الفصل الثالث

هل الأشخاص حقيقيون؟

في ربيع عام ١٩٨٢، كانت سيدة أمريكية تقف في انتظار الحافلة في شارع «باريجيان أفينيو دي لا جراند أرمي». وشعَرَتْ وهي تركب الحافلة أن عقلها يكاد ينفجر:

شعرتُ أن ما كنتُ أُطلِق عليه في السابق «أنا» يُجبَر على الخروج من موقعه المعتاد داخلي إلى موقع جديد خلفي بمسافة قَدَمٍ تقريبًا إلى يَسَارِ رأسي. كنتُ «أنا» الآن خلف جسدي أنظر للعالم دون استعمال عينَيْ جسدي.

هذه التجربة المُرْبِكة لنفسها المنقولة من مكانها أصبحت أكثر إرباكًا عندما اختَفَتْ تمامًا بعد عدة أيام؛ ونتيجة لذلك:

اختَفَتِ الأنا الشخصية، ومع ذلك هناك جسم وعقل موجودان دون أي شخص يحتلهما. […] لم يَعد العقل والجسد والمشاعر تشير إلى أي شخص؛ لم يكن هناك مَن يفكر ولا من يَشعر، ولا مَن يدرك، ومع ذلك استمرَّ العقل والجسد والعواطف في أداء وظائفها دون تقصير؛ فمِن الواضح أنها لم تكن في حاجة ﻟ «أنا» لتستمر في فعل ما كانت تفعله دائمًا. […] كانت أغرب اللحظات تَحدث عند أي إشارة لِاسْمِي، إذا اضطُررتُ لكتابة شيك أو التوقيع على خطاب، كنتُ أحدِّق في الحروف على الورقة ويغرق العقل في خضم الحيرة؛ إذ لم يكن الاسم يشير إلى أي شخص.

وقضَتِ الأربعة عشر عامًا التالية من حياتها (قبل أن تموت بِوَرَمٍ في المخ عن عمر يناهز الثانية والأربعين) دون أن تستعيد إحساسها بذاتها الشخصية.

وهذه الحالة ليست فريدة من نوعها؛ ففي عام ١٨٨٠، وَصَف طبيب الأمراض العصبية الفرنسي جول كوتار اضطرابًا عصبيًّا نفسيًّا — يُعرَف الآن باسم متلازمة كوتار — يؤدِّي بالمريض في أخف صُوَره إلى اعتقاد أنه ميت بالفعل أو لإنكار وجود جسده. وفي الحالات الأكثر خطورة، قد يُنكِر المريض وجودَه تمامًا، وغالبًا ما يتوقَّف تمامًا عن استخدام كلمة «أنا».

مثل هذه الحالات النفسية من الصعب جدًّا علينا أن نفهمها؛ إذ يَنْدر أن نجد أشياء أقرب للفهم واليقين من وجودنا كأشخاص؛ فنحن قد نشكك في وجود العالم من حولنا، متسائلين: هل الشجرة الموجودة في الحديقة والبستانيُّ الذي يجز العشب موجودَان بالفعل؟ ولكن كيف نشكِّك في وجودنا نحن؟ أليس الشك دليلًا على وجود مَن يشكُّ؛ كيف لنا أن نشكَّ إذن إن لم نكن موجودين؟ وإن لم نكن نحن مَن نشكُّ، إذن مَن الذي يشكُّ؟

الأشخاص حقيقيون بالتأكيد وفقًا لتعريف فيلم ماتريكس؛ فنحن بالتأكيد ندرك وجود الشخص أو، على الأحرى، النفس، بل إننا نُدرِكها بإصرار أكبر من أي شيء آخر؛ فكوب الشاي الذي نستخدمه يوميًّا لمدة عشر دقائق على مدار خمس سنوات لن ندرك وجوده إلا حوالي ٣٠٠ ساعة إجمالًا، ولكننا ندرك وجود أنفسنا طوال ساعات حياة يقظتنا، بل إن إدراكنا لأنفسنا يستمر إلى أحلامنا. وعلى الرغم من أننا قد نكون مخطئين حيال معظم الأشياء التي نعتقدها عندما نحلم، فإننا لا يمكن أن نكون مخطئين في أننا نحن (وليس أشخاصٌ آخرون) من نحلم بهذا الحلم.

لسنا فقط ندرك أنفسَنا كأشخاص، ولكن معظم الأشخاص الآخرين (بعيدًا عن بعض مَن يعانون مِن حالات نفسية خاصة مثل المرضى المذكورين أعلاه) يدركون أنفسَهم بالطريقة عينها أيضًا؛ ومن ثم فإن الأشخاص حقيقيون وفقًا لتعريف رواية «١٩٨٤». علاوة على ذلك، يبدو أننا لا نستطيع أن نقرر الشخص الذي نريد أن نكونه؛ فعلى الرغم من أن لنا تأثيرًا محدودًا على تشكيل أنفسنا، يبدو في النهاية أن كثيرًا من الجسد والجينات والمعتقدات والذكريات والميول النفسية، التي نَعتبر أنها تشكلنا، ليس لنا قدرة على التحكم فيها. وبما أنه من الواضح أننا لا نملك القدرة على تشكيل أنفسنا، إذن فنحن حقيقيون وفقًا لتعريف جونسون أيضًا.

رأينا سابقًا أن التعريف الأكثر تماسكًا لكلمة «الحقيقة» هو تعريف نهاية العالم وتعريف السلحفاة. من الواضح أن الأشخاص لا يمكن أن يكونوا حقيقيين وفقًا لتعريف نهاية العالم؛ نظرًا لأنهم لن يكونوا جزءًا من العالم من دوننا؛ فمن الصعب أن نفهم عالمًا يوجد فيه الأشخاص أو الأنفس، حتى وإن لم نكن نحن موجودين، ولكن من الأكثر معقولية ومنطقية أن نعتبر الأشخاص حقيقيين وفقًا لتعريف السلحفاة؛ إذ يبدو أن الأشخاص يشكلون جزءًا لا يمكن اختزاله من العالم كما نعرفه. على المستوى الأساسي، ليست هناك أجزاء من المادة وحسب، ولكن أيضًا نُظُم توفر رؤية لأجزاء المادة؛ أيْ نظم لها وجهة نظر. وحتى الآن لم ننجح في اختزالها لشيء أكثر جوهرية، وبما أنها غير قابلة للاختزال على هذا النحو، إذن فهي يقينًا تشكل قطعة من أثاث العالم على المستوى الجوهري؛ ومن ثَم فإن الأشخاص قد يكونون حقيقيين بأحد أهم معاني الكلمة.

على أي حال، تزداد الأمور تعقيدًا وإثارة للحيرة بمجرد أن نحاول فهم معنى أن تكون شخصًا وتملك نفسًا؛ إذ يبدو أن هناك أربعة عوامل أساسية في هذا السياق؛ أولًا: تقع النفس داخل الجسد، ومع ذلك فهي مستقلة عنه، فهي تملك الجسد الذي يدعم وجودها. ثانيًا: نحن نعتبر أنفسنا ثابتين ومستمِرِّين، هذا لا يعني أننا نظل للأبد كما نحن، ولا نغير رغباتنا أو ميولنا أو نظرتنا الأساسية للعالم. ومع ذلك ففي خضم كل هذا التغيير، يظل هناك شيء ثابت فينا يجعلنا الآن مثل ما كنَّا عليه من خمس سنوات مَضَتْ، ومثل ما سنكون عليه بعد خمس سنوات مستقبلة. ثالثًا: النفس هي الكيان الموحِّد الذي يجمع كل شيء معًا. يتجلَّى العالَمُ أمامَنا كمجموعة متنوعة متنافرة من المشاهد والأصوات والروائح والصور الذهنية وغيرها، ويتم تجميع كل هذه الأشياء داخل النفس لتنبثق منها صورة لعالم واحد موحَّد. وأخيرًا: النفس هي «الفاعل»؛ بمعنى أنها المُنتِجة للأفكار والقائمة بالأفعال. إنها المكان الذي تُستخدَم فيه صورة العالم الكلية المتماسكة الموحَّدة من أجل التعامل مع هذا العالم نفسه.

كل هذه الملاحظات تبدو للوهلة الأولى يقينية وواضحة وضوح الشمس؛ فكل ما علينا هو أن ننظر لأنفسنا لنرى أننا لسنا جسدًا وإنما شيء له جسد، وأننا نظل كما نحن عبر الزمن، وأننا وحدة التحكم المركزية التي تَدخل إليها بيانات العالم وتَصدر منها القرارات. ولكننا كلما نظرنا لهذه العوامل الأربعة بالتفصيل، تصبح أقلَّ وأقلَّ وضوحًا.

كما أن أنفسنا تختلف عن أجسادنا طوال الوقت؛ فخلايا الجسم تُستبدَل بواسطة عملية التغيير الأيضي الطبيعية، وعلى الرغم من أن عملية الاستبدال تتم بسرعات متباينة بناءً على نوع الخلية المعنية، فإنه بعد مدة زمنية كبيرة بما يكفي ستكون كل خلايا الجسم قد استُبدِلت. مع ذلك، فنحن ما زلنا نعتقد أننا نملك النَّفْس عَيْنَها طَوالَ حياتنا. ولكن إذا كانتِ النَّفْس مستقلة عن الجسد، فأين محلُّها في الجسد؟ تصف الثقافات المختلفة محل النفس في أماكن مختلفة: فالمصريون وأرسطو فضَّلوا القلب؛ بينما قرر هوميروس أن محل الروح، أو مصدر العواطف، في الرئتين؛ واعتقد الصينيون القدماء أن ثمة مكانًا أساسيًّا في البطن يطلق عليه الدانتيان (أو حقل الإكسير)؛ أما أفلاطون وجالينوس وغيرهم الكثيرون فقد اعتقدوا أن الرأس، أو على الأحرى الدماغ، هي محل النفس. وبالطبع، يستحيل أن يكون كل هؤلاء مُصِيبين، إلَّا إذا افترضنا أن النفس منتشرة عبر الجسد كله، وأنها موجودة في كل هذه الأماكن في الوقت نفسه. قد نفاجأ بأن هذه الرؤية هي الأكثر منطقية وعقلانية، إذا ما وضعنا في اعتبارنا أنني عندما أحرق أصابعي، فإنني أشعر بالألم في نفسي وفي الوقت نفسه أشعر بالألم في يدي. إلا أن هذه الرؤية تفترض ضمنًا أنني حين أفقد يدًا أو ذراعًا، فإن نفسي (وليس فقط جسدي) تفقد جزءًا منها وأنها الآن أصغر حجمًا من ذي قبل، وهذه بالتأكيد نتيجة غريبة بعض الشيء.

fig11
شكل ٣-١: مشهد من فيلم «أين أنا؟» ويظهر في الصورة دانيال دينيت (على اليمين) ودماغ دينيت.

في الوقت الحالي، يرتاح أغلب الناس لتحديد موضع النفس في محلٍّ ما داخل الرأس، خلف العينين مباشرة، يطل على العالم. وقد ناقش الفيلسوف دانيال دينيت بعض النتائج الغريبة لهذه الرؤية في قصة قصيرة بعنوان «أين أنا؟» في هذه القصة، استُؤصِل دماغ دينيت ووُضع على نظام لحفظ الحياة، واستُبدِل بكل وصلة عصبية زوج من أجهزة الإرسال والاستقبال المصغرة؛ أحدها متصل بالدماغ، والآخر بطرف العصب في جمجمة دينيت الفارغة. بهذه الطريقة، أصبحت الوصلة بين جسد دينيت ودماغه مرنة للغاية؛ فبدلًا من امتلاك مساحة محدودة للاهتزاز في القحف، مقيدًا بمرونة الأعصاب، يمكن أن يصبح الدماغ الآن على مسافة معقولة من الجسد، مع الاحتفاظ بكل وظائفه وقدرته على الاتصال. تبدأ المشاكل عندما يذهب دينيت فارغ الرأس لرؤية دماغه؛ لأنه ليس مقتَنِعًا أنه هو نفسه موجودًا في مكانٍ ما داخل الدماغ. فهو ما زال يعتقد أنه ينظر إلى دماغه الموضوع في برطمان، رغم أن ما يحدث في الحقيقة هو أن دينيت موجود في البرطمان، بينما ينظر إليه جسده.

مقتطفات من قصة دينيت «أين أنا؟»

قلت: «أعتقد أن العملية قد نجحت، أريد الذهاب لرؤية دماغي.» أرشَدوني عبر ممر طويل (إذ كنتُ أشعر بالدوخة والدوار إلى حدٍّ ما) إلى داخل مختبر حفظ الحياة. تعالَتْ أصوات التهليل من أعضاء فريق حفظ الحياة المجتمعين، ورددتُ عليهم بتحية رجوتُ أن تكون مرحة. استعنتُ بأحدهم كي يوصلني لوعاء حفظ الحياة، فقد كنتُ لا أزال أشعر بالدوار. حملقتُ عبر الزجاج. كان ثمة شيء طافٍ في محلول يشبه جعة الزنجبيل، إنه بلا شك دماغ بشري، رغم أنه كان مغطًّى بالكامل تقريبًا بشرائح دوائر مطبوعة وأنابيب بلاستيكية، وأقطاب كهربية وغيرها من المعدات. سألتُ: «أهذا دماغي؟» فردَّ عليَّ مدير المشروع قائلًا: «اضغط مفتاح إرسال المخرجات بجانب الوعاء لترى بنفسك.» نقلتُ المفتاح إلى وضع «إغلاق»، فسقطتُ على الفور مترنِّحًا بين أذرع الفنيين، الذين قام أحدهم بإعادة المفتاح إلى وضع التشغيل. وأثناء استعادتي لتوازني وانتصاب قامتي، قلت في نفسي: «حسنًا، ها أنا ذا جالس على مقعد قابل للطَّيِّ، محدقًا عبر وعاء زجاجي لدماغي … لكن تَمهَّلْ، ألم يكن من الضروري أن أفكر «ها أنا ذا، محبوس في سائل غازي، بينما تحدق فيَّ عيناي»؟» حاولتُ أن أفكر في هذه الفكرة الأخيرة. حاولت أن أنقلها إلى الوعاء، آملًا أن يتلقَّاها دماغي، ولكنني فشلت في أن أحقق هذا. حاولتُ ثانية؛ «ها أنا ذا، دانيال دينيت، محبوس في سائل غازي، بينما تحدق فيَّ عيناي.» ولكن هيهات، لم تنجح المحاولة، إنه شيء محيِّر ومُرْبِك إلى أقصى حدٍّ. فَكَوْني فيلسوفًا مؤمنًا بالمادية إيمانًا راسخًا، كنتُ أعتقد دائمًا أن تمثيل أفكاري يتم في مكانٍ ما في الدماغ؛ إلا أنني، عندما أفكر: «ها أنا ذا»، راودتْني الفكرة هنا، خارج الوعاء، حيث أقف أنا، دينيت، محدقًا في دماغي.

ولكننا لسنا في حاجة لاستخدام سيناريوهات الخيال العلمي على غرار هذا السيناريو كي ندرك أن ثمة ما يُقلق حيال اعتقادنا الطبيعي بأن أنفسنا قابعة في أجسادنا. يبدو أننا نسكن أجسادنا، ونمتلكها بشكل من الأشكال. ولكننا نمتلكها على نحو أكثر جوهرية من امتلاكنا للمنزل الذي نعيش فيه؛ فنحن نستطيع العيش دون منزل، أما استطاعتنا العيش دون أجسادنا، فهو على الأقل أمر مشكوك فيه؛ إذ إن الجسد يدعم ويحفظ العقل الذي يعتبر نفسه ساكنًا فيه؛ وعلى هذا، يبدو أن النفس هي ذلك الشيء الذي يسكن الجسد الذي يدعم وظائف العقل.

إلا أن شعور الملكية الذي نشعر به تجاه أجسادنا يمكن أن يتولد تجاه أشياء ليس لها علاقة بأجسادنا، أشياء غير حية، وربما حتى أشياء غير موجودة على الإطلاق.

حالة وَهْم اليَدِ المطاطية مثال بسيط بشكل خاص على ذلك؛ حيث ينظر المريض لشيء غير حي، قطعة من المطاط، كجزء من جسده، ويبدأ في الشعور بهذا الجزء، رغم عدم حدوث أي عمليات بيولوجية في هذه اليد الصناعية. ويمكننا إحداث تأثيرات أشد غرابة باستخدام تكنولوجيا أكثر تقدمًا. في تجربة طريفة من نوعها، يرتدي المشارك (أ) شاشة مثبتة بالرأس، مكونة من نظارات خاصة تعرض صورة منفصلة في كل عين؛ ومن ثَم تعطي المشارك انطباعًا بأنه موجود في بيئة ثلاثية الأبعاد. تؤخذ البيانات البصرية المعروضة أمام عينَيِ المشارك من كاميرا مثبتة خلف ظهره. وبالنظر عبر النظارة المثبتة بالرأس، ينتاب المشارك شعورٌ غريبٌ بأنه ينظر إلى ظهره، واقفًا على بعد مسافة أمامه (ب) — تمامًا كما في لوحة ماجريت الشهيرة.

وَهْم اليدِ المطاطية

لعمل تجربة وهْم اليد المطاطية بالمنزل، سوف تحتاج ليَدٍ مطاطية، وقطعة من الورق المقوَّى، وفرشاتَيْ رسم، إذا وجدتَ من الصعب الحصول على يد مطاطية (ثمة نوع رخيص مصنوع خِصِّيصَى لتمرين مُقلِّمات الأظافر) يمكنك الاستعانة بقفاز مطاطي منفوخ. ضع اليد على مائدة أمامك و(بافتراض أنك تستخدم يدًا مطاطية يسرى) ضع يدك اليسرى على يسارها. ضع قطعة الورق المقوى بحيث تصنع حاجزًا، فلا ترى سوى اليد المطاطية دون رؤية يدك الحقيقية اليسرى. والآن استعِنْ بمساعد كي تَربُتا على اليد الحقيقية واليد المطاطية بالفرشاتين في الوقت نفسه وفي الموضع نفسه. بعد حوالَي دقيقتين، من المرجَّح أن تَشعُر بالإحساس الغريب؛ أن ثمة ضربات على اليد المطاطية، بل إنك قد تشعر بوجود «ذراع افتراضية»، أو على الأحرى شيء يوصل بين اليد المطاطية وجسمك.

fig12
شكل ٣-٢: وهْم الجسم الافتراضي.

فإذا جعلنا شخصًا يربت على ظهره الآن، بمعنَى إذا شعر المشارك بأن هناك مَن يربت على ظهره وفي الوقت نفسِه رأى أن هناك مَن يربت على ظهر الشخصية الاعتبارية الماثلة أمامه، فسوف يخبرنا أنه يشعر بأن الشخصية الاعتبارية الماثلة أمامه هي جسده هو شخصيًّا؛ وسوف يتوحَّد معها ويحاول «القفز بداخلها».

يَحدث الوهم نفسه إذا وجَّهْنا الكاميرا نحو التمثال (ﺟ) بدلًا من جسمك. يبدو أن لدينا هنا جسدًا كاملًا مكافئًا لوَهْم اليد المطاطية وحالة صادمة للغاية لتعيين موقع النفس خارج أجسادنا. ومن الغرابة بمكان أننا لا نُعَيِّن موقع أنفسنا في مركز منظورك البصري (أي في مكان الكاميرا) وإنما في مكان صورة الجسد المدرَكة الماثِلة أمامَنا.

في حين أنه من الغريب أن نشعر بأحاسيس في يد مطاطية لا تحتوي على أي أعصاب، فمن الأغرب أن نشعر بها في يدٍ غير موجودة أساسًا؛ وهذا يحدث لمبتوري اليد الذين يعانون من مرض الطرف الشبحي؛ فهم لا يشعرون بوجود الطرف المبتور فحسب، بل إنهم في الغالب ينتابهم إحساس أن هذا الطرف غير الموجود أساسًا ملوي في وضع مؤلم ولا يمكن تحريكه على الإطلاق؛ مما يسبب ألمًا شديدًا للمريض. وجود الأطراف الشبحية يسبب إشكالية أمام الرأي القائل بأن النفس موزعة في الجسد كله، وتقع في كل مكان تستطيع الشعور به؛ لأن الأمر يبدو الآن وكأن النفس تتسرب على نحوٍ ما من أجسادنا وتشعر بأشياء في مواضع لا تشغلها أجسادنا.

إذا كنا نشعر بأجساد مصنوعة من مواد غير حية، أو نشعر بأحاسيس في أجزاء من الجسد لم تَعد موجودة، فمن الواضح إذن أن وجهة النظر القائلة بأن النفس تقع في مكانٍ ما داخل الجسد بعيدة كل البعد عن أن تكون وجهة نظر مؤكدة. وليس ثمة ضرورة منطقية ولا نفسية (وإذا أمكن في وقت من الأوقات تحقيق السيناريو المطروح في قصة دينيت، فليس ثمة ضرورة عملية) تجبرنا على أن نحدد موضع أنفسنا في المكان نفسه لأجسادنا التي تدعم وجود حياتنا العقلية. بل في الحقيقة، يبدو أننا نخلق نموذجًا معرفيًّا، أو محاكاة، لجسد نضع فيه أنفسنا. وهذا النموذج يمكن أن يتضمن أجزاءً مصنوعة من مواد غير حية، مثل اليد المطاطية، وكذلك ظاهرة غير الموجود، مثل الأطراف التي لم تَعُدْ جزءًا من الجسد. إن موقع النفس ليس شيئًا نجده في العالم من حولنا، بل هو شيء نصنعه بأنفسنا إلى حدٍّ بعيد.

إن السؤال: «أين أنا؟» يسبب العديد من المشاكل المُحيِّرة، وللأسف ليس السؤال «متى أنا؟» بأفضل منه حالًا؛ فالإجابة المباشرة الواضحة عليه هي أن نقول إننا نوجد على نحو مستمر من لحظاتنا الواعية الأولى في أرحام أمهاتنا إلى وفاتنا (وربما بعد ذلك، إذا كنتَ مؤمنًا بالحياة الآخرة). ومع ذلك، ففي أثناء الثمانين عامًا أو نحوها التي توجد خلالها نفوسنا المستمرة، تمر أنفسنا ببعض التغييرات الجوهرية؛ تغييرات جسدية، وأيضًا تغييرات في المعتقدات والإمكانيات والرغبات والأمزجة. النفس السعيدة اليوم لا يمكن أن تكون هي نفسها النفس التعيسة للأمس؛ نظرًا لاستحالة أن تكون سعيدة وتعيسة في الوقت نفسه. ولكننا بالتأكيد نملك النفس عينها اليوم وأمس.

يمكننا حل هذه المشكلة بافتراض أن النفس شيء أكثر جوهرية، شيء مستمر وثابت له كل هذه الخصائص المتغيرة، ولكنه يَبقَى على حاله دائمًا. وكالخيط الذي يمر عبر كل حبة لؤلؤ في عِقْد من اللؤلؤ، تمرُّ النفس عبر كل لحظة من حياتنا، لتجعلها متماسكة وجوهرية. والعقبة الوحيدة التي تواجه هذه الرؤية للنفس هي أنها لا تستطيع امتلاك معظم الخصائص التي نظن عادة أنها تجعلنا ما نحن عليه؛ فكونك سعيدًا أو تعيسًا، وكونك تتحدث الصينية، أو تفضل الكرز على الفراولة، بل حتى كونك واعيًا، كل هذه الحالات قابلة للتغير ولا يؤثر غياب إحداها على النفس، تمامًا كما لا يؤثر غياب حبة لؤلؤ مفردة على العِقْد، ولكن ذلك يجعلنا غير مستوعبين للسبب الذي يجعلنا نُولِي هذه المكانة الرئيسية لمثل هذه النفس الصغرى في حياتنا. فإذا كان كل شيء يحدث في حياتنا العقلية لا يؤثر إطلاقًا على النفس، فما فائدة هذه النفس؟

لنَعرضِ الفكرة بطريقة مختلفة؛ افترضْ أن أحدهم عرض عليك عقَّارًا يدمر النفس تمامًا ولكنَّه لا يؤثِّر إطلاقًا على معتقداتك ورغباتك وتفضيلاتك وما إلى ذلك، فهل ثمة مشكلة في أن تتعاطَى هذا العقَّار؟ سيكون هذا العقَّار أفضل حتمًا من عقَّار يُدمِّر كل معتقداتك ورغباتك وتفضيلاتك، إلخ … دون أن يمس نفسك إطلاقًا. ولكن هذا قد يُثِير شبهة أن النفس عند فهمها بهذه الطريقة ليست هي الشيء الذي نهتم بشأنه، وإنما ما نهتم بشأنه حقًّا هو محتوى حياتنا العقلية. علاوة على ذلك، إذا افترضنا أنك لا تستطيع أن تُميز من داخلك الفرقَ بين إنْ كنتَ قد أخذتَ العقَّار أم لم تأخذه، فهل يمكن أن تكون قد تعاطَيْتَ العقَّار دون أن تَعرِف؛ ومن ثَم لم تَعُدْ لديك نفس الآن؟ هل يجب أن تَقلَق بهذا الشأن؟ إن افتقارك لأي خبرة سابقة بسبب كونك مخلوقًا مجردًا من النفس بفعل تعاطي عقَّارٍ ما لا يمكن أن يَحدث ما لم تكن ثمة خبرة محددة «عن النفس»، منفصلة تمامًا عما يحدث في عقولنا، وهذه الخبرة مستمرة دون تغيير أثناء حياتنا اليَقِظة وحتى نومنا وفي الغيبوبة العميقة. ولكنَّ مثل هذه الخبرة غير موجودة، وقد أوضح الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم هذه الفكرة على نحو جلي حين قال:

مِن جانبي، حين أَدخل في عمقِ ما أسمِّيه نفسي، دائمًا ما أتعثَّر في إدراكٍ حسيٍّ ما، من حرٍّ أو برد، نور أو ظلٍّ، حبٍّ أو كُرْهٍ، ألمٍ أو متعة. ولم أتمكن قط من أن أجد نفسي في أي لحظة دون إدراكٍ حسِّيٍّ، ولم أتمكن قط من ملاحظة أي شيء سوى المدركات الحسية.

مع ذلك، ربما كان الحديث عن النفس لا ينطوي ضمنًا على وجوب وجود شيء ثابت يمر عبر الحياة كلها مثلما يمر الخيط عبر عِقْد اللؤلؤ؛ فالحبل متماسِك رغم عدم وجود خيط واحد طويل يمر عبر الحبل كله، بل إن كل ما هنالك مجموعة متتابعة من الخيوط المتداخلة الأقصر. بالمثل، ربما تكون النفس عبارة عن سلسلة متصلة من الأحداث العقلية المتداخلة. ورغم أن هذه الرؤية قد تكون معقولة بشكل أو بآخر، فهي تعني أيضًا أننا لا نكون موجودين بالكامل مطلقًا. نحن عادة ما نفترض أننا عندما نفكر في شيء أو نتخذ قرارًا، فإننا نفعل ذلك بالنفس كلها وليس بجزء معين منها. إلا أن النفس، وفقًا لفكرة الحبل، لا تكون حاضرة بالكامل مطلقًا في أي لحظة من لحظات حياتنا، تمامًا مثلما لا يكون الحبل المفرود على مسطرة موجودًا بالكامل عند أي علامة من العلامات المرسومة على المسطرة. وفي حين أن هذا صحيح في نموذج عِقْد اللؤلؤ (نظرًا لأن الخيط لا يكون موجودًا بالكامل في أي حبة لؤلؤ)، فعلى الأقل حين تجمع كل أحداث حياتك معًا فإن هناك جزءًا من هذا الكل يشكل نفسك. ولكن في حالة نموذج الحبل، ليس هذا مطروحًا.

يبدو أننا لا نملك إلا الاختيار البغيض بين نفس مستمرة بعيدة كل البعد عما يشكلنا بحيث نلحظ غيابها بالكاد حين تختفي، ونفس تتكون فعلًا من مكونات حياتنا العقلية، ولكنها لا تشتمل على جزء ثابت يمكننا أن نتوحد معه.

هناك سمة من سمات النفس أهم بكثير من السمتين اللتين تَحدَّثْنا عنهما حتى الآن؛ وهي حقيقة أن النفس هي مركز عالمنا. وهنا بالتحديد تتجمع كل الخيوط. من السهل التغاضي عن أهمية هذه الحقيقة، ولكننا إذا ما فكَّرنا في المهمة التي يضطلع الدماغ بتحقيقها لتجميع صورة العالم الموحد، سيتضح لنا أنها مهمة شديدة الصعوبة والتعقيد؛ فالمعلومات المختلفة التي تتوارد إلينا من حواس البصر والسمع واللمس والشم والتذوق تتم معالجتها في مناطق مختلفة من الدماغ وتنتقل لمسافات مختلفة (فدغدغة القدم تنتقل لمسافة أطول من دغدغة الصدر للوصول إلى الدماغ) وتصل إلى الدماغ في أوقات مختلفة. وتتنوع سرعة معالجة الأنواع المختلفة من المعلومات الحسية؛ فالمحفزات البصرية تستغرق وقتًا أطول في المعالجة من غيرها. (يبلغ الفرق حوالي ٤٠ ملِّي ثانية. على سبيل المقارنة: قول مقطع واحد يستغرق حوالي ٢٠٠ ملِّي ثانية.) من ناحية أخرى، ينتقل الضوء بسرعة أكبر بكثير من الصوت، فإذا ما جمعنا هذه السرعات المختلفة معًا نجد أن المشاهد والأصوات الآتية من بَعد حوالي عشرة أمتار تصل إلى الوعي في الوقت نفسه تقريبًا؛ أما بالنسبة لأي شيء أقرب أو أبعد فإن المعلومات الخاصة بالمشاهدة والصوت تصل في أوقات مختلفة. وفي هذه الحالات، فإن التزامن الظاهري لسماع الصوت ورؤية حركة شِفاه المتحدث، مثلًا، يجب أن يقوم الدماغ بتنظيمه.

بالإضافة إلى ذلك، لا بد من تنقيح المعلومات الحسية الواردة إلينا من حيث أهميتها بسرعة شديدة (إذ يجب التعامل مع زئير الأسد من خلفنا بسرعة أكبر من التعامل مع زقزقة العصفور الواقف أمامنا). وفي الوقت نفسه، لا بد من معالجة الأفكار والذكريات. ومع ذلك، ينبثق من هذه الفوضى من البيانات الواردة إلينا طوال الوقت عالم متماسك وموحد. (ويبدو أن هذا العالم لا ينهار إلا في حالة اضطرابات نفسية معينة أو عند استخدام عقاقير الهلوسة.)

وقد أكد رينيه ديكارت أن مثل هذا التوحيد ضروري من أجل اكتساب النفس (أو الروح) معرفة العالم، وقال في معرض حديثه عن الغدة الصنوبرية؛ جسم صغير يشبه قِمَع الصنوبر ويقع بالقرب من مركز الدماغ:

في رأيي أن هذه الغدة هي المقر الرئيسي للروح، والمكان الذي تتشكل فيه كل أفكارنا؛ ويرجع السبب في إيماني بذلك إلى أنني لا أجد أي جزء من الدماغ، فيما عدا هذا الجزء، غير مزدوج. وبما أننا نرى شيئًا واحدًا بعينين اثنتين، ونسمع صوتًا واحدًا بأذنين اثنتين، وباختصار لم يكن لدينا قط أكثر من فكرة واحدة في كل مرة، فلا بد أن يكون الوضع هو أن الانطباعات التي تَرِدُ إلينا عن طريق العينين أو الأذنين، وغيرهما، تتوحد بعضها مع بعض في جزء معين من الجسم قبل أن تتأملها الروح. ومن المستحيل أن نجد مثل هذا المكان في الرأس إلا في مكان واحد هو هذه الغدة.

في بعض الأحيان توصف هذه الصورة للعقل بمصطلح «المسرح الديكارتي»؛ فمثلما يجلس المُشاهد أمام المسرح، ترى النفسُ منظرَ العالم مُجمَّعًا من نطاق واسع من البيانات الحسية. ولو لم يتم توحيد هذه البيانات قبل رؤية النفس لها، لكانت النفس ستَرْتَبِك، تمامًا كما سيَرْتبك مُشاهِد المسرح إذا ما ظَهَر على المسرح ممثلان يدعيان القيام بدور هاملت. وفي حين أن هذه الصورة طبيعية ومقنِعة إلى أقصى حد، فإنها تواجه الكثير من الصعوبات؛ ومن ثَم ينبغي أن نحترس من الاقتناع بها. فلتفكر في الحالة التالية الشديدة البساطة.

إذا سلَّطْنا بقعة ضوء على الركن الأيسر السفلي من شاشة، ثم أتبعنا ذلك بتسليط بقعة ضوء على الركن الأيمن العلوي من الشاشة نفسها، فسيبدو لنا كأن هناك نقطة واحدة تتحرك عبر القطر الممتد من يسار الشاشة إلى يمينها. (تم اكتشاف هذه الظاهرة التي يطلق عليها ظاهرة بيتا من قِبَل علماء النفس في بداية القرن العشرين.) فإذا جعلنا بقعتَيِ الضوء بلونين مختلفين، على سبيل المثال، نجعل بقعة الضوء المسلطة على الركن الأيسر السفلي تأخذ لونًا أحمر وتلك المسلطة على الركن الأيمن العلوي تأخذ لونًا أخضر، فسوف نلاحظ بقعة واحدة تتحرك وتغير لونها عندما تصل إلى منتصف القطر. وهذه نتيجة شديدة الغرابة. فإذا كان دماغنا يملأ الفراغات على طول القطر لصالح النفس الجالسة في المسرح الديكارتي، فكيف يعرف أن لون البقعة لا بد أن يتغير من الأحمر إلى الأخضر في منتصف القطر؛ أي «قبل» مشاهدة البقعة الخضراء أساسًا؟ من غير المرجح أن يرجع السبب في هذا للقدرات التنبُّئية التي تتيح لنا أن نعرف ما سيحدث قبل أن يحدث بالفعل. ثمة طريقة أخرى لتفسير ظاهرة بيتا؛ وهي افتراض أن تجربتنا كلها يتم عرضها في المسرح الديكارتي بعد مهلة زمنية بسيطة؛ فالدماغ لا يمرر معلومات البقعة الحمراء فور استطاعته ذلك، وإنما يحتفظ بها لفترة بسيطة. وبمجرد معالجة البقعة الخضراء، يتم جمع بقعتَي الضوء في حكاية إدراكية حسية واحدة تنطوي على وجود بقعة ضوء واحدة تغيِّر لونها أثناء تحرُّكها. بعد ذلك يتم عرض هذه النسخة المعدَّلة في مسرح الوعي.

للأسف الشديد، لا يتلاءم تفسير المهلة الزمنية هذا مع دليلنا بخصوص طريقة عمل الإدراك الحسي. وعلى الرغم من أن الاستجابات الواعية ليست في سرعة الأفعال المنعكسة، فنحن نعرف أن الاستجابات الواعية يمكن أن تحدث بسرعة قريبة جدًّا من أدنى الأزمنة الممكنة فيزيائيًّا. وبمجرد أن نجمع الوقت الذي تستغرقه المعلومات للانتقال إلى الدماغ ووقت تحضير الرد، لن يكون هناك وقت كافٍ لتلك المهلة الزمنية التي ربما تفسر ظاهرة بيتا.

عند هذه النقطة، يبدو من المنطقي أن نشك في أن ثمة خطأً في مفهوم النفس التي ترى دفقًا موحدًا من المعلومات الحسية. ربما كان يوجد فقط عمليات عصبية عديدة تحدث في الدماغ وعمليات عقلية عديدة تحدث في العقل، دون أن توجد وكالة مركزية يتم فيها تجميع كل ذلك في لحظة معينة؛ لحظة «الزمن الحاضر» الحسية. ولعل النفس التي نضعها في بؤرة حياتنا العقلية ما هي إلا خيال مُرْضٍ لا يستند إلى حقيقة واضحة. وإذا لم يكن ثمة وقت محدَّد لظهور المحتوى الحسي على مسرح النفس (نظرًا لعدم وجود مثل هذا المسرح من الأساس)، فسوف تُصبِح ظاهرة بيتا أسهل بكثير في الاستيعاب. إن الإدراك الخاطئ المتمثل في بقعة الضوء الحمراء التي تتحول إلى اللون الأخضر لا يُثار في الدماغ إلا بعد إدراك البقعة الخضراء، إلا أن التتابع الذي يراه المُشاهد قد يكون «بقعة حمراء – بقعة حمراء تتحول إلى اللون الأخضر – بقعة خضراء». عندما تقرأ عبارة «خرج الرجل من منزله مسرعًا، وقبل ذلك قَبَّل زوجته»، يكون الترتيب الذي وردتْ به المعلومة هو «الخروج ثم التقبيل»، ولكن ترتيب الأحداث الذي تستنتجه من العبارة هو «التقبيل ثم الخروج». نظرًا لعدم وجود حقيقة موضوعية حول الوقت الذي يصبح فيه الشيء مُدرَكًا ذاتيًّا (بدخوله إلى المسرح)، فليس هناك حاجة لافتراض مهلة زمنية منتظمة لتفسير عدم محاذاة ما يحدث في الدماغ وما يحدث في الوعي والذي تُظهِره ظاهرة بيتا. ولكي نُدرِك وقوع الأحداث بترتيب معين، ليس من الضروري أن تَرِدَ المعلومات إلى المخ بهذا الترتيب نفسه.

إنَّ رفْض النفس بوصفها المركز الرئيسي لعالمنا العقلي ليس ظاهرة فلسفية حديثة؛ فهي ترجع إلى ألفَيْ وخمسمائة عام مضت، عندما وصف بوذا في الهند القديمة نظرية غياب النفس.

وفقًا لهذه النظرية، نحن نتكوَّن من جسد وأربعة مكونات نفسية، تتفق مع الوظائف المعرفية المختلفة. ولا يمكن تجسيد النفس في أيٍّ من هذه المكونات (لأنها تتغير باستمرار، في حين أن من المفترض أن تكون النفس مستمرة)، كما أنها لا يمكن أن تكون توليفة من كل هذه المكونات معًا (نظرًا لأن النفس هي عبارة عن شيء واحد موحد، وليست ائتلافًا من العناصر المتغيرة). والنفس أيضًا ليست شيئًا قائمًا بذاته، ومنفَصِلًا عن العناصر الأربعة الأخرى؛ وهذا لا يعني أننا ينبغي أن نكفَّ عن الكلام عن النفوس والأشخاص؛ إذ إنها تشكل جزءًا مهمًّا من كيفية إدراكنا للعالم. ولكن النفس ليست أكثر من كيانٍ اسميٍّ بحتٍ. وهي متراكبة (مفروضة) على مكوناتنا المادية والعقلية لأسباب عملية محضة. وهي تسمح لنا بتحديد موقعنا في العالم، تمامًا كما يسمح لنا مؤشر الماوس بتحديد موقعنا على واجهة الكمبيوتر. ولكن على غرار المؤشر الذي ليس «في» الكمبيوتر، وليس كائنًا مستمرًّا (إذ إنه يختفي عندما نغلق الكمبيوتر)، ولا يدخل في تركيب مركز أعمال الكمبيوتر، فالنفس أيضًا تختلف عما تبدو عليه بالنسبة لنا.

مقتطفات من حوار ماهابوناما

«أيها الرهبان، ما رأيكم؟ هل المادة باقية أم زائلة؟» – «زائلة، يا سيدي الموقر.» – «هل الأشياء الزائلة تجلب المعاناة أم السعادة؟» – «المعاناة، يا سيدي الموقر.» – «هل الأشياء الزائلة التي تجلب المعاناة وتخضع للتغيير يمكن أن نَصِفَها بالكلمات التالية: هذه لي، هذه أنا، هذه نفسي؟» – «لا، يا سيدي الموقر.»

«أيها الرهبان، ما رأيكم؟ هل الشعور والإدراك وردُّ الفعل والوعي أشياء باقية أم زائلة؟» – «زائلة، يا سيدي الموقر.» – «هل الأشياء الزائلة تجلب المعاناة أم السعادة؟» – «المعاناة، يا سيدي الموقر.» – «هل الأشياء الزائلة التي تجلب المعاناة وتخضع للتغيير يمكن أن نَصِفَها بالكلمات التالية: هذه لي، هذه أنا، هذه نفسي؟» – «لا، يا سيدي الموقر.»

«لذا، أيها الرهبان، فأي نوع من المادة، سواء في الماضي أو في الحاضر أو المستقبل، ينبغي أن يوصف على حقيقته بالحكمة المناسبة: هذه ليست لي، هذه ليست أنا، هذه ليست نفسي. وأي نوع من الشعور والإدراك وردِّ الفعل والوعي ينبغي أن يوصف على حقيقته بالحكمة المناسبة: هذه ليست لي، هذه ليست أنا، هذه ليست نفسي.»

عندما نقول إن النفس متراكبة (مفروضة) على المكونات، يتبادر إلى الذهن سؤال: «مَن الذي يركبها (يفرضها)؟» عندما نتأمل النفس بوصفها الموحِّد لعالمنا التجريبي، فمِن المنطقي أن نراها أشبه بالطيار في محاكي الطيران. فمن نطاق من المدخلات الإدراكية، يخلق دماغنا صورة للعالم تعمل عليها النفس. فنحن لا نستطيع أن نخطو خارج أدمغتنا؛ ومن ثَمَّ ليس لنا سبيل إلى اكتشاف العالم خلف المحاكاة الموجودة داخل القحف، بل إنها بالنسبة لنا لا تبدو كمحاكاة من الأساس. ولكن المشاكل التي يُثيرها مفهوم المسرح الديكارتي تقترح عدم وجود طيار، وعدم وجود نفس تتم لصالحها المحاكاة. بدلًا من ذلك، فإن مجموعة مكوناتنا المادية والعقلية تعمل كمحاكي طيران كامل، لا يحاكي المعلومات المُستقبَلة في مقصورة الطيار فحسب، وإنما يحاكي الطيار أيضًا؛ فالنفس بوصفها الموحِّد لمدخلاتنا الإدراكية هي عبارة عن محاكاة أو خيال، إلا أنه لا يوجد شخص غير مُحاكًى أو غير خيالي يشاهد المحاكاة أو يعيش هذا الخيال.

ومن المدهش أن نلاحظ أن النفس الموحَّدة تَلقَى هجومًا أيضًا من اتجاه غير متوقع إلى حدٍّ ما؛ ألا وهو تفسير معين للفيزياء الكمية.

نذكر أنه وفقًا لبعض التفسيرات يحدث انهيار الدالة الموجية عندما يتفاعل الوعي مع الكائن الكمي المراد قياسه. هذا التفاعل، أي القياس، يحدِّد بعد ذلك أيٌّ من الخواص التي يمكن أن يتسم بها الكائن الكمي هي الخاصية الحقيقية. وبعد القياس، سوف يحمل الكائن هذه الخاصية فحسب ولن يحمل أي خواص أخرى. ومع ذلك فالتفسير الذي يهمنا هنا يزعم أنه بعد القياس، كل الخواص المختلفة الممكنة هي خواص يمتلكها الكائن الكمي. ونظرًا لأنه لا يوجد شيء يمكن أن تكون له خواص مختلفة متعارضة في الوقت نفسه، فهذا يعني ضمنًا أنه عندما يتم رصد الكائن، ينقسم الكون إلى مجموعة من النُّسَخ المتقاربة، الأولى تستمر في مسارها مع امتلاك الكائن الكمي خاصية واحدة، والثانية يمتلك فيها خاصية أخرى، وهكذا، هذا هو المكافئ الكوني لرواية بورخيس المتاهية التي تَصِف شخصية تسوي بن؛ حيث كل خيار يختاره بطل القصة يؤدي إلى روايات عديدة أخرى، واحدة لكل نتيجة محتملة. وفي شجرة الاحتمالات المتواصلة التفرع هذه، كل ما يمكن أن يحدث يتم وصفه في روايةٍ ما.

ويتيح لنا «تفسير العوالم المتعددة» المزعومُ هذا تفسيرَ تجارب فيزيائية مهمة للغاية دون الحاجة لافتراض وجود اختلاف جوهري بين العقل والمادة. ومن ناحية أخرى، بما أننا نحن، كراصدين، كائنات مادية أيضًا، فإن عمليات القياس تُقسِّمُنا، بحيث تنقسم نفوسنا إلى أنفس متعددة منفصلة تستأنف وجودها في أكوان منفصلة، ولا تتلاقَى وتتوحد مرة أخرى على الإطلاق؛ فالأمر كما لو كنتَ عندما ترمي زهر النرد، لن تحصل على رقم معين فحسب، ولكنك تخلق خمسة أكوان أخرى كاملة في الوقت نفسه، يشتمل كلٌّ منها عليك وقد رميت زهر النرد للتو وظهر لك واحد من الأرقام الخمسة الباقية.

ولكن أي هذه الأنفس هي نفسك؟ إذا كانت كلٌّ منها استمرارًا لك، فإنك لن تستطيع أن تملك نفسًا موحَّدة؛ نظرًا لأن النفوس الستة ستتطور في اتجاهات شديدة التباين، وتملك تجارب مختلفة، وتختار اختيارات مختلفة، في حين أن النفس الواحدة من المفترض أن تتطور في اتجاه واحد فقط، وتملك مجموعة واحدة من التجارب، وتختار نوعًا واحدًا من الاختيارات. أما إذا كانت إحدى هذه الأنفس هي أنت، إذن فأنت كما يبدو ستصبح خالدًا.

قم بالتجربة التالية؛ خذ جهازًا يقيس خاصية معينة في كائن كمي. يمكن أن تكون هذه الخاصية موجودة في الكائن أو غير موجودة، والاحتمالية متساوية في الحالتين، والآن اربط هذا الجهاز بمسدس. كل دقيقة يقيس الجهاز كائنًا كميًّا مختلفًا ولا يفعل شيئًا إذا كانت الخاصية المراد قياسها غير موجودة. أما إذا كانت الخاصية موجودة، فإن الجهاز يطلق المسدس ويصيبك في رأسك. إذا أجريتَ هذه التجربة، فسيبدو لك كأن المسدس لا يطلق النار مطلقًا؛ لأنه كلما فعل ينقسم العالم إلى عالمين، تكون الخاصية غير موجودة في أحدهما، ولا يُطلق المسدس النار. واستمرار نفسك هو النفس الموجودة في العالم الذي لا يُطلَق فيه المسدس، وليس النفس الميتة الموجودة في العالم الذي يطلق فيه المسدس. (أما إذا كنتَ تراقب شخصًا آخر يجري التجربة، فستكون هناك احتمالية ٥٠٪ أنك ستراه يسقط ميتًا بعد الدقيقة الأولى.) وما دام احتمال عدم وجود الخاصية المراد قياسها ليس صفرًا، فإنك تستطيع البقاء على قيد الحياة في مثل هذا السيناريو للأبد. من الواضح أن الفكرة نفسها يمكن أن تُطبَّق خارج التجربة أيضًا. بما أن انقسام العوالم يحدث طوال الوقت، ما دام هناك عالم تعيش فيه هو نتاج مثل هذا الانقسام قبل موتك مباشرة، فسوف تستمر على قيد الحياة في هذا العالم، وبما أن «نفسك» في هذا العالم هي نفسك الحقيقية، فإنك لن تمرَّ بتجربة موتك إطلاقًا.

ورغم أن هذا الخلود قد يروق لك، فإن فكرة وجودك في عالَمٍ واحد من العوالم اللامعدودة المنبثقة في كل لحظة هي فكرة مثيرة للجدل. والعقبة الرئيسية هي أن نجيب عن السؤال: لماذا توجد أنفسنا في العالم الذي يقف فيه زهر النرد على رقم ستة، وليس في العالم الذي يقف فيه على رقم خمسة؟ وما الذي يحدد النفس التي ستصبح استمرارًا لنا؟ في العوالم الستة كلها، نحن نملك أجسادًا شبه متماثلة؛ لذا فمِن المستبعد أن يكون ثمة اختلاف مادي هو الذي يحدد العالم الذي توجد فيه أنفسنا. ويبدو أن الطريقة الوحيدة لحل هذه الإشكالية هي افتراض وجود نفس غير مادية وغير مُدرَكة بالحس. ولكن إن كانت هذه النفس موجودة حقًّا، فسوف يتبادر إلى أذهاننا سؤال إذا ما كان قد حدث خطبٌ ما في مكانٍ ما، وعلى الرغم من أننا نظن أن أنفسنا في العالم الحالي، فإنها في الحقيقة في عالم آخر انفصل عن هذا العالم منذ زمن بعيد.

بطريقة أو بأخرى، لا ينبغي أن يقلقنا مثل هذا الموقف؛ إذ يبدو أننا نرجع إلى الموقف الخاص بالعقَّار المدمِّر للنفس الذي ناقشناه سابقًا. إذا كانت النفس غير المُدرَكة بالحس قد افتُرِضت فقط من أجل تأكيد وجود نفس مستمرة غير متغيرة عبر العوالم المنفصلة الخاصة بتفسير العوالم المتعدِّدة، فربما نوفِّر على أنفسنا همومًا غير مُبرَّرة حول وجود أنفسنا حقًّا حيث نظن أنها موجودة، عن طريق التخلِّي عن الافتراض الأساسي الذي ينص على أن هناك نفسًا موحَّدة في المقام الأول.

رؤيتنا البَدَهية الأخيرة للنفس هي أن النفس هي محل السيطرة؛ فالنفس هي الوسيط الذي يحوِّل المعلومات المتلقَّاة من العالم إلى أفعال تتم في العالم، وجوهر إدراكنا للوساطة هي القدرة على القيام بأفعال ليست ناتجة بشكل مباشر عن المدخلات الحسية؛ فتمرير الملح عندما يطلب منك ذلك على مائدة الطعام فِعْل مختلف كل الاختلاف في نوعه عن أخذه بنفسك، ولا يدفعك للقيام بهذا الفعل سوى رغبتك في وضع المزيد من الملح على طعامك. ومن المحير أن هذا القدر الرئيسي من الوساطة يبدو شديد الاختلاف عندما نُولِي انتباهنا لآلية عمل الدماغ البشري.

fig13
شكل ٣-٣: استكشاف طاقة الاستعداد.

عند دراسة نشاط القشرة الحركية للدماغ الذي يؤدي إلى الحركات الإرادية للعضلات، اكتشف العلماء نمطًا خاصًّا لنشاط الخلايا العصبية الذي يسبق هذه الحركات، والذي يطلق عليه «جهد الاستعداد». في ثمانينيات القرن العشرين أجرى عالم الأعصاب بنجامين ليبت تجربة مثيرة للجدل تبحث العلاقة الوقتية بين جهد الاستعداد والقرار الواعي للقيام بالفعل. طلب العالِم من الخاضعين للتجربة القيامَ بحركة بِيَدهم في أي وقت من اختيارهم أثناء مشاهدة ساعة شمسية متحركة. وتم قياس النشاط الكهربي لأدمغتهم باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ، وطلب من الخاضعين للدراسة ذِكْر مكان مؤشر الساعة وقت شعورهم «بالرغبة» في تحريك أيديهم. المثير للاهتمام أن الوقت المذكور كان يَلِي على الدوام بداية جهد الاستعداد في الدماغ؛ ومن ثَم فإن من الصعب أن نفهم كيف تسببت الرغبة في جهد الاستعداد؛ نظرًا لأن خبرة إرادة القيام بفعل معين لا تبدأ إلا بعد وقوع أحداث الدماغ التي تؤدي لوقوع الفعل. إن إرادة القيام بالفعل تتجلَّى آنيًّا في عقولنا، ومع ذلك فإن لها بادرة سببية لسنا على دراية بها. وهذه البادرة؛ أي جهد الاستعداد، غير مرئية بالنسبة لنا، ولكنها موجودة على أي حال. والرغبة في تحريك اليد لا تبدو عفوية وغير مبررة إلا لأنها الحلقة الأولى في سلسلة عمليات الدماغ التي تعبر الحدود من اللاوعي إلى الوعي. وفي هذا السياق التجريبي، ينبثق كلٌّ من الرغبة في الفعل والفعل نفسه من الدماغ، ومع ذلك فنحن نستنتج أن الرغبة هي المسئولة سببيًّا عن الفعل.

ويمكن ملاحظة مَيْل عقولنا إلى خَلْق مَظهَر الفعل المتعمَّد حتى عندما لا يوجد مثل هذا الفعل في سياقات أخرى أيضًا. ومجرد حقيقة أن فعلًا ما يبدو لنا ناتجًا بشكل كامل عن نيَّتنا ورغبتنا في القيام به لا تضمن أن هذا هو الواقع؛ فالنشاط الدماغي يمكن حثُّه أو تَثبِيطه عن طريق تحفيز الدماغ بواسطة حقول مغناطيسية عبر الجمجمة من خلال تقنية يطلق عليها التحفيز المغناطيسي للدماغ. عندئذٍ من الممكن إجراء تجربة يطلب فيها من الخاضعين للتجربة اختيار رفع الإصبع السبابة اليمنى أو اليسرى بعد صدور إشارة معينة. وفي الوقت نفسه يتم تشغيل التحفيز المغناطيسي للمنطقة الحركية من الدماغ. من المرجح أن يرفع الخاضعون للدراسة الإصبع السبابة الخاصة باليد المعاكسة للمنطقة المحفزة من المخ دون أن يدركوا أن اختيارهم تأثر بقوة خارجة عن أدمغتهم.

في الحالات الأكثر تطرفًا، يمكن أن يختلق العقل الرغبة في القيام بفعلٍ ما، في حين أن هذه الرغبة في الحقيقة لا تنبع منَّا على الإطلاق. في تجربة طريفة طُلب من الخاضعين للدراسة اختيار صور على شاشة كمبيوتر باستخدام فأرة الكمبيوتر التي يشاركونها مع شريك، على نمط لوحة الويجا. وفي هذه التجربة يستمع المشاركون إلى كلمات عبر سماعات رأس، هذه الكلمات بعضها له علاقة بالكائنات التي تَظهَر على الشاشة. وفي الواقع، يكون الشريك أحد القائمين على التجربة ويقوم دون ملاحظة الشخص الخاضع للتجربة بتحريك الفأرة ببطء نحو صورةٍ ما. فإذا تم توجيه فأرة الشخص الخاضع للتجربة نحو صورة وردة، واستمعوا إلى كلمة «وردة» قبل ذلك بثوانٍ في سماعات الرأس، فإنه يقول إنه شعر بأن فعل تحريك الفأرة في اتجاه الوردة كان مقصودًا. إن فكرة الوردة تم تحفيزها بواسطة أسباب خارجية محضة (سماعات الرأس)، ومع ذلك فإن ورودها على الذهن يؤيد فكرة أن العقل قد تَسبَّب في هذا الفعل عن قصد. يختلق العقل رواية «أنا فعلت هذا» التي نظن بعد ذلك أنها رواية حقيقية لا تقبل الشك، رغم افتقادها لأي أساس واقعي.

إن الشك في فكرة أن النفس محل السيطرة لا ينبع من الدراسة العميقة لكيفية عمل عقولنا فحسب، وإنما ينبع أيضًا من اتجاه غير متوقَّع على نحوٍ ما: علم الميمات. وعلم الميمات، وهو علم دراسة التطور الثقافي، هو علم مستنبَط من علم الوراثة، أو دراسة الجينات. يَدْرس علم الوراثة كيفية تطور الحياة البيولوجية بواسطة نَسْخ الجينات، أما علم الميمات فيَدْرس كيفية فَهْم تطور حياة العقل بواسطة نَسْخ الوحدة الأساسية للتطور الثقافي (الميم). يمكن أن يكون الميم أساسيًّا مثل فكرة غَلْي الطعام قبل تناوله، أو نَقْل الأحمال بواسطة العربات، كما يمكن أن يكون هيكلًا شديد التعقيد من الأفكار مثل لعبة «جو» وهندسة إقليدس وقواعد اللغة السنسكريتية والرسم المنظوري وبالطبع دراسة الميمات نفسها. الجينات كائنات غير مرئية يحملها العائل (الكائن الحي المالك لِلْجِين) ولها تأثيرات معينة (النمط الظاهري للكائن الحي)، وبالمثل الميمات أيضًا كائنات غير مرئية، تحملها عقول الأفراد، ولها تأثيرات معينة تحدد ما يحدث لهذه العقول على المدى البعيد.

ثمة فكرة مؤثرة في النظرية التطورية الحديثة؛ ألا وهي أن الجينات، وليس الكائنات الحية، هي التي تحتلُّ مقعد القيادة؛ فبدلًا من النظر إلى الجينات باعتبارها الأداة التي يستخدمها الكائن الحي للتكاثر، ومن ثم تحسِّن كفاءته، تدعونا النظرية التطورية الحديثة إلى النظر إلى الجينات باعتبارها نواسخ أنانية تُجبِر الكائن الحي على زيادة فرصة نسخها؛ ففي حين أنه غالبًا ما يكون المفيدُ للجين مفيدًا للعائل (على سبيل المثال، الجين المورِّث للمناعة ضد أي مرض عادي ستكون له فرص أكبر للنسخ؛ نظرًا لأن الشخص الحامل له من المرجَّح أن يعيش فترة أطول)، فإنه من الممكن حدوث تعارضات خطيرة.

تَحْدث هذه التعارضات بشكل خاص في حالة جينات الانحراف الانعزالي التي لا تؤثر على سمات مثل الشعر أو لون البشرة، وإنما تؤثر على عملية الانقسام الخلوي التي تقسم الكروموسومات وتُنتج خلايا الحيوانات المنوية والبويضات. تحرص جينات الانحراف الانعزالي على أن يتم تمثيلها بشكل زائد في خلايا الحيوانات المنوية والبويضات؛ ومن ثَم تزيد فُرَص نسخها بشكل هائل. وهي تفعل ذلك حتى إذا كانت عواقبها على أفراد الكائن الحي أو على مجتمع الكائنات الحية كارثية. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، الجين t في الفئران، الذي يخدع الجينات الأخرى بهذه الطريقة، وهذا الجين لا يؤثر على نحو خطير على الكائن الحي إذا تم توريثه من أحد الأبوين فحسب. أما إذا وُرِّث من كلا الأبوين فإن الفأر الحامل له إما أن يموت في سن صغيرة أو يصبح عقيمًا. وعندما ينتشر الجين t في مجتمع من الفئران نظرًا لقدرته على التمثيل الزائد في خلايا الحيوانات المنوية والبويضات، تزيد احتمالية وراثة الفئران الصغيرة له من كلا الأبوين. وفي النهاية، إذا ورث مجتمع الفئران بالكامل الجين t فمِن الممكن أن ينقرض بهذه الطريقة. إن هذا الجين لا يعمل ضد مصلحة الكائن الحي الحامل له فحسب، بل إنه يفتقد بوضوحٍ أيَّ بصيرة ورؤية نافذة؛ حيث إنه بهذه الطريقة يعمل ضد مصلحته الشخصية أيضًا.

على النحو نفسه الذي تَحتَشِد به الجينات في الكائن الحي لكي تُنسَخ بطريقة أفضل، نحن نعتقد أن الميمات أيضًا تتجمع لتكوين ذات. ونحن نرى قلبًا مشابهًا لترتيب الأولويات المعتاد هنا؛ فنحن لا نملك الأفكار، بل الأفكار هي التي تملكنا. ومن منطلق هذه الرؤية، تصبح النفس صنيعة الميمات التي تحتلُّ دماغ الإنسان لتسهل عملية تكاثر الميمات. وتمامًا مثلما تحتشد الجينات في الكائن الحي لتسهيل عملية تكاثرها (لأن بعض الجينات تستطيع السيطرة على إنتاج المكونات البيولوجية اللازمة للجينات الأخرى)، تحتشد الميمات في النفس لكي تسهل عملية نسخها. في مثل هذه النفس، يمكن أن تتجمع الميمات التي يستطيع بعضها مساعدة بعض في التكاثر. ينتشر الميم الخاص بصنع البارود بشكل أفضل عندما يكون جزءًا من نفس تشتمل أيضًا على ميمات لصنع القنابل وأدوات الإحراق والصواريخ والألغام والبنادق والمدافع؛ ومن ثَم يكون من الخطأ افتراض أن الميمات التي نَمْلِكها موجودة لدينا لأنها تتوافق مع العالم من حولنا، أو لأنها تجعلنا أذكى، أو أكثر تعاطفًا، أو أكثر نجاحًا؛ ولكنها ببساطة موجودة لدينا لأنها مفيدة لنفسها؛ بمعنى أنها تساعد في عملية نسخها. وكما هو الحال في الجينات، لا تعتبر مسألةُ إذا ما كان الجين الناسخ مفيدًا للعائل معيارًا مفيدًا لتقييم نجاحه.

مع ذلك، سيكون من الخطأ أن نظن أن الميمات الطفيلية تستولي على أنفسنا. والسبب في أن أي تعارض للميمات مع «أنفسنا» يكون في غير محلِّه هو أن الميمات تلعب دورًا رئيسيًّا في تكوين أنفسنا. فليس هناك عقل مستقلٌّ يُجاهِد لمكافحة غزو الميمات الأجنبية، وإنما يوجد فقط هيكل واحد من الميمات التي تَرَى نفسَها بوصفها نفسًا، وترى الميمات الأخرى بوصفها حُلَفاء يمكن أخذها في جبهتها أو أعداءً ينبغي صدُّ هجماتها. بطبيعة الحال، نحن لا ننظر للأمور بهذه الطريقة، فنحن نؤمِن بأننا نحن المسيطرون، وأننا نحن الذين نملك الأفكار، وليس العكس. تصف علوم الإدراك هذه الصنائع المعرفية مثل النفس في بعض الأحيان باعتبارها «شفافة»؛ فنحن نرى عبرها دون أن نلاحظ طبيعتها المركبة. وينطبق الأمر نفسه تقريبًا على مجالنا البصري، الذي يبدو مستمرًّا وموحدًا، رغم أنه أبعدُ ما يكون عن ذلك؛ لأن كل جزء من شبكية العين يملك إمكانيات وضوح مختلفة تمامًا عن الجزء الآخر، ولأن كل عين لديها بقعة عمياء، ولأن أعيننا تقفز من مكان إلى آخر في المحيط في حركات متتابعة تُعرف باسم الرَّمش. ونحن لا نستطيع إدراك طريقة تكوين مجال بصري مستمر من هذه البيانات الجزئية المتقطعة، تمامًا مثلما لا نستطيع إدراك كيفية تكوين النفس من مجموعة من الميمات؛ فالنفس وهمٌ وليستْ شخصًا يَعِيش وهمًا.

إذا كان إدراكنا البدهي للنفس، كما تُبيِّن لنا الاعتبارات السابقة، بوصفها وسيطًا غير متغيِّر ومُوحِّد داخل أجسامنا أقل معقولية مما يبدو عليه، فإلى أين يقودنا ذلك فيما يتعلق بحقيقة النفس؟ من الواضح أننا لا نستطيع دحض حقيقة النفس وفقًا لتعريف فيلم «ماتريكس» وتعريف رواية «١٩٨٤». إننا ندرك وجود النفس — نظرًا لشفافيتها — كما أن معظم الناس يدركون أن معظم الناس الآخرين لديهم نفوس. ولكن حقيقة وجود النفس وفقًا لتعريف «جونسون» ليست واضحة؛ فالنفس ليست شيئًا غير مصطنع. إنها نموذج معرفي، وفي حالة كون بعض علماء الميمات على صواب، فإنها عبارة عن كائن مركب مصنوع من ميمات متجمعة. أما تعريف نهاية العالم فهو لا ينطبق عليها بالتأكيد؛ فإذا لم نكن موجودين، فبالتأكيد لن تكون هناك نفوس. كما أننا رأينا أن حقيقة النفس ليست جلية في ظل أحد أهم تعريفات الحقيقة؛ ألَا وهو تعريف السلحفاة. ولا تحتوي المكونات الأولية العديدة التي تفترضها النظريات التي تحاول تقديم بيان كامل للأجزاء الرئيسية للعالم — الجسيمات الأولية والجينات والميمات — على النفوس. مما سبق، يبدو لنا أن النفس ليست شيئًا يوجد على المستوى الأساسي للوصف، ولكنها شيء مصنوع لا يَظهَر إلا عندما تتجمع عدة عوامل بسيطة في كلٍّ معقَّد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠