الفصل الثالث

(١) جولة في الجزيرة

figure

وبقي ابن يقظان يتفكر في ذلك الشيء المصرّف للجسد؛ أعني، الروح الذي يبعث الحياة في الجسم؛ فإذا غادره همد وفسد، ولم تبق للجسم قيمة.

وظل يطيل التأمل (التفكير) في ذلك الروح، ولا يدري ما هو؟ وقد حار في أمره، وتملكته الدهشة.

غير أنه كان ينظر إلى أشخاص الظباء كلها؛ فيراها على شكل أمه الظبية، وعلى صورتها. فكان يغلب على ظنه أن كل واحد من هذه الظباء المتشابهة الأشكال، إنما يحركه وصرّفه شيء هو مثل ذلك الشيء الذي كان يحرك أمه ويصرفها؛ أعني ذلك الروح الذي يبعث الحياة في الجسم، ويملؤه نشاطًا وقوة؛ فإذا خرج، بطلت حرارة الجسم، وأصبح لا قيمة له ولا خطر.

فكان يألف الظباء، ويحن إليها لمشابهتها أم عزة، ويحنو عليها بطبعه لمكان ذلك الشبه.

وبقي على ذلك برهة (مدة طويلة) من الزمن، يتصفح (يتأمل) أنواع الحيوان والنبات، ويطوف بساحل تلك الجزيرة، ليعلم: هل يجد لنفسه شبيهًا في هذه الجزيرة، كما يرى لكل واحد من أشخاص الحيوان والنبات، أشباهًا كثيرة؟ فلا يجد شيئًا في ذلك.

وكان يرى البحر قد أحدق (أحاط) بالجزيرة من كل جهة؛ فيعتقد أنه ليس في الوجود أرض سوى جزيرته تلك.

(٢) الإهتداء إلى النار

figure

واتفق في بعض الأحيان أن انقدحت (اشتعلت) نار في أجمة. فلما بصر بها، رأى منظرًا هاله وأدهشه، وخلقًا لم يعتده من قبل؛ فوقف يتعجب مليًا (وقتًا). وما زال يدنو ويقترب من النار شيئًا فشيئًا حتى أصبح عن كثب (على قرب) منها. فرأى ما للنار من الضوء الثاقب (المرتفع الشديد النور)، والفعل الغالب؛ فما تتعلق وتتصل بشيء إلا أتت عليه وأهلكته، وأحالته إلى نفسها (حولته إلى طبيعتها، وجعلته نارًا).

فاشتد عجب ابن يقظان، وتعاظمته الدهشة (اشتدت به). وحمله العجب بها. وما ركب الله تعالى في طباعه من الجرأة والقوة، على أن يمدّ يده إلى النار. وأراد أن يأخذ منها قبسًا (شعلة نار)؛ فلما باشرها أحرقت يده، ولم يستطع القبض عليها.

(٣) فضل النار

ثم اهتدى إلى أن يأخذ عودًا لم تستول النار على جميعه. فأخذ بطرفه السليم والنار مشتعلة في طرفه الآخر، فتأتّى له ذلك (تيسر)، وسهل عليه أن يمسك بالعود، من غير أن تصل إلى يده النار. ثم حمله إلى موضعه الذي كان يأوي إليه (يسكنه).

وكان حي بن يقظان قد خلا (انفرد) في جحر، كان استحسنه للسكنى قبل ذلك. فصار يمد تلك النار بالحشيش والحطب الجزل (الغليظ العظيم)، ويتعهدها (يرعاها ويتفقدها) ليلًا ونهارًا، استحسانًا لها وتعجبًا منها.

وكان يزيد أنسه بها ليلًا، لأنها تقوم له مقام الشمس في الضياء والدفء. فعظم بها ولوعه، وإشتد لها حبه، وزاد عليها إقباله، وإعتقد أنها أفضل الأشياء التي لديه.

(٤) قوة النار

وكان يراها دائمًا تتحرك إلى أعلى، وتطلب السمو؛ فغلب على ظنه أنها من جملة الجواهر السماوية (يعني النجوم والكواكب) التي يشاهدها متألقة (مضيئة لامعة في السماء).

وكان ابن يقظان يختبر قوة النار في جميع الأشياء، بأن يلقيها فيها؛ فيراها مستولية على كل شيء، إما بسرعة وإما ببطء، بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه فيها للإحتراق أو ضعفه.

(٥) الشواء

وكان من جملة ما ألقى فيها على سبيل الإختبار لقوتها، شيء من أصناف الحيوان البحرية، كان قد ألقاه البحر إلى ساحله.

فلما أنضجت النار ذلك الحيوان البحري، هبت على ابن يقظان رائحة ذلك الشواء (اللحم المشوي) اللذيذ، وسطع قتاره (ارتفعت رائحته وانتشرت)؛ فتحركت رغبته إليه؛ فأكل منه شيئًا، فإستطابه.

فإعتاد ابن يقظان منذ ذلك اليوم أكل اللحم، وأقبل على الشواء، وآثره (اختاره وقدمه) على غيره من ألوان الأطعمة المختلفة. فصرف الحيلة في صيد البر والبحر، حتى مهر في ذلك وأتقنه وزادت محبته في النار وشغفه بها، لما رآه من فوائدها؛ إذ تأتى له بها من وجود الإغتذاء الطيب شيء لم يتأت له قبل ذلك.

(٦) ظنون ابن يقظان

وإشتد شغف ابن يقظان بها، لما رأى من حسن آثارها، وقوة إقتدارها. وقد خيل إليه ووقع في نفسه، أن الشيء الذي إرتحل من قلب أمه الظبية التي انشأته وربته كان من جوهر النار، أو من شيء يجانسه (يتحد معه في بعض صفاته).

وأكد ذلك في ظنه ما كان يراه من حرارة الحيوان طول مدة حياته وبرودته من بعد موته.

وكان يرى هذه القاعدة مطّردة (جارية مستقيمة) دائمًا، لا تختل، ولا يستثنى منها شيء. وقد زاد وثوقه بصحة ما اهتدى إليه، أنه كان يجد في نفسه حرارة شديدة عند صدره؛ بإزاء الموضع الذي كان قد شقه من الظبية.

فوقع في نفسه أنه لو أخذ حيوانًا، وشق قلبه، ونظر إلى ذلك التجويف الذي صادفه خاليًا عندما شق صدر أمه الظبية، لرآه في هذا الحيوان الحي وهو مملوء بذلك الشيء الساكن فيه.

ثم قال ابن يقظان في نفسه: «ومن يدريني؟ لعل شيئًا في جوهر هذه النار أو ما يشابهه، أو قريبًا منه، هو الذي يبعث الحرارة والحياة في قلب الحيوان. فلا بد لي من الفحص عنه، لعل في شيئًا من الضوء أو الحرارة.»

(٧) قلب الوحش

ولم يستقر في نفسه هذا الخاطر، حتى عمد إلى بعض الوحوش، وأوثق فيه كتافًا (أوثقه في كتاف؛ شده في حبل. والكتاف حبل تشد به اليدان إلى خلف الكتفين).

ولما تم له ذلك، شقه على الصفة التي شق بها صدر الظبية، حتى وصل إلى القلب. فقصد أولًا إلى الجهة اليسرى منه، وشقها؛ فرأى ذلك الفراغ مملوءًا بهواء بخاريّ يشبه الضباب الأبيض. فأدخل إصبعه فوجده من الحرارة بحيث يكاد يحرقه. ومات ذلك الحيوان على الفور (من غير بطء ولا تأخير).

فصحّ عند ابن يقظان أن ذلك البخار الحار هو الذي كان يحرك هذا الحيوان، وأن في كل شخص من أشخاص الحيوان مثل ذلك، ومتى انفصل عن الحيوان، مات!

ثم تحركت في نفسه الشهوة للبحث عن سائر أعضاء الحيوان وترتيبها، وأوضاعها وكمياتها وكيفية ارتباط بعضها ببعض. وكيف تستمد الحياة من هذا البخار الحار، وكيف يستمر هذا البخار، ويبقى طول مدة بقائها، ومن أين يستمده الحيوان، وكيف لا تنفد حرارته ولماذا لا تفنى.

وظل يسائل نفسه هذه الأسئلة وأشباهها، ويتتبع ذلك كله بتشريح أنواع الحيوان كله من الأحاديث والأموات، لعله يهتدي إلى سر الحياة، ومصدر الحركة والقوة.

ولم يزل ينعم النظر فيها، ويجيل الفكرة، حتى بلغ في ذلك كله مبلغ كبار العلماء!

(٨) الروح والجسد

فتبين أن كل شخص من أشخاص الحيوان وإن كان كثيرًا بأعضائه، وتفنن حواسه وحركاته، واحد بذلك الروح الذي يتماثل في كل كائن حي. ورأى أن مبدأ هذا الروح من قرار واحد، وأن إنقسامه في سائر أعضاء الجسم منبعث منه، وأن جميع الأعضاء على إختلاف أعمالها، وتباين أشكالها، وتفاوت أخطارها (تباين أقطارها، واختلاف قيمة كل منها)، إنما هي خادمة لهذه الروح، أو مؤدية عنه رغباته، ومنفذة لإرادته، ومحققة لمشيئته.

وأدرك ابن يقظان أن منزلة ذلك الروح في تصريف الجسد كمنزلة الإنسان من الأدوات والآلات التي يستعملها، أو كمنزلة من يحارب الأعداء بالسلاح التام، أو يصيد جميع صيد البحر والبر؛ فيعدّ لكل جنس آلة ليصيده بها، ويقسم أدوات الحرب التي يحارب بها إلى أقسام مختلفة؛ فيتخذ بعضها لحمايته والدفاع عن نفسه ممن يهاجمه، ويتخذ بعضها الآخر لمهاجمة غيره والتغلب عليه، والنكاية به (إيضائه والكيد له).

وكذلك آلات الصيد، تنقسم إلى ما يصلح لحيوان البحر، وإلى ما يصلح لحيوان البر.

وكذلك الأشياء التي يشرّح بها أجساد الحيوان (يقطعها)، تنقسم أقسامًا: ما يصلح للشق، وما يصلح للكسر، وما يصلح للثقب.

ورأى أن تلك الأدوات المختلفة، والأعمال المتنوعة، إنما يقوم بها شخص واحد، ويقوم بأدائها بمفرده بدن واحد، ويصرفها أنحاء من التصريف، بحسب ما تصلح له كل آلة، وبحسب الغايات التي تلمس (تطلب) بذلك التصرف.

(٩) أدوات الحياة

وأطال ابن يقظان تأمله في هذه الحقائق التي هداه إليها عقله وتفكيره، فرآها صحيحة، لا يتطرق إليها الشك، ورأى ذلك المثل منطبقًا أشد الإنطباق على ذلك الروح الحيواني، الذي يصرّف كل أعضاء الجسد، ويشعّ الحياة (يوزعها ويفرقها) في كل جزء من أجزائه.

وأيقن ابن يقظان أن الروح الحيواني واحد، ولكن أفعاله تختلف بإختلاف الأدوات التي يباشر بها أعماله، ويحقق بها مشيئته.

فإذا عمل بآلة العين كان فعله إبصارًا.

وإذا عمل بآلة الأذن كان فعله سمعًا.

وإذا عمل بآلة الأنف كان فعله شمًا.

وإذا كان فعله بآلة اللسان كان فعله ذوقًا.

وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله لمسًا.

وإذا عمل بأحد الأعضاء كان فعله حركة.

وإذا عمل بالكبد كان فعله غذاء.

(١٠) فضل الروح

ولكل واحد من هذه أعضاء تخدمه، ولا يتم لشيء من هذه جميعًا فعل إلا بما يصل إليها من ذلك الروح على الطرق التي تسمى عصبًا.

ومتى إنقطعت تلك الطرق أو انسدت تعطل فعل ذلك العضو.

وهذا الروح يسري في جميع الأعضاء؛ فأي عضو منها عدم هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله، وصار بمنزلة الآلة الطّرحة (المتروكة المهملة) التي لا يصرفها أحد، ولا ينتفع بها.

فإن خرج هذا الروح بجملته من الجسد، أو فني بوجه من الوجوه تعطل الجسد كله وصار إلى حالة الموت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠