الفصل السابع

دارتانيان يتلقَّى نصيحةً طيبة من السيد دي تريفي لكنه لا يُعيرُها كثير التفات

عندما خرج الجميع، وأُقْفِلَ الباب، استدار السيد دي تريفي، فوجد نفسه وحيدًا مع دارتانيان.

قال وهو يبتسم: «عفوًا! عفوًا، فقد نسيتُكَ تمامًا. ماذا بوسعي أن أفعل؟ ليس القائد بأقل من ربِّ أُسرة، يحمل مسئوليةً ربما أكثر من مسئولية أي أسرةٍ عادية.»

ابتسم دارتانيان، فحكم السيد دي تريفي، من هذه الابتسامة، على أن زائره ليس غبيًّا. وعلى ذلك غيَّرَ مجرى الحديث، ودخل في الموضوع مباشرةً.

قال: «إنني أحترم أباك كثيرًا، فماذا بوسعي أن أفعل للابن؟ أرجوك أن تتكلَّم سريعًا، فوقتي ليس ملكًا لي.»

قال دارتانيان: «أتيتُ إلى هنا، يا سيدي، كي أكون في زمرة الفرسان. ولكن بعد كل ما رأيتُ في هذا الصباح، فإنني أرتجفُ خشيةَ ألَّا أكون جديرًا بها.»

قال السيد دي تريفي: «حسن، أيها الشاب. إنها في الحقيقة حُظوةٌ، ولكنها قد تكون أبعدَ من آمالك، على عكس ما يبدو لك. وبالطبع، فإن قرار جلالته ضروري دائمًا، ولكن يجب أن تُبَرْهِنَ أولًا على جدارتك في عدة معارك، أو بالخدمة المقبولة لمدة سنتَين في كتيبةٍ ما، أقل درجةً من كتيبتنا.»

واستطرد قائلًا: «ولكن، إكرامًا لرفيقي السابق، أبيك، سأفعل لك شيئًا؛ فإني أعتقد أنك لم تُحضِر معك نقودًا كثيرةً.»

استجمع دارتانيان نفسه وتكلَّم بلهجة الفخور، قائلًا في وضوحٍ: «إنني لم آتِ لأطلُبَ صدقةً من أي إنسان.»

قال السيد دي تريفي: «هذا كله حسنٌ جدًّا، يا عزيزي الشاب! هذا كله حسن. أعرف شيمة أولئك الغسقونيين، فأنا نفسي جئتُ إلى باريس وفي كيس نقودي أربعة كراوناتٍ ليس غير. وكنتُ على استعدادٍ لمواجهة أي شخصٍ يتجاسر على أن يقول إنني لستُ في موقفٍ يُمَكِّنني من شراء متحف اللوفر!»

وأضاف قائلًا: «يجب أن تحافظ على ما معك من نقودٍ مهما يكن المبلغ الذي بحوزتك ضخمًا. وسأكتب خطابًا لمدير الأكاديمية الملكية، وسيقبلك غدًا دون أية نفقاتٍ أو أعباء. لا ترفُض هذه الخدمة البسيطة؛ فأحيانًا يطلبها رجالٌ نبلاء المولد، كما يطلبُها أغنى الرجال دون استطاعتهم الحصول عليها! ستتعلم ركوب الخيل، واستخدام السيف، وكيف تسلُك وسط المجتمع، وستتخذ أصدقاء تحتاج إليهم وترغب فيهم. ويمكنكَ أن تأتي لزيارتي بين الفَينة والفَينة، لتخبرني كيف تسير، ولتُعْلِمني ما إذا كان بوسعي أن أكون ذا فائدةٍ لك.»

قال دارتانيان: «يؤسفني، يا سيدي، أن أقول كم يحزنني ضياع خطاب التوصية الذي أعطانيه أبي لأقدمه لك.»

قال السيد دي تريفي: «يُدهِشُني كثيرًا أنك تتكبَّد مثلَ هذه الرحلة الطويلة بدون مثل ذلك الخطاب الضروري لنا، نحن الغسقونيين المساكين.»

«كان معي، يا سيدي، ولكنه سُرِقَ مني.»

وحكى دارتانيان بعد ذلك ما حدث له في ميونغ، ووصَف الرجل المجهول بدقةٍ وصدقٍ أمتعا السيد دي تريفي.

قال السيد دي تريفي بعد تفكيرٍ عميق: «هذا كله غريبٌ جدًّا. أقُلتَ إنكَ ذكرتَ اسمي؟»

«أجل، يا سيدي، يقينًا اقترفتُ ذلك الخطأ، ولكن لِمَ لا أفعل ذلك؟ فاسمٌ مثل اسمكَ حمايةٌ لي في طريقي.»

قال السيد دي تريفي: «أخبرني، هل بوجنةِ ذلك الرجلُ أثرٌ لجرحٍ صغير؟»

«أجل.»

«وهل هو قبيح الطلعة؟»

«أجل.»

«وفارعُ الطول؟»

«نعم.»

«ذو بشرةٍ باهتة، وشعرٍ بُنِّيِّ اللون؟»

«نعم، نعم، هو ذاك. كيف عرفتَ ذلك الرجل، يا سيدي؟ أُقسِم إن عثُرتُ عليه مرة أخرى، وسأعثُر عليه، أن …»

قاطعه السيد دي تريفي بقوله: «هل كان ينتظر سيدة؟»

«أجل، وانصرف مباشرةً بعد أن تحدَّث معها.»

«أتعرف موضوع حديثهما؟»

«أعطاها صندوقًا وأخبرها بأنه يحتوي على التعليمات، وأنها يجب ألا تفتحه حتى تصل إلى إنجلترا.»

«هل كانت سيدة إنجليزية؟»

«كان يخاطبها بقوله ميلادي.»

ردَّد السيد دي تريفي: «إنه هو، لا بد أنه هو. ظننتُه في بلجيكا.»

صاح دارتانيان قائلًا: «أي سيدي، إن كنتَ تعرفُ من هو ذلك الرجل فأخبرني؛ إذ إن ما أريده، قبل كل شيءٍ، هو أن أُعاقِبه.»

قال السيد دي تريفي: «احذر، أيها الشاب! وإن رأيتَه قادمًا على أحد جوانب الطريق، فاذهب إلى الجانب الآخر. لا تُلْقِ بنفسكَ على مثل هذه الصخرة الوَعْرة!»

عقَّبَ دارتانيان بقوله: «لن توقفَني فكرة قوَّته إن عثرتُ عليه.»

قال السيد دي تريفي بلهجةٍ صارمة: «في هذا الوقت، خُذْ بنصيحتي ولا تبحث عنه. والآن، أيها الشاب، لا أستطيع في هذه اللحظة أن أفعل لك إلا ما قدَّمتُه لك الآن. سيكون مكتبي مفتوحًا لك. ويسعدُني أن تطلُبني في أي وقت، واعمل على أن تنتهز جميع الفرص، فربما تحصُل على بغيتك.»

قال دارتانيان: «هذا يعني أنك ستنتظر حتى أُبرهنَ على جدارتي.» ثم انحنى لكي ينصرف، فاستوقفَه السيد دي تريفي قائلًا: «انتظر دقيقة. لقد وعدتُكَ بخطابٍ لمدير الأكاديمية الملكية، فهل ستقبلُه أم ستتعالى عليه؟»

قال: «لا، يا سيدي، وأعدُكَ بألا يُسرَق مني مثلما سُرِقَ الآخر.»

ابتسم السيد دي تريفي لهذا التباهي، وتركَه عند النافذة حيث كانا يتحدَّثان، وجلس إلى مكتبه ليكتُب خطاب التوصية، على حين أخذ دارتانيان ينظُر من النافذة إلى الفرسان وهم يذهبون ويجيئون في الشارع.

نهض السيد دي تريفي بعد أن كتب الخطاب وختمه، وتقدَّم إلى الشاب ليُعطيَه إياه، ولكن في تلك اللحظة التي مدَّ دارتانيان فيها يدَه ليتسلم الخطاب، فوجئ السيد دي تريفي بدارتانيان يقفز فجأة، وقد استشاط غضبًا، ويندفع خارجًا من الغرفة، وهو يصيح بقوله: «لن يُفلِتَ مني في هذه المرة!»

سأله السيد دي تريفي: «من هو؟»

فصاح دارتانيان: «إنه سارقي. يا له من وغد!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤