الفصل الأول

الأحلام وتجارب المحاكاة

ذاتَ ليلة، استيقظ عالِم الحيوان الفرنسي إيف ديلاج على طَرَقَات الباب، كان الطارق هو حارس البيت يُخبِره أن يستيقظ لأن صديقًا له باغَتَه المرض، قام ديلاج من فراشه وارتدى ملابسه وتوجَّه مسرعًا إلى دورة المياه ليَغسِل وجهَه بإسفنجة مبلَّلة. أيقظَه إحساس الماء البارد على وجهه؛ كان في الحقيقة لا يَزَال مُستَلْقِيًا في الفراش بملابس النوم، ولم يكن ثمة أحد يطرق الباب، كانت التجربة كلها حلمًا.

بعد دقائق، سمع طَرَقَات أخرى على الباب، قال الحارس: «سيدي، ألن تأتي؟» رَدَّ ديلاج: «يا إلهي! إذن فهذا حقيقي بالفعل! اعتقدتُ أني أحلم.» ردَّ الحارس: «إطلاقًا، أرجوك أن تُسرِع، فالجميع ينتظرك!» استيقظ ديلاج وارتدى ملابسه، وأسرع إلى دورة المياه ليغسل وجهه. عندما لامَسَتِ الإسفنجة وجهه، استيقظ، ووجد نفسه بملابس النوم في الفراش. بعد برهة قصيرة، سمع طَرَقَات أخرى على الباب، ومرة أخرى كان الحارس يقول: «سيدي …»

قيل لنا إن هذه الأحداث كررتْ نفسَها أربعَ مرات قبل أن يستيقظ ديلاج في النهاية في العالم الواقعي. مرَّ ديلاج بظاهرة «الاستيقاظ الزائف» غير المعتادة ولكن غير النادرة أيضًا؛ إذ استيقظ فيما اعتقد أنه العالَم الواقعي، ليكتشف أن هذا أيضًا كان حلمًا. وعندما استيقظ ثانية، اكتشف أنه لا يزال في حلم لم يستيقظ منه بعدُ. إن عدد المستويات التي يمر بها النائم قبل أن يستيقظ في النهاية قد يكون كبيرًا للغاية، وغالبًا ما يجد الأشخاص الذين يمرون بتجربة الاستيقاظ الزائف العملية كلها شديدة الإحباط.

ثمة سببان رئيسيان لذلك؛ أولهما: هو رعب الاستمرار في حلقة تكرار أبدي للأحداث نفسها، أما السبب الثاني: فهو الشك الذي يُراوِدنا من جرَّاء الاستيقاظ الزائف حِيَالَ حقيقة الاستيقاظ الفعلي. كان الاستيقاظ من حلم إلى حلم، أو على الأحرى «الخروج من مستوًى إلى مستوًى أدنى»، حقيقيًّا ومقنِعًا تمامًا؛ إذن كيف نَعرِف أن تجربة اليقظة التي مررنا بها هذا الصباح قبل أن ننهض من الفراش كانت يقظة حقيقية؟ كيف تَعرِف أنك لم تستيقظ في حلم آخر، حلم يضم كل التجارب التي تمر بها الآن، وأنك بعد برهة قصيرة ستستيقظ مرة أخرى في عالم اليقظة، أو ربما في حلم آخَر؟

إن تأمُّل احتمالية أنك تحلم الآن أمْرٌ مُرْبِك بالتأكيد، ربما تظن أنه أمر بعيد الاحتمال، تمامًا مثل الفوز بالجائزة الكبرى في اليانصيب أو مثل السقوط ميتًا فجأة. هناك الكثير من الأشياء الممكنة نظريًّا، رغم أن احتمالية حدوثها شديدة الانخفاض (مثل أن يكتب قرد بعشوائية على الآلة الكاتبة الأعمال الكاملة لشكسبير، أو الاختفاء المفاجئ للأشياء نتيجة لتأثيرٍ ما يُطلَق عليه «النفق الكمومي»). فإذا كنتَ لا تقلق من احتمال أن يختفي هذا الكتاب فجأة من بين يديك نتيجة لتأثيرٍ كميٍ عجيب ما، فلمَ تقلق إذن من احتمالية أن تكون الآن في حلم؟

السبب في أنك يجب أن تقلق هو أن احتمالات أنك تحلم في هذه اللحظة بالذات أكبر بكثير جدًّا مما تتصور. لِنحسُبْ حسبة سريعة؛ نحن نَفتَرِض متفائلين أنك تحصل على ثماني ساعات من النوم كل ليلة؛ مما يجعل ساعات استيقاظك ستَّ عشرةَ ساعة في اليوم. اكتشَف الباحثون في مجال النوم أن هناك علاقة قوية بين الحلم وبين الدخول في نوم حركة العين السريعة؛ يتميز نوم حركة العين السريعة بالحركة السريعة لمقلة العين، ويكون الدماغ فيه نَشِطًا للغاية؛ حيث إن نشاطه الكهربي يُشبِه النشاط الكهربي للدماغ المستيقِظ، ولكن يكون إيقاظ النائم في هذه المرحلة أصعب من إيقاظه أثناء النوم في أي مرحلة بخلاف نوم حركة العين السريعة. ونحن نعلم أن ما بين ٢٠٪ إلى ٢٥٪ من نومنا يكون في مرحلة نوم حركة العين السريعة، فإذا ما أخذنا القيمة الدنيا وافترضنا أنك لا تحلم إلا أثناء نوم حركة العين السريعة، فهذا يعطينا ١٫٦ ساعة من الحلم كل ليلة؛ ومن ثَمَّ، نظرًا لأن لديك ١٫٦ ساعة من وعي الحلم لكل ١٦ ساعة من وعي الاستيقاظ، فإن هذا يعني أن احتمال أنك تحلم في أي لحظة يساوي ١ : ١٠، وهذا احتمال كبير للغاية، بالمقارنة: احتمال الفوز بالجائزة الكبرى في اليانصيب يساوي تقريبًا ١ : ١٤ مليون (هذا يعني أنك إذا اشتريت تذكرة كل أسبوع، فستحصل على الجائزة الكبرى في المتوسط كل ٢٥٠ ألف سنة)؛ واحتمال أن يسقط مؤلف هذا الكتاب صريعًا نتيجة حادثة السنة القادمة أقل من ١ : ٢٥٠٠.

fig1
شكل ١-١: التوزيع الطبيعي لمراحل النوم في ثماني ساعات؛ كلما زاد عدد الساعات في مراحل حركة العين غير السريعة (الرمادي الفاتح)، زادت صعوبة إيقاظ النائم.

مما سبق نخلص إلى أن ثمة احتمالًا لا بأس به أنك الآن تحلم، ولكن هل لهذا أهمية؟ بالتأكيد لا يمكننا أن نغضَّ الطرف على احتمال أن كل هذا حلم، ولكنه ما دام مستمرًّا، فلن يشكل هذا أي فارق يُذكَر في طريقة عيشنا للحياة. فحتى إن لم تكن ورقة خمسة الجنيهات الاسترلينية التي لديَّ في جيبي إلا نقودًا في الحلم، ولم تكن كعكة الفراولة التي أشتريها بها إلا كعكة في الحلم؛ فما زلتُ في النهاية أستطيع الشعور بمذاق كعكة الفراولة، وماذا أريد أكثر من هذا؟ فحتى إن كنتُ أحلم الآن، فسيظل لديَّ قدرة على أن أخطِّط لحياتي، وسيظل السبب يتبع المسبب والأفعال سيظل لها نتائج. بالطبع، لن تكون هذه النتائج إلا نتائج داخل الحلم، ولكن بما أننا افترضنا من البداية أنني لن أستطيع أن أفرق «من الداخل» بين إذا ما كنتُ أحلم أم لا، فلِمَ أقلق بهذا الشأن؟ عالم التجارب لا يزال كما هو، وهذا هو المهم في النهاية.

ما مدى سرعة مرور الوقت داخل الحلم؟

هل يمر الوقت في الحلم بالسرعة نفسها لمروره في اليقظة؟ يبدو أن أدلةً غير موثقة تقترح أنه يمر بسرعة أكبر بكثير؛ قام النبي محمد بزيارته المشهورة للسموات السبع في حُلم استغرق منه وقتًا أقلَّ من تدفق الماء من قِنِّينة مقلوبة. يحلم الكثيرون منَّا بأحلام فيها قصص تستمرُّ لعدة أيام؛ ومن ثَم تبدو لنا أطول كثيرًا من الوقت الفعلي الذي نقضيه في الحلم. فإذا كان هذا صحيحًا فسيكون هناك لحظات أكثر من الوعي مقابل كل وحدة من وقت النوم نقضيها في الحلم؛ ومن ثَم سيكون احتمال أنك تحلم الآن أكبر من ٠٫١. إلَّا أن الأبحاث التي أُجرِيَتْ في الأحلام الجلية (الأحلام التي يَعرِف فيها الحالم أنه يحلم) بيَّنت أن الوقت في الحلم يمر بالسرعة نفسها التي يمر بها في حياة اليقظة؛ فعندما يحرك النائم الذي يحلم بحلم جليٍّ مقلة عين جسده الحالم، يتسبب هذا في حركة مقلته الحقيقية. يمكن تتبُّع هذه الحركة في مختبر النوم، وبهذه الطريقة يستطيع الحالمون إرسال إشارات من نومهم إلى عالم اليقظة؛ على سبيل المثال، يمكن أن نطلب من المشاركين في التجربة تَحريك عيونهم خمس مرات من اليسار إلى اليمين في الحلم الجلي، وتقييم فترة زمنية ثم تحريكهما مرة أخرى. عندئذٍ يمكن المقارنة بين الوقت الحقيقي ووقت الحلم. أظهرت التجارب أنه في المتوسط تستمر الفترة المقدَّرة بعشر ثوانٍ حوالي ١٣ ثانية في اليقظة؛ وهذا هو مقدار الوقت نفسه الذي تستغرقه في الحلم الجلي. يبدو أن تجربتَيِ اليقظة والأحلام تحتويان على العدد نفسه لِلَحظات الوعي لكل وحدة من وقت اليقظة.

بيدَ أن هذا المنطق متسرِّعٌ إلى حدٍّ ما؛ ففي الواقع، ثمة فارق ضخم إذا كنتَ تحلم الآن؛ أولًا: سيكون الجزء الأكبر من معتقداتك خاطئًا؛ فقد تعتقد بوجود قطعة من كعك الفراولة؛ أيْ شيءٍ ماديٍّ، أنتجها خبَّاز، ولها شكل ووزن ومحتوَى سُكَّرٍ معين، شيء يسبب إدراكك لهذه القطعة من الكعك، لكن كل هذه المعتقدات ستكون خاطئة؛ فليس هناك قطعة كعك بهذه المواصفات، بل مجرد مجموعة من الصور في عقلك تتجمع معًا بطريقة معينة لتشكِّل فكرتك عن قطعة الكعك، دون أي صلة بأي كعك في الواقع الخارجي على الإطلاق.

ثانيًا: سيكون عليك أن تُراجِع معتقداتِك بشأن الأخلاق والمبادئ الأخلاقية. ربما تعتقد أن ثمة أشخاصًا حولك، كزَوْجك وأبويك وأصدقائك وزملائك. فإذا كنتَ في حلم، فكل هذا غير حقيقي. هناك أفكار في عقلك تعتقد أنها تمثل أشخاصًا، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك. نحن عادةً ما نعتقد أننا مُجبَرون على أن نتصرف على نحو أخلاقي نظرًا لتبعات أفعالنا على الآخَرِين. فإذا كان فعلٌ معينٌ يسبب معاناةً للآخرين، فعلينا أن نُحْجِم عن القيام به؛ أما إذا كان يسبِّب إسعادَهم، فعلينا أن نُكافِح من أجل القيام به، ولكن إذا لم يكن كل الناس الذين تتعامل معهم إلا صورًا في حلمك، فهذا الدافع يتلاشى تمامًا. مع ذلك، ما زال عليك أن تتجنب الأفعال غير الأخلاقية التي سيكون لها عواقب مؤسِفة بالنسبة لك (فأنْ ينتهِيَ بك الأمر في سجن بالحلم ليس أفضل حالًا بكثير من أن ينتهي بك الأمر في السجن في الواقع)، ولكن ما دمتَ تستطيع الإفلات بفعلتك، فإن أماني الآخَرين وهمومهم لن تَرْدَعَك بالضرورة عن أي فعل؛ نظرًا لأن تلك الأماني والهموم كلها غير حقيقية بالمرة.

إذن هناك في الحقيقة تبعات جوهرية لِمَا تعرفه وللطريقة التي يجب أن تتصرف بها إذا لم تكن تجربتك بأكملها إلا حلمًا، هذه النتائج تصبح متطرفة بشكل خاص إذا افترضنا أن الموجود هو أنت فقط والأفكار التي تدور بعقلك. هذه الحالة الفلسفية يُطلَق عليها «نظرية الإيمان بالذات» وتقلص العالم ليصبح في حجم عقلك. (لعلك تعرف المزحة التي يكتب فيها شخص مُرْتبِك مؤيد لنظرية الإيمان بالذات لكاتبة عمود النصائح: «سيدتي العزيزة، أنا من المؤمنين بنظرية الإيمان بالذات، وهذا وضعٌ محمود، وأتساءل لماذا لا يوجد أشخاص آخرون مثلي؟») بالمقارنة بنظرية الإيمان بالذات، يُعتبر الاعتقادُ بأنك تحلم الآن معتدلًا؛ فإذا كنتَ تحلم الآن، فسيكون هناك وقت تستيقظ فيه، وهناك طرق محدودة نقول بها إنك قد تملك بعض المعتقدات الصحيحة (ربما معتقدات في الحقائق الرياضية، التي قد تكون سليمة أيضًا في عالم اليقظة)، يمكننا أيضًا أن ندافع عن التصرفات الأخلاقية في عالم الحلم (إذا قلنا إن التصرفات غير الأخلاقية تشوِّه شخصيتك، وإذا كانت شخصيتك شيئًا موجودًا على الأقل جزئيًّا في حالة اليقظة الخاصة بك). ولكن بالنسبة للمؤمنين بنظرية الإيمان بالذات، فليس هناك عالم خارجي، وليس هناك أشياء، وليس هناك أشخاص؛ هناك شخص واحد فقط، هو أنا، وكل شيء يحدث داخل عقلي.

عادةً ما يرتبط القلق مما إذا كنا نحلم الآن بالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠) الذي ناقش هذه القضية في مستهلِّ كتابه «تأملات في الفلسفة الأولى». أما في النقاش المعاصر، فغالبًا ما يتم بحث هذه القضية بتناول بديلها الأكثر حداثة وتكنولوجية: القلق من أن نكون دماغًا في وعاء.

تتيح لنا التكنولوجيا الطبية الحديثة الحفاظ على حياة بشر يفتقدون أعضاءً حيوية متنوعة كالقلب أو الكليتين. وسرعان ما ستكون هناك رئات وأكباد صناعية، وليس ثمة مبالغة في الخيال حين نقول إنه في وقت من الأوقات في المستقبل سنتمكن من الإبقاء على حياة دماغ بشري على الرغم من تدمير جسده. سيتم إمداد هذا الدماغ بالمواد الغذائية عبر بديل للدم — في العادة محلول مؤكسج من أملاح متعددة — ولن يعود معتمدًا على جسمه السابق من أجل وظائف الحفاظ على الحياة. تم تحقيق نجاح في هذا الاتجاه مع أدمغة الخنازير الغينية، ويبدو أنها مسألةُ وقت قبل أن يستطيع الطب فعل الشيء نفسه بأدمغة البشر.

مع ذلك، لا تكمن الصعوبة الأساسية في كيفية الحفاظ على حياةِ مثل هذا الدماغ، وإنما في الحفاظ عليه نَشِطًا ومحفَّزًا؛ حيث إن الحفاظ عليه معزولًا سيكون مثل كونه مشلولًا وأعمى وأصم وأبكم وغير قادر على الشم أو التذوق أو اللمس في الوقت نفسه، وهذه حالةٌ أسوأ من حالة المرضى المصابين بمتلازمة المنحبس، والذين يُعانون من شلل رباعي وعدم قدرة على الحركة أو التواصل نتيجة تلف الدماغ الأسفل وجذع الدماغ.

fig2
شكل ١-٢: تعديل سينمائي مبكِّر لسيناريو الدماغ في وعاء.

على الأقل يتلقَّى هؤلاء المرضى بعض المدخلات الإدراكية، أما الدماغ المعزول فلا يحصل على أي معلومات عن العالم من حوله. ولكي تحافظ على سعادة دماغ في وعاء، عليك إذن أن تحفز أعصابه على نحوٍ يحفز المدخلات من أعضاء الإحساس السابقة الخاصة به. والقيام بذلك على أي نحو شامل هو بالتأكيد أمر يَخرج عن نطاق قدرات العلم في الوقت الحالي، ولكن أساسيات التكنولوجيا اللازمة لذلك موجودة؛ فقد استُخدمت واجهات الدماغ-الكمبيوتر لاستعادة القدرة المحدودة على الإبصار للأشخاص الذين لم يُولَدوا مكفوفين عن طريق زراعة مجموعة من الأقطاب الكهربائية المتصلة بكاميرا في القشرة البصرية مباشرة، وقد تم الحصول على نتائج مشجِّعة مشابِهة مع الأذرع الآلية. وقد يتيح لنا تطوير هذه التقنيات في المستقبل توفير عوالم محاكاة كاملة للترفيه عن الأدمغة المعزولة المتصلة بأجهزة حفظ الحياة. بالطبع لن تكون هذه العوالم المحاكاة قريبة من شكل العالم الحقيقي. فسيكون من القسوة المحضة أن نرسل نبضات كهربية للدماغ تجعله يرى ما سيراه إذا كان له عينان؛ إذ سيرى حينها الجزء الداخلي من برطمان مملوء بمادة مغذية سائلة، ثم يتخطَّى ذلك إلى المنظر المحبِط لوحدةِ حفظ الأدمغة المعزولة في المستشفى المحلي، المليئةِ بأرفف تحمل صفوفًا فوق صفوف من الأدمغة المماثلة. وبما أن الواقع المحاكَى جزء من العلاج الطبي بغرض تقليل معاناة المريضة، أَفَلَنْ يكون من الأفضل إعطاؤها (أو على الأحرى إعطاء مخها) عالمًا محاكًى تتمتع فيه بجسد وتعيش حياة بشرية سعيدة كاملة بكل ما تحمل الكلمة من معنًى؟

ولكن هذا يثير خاطرًا مُقلقًا: إذا كان هذا ما قد يفعله الأطباء، وإذا كانت الأدوات التكنولوجية اللازمة ستكون متاحة عند نقطةٍ زمنيةٍ ما، فكيف يتأتَّى لنا أن نعرف أن هذا ليس ما يحدث لنا بالفعل؟ ليس من المُجدي أن يكون الرد «نحن نعيش في بداية القرن الحادي والعشرين والأطباء غير قادرين على فعل ذلك حتى الآن.» فإذا كنَّا أدمغةً معزولة يتم إمدادها بعوالم محاكاة، فقد تكون الحالة هي أنه يبدو أننا نعيش في عام ٢٠١١ في العالم المُحاكَى، ولكن التاريخ الحقيقي هو ٢١٩٩. وقد يكون خداعك بشأن الزمن جزءًا من الخطة العلاجية؛ فربما يكون عالم ٢١٩٩ عالَمًا محبِطًا قبيحًا لا تستحب الحياة فيه؛ ومن ثم فالأفضل لنا أن نعيش في عالم ٢٠١١ المُحاكَى.

قد تظن أن هذه العوالم المحاكاة ليست قابلة للتطبيق، فرغم كل شيء، إن أردنا الحق، فلن تضطر نُظُم المحاكاة إلى توفير عالم لا يستطيع الدماغ تغييره (شيء أشبه بجعل الدماغ يشاهد فيلمًا يَجرِي داخل الخلايا العصبية)، وإنما عالم يستطيع الدماغ التفاعل معه ويستطيع التأثير فيه من خلال القرارات التي يتخذها (شيء أشبه بجعل الدماغ يلعب لعبة كمبيوتر داخل الخلايا العصبية)؛ لذا إذا سرتَ في شارع محاكًى وقررتَ فجأة أن تفتح باب أحد المنازل، فسيكون على نظم المحاكاة أن توفِّر على الفور كل ما قد تراه وتسمعه وتلمسه وتشمه وتتذوقه في هذا المنزل؛ وبناء هذا القدر الضخم من الواقع المحاكَى وتوفيره للدماغ في الوقت الفعلي مهمة هائلة ليست فقط خارج نطاق قدراتنا التكنولوجية الحالية، ولكن أيضًا قد تكون خارج نطاق أي حضارة مستقبلية.

للأسف ليست هذه حجة مُقنِعة تَدحَض احتمالية أن تكون أنت دماغًا في وعاء. بادئ ذي بدء، يمكن أن تكون نظم المحاكاة في المستقبل البعيد جدًّا، في زمن يناهز في بُعده عن زمننا الحاضر بُعد زمننا عن العصر الحجري؛ فأجهزة الكمبيوتر في ذلك الوقت قد تتمكن من معالجة «الانفجار التوافقي» الذي يتسبب فيه الاضطرار للمحاكاة استجابة لاختيار العميل. أو ربما، وهذه هي النقطة الثانية، لا تكون مثل هذه الموارد الحسابية الضخمة ضرورية. إن دماغنا معقَّد للغاية، ولكن قدرته الحسابية ليست بهذه الضخامة. وتتراوح التقديرات ما بين مائة تيرافلوب (واحد تيرافلوب يساوي ١٠١٢ عملية في الثانية) وألف ضعف؛ أي مائة بيتافلوب. تم تركيب أول كمبيوتر فائق، إيه إس سي آي بيربل، يتمتع بذروة أداء نظرية تبلغ مائة تيرافلوب عام ٢٠٠٥. أما الكمبيوتر الفائق رقم واحد في الوقت الحالي، كراي جاجوار، فيتمتع بقدرة قصوى تبلغ ١٫٧٥ بيتافلوب. فإذا كان قانون مور الذي يتنبأ بمضاعفة القدرة الحسابية كل سنتين لا يزال ساريًا، فسوف نحصل على قدرة حسابية تبلغ مائة بيتافلوب في غضون عَقْد واحد أو أكثر قليلًا. مثل هذا الكمبيوتر سيمتلك المصادر اللازمة لإنتاج عالم محاكًى مقنع؛ لسبب بسيط هو أن عقولنا التي تتمتع بالقدرة الحسابية نفسها تفعل ذلك كل ليلة عندما نحلم. وبما أن محاكاة «الوقت المناسب» يبدو أنها لا تمثل مشكلة كبيرة لأدمغتنا، فمن المفترض أن نستطيع التغلب على الصعوبات التي سينطوي عليها الأمر.

هل هناك أي طريقة للتخلص من الشك المؤرِّق في أننا أدمغة منشَّطة اصطناعيًّا ومُضلَّلة من قِبَل عوالم محاكاة مولدة بالكمبيوتر؟ إذا ثبتت صحة هذا الشك، فإنه يجب أن يُثير أعصابنا حقًّا. فماذا نعرف عن المعايير الأخلاقية الخاصة بالعلماء المتحكمين في أدمغتنا؟ هل يضعون مصلحتنا نصب أعينهم؟ وإذا لم يكن الوضع كذلك، فكيف نعرف أن العالم المحاكى لن يصبح فجأة غير مترابط (ربما بسبب خطأ في برنامج المحاكاة) أو، الأسوأ من ذلك، يصبح مُرعِبًا (لأن عالِمًا شِرِّيرًا وضع دماغنا في فيلم الرعب المفضَّل لديه)؟ بل، هل نحن على يقين أساسًا أن هناك عالمًا في الجانب الآخر من أدمغتنا؟ ربما يُدير عملية المحاكاة كمبيوتر عملاق، وهذا الكمبيوتر إلى جانب الأدمغة ربما يكونون كل ما هو موجود في الكون.

لكن يبدو أن هناك خطأً ما في هذه الفكرة برمتها. لتعرفَ هذا الخطأ، تأملْ أولًا فكرة أن المعتقدات تشير إلى ما سبَّبَها. فإذا كنتُ أعتقد أن هناك موزة أمامي، فهناك سلسلة من الأسباب يمكن تعقُّبها من الفكرة التي تراود عقلي، عبر بعض النشاط العصبي في دماغي، وتنبيه الخلايا المستقبلة للضوء والموجودة في شبكية العين، والموجات الضوئية المنعكسة، إلى أن نصل إلى الموزة. وإذا لم يكن هناك سلسلة ملائمة من الأسباب مثل هذه، فليس هناك مرجع، حتى إن كان «يبدو» أن له وجودًا. إذا كتبتُ في مذكرتي «جو» لأذكِّر نفسي بإرسال بطاقة معايدة لعيد ميلاده، فإن «جو» ترجع إلى صديقي جو؛ لأن هناك سلسلة سببية ترجع في النهاية إلى جو، كما هو الحال في مثال الموزة، ولكنني إذا أوقعت لوحة الحروف العشوائية، وصادف أن كوَّن حرفان من الحروف التي وقعت على الأرض كلمة «جو»، فهذه الكلمة لا تشير إلى صديقي جو.

في عام ١٩٢٣، ظهر وجه هنري ليدل، عميد كلية كنيسة المسيح بجامعة أكسفورد ووالد أليس (النموذج الواقعي للشخصية التي ابتكرها لويس كارول «أليس في بلاد العجائب»)، في المِلَاط الجاف للجدار الموجود تحت النافذة التذكارية المبنية من أجله في كاتدرائية كلية كنيسة المسيح. ورغم عدم وجود صور فوتوغرافية، تؤكد الروايات المعاصرة لنا أن «ذقن العميد وأنفه ورأسه، وكذلك الصلعة الموجودة في منتصف رأسه والشعر الأبيض المعقوص تحتها، ظاهرة بوضوح على الجدار.» إذا ما وضعنا في اعتبارنا عدم وجود سلسلة سببية تربط الرسوم الموجودة على الجدار بالعميد الراحل أكثر مما كان يربط حروف كلمة «جو» بالشخص الحقيقي، فإن هذه الرسوم لا تمثل هنري ليدل، على الرغم من أنها قد تبدو ممثلة له.

fig3
شكل ١-٣: «داوسون ديلي نيوز» تُجري تحقيقًا عن الظهور الغامض لصورة العميد ليدل على جدار كاتدرائية كلية كنيسة المسيح.

والآن افترضْ أن العالم المحاكى المجهَّز لدماغ معين أعطاه الاعتقاد بأنه ماثِل أمام تاج محل، فإلامَ تشير فكرته عن تاج محل؟ بالتأكيد هي لا تشير للمبنى؛ لأن هذا المبنى غير موجود في الكون كله. (تذكَّرْ أن لدينا كونًا يقتصر على الأدمغة المعبأة في برطمانات، والكمبيوتر الذي يدير العرض كله، ولا شيء خلاف ذلك.) بما أن المعتقدات تشير إلى ما سبَّبها، وبما أن هذا المعتقد تَسبَّب فيه جزء من الكود مضمن في العالم المحاكى الذي وفره الكمبيوتر العملاق، إذن ففكرة تاج محل تشير إلى جزء من كود حاسوبي! ولهذا تبعات مفاجئة إلى حدٍّ ما تتلخص في أن معظم معتقدات هذا الدماغ في الواقع حقيقية. فإذا اعتقد الدماغ أن تاج محل بناه شاه جهان، فإنه يعتقد أن تاج محل (جزء من الكود) مرتبط بشاه جهان (جزء آخر من الكود) على نحو معين، وهذا هو ما عليه الأمر في الواقع؛ لأنهما مرتبطان بهذه الطريقة في الكود المؤسس للعالم المحاكى. بالمثل، إذا اعتقد الدماغ، بناءً على العالم المحاكى المتوفر، «أنني ماثل أمام تاج محل»، فإنه ليس مضلَّلًا، رغم عدم وجود أي شخص وعدم وجود تاج محل في الأساس. ويرجع هذا إلى أنه، على الرغم من أن فكرتنا عن «الجسم» وفكرتنا عن «تاج محل» لا تُشِير إلى شيء موجود في الكون، فإن هناك شيئًا ترجع إليه أفكار الدماغ. إن ما يسبب فكرتنا بخصوص تاج محل لا يوجد في هذا الكون، ولكنَّ ما يسبب فكرة الأدمغة؛ ومن ثَم ما ترجع إليه الفكرة، موجود بالفعل.

دعونا نفرِّق بين ما تشير إليه أفكار الدماغ (أيْ أجزاء الكود الحاسوبي) بكتابته بين علامتَي تنصيص، بحيث إننا عندما نقول تاج محل فإننا نشير إلى فكرتنا عن تاج محل، أما عندما نقول «تاج محل» فإننا نعني فكرة الأدمغة عن تاج محل.

والآن افترضْ أنك مجرد دماغ في الكون الموصوف توًّا. إذا كنتَ دماغًا في عالم محاكًى، فإن فكرتك عن «الدماغ» لا تشير إلى دماغ (وإنما تشير إلى «دماغ»)، وفكرتك عن «العالم المحاكى» لا تشير إلى عالم محاكًى (وإنما إلى «عالم محاكًى»). ولكن إذا كان اعتقادك أنك دماغ في عالم محاكًى لا يشير إلى دماغ، إذن فهذا الاعتقاد خطأ، بقدرِ ما يُعتبر اعتقادك أن اليتي (الإنسان الجليدي المقيت) نباتيٌّ اعتقادًا خاطئًا إذا لم يكن يشير إلى اليتي (على سبيل المثال، إذا لم يكن هناك وجود ليتي). وهكذا إذا كنتَ دماغًا في عالم محاكًى، إذن فاعتقادك أنك دماغ في عالم محاكًى هو اعتقاد خطأ.

ثمة أمر خطأ هنا. بالتأكيد إذا كنتَ دماغًا في عالم محاكًى، فإن اعتقادك أنك كذلك ينبغي أن يكون صحيحًا (بقدرِ ما يكون اعتقادك أنك بَدِين صحيحًا إذا كنتَ ضِعْفَ وزنِك الحقيقي). ومع ذلك فالعكس هو الصحيح.

يبدو أن المشكلة هي أن الكلمات والأفكار والمعتقدات الخاصة بالدماغ، والتي يمدنا بها العالم المحاكى، منفصلة تمامًا عن كلماتنا وأفكارنا ومعتقداتنا؛ فكلامنا يشير إلى سبب أفكارنا، وكلامهم (كلام الأدمغة) يشير إلى سبب أفكارهم، وهذه الأسباب مختلفة تمامًا عن تلك. ولكي نطرح سؤالًا إذا ما كان من الممكن أننا في عالمهم، يجب أن يكون لدينا لغة تشتمل على الاثنين؛ أي لغة تستند إلى الأفكار التي تتسبب فيها أشياء مثل الأحذية والسفن وشمع الختم الأحمر، وأفكار تتسبب فيها «الأحذية» و«السفن» و«شمع الختم الأحمر». ولكن إذا أمكننا أن نستخدم هذه اللغة؛ فنحن إذن لا يمكن أن نكون أدمغة في عالم يقتصر على الأدمغة والكمبيوتر العملاق؛ نظرًا لأن الأحذية والسفن وشمع الختم الأحمر لن يكون لها أي تأثيرات سببية في ذلك العالم، فهي ببساطة أشياء غير موجودة في مثل هذا العالم. في هذه الحالة، قد نتساءل: «إذا كنَّا غير قادرين على أن نَصِفَ — على نحو متماسك — حتى إمكانية أن نكون مجرد أدمغة منشَّطة كهربيًّا، فلِمَ نقلق بهذا الشأن؟»

للأسف الشديد، هذا لا يساعدنا كثيرًا في استبعاد إمكانية أن نكون أدمغة في عالم محاكًى. فبادئ ذي بدء، ثمة صعوبات عديدة في الحجة المعروضة توًّا؛ بالطبع، أنا لا أستطيع أن أتحدث بكلمات ليس لها مرجعية، ولكنني أستطيع التحدث عن أشياء غير موجودة باستخدام كلمات لها مرجعية. فأنا أستطيع أن أتحدث عن اليتي، حتى إن كان غير موجود، بإقرار أن «اليتي» يعني «كائنًا ضخمًا يُشبِه القِرْد ويعيش في جبال الهيمالايا»، فكل هذه الكلمات لها مرجعية، ولكننا نفترض أنها مُجتَمِعة لا تشير إلى شيء موجود. بالمثل، ألَا أستطيع أنا والدماغ أن نستخدم أفكارًا لها مرجعية بِلُغتَينا على التوالي، للتفكير في أشياء غير موجودة في عالمَينا، مثل الأشجار الحقيقية، أو أجزاء الكود الحاسوبي التي تتسبب في إحداث تأثيرات شديدة الواقعية والتفصيل للأشجار؟ على الأقل لا يوجد في الحجة السابقة ما يُبيِّن أن هذا لا يمكن أن يحدث.

ومع ذلك، ثمة صعوبة كبرى تتمثل في أن الحجة السابقة استطاعت أن تستبعد حالة معينة واحدة، حتى وإن تمكنت من أن تفعل هذا بنجاح، وحتى إذا سلَّمنا أننا لا نستطيع وصف عالم يقتصر على الأدمغة المنشَّطة اصطناعيًّا، فماذا عن السيناريوهات الأخرى المرتبطة بهذا السيناريو؟ فلْنفترضْ أن علماء أشرارًا أزالوا دماغك من جسمك، وأبقَوْه حيًّا في وحدة حفظ أدمغة عالية التقنية، وقاموا بمحاكاة التجارب التي تمر بها في الوقت الحالي كما هي بالضبط (أي تجربة قراءة هذه الجملة). لاحظ أنه في هذه الحالة، لن تشير أفكارك فجأة لشيء مختلف، كما في المثال الموضح للتوِّ. بالطبع، تجربة رؤية تاج محل سيتسبب فيها الآن جزء من كود حاسوبي تشغِّله وحدة حفظ الأدمغة، ولكنك ما زلت في عالم يوجد به تاج محل، ويمكن تعقب سلسلة الأسباب التي تسببت في تجربتك إلى ما وراء الكود الحاسوبي؛ إلى المبرمج الذي كتب الكود وإلى صور تاج محل التي استخدمها لإنشاء محاكاة له، وإلى المصور الذي التقط الصور، وأخيرًا إلى تاج محل نفسه؛ إذن ففكرتك عن تاج محل ما زالت تشير إلى المَبنَى الحقيقي، وليس إلى «تاج محل». إن أفكارَ ومعتقداتِ وكلماتِ البشر العاديين ليست معزولة عن تلك الخاصة بالأدمغة المنشَّطة كهربيًّا؛ ومن ثَم فإننا لا نستطيع أن نقول إن وصف هذا السيناريو غير متماسك. في ذلك الحين يحق لنا أن نسأل عن ميزة وجود حجة تستبعد سيناريو «اقتصار الكون على الأدمغة والكمبيوتر العملاق»، إذا كان هناك سيناريوهات أخرى كثيرة (مثل سيناريو «إزالة كل أدمغة الذكور على يد عالِمة شريرة»، وسيناريو «إزالة كل أدمغة البشر على يد كائنات فضائية»، وغيرها من السيناريوهات) لم يتم المساس بها وما زالت تعتبر احتمالات قائمة.

وأخيرًا، يجب أن نلاحظ أن النتيجة التي توصلتْ إليها حجتُنا هي فقط أن سيناريو «اقتصار الكون على الأدمغة والكمبيوتر العملاق» لا يمكن وصفه على نحو متماسك. ولكن هذا لا يثبت أن مثل هذا السيناريو غير موجود. عوضًا عن ذلك، يمكننا أن نفهم هذه الحجة باعتبارها تُثْبت أن هناك بعضَ المواقف المحتملة التي يمكن أن أمرَّ بها، ولكنني لا أملك الموارد التصورية لوصف هذه المواقف؛ فعلى غرار بعض الأشياء التي نجهل أننا نجهلها، على حسب قول وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، هذه السيناريوهات المحتملة موجودة، وقد أكون في أحدها، ولكنني حتى لا أستطيعُ أن آخذ بمجامعها لتحديد مدى رجحانها من عدمه. وبدلًا من تخفيف قلقنا من أن نكون مجرد أدمغة منشَّطة اصطناعيًّا، زادت هذه الحجةُ الطينَ بلَّةً؛ لأننا الآن ليس علينا أن نقلق فقط حيال كل الاحتمالات السيئة التي تخطر ببالنا، ولكن أيضًا حيال تلك التي لا تخطر ببالنا.

لعلك تظن أن احتمالية أنك تحلم الآن، وأنك دماغ بلا جسد في بيئة منشطة اصطناعيًّا — أو أي احتمالية أخرى غريبة يمكنك أن تفكر فيها — تترك لنا حقيقة واحدة لا مساس بها؛ أنك أنت مَن تمر بهذه التجربة، وأنك شخص حقيقي. قد تكون مخطئًا بطرق شتَّى حيال هويتك (مخطئًا حيال إذا ما كنتَ كبيرًا أم صغيرًا، إذا ما كنتَ ذكرًا أم أنثى، إذا ما كان لك جسد أساسًا أم لا)، ولكن لا يمكن أن تكون مخطئًا حيال وجودك. فرغم كل شيء، لا يمكن أن يوجد وهْم دون وجود شخص يتوهم به. قد لا يكون هذا اليقين شيئًا كثيرًا، ولكنه شيء على الأقل. بل إن رينيه ديكارت اعتقد أنه يكفيه أن يبني منظومته الفلسفية بأكملها على يقين الوجود بينما يشك في وجوده؛ لأنه لا يمكن أن يوجد شك دون وجود شخص يشك. للأسف، هناك آراء مثيرة للاهتمام ترى أن اليقين في وجودك، مثل اليقين في وجود العالم الخارجي، يمكن أن يكون وهمًا.

إنها حقيقة معروفة أن الذات التي نشعر بها في الأحلام لها سمات مختلفة تمام الاختلاف عن ذاتنا في اليقظة؛ فهي لا تستطيع الوصول إلى الكثير من ذكريات ذات اليقظة، وعادة ما تتمتع بمجموعة مختلفة من الانفعالات المسيطِرة (غالبًا ما تكون أكثر سلبية)، وقد يكون لها جسد مختلف أو حتى جنس مختلف. فإذا ما وضعنا في الاعتبار هذه الاختلافات الجوهرية، هل من الممكن وجود حلم لا تكون أنت فيه الشخصية الرئيسية، رغم أن تجاربها جزء من حلمك؟ هذا قد يكون حلمًا لستَ أنت بطله، وإنما بطله شخصية من شخصيات الحلم، قد تكون واقعية أو خيالية مثلها مثل باقي الشخصيات في الحلم، ولكن مع الفارق أن الحلم قد روي من وجهة نظرها؛ ومن ثَم فإن حياتها الداخلية كلها ستكون واضحة تمامًا أمامَك. في هذه الحالة فأنتَ في موقف تكون فيه «أنت» في رأس شخصية تحلم بها، مثلما حدث في فيلم «أن تكون جون مالكوفيتش»، ولكن دون أن تملك القدرة على الوصول للذكريات والمعتقدات والرغبات «الخاصة بك أنت» (في مقابل الذكريات والمعتقدات والرغبات الخاصة بشخصية الحلم). فإذا سألتْ هذه الشخصية نفسها إذا ما كانت مستيقظة أم نائمة، فبالتأكيد الإجابة الصحيحة هي أنها ليست كذلك ولا كذلك؛ فهي فقط شخصية في حلم أحدهم وسوف تختفي فور استيقاظ الحالم من نومه.

الأطلال الدائرية

يصف خورخي لويس بورخيس في قصته القصيرة «الأطلال الدائرية» ساحرًا، على الأرجح من مدينة باختر القديمة، يخلق شابًّا صغيرًا من أحلامه. ويساعده إله النار على بثِّ الحياة في هذا الشاب، كما يجعل هذا الطيفَ معصومًا من الحرق. وفيما يلي نهاية القصة:

بعد فترة معينة، تُفَضِّل بعض السجلات حسابها بالسنين وبعضها بالعقود، أيقظه مجذفان في منتصف الليل؛ لم يستطع رؤية وجهيهما، ولكنهما تحدَّثا معه عن رجل مسحور في معبد الشمال يستطيع السير فوق النار دون أن تمسه النار. فتذكر الساحرُ فجأة كلمات الإله، وتذكر أنه من بين كل المخلوقات على سطح الأرض، كان إله النار هو الوحيد الذي يعرف أن ابنه ما هو إلا طيف. وهذه الذكرى، التي هدَّأت من روعه في البداية، عذَّبتْه في النهاية؛ فقد خاف أن ابنه إذا ما تأمل هذه الميزة غير العادية أن يكتشف بوسيلة أو بأخرى أنه مجرد محاكاة تافهة، أنه ليس رجلًا، بل مجرد إسقاط لأحلام رجل آخَر، يا له من ذلٍّ لا يُضاهَى! ويا له من جنون! كل أب يهتم بالأبناء الذين أنجبهم من لحظات خالصة من السعادة؛ ولذا كان من الطبيعي أن يَخشَى الساحر على مستقبل هذا الابن الذي خَلَقَ جسدَه جزءًا تلو الآخر، وشكَّل ملامحه ملمحًا فملمح، في ألف ليلة وليلة خفية. لكن مخاوفه انتهتْ فجأة، ولكن ليس دون تحذيرات سابقة تُنبِئ بانتهائها. أولًا (بعد قحط دام لفترة طويلة) ظهرت غيمة بعيدة — في خفة الطير — فوق تل؛ ثم تخضَّبت السماء، نحو الجنوب، باللون الوردي؛ ثم أتتْ سُحُب الدخان التي سبَّبت صدأ المعادن في الليل؛ وبعد ذلك جاء سرب من الطيور البرية المذعورة؛ لأن ما حدث منذ قرون عديدة يُعِيد نفسه. تحطمت أطلال معبد إله النار بفعل النار. وفي فجر دون طيور، رأى الساحر النيران وهي تتصاعد من جدران المعبد. وللحظات، فكَّر في أن يحتمي منها بالماء، ولكنه أدرك عندئذٍ أن الموت قد جاء ليتوِّج شيخوخته ويُرِيحه من أعبائه، فمشى نحو ألسنة اللهب، ولكنها لم تَنَلْ من جسده، بل رَبَّتَت على جسده بلطف وغمرتْه دون أن تحرقه أو تؤذِيَه. وهنا أدرك بمزيج من الراحة والذل والرعب أنه هو أيضًا لم يكن سوى طيف، يحلم به شخص آخر.

هل يمكن أن نكون شخصيات من خلق أحلام أحدهم؟ هذا الاحتمال هو انعكاس نظرية الإيمان بالذات؛ فالفرض الآن ليس أننا حقيقيون وكل ما حولنا غير حقيقي (لأنه في عقولنا فقط)، ولكن أن كل الأشياء الأخرى حقيقية، أما نحن فَلَسْنَا كذلك. قد ترى أن هذا الفرض خياليٌّ. أليس وجودنا هو اليقين الأكثر جوهرية لدينا؟ وإذا كنَّا مجرد شخصيات في حلم، فمَن الذي يحلم بنا؟ أهو إله؟ أهو شيطان شرير؟ أم شيء لا يمكن وصفه؟

لحسن الحظ، ثمة طريقة لتوضيح «معارضة نظرية الإيمان بالذات» بطريقة لا تتطلب الإيمان بإله، أو الأرواح القوية، أو غيرها من الكينونات الغامضة. يكمن الحل في فكرة المحاكاة. تتيح لنا العوالم المحاكاة عوالم نموذجية بسيطة للغاية من أجل اختبار نظرياتنا، مثل نظريات الطقس، وانتشار الأمراض، والديناميكا السكانية، وسلوك الجسيمات الأولية، وازدحام المرور، وغيرها.

fig4
شكل ١-٤: نموذج انتشار مرض مُعْدٍ ممثل بواسطة خلايا ذاتية السلوك؛ الخلايا السوداء ميتة، والرمادية القاتمة مصابة، والبيضاء تتمتع بمناعة. تتيح القائمة على اليمين تعديل المعامِلات، مثل مدى وبائية المرض.

عادة ما تمثل العوالم المحاكاة ملامح قليلة للكائنات التي تحاكيها دون أن تمثل معظمها؛ فمحاكاة المرور في جزء معين من المدينة من أجل دراسة أسباب الاختناقات المرورية قد تمثل السيارات المفردة كنقاط ملونة على الشاشة، على سبيل المثال، ولكنها لن تحاكي طريقة عمل محرك كل سيارة على حدة. وهذه ليست مشكلة؛ إذ إن المحاكاة لا بد أن تمثِّل أجزاء العالم التي نهتم بشأنها. علاوة على ذلك، كلما زادت التفاصيل التي نحاكيها، وفيها الجزيئات والذرات والجسيمات دون الذرية، صغرت مساحة العالم التي نستطيع تمثيلها في المحاكاة باستخدام القدرة الحسابية الحالية. وإذا زادت مواردنا الحسابية بالطريقة التي نتوقعها، أو أكثر، فقد تختفي هذه القيود في المستقبل غير البعيد. وقد يتمكن أحفادنا المتمتعين بتكنولوجيا متقدمة للغاية من تشغيل عمليات محاكاة لنظم مادية في كبر حجم كوكب الأرض، ممثلين كافة التفاصيل حتى المستوى الذري.

محاكاة الأمراض المُعْدية بالخلايا الذاتية السلوك

لكي تفهم ماهية الخلايا ذاتية السلوك، تخيَّلْ شبكة من الخلايا المربعة، مثل ورقة الرسم البياني. كل خلية إما أن تكون ممتلئة (حية) أو فارغة (ميتة). فلنفترضْ أن الخلايا الحية والميتة موزعة عشوائيًّا عبر الشبكة المربعة. والآن تخيلْ مجموعة من القواعد التي تحدد ما يحدث في الشبكة في المستقبل. كل خلية (فيما عدا الخلايا الموجودة في الأركان) سيكون لها ثماني خلايا مجاورة: اثنتان أفقيتان، واثنتان رأسيتان، وأربع خلايا قُطرية. إحدى القواعد قد تنص على أن أي خلية لها أكثر من ثلاث خلايا مجاورة حية تموت من الزيادة السكانية. وقد تنص قاعدة أخرى على أن الخلايا التي لها أقل من جارتين حيتين ليست سعيدة بدَوْرها؛ ولذا فإنها تموت من الوحدة. والآن يمكننا أخذ التوزيع العشوائي للخلايا الحية والميتة على الشبكة وتطبيق القاعدتين الأُولَيَين عليه: كل الخلايا التي لها أكثر من ثلاث خلايا مجاورة أو أقل من خليتين مجاورتين يجب أن تصبح فارغة، بينما تظل باقي الخلايا حية. يمكننا أن نفعل كل ذلك بورقة رسم بياني وقلم رصاص وممحاة، ولكننا سنكون أسرع كثيرًا لو جعلنا الكمبيوتر يقوم بهذه المهمة. وكل تطبيق للقواعد يُنظَر إليه بوصفه حركة في ساعة نموذج العالم الخاص بنا. ومع تطبيق الكمبيوتر للقواعد على الشبكة مرة بعد مرة، يمكننا أن نرى كيف يتغير نموذج العالم، متسببًا في ظهور أنماط مختلفة.

تعتمد الأنماط التي ستظهر في الأساس على أنواع القواعد التي تحكم الانتقال من حالة للشبكة إلى أخرى؛ ومن ثم من «حركة» للساعة إلى الحركة التالية. إذا أردنا دراسة انتشار الأمراض المُعْدية، يمكننا أن نفترض جدلًا أن بعض الخلايا الحية مريضة؛ أي حاملة للمرض، فإذا كان لخلية سليمة جارة مريضة، يمكن أن نضع قاعدة تحدد احتمال أن تصاب بالمرض هي أيضًا. فإذا كان الاحتمال ٠٫٥، فإن نصف الخلايا السليمة التي تجاور خلايا مريضة ستصبح مريضة هي أيضًا بعد الحركة التالية. يتفق هذا الاحتمال مع مدى وبائية المرض؛ بمعنى مدى سهولة الإصابة به. ويمكن وضع قاعدة أخرى لتحديد المدة التي يمكن أن تعيشها الخلايا المصابة بالمرض؛ بمعنى: بعد كم حركة ستتحول الخلية من خلية حية إلى خلية ميتة؟ ويتفق هذا مع مدى شدة المرض؛ أي مدى سرعته في قتل الخلية التي يصيبها. وعن طريق تنويع القواعد، يمكننا أن نلاحظ في نموذج العالم الذي وضعناه كيف تتطور الأمراض المختلفة من حيث احتمال الإصابة بها والسرعة التي تقتل بها حاملها؛ على سبيل المثال، سوف نلاحظ أن الأمراض الشديدة الوبائية التي تَقتل بسرعة كبيرة لا تنتشر بسرعة كبيرة؛ إذ إن العائل سيقتله المرض قبل أن يصيب غيره بالعدوى.

من الطريف أن نطرح سؤالًا عما سنحاكيه إذا أُتيحت لنا مثل هذه التكنولوجيا. ما يخطر على بالنا على الفور هو تاريخنا. كثيرًا ما نتساءل عما كان سيحدث إذا تغيرت بعض التفاصيل الصغيرة ولكن المهمة في الماضي. ماذا كان سيحدث إذا لم يأخذ قائد سيارة الأرشيدوق فرانز فرديناند المنعطف الخطأ داخلًا إلى شارع جانبي في سراييفو في الثامن والعشرين من يونيو عام ١٩١٤؟ ماذا كان سيحدث إذا كان ألكسندر فلمنج قد ألقى طبق بتري الملوث في الثامن والعشرين من سبتمبر عام ١٩٢٨؟ ماذا كان سيحدث إذا توفي ماو تسي تونج إثر أزمة قلبية أثناء سباحته الشهيرة في نهر يانجتسي في السادس عشر من يوليو عام ١٩٦٦؟ ماذا كان سيحدث إذا لم يغير ألويس شيكلجروبر اسم عائلته إلى هتلر؟ رغم أننا غير قادرين على الإجابة عن هذه الأسئلة، سوف يتمكن أحفادنا من الإجابة عنها؛ فبإمكانهم أن يشغلوا عملية محاكاة حاسوبية لكل ما حدث على كوكب الأرض بين عامَي ١٨٧٥ و١٩٤٥، ويغيروا تفصيلة واحدة صغيرة في المسار الحقيقي للأحداث؛ ومن ثَم يراقبون إذا ما كان ملايين الألمان سيهتفون بالتحية «هايل شيكلجروبر» أم لا. وقد تتيح محاكاة مشابهة لأحفادنا اكتشاف شكل العالم لو لم تشتعل الحرب العالمية الأولى، أو لو لم يُكتشف البنسيلين، أو لو لم تقع الثورة الثقافية الصينية.

ولكن يوجد الآن الاحتمال المقلق أننا «نحن أنفسنا» نعيش في إحدى عمليات المحاكاة المتنوعة. ربما لم تقع الأحداث بين عامي ١٩٥٠ و٢٠٥٠ حقًّا بالطريقة التي نذكرها. ربما تغيرت تفصيلة واحدة مهمة مما حدث في ١٩٥٠ (ولا نعرف أي تفصيلة) في عملية المحاكاة، وتَغيَّر مسار الأحداث تغيرًا شديدًا منذ ذلك الحين. ربما لم يولد أشخاص بأسمائنا في المسار الأصلي للأحداث من عام ١٩٥٠ إلى عام ٢٠٥٠، وفي هذه الحالة فنحن جميعًا نتاج عملية محاكاة، وعلى غرار الساحر في قصة بورخيس، نحن موجودون في حلم أحدهم فحسب.

قد نفكر قائلين: «لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، فنحن نعلم أن الشخصيات في لعبة الكمبيوتر، مثلًا، ليست واعية، أما نحن فَوَاعُون؛ ولهذا السبب، لا يمكن أن نكون شخصيات في لعبة كمبيوتر، أو بالأحرى في هذه الحالة، شخصيات في عملية محاكاة تاريخية، لا تتعدَّى كونها لعبة كمبيوتر معقدة على نحو خاص. فما من سبيل يمكن أن تدرك به شخصية لارا كروفت العالم الذي توجد فيه، وعلى النقيض نحن ندرك العالم الذي نوجد فيه؛ ومن ثَمَّ لا يمكن أن نكون شخصيات مثلها.» عند هذه النقطة، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا عن السبب الذي يجعلنا نظن أن لارا كروفت ليست واعية. والإجابة هي أنه ليس هناك برنامج كمبيوتر متاح حاليًّا يستطيع حتى أن يحاكي لاعب «جو» هاويًا ماهرًا، فما بالنا بعقل واعٍ كامل في بيئة افتراضية. ومع ذلك، إذا كانت القضية هي مجرد نقص التعقيد، فهذه مشكلة يمكن حلها بسهولة؛ فالافتراض الأساسي لدينا هو أن أحفادنا سيتمكنون من الوصول إلى موارد حسابية أكثر تقدمًا مما نمتلكه حاليًّا، وسيتمكنون من محاكاة دماغ كامل، بكل ما يحوي من جزيئات. فإذا كنَّا نعتقد أن العقل البشري هو ما يفعله الدماغ البشري، إذن فالمحاكاة بهذا المستوى من التفاصيل سوف تحاكي أيضًا العقل البشري. وجزء مما يعنيه ذلك هو أن هذا العقل سيتمتع برؤية الشخص الأول؛ أيْ يرى العالم من منظوره الخاص.

بعبارة أخرى، قد تصنع المحاكاة طرقًا مختصرة. ليس هناك حاجة إلى محاكاة الأشياء الشديدة الصغر أو الشديدة البعد، مثل الكائنات الدقيقة الموجودة في قطرة ماء أو الصخور الموجودة على عمق متر من سطح القمر، بل يكفي أن نحاكي هذه الأشياء في حينها، إذا صادف أن وضَعْنا قطرة الماء تحت الميكروسكوب، أو حفرنا ثقوبًا في سطح القمر. بالمثل، يمكن توفير الموارد الحسابية بعدم محاكاة أدمغة بعض الشخصيات الموجودة في العالم المحاكى. قد يبدو لنا أن لها الهيكل الداخلي نفسه الذي يتمتع به باقي الأشخاص الذين نقابلهم، ولكنها ليست أعقد بكثير من الشخصيات الموجودة في ألعاب الكمبيوتر المتوفرة حاليًّا، والروبوتات الافتراضية التي لا تتعدَّى كونها وهمًا، التي تبدو واعية، ولكنها في الحقيقة تفتقر إلى العقل. ويثير مثل هذا الترشيد في الموارد الحسابية السيناريو المروع الذي نكون فيه نحن أنفسنا غير حقيقيين (لأننا مجرد محاكاة) وكل مَن نقابلهم من الزومبي (لأن مظهرهم الخارجي فقط هو ما تمَّت محاكاته).

إذا سلَّمنا بعدم الاضطرار إلى محاكاة كل جزيء في العالم، وإنما فقط أسطح معظم الأشياء، بالإضافة إلى عدد معين مطلوب من الأدمغة، فإن إدارة عملية محاكاة تاريخية بالشكل الموصوف أعلاه من المرجَّح أن تكون ممكنة بالموارد الحسابية المتاحة في المستقبل غير البعيد. بالطبع، من الممكن أن تُدمَّر الحضارة الإنسانية (يرتطم بها كويكب أو يدمرها فيروس قاتل محوَّر وراثيًّا أو تَغرَق من جرَّاء ارتفاع مستوى سطح البحر) قبل أن تستطيع بناء أجهزة كمبيوتر قوية بما يكفي لإدارة عمليات المحاكاة التاريخية. وفي هذه الحالة، من الواضح أننا لا يمكن أن نكون جزءًا من عملية محاكاة يُدِيرها أحفادنا. وبالمثل، حتى إذا كانوا قادرين على إدارة مثل عمليات المحاكاة هذه، فإنهم قد لا يرغبون في ذلك فحسب؛ حيث إن الأفكار المتبصِّرة التي قد يحصلون عليها من هذه العمليات قد تكون تافهة بالنسبة لهم، ولعل لدَيْهم مساعيَ أخرى — غير معلومة لنا — أكثر جاذبية من الناحية الثقافية بالنسبة لهم، ولكن لو كان حقيقيًّا أن الموارد الحسابية المطلوبة لإدارة عمليات محاكاة تاريخية لن تكون متاحة بسهولة في المستقبل البعيد فلكيًّا، ولكنها في متناول أيدينا تكنولوجيًّا، إذن فيجدر بنا ألا نفترض افتراضات مبالَغًا فيها فيما يتعلق بالوقت المتبقي لنا على هذا الكوكب، أو الأنماط المتغيرة للاهتمامات الثقافية للبشر؛ من ثَم فإن فرصة وجود عملية محاكاة تاريخية في مرحلةٍ ما من المستقبل تبدو معقولة.

بمجرد بدء أسلافنا في إدارة عمليات المحاكاة التاريخية، فإن عدد الأشخاص الموجودين في هذه العمليات قد يتجاوز سريعًا المائة مليار شخص الذين عاشوا على كوكب الأرض منذ تكوُّنه. وفي هذه الحالة، سيكون من المنطقي بالنسبة لنا أن نعتقد أنه من المرجح أننا نعيش نحن أنفسنا في عملية محاكاة تاريخية. فلنفترضْ أن صديقك يعرض عليك لوحة جديدة اشتراها من لوحات سلفادور دالي. فإذا وضعنا في اعتبارنا أن ٩٠ في المائة، وفقًا لآراء الخبراء، من اللوحات المعروضة للبيع حاليًّا في السوق مزيفة، وإذا افترضنا أنك وصديقك تفتقران إلى التدريب الكافي لتمييز لوحات دالي الأصلية من المزيفة، فإنه من المنطقي بالنسبة لك أن تفترض أن احتمال كون هذه اللوحة مزيفة يبلغ ٠٫٩. بالمثل، إذا تمَّت محاكاة عدد ن٪ من كل الكائنات الواعية، ومع افتراض أنك تعجز عن التمييز بين المحاكاة والحقيقة، فإن احتمال أن تكون أنت مجرد محاكاة هو ن٪. (قدَّر الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز هذا الاحتمال ذات مرة ﺑ ٢٠٪، في ضوء الاعتبارات السابقة الذكر، يبدو هذا الرقم منخفضًا إلى حدٍّ ما.)

بالطبع، يمكن استخدام الحجة نفسها لكن في هذه الحالة يقوم أحفادنا بمحاكاتنا، وهُم أنفسهم قد يكونون مجرد عمليات محاكاة خاصة بأحفادهم. وفي الواقع، إذا كنا نحن نحاكي أشخاصًا آخرين، فعلينا أن نؤمن بيقين أكبر أننا نحن أنفسَنا تتم محاكاتنا، بما أننا أصبحنا نعرف أن مثل هذه المهام يمكن القيام بها بنجاح؛ من ثم فإن أحفادنا القائمين بالمحاكاة ينبغي أن يتبيَّنوا أكثر منَّا أنه من المرجح أنه يتم محاكاتهم. ويمكننا أن نتخيل هيكلًا هرميًّا كاملًا نكون فيه مجرد شخصيات في محاكاة تاريخية يديرها أحفادنا، الذين تتم محاكاتهم هم أنفسهم بواسطة آخرين، يعيشون في عالم محاكًى يديره غيرهم، وهكذا، إلى ما لا نهاية. في مثل هذا السيناريو، تصبح عمليات المحاكاة أعقد فأعقد كلما نزلنا من مستوًى إلى مستوًى أدنى؛ فالأشخاص الذين يديرون عملية المحاكاة في المستوى الثاني من أعلى الهيكل الهرمي ليسوا فقط مضطرين إلى محاكاة عالم بأسره بكل مَن فيه من بشر (تحديدًا أحفادنا)، وإنما أيضًا كل عمليات المحاكاة التاريخية التي يقومون بها (ونحن فيها). وعلى المحاكي أن يكون شديد الحرص ويراقب خلقه عن كثب: فإذا قامت الكائنات التي تم عمل محاكاة لها بمحاكاة غيرها من الكائنات، وقامت تلك بإنشاء كائنات أخرى، فسوف تنفد جميع مواردنا الحسابية في المحاكاة دون أن ندري. وفي هذه الحالة سيكون الخيار الوحيد المتاح أمامنا هو إلغاء عملية المحاكاة التي نديرها، بالإضافة إلى الهيكل الهرمي المستند إليها بالكامل. ولكن هذا قد يمنحنا فسحة من الوقت للتفكير. فإذا بدأنا ندير عمليات محاكاة أسلافنا، فسوف نزيد احتمال أن يُلغي مَن يقومون بمحاكاتنا عمليةَ المحاكاة الخاصة بنا (هذا إذا كنا حقًّا نخضع للمحاكاة)؛ نظرًا لأن الموارد الإضافية التي نستهلكها بهذه الطريقة قد تكون كثيرة جدًّا. وإذا كنا في أعلى الهيكل الهرمي للمحاكاة، فإن محاكاتنا قد تكون القشة التي تقصم ظهر البعير؛ ومن ثم يجب أن نُعيد النظر في مسألة إدارة عملية محاكاة أسلافنا.

يشترك سيناريو المحاكاة في بعض عواقب الاحتمالات الأخرى المذكورة أعلاه، والتي يتم فيها خداعنا على نحو منظم: أن نكون في حلم، أو أن نكون عبارة عن أدمغة يتم تنشيطها اصطناعيًّا وتغذيتها بمعلومات مصطنعة. قد نكون مخطئين في أغلبية معتقداتنا، وقد يتبدَّى لنا أن دوافعنا نحو السلوك الفاضل ليس لها أساس (إذا كنا جزءًا من عملية محاكاة منخفضة التكاليف تقوم بمحاكاة الآخرين كواجهات خالية فحسب). ولكن في حين أنه في الحالتين الأوليين، لا تزال أنفسنا لها وجود — الأنا الحقيقية التي تعتبر النقطة الثابتة في دوامة الوهم — ففي سيناريو المحاكاة نحن غير حقيقيين بالمرة، كما أن العالم المحاكى الذي نتعامل معه غير حقيقي. جزء من عدم الراحة الذي نشعر به فيما يتعلق بسيناريو الدماغ المنشَّط هو أن المحاكاة قد تتوقف فجأة، وعندئذٍ سندرك ماهية العالم الحقيقي؛ إننا ما زلنا موجودين، ولكن في بيئة مختلفة اختلافًا جذريًّا، وفي زمن بعيد في المستقبل، دون جسم، في برطمان، وهكذا. أما في حالة المحاكاة، فليس هناك «استيقاظ» في العالم الحقيقي؛ نظرًا لأن العالم الحقيقي — عالم أحفادنا — لا يشملنا. وإذا توقفت عملية المحاكاة، فإننا لن نجد أنفسنا فجأة في مواجهة حقيقة أن كل الأشياء المحيطة بنا مزيفة؛ لأننا ببساطة لن نكون موجودين أساسًا. من ناحية، قد يريحنا هذا السيناريو؛ فنحن لن نجد أنفسنا مجرد أدمغة وحيدة في مختبر عالمٍ شرير. ولكن من ناحية أخرى، يخلِّف هذا لدينا شعورًا غريبًا بأننا مجرد وهم. ولن يعود من المنطقي أن نظن أن العالم الحقيقي يدور في فلكنا، لأننا لسنا حتى جزءًا من العالم الحقيقي؛ فاليقين الذي يبدو أنه الأكثر جوهرية — أن لنا وجودًا وسط عالم من الأوهام المعقدة — سيذهب في طي النسيان؛ فليس من الممكن أن يختفي الوهم دون أن نختفي نحن معه؛ لأننا نحن أنفسنا جزء من هذا الوهم.

fig5
شكل ١-٥: تصوير صيني تقليدي لحلم الفراشة.
في حين أن افتراضَ أننا غير موجودين في المستوى الأساسي للحقيقة افتراضٌ مُرْبكٌ للعقل، فإنه من الممكن أن نَمْنَحه فرصة أخرى. من المعروف أن الفكرة الأساسية تم شرحها في القرن الرابع قبل الميلاد في حجة ساقها الفيلسوف الصيني جوانج زي. وهو يروي التجربة التالية:

في الليلة الماضية، راوَدني أنا، جوانج زي، حلمٌ بأنني فراشة … فراشة تَطِير في الهواء وتستمتع بوقتها. لم أكن أدري أنها جوانج زي، وفجأة استيقظتُ، ورجعتُ إلى نفسي ثانية، إلى جوانج زي الحقيقي. لم أكن أعرف إذا ما كان جوانج زي يحلم بأنه فراشة، أم أن الفراشة الآن تحلم بأنها جوانج زي. ولكن لا بد من وجود فرق بين جوانج زي والفراشة.

في هذا السيناريو، ليس لدينا شخصٌ واحدٌ يخلق آخَر في الحلم، ولكنْ شخصيتان، جوانج زي والفراشة، يخلق أحدهما الآخر في الحلم. هذه الحالة من الأحلام المتناسِقة لا تدل فقط على أننا، بوصفنا شخصيات في حلم، غير حقيقيين، في حين أن شخصًا آخَر، الذي يحلم بنا، حقيقي، وإنما تقوض أيضًا احتمال القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي في الأساس. جوانج زي يحلم بالفراشة، إذن فالحالم جوانج زي حقيقي، والفراشة التي يحلم بها ليست حقيقية. ولكن الفراشة أيضًا تحلم بجوانج زي، الذي لا ينبغي أن يكون حقيقيًّا، بوصفه شخصية في حلم أحدهم. ولكن لا شيء يمكن أن يكون حقيقيًّا وغير حقيقي في الوقت نفسه.

حتى في سيناريو المحاكاة، يمكن أن نكون على يقين أن هناك مَن هو حقيقي، على الرغم من أننا غير حقيقيين. ونحن، ككائنات تَمَّت محاكاتها، قد لا نكون جزءًا من المستوى الأساسي من الحقيقة، ولكن مَن يحاكوننا جزء منه. وإذا لم يكونوا جزءًا من الحقيقة، فإن مَن يحاكونهم جزء منها. في النهاية هناك شخص يجب أن يكون حقيقيًّا. ولكن إذا طبقنا فكرة جوانج زي على سيناريو المحاكاة، فسيكون لدينا حالة نقوم فيها بإدارة عملية محاكاة لكائنات تَمَّت محاكاتها، وهذه الكائنات تدير عملية محاكاة لكائنات أخرى تَمَّت محاكاتها بدورها، وهذه الكائنات الأخيرة مماثلة لنا تمامًا. لقد تحوَّل الهيكل الهرمي للمحاكاة إلى دائرة مفرغة.

fig6
شكل ١-٦: لوحة «معرض اللوحات» لإم سي إيشر.

يمكننا رؤية تمثيل مرئي طريف لهذه الدائرة المُغلَقة في لوحة إم سي إيشر «معرض اللوحات». تصور هذه اللوحة شابًّا في معرض صور ينظر إلى لوحة بها ميناء ومدينة من الخلف. بدخولنا إلى الصورة وفَحْصنا للمدينة، نرى امرأة تجلس في نافذة فوق معرض صور، وفيه يَنظر الشاب نفسه إلى الصورة التي نحن بداخلها! وكما هو الحال في سيناريو جوانج زي؛ حيث من المستحيل أن تميِّز إذا ما كنتَ داخل الحلم أو خارجه، أو داخل عملية محاكاة أو خارجها؛ ففي هذه الحالة من المستحيل أن نحدد إذا ما كان الشاب خارج الصورة؛ ومن ثَم فهو حقيقي؛ أم إنه جزء من الصورة؛ ومن ثَم فهو غير حقيقي. هناك أسباب وجيهة لكلا الرأيين: إذا بدأنا بالشاب، فسنرى أنه يقف أمام الصورة، وإذا بدأنا بالصورة، فسنرى أن الشاب موجود فيها بوضوح. لا تكمن المشكلة فقط في عدم معرفتنا أي الرأيين هو الرأي السليم؛ فنحن لا نستطيع أن نتيقن بشكل نهائي أن أحد الرأيين هو الصائب؛ نظرًا لعدم وجود أي معلومات إضافية جديدة، وعدم وجود أي حقائق أخرى يمكننا الاستناد إليها للتأكد من حقيقة الأمر. بعد الشك فيما إذا كان العالم من حولنا حقيقيًّا أو ما إذا كنَّا نحن أنفسنا حقيقيين، يبدو أن ثمة يقينًا آخر قد ضُرب به عرض الحائط؛ أيًّا كان شكل العالم، فهناك شيء أو شخص حقيقي، حتى إذا لم نكن نحن كذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠