديدة التي ابتكرها شيطان الحكيم العفريت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢